• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

“سيحكم السوريون علينا بما فعلناه لا بما قلناه”.. حوار مع النائبة هدى الأتاسي

علي مكسور١٦ أغسطس ٢٠٢٦

يبدأ مجلس الشعب السوري الجديد عمله في مرحلة مثقلة باستحقاقات تتجاوز سنّ القوانين إلى اختبار قدرة المؤسسة التشريعية على بناء علاقة مختلفة مع السوريين، تقوم على الرقابة والعلنية والمساءلة.

وفي وقت تُناقش فيه قوانين تأسيسية تتصل بالعدالة الانتقالية والسلطة القضائية والأحزاب والانتخابات، يواجه المجلس سؤالًا مبكرًا وحاسمًا حول موقعه الفعلي في بنية الدولة الجديدة، وحدود قدرته على التشريع والرقابة والتأثير في صناعة القرار.

في هذا الحوار الخاص لـ”نون بوست”، تتحدث النائبة في مجلس الشعب السوري هدى الأتاسي عن الأدوات التي يملكها المجلس لمساءلة الحكومة والوزراء، وحدود دوره في السياسة الخارجية، وأولوياته التشريعية، وآليات نشر المحاضر والتصويتات وإتاحة أعماله أمام الجمهور، كما تجيب عن سؤال يلاحق أي تجربة برلمانية سورية جديدة، وهو كيف يمكن بناء مجلس يملك قراره ويحاسب السلطة التنفيذية، بعد عقود ترسخت فيها في الذاكرة العامة صورة “برلمان التصفيق”؟

وتنتقل الأتاسي إلى تجربتها الشخصية كنائبة، ومعايير تقييم أدائها، وآليات تواصلها مع السوريين، والملف الذي اختارت الدفع به داخل المؤسسة التشريعية، التنمية المحلية وتفعيل البلديات والمجالس المحلية، باعتبارها المساحة الأقرب لاختبار حضور الدولة وقدرتها على الاستجابة لاحتياجات المواطنين اليومية.

ما الأدوات الرقابية التي يملكها مجلس الشعب اليوم لمساءلة الحكومة والوزراء، وكيف سيضمن المجلس فاعلية هذه الأدوات خلال المرحلة الانتقالية؟

يمنح الإعلان الدستوري المجلس صلاحية التشريع والرقابة، ويفصّل نظامنا الداخلي أدواتها؛ فالآلية الأساسية هي الاستماع، ويباشرها المجلس أو لجانه، وتوجد لذلك صلاحيات للجان الدائمة وصلاحيات للجان مؤقتة، بالإضافة إلى الدور الذي ينهض به المجلس في مناقشة الموازنة العامة للدولة وإقرارها.

ويأتي كل ذلك في إطار الموازنة بين الدور الرقابي الفعّال الذي يجب أن يضطلع به مجلس الشعب، وضمان فصل السلطات كما نص عليه الإعلان الدستوري، وبما يسمح لكل من السلطتين بأداء مهامها لضمان سير مؤسسات الدولة.

تبدأ المنظومة من اللجان الدائمة، التي تطلب من أي وزير أو مسؤول جلسة استماع، وعليه الحضور وتقديم الوثائق والإجابة عن الأسئلة، ولها طلب أي معلومات من أي جهة عامة ضمن مهل ملزمة، فإن قصّرت الجهة، تدخّل المجلس لاتخاذ الإجراء المناسب. وحين يحتاج ملفٌ إلى تحقيق أعمق، تُشكّل لجان خاصة مؤقتة تستمع إلى المسؤولين وتجري زيارات ميدانية، وهناك تدابير تُتخذ في حال تقديم بيانات غير صحيحة أو كان هناك حجب للوثائق، وتُحال أي شبهة جريمة إلى القضاء.

أما الموازنة العامة، فهي رقابتنا على المال العام من أوله إلى آخره، وتدرسها اللجان بوثائقها المالية كاملة، ويصوّت عليها المجلس حسابًا حسابًا، ثم بمجملها، ويتابع تنفيذها بتقارير دورية، ويُقفل المسار بقطع الحساب الختامي الذي يكشف أين ذهب كل ما أُقر.

أما الفاعلية، فتقوم على ركنين: مهل ملزمة، ونتائج تُسجَّل في محاضر علنية يراها الجمهور، وإرادتنا في جعل هذه الأدوات ممارسة راسخة ومنتظمة.

أثار استبدال لجنة الشؤون الخارجية بلجنة الشؤون الدبلوماسية والقنصلية نقاشًا داخل المجلس وخارجه. ما الخلفية التي دفعت إلى هذا التغيير، وكيف ترون أثره في ممارسة المجلس لدوره تجاه ملفات السياسة الخارجية؟ 

جاءت التسمية مطابقة لمهمة عاجلة، وهي إعادة بناء السلك الدبلوماسي والقنصلي تشريعيًا بعد سنوات من العزلة، وخدمة ملايين السوريين في الخارج الذين ينتظرون توثيقًا وجوازات وتسوية أوضاع وعودة كريمة.

رغم أن اللجنة ركزت على هذه الاستحقاقات، إلا أن الملف الخارجي لم يخرج من يد المجلس، إذ تبقى المصادقة من صلاحياته، كما أن المعاهدات والاتفاقات الدولية تُحال إلى لجنة الشؤون الدستورية والقانونية أو أي لجنة اختصاصية في المجلس، على أن يقرها أو يرفضها بعد المناقشة والاطلاع على تقارير لجانه المختصة.

ويُدعى وزير الخارجية للاستماع كسائر الوزراء، وتمارس شعبتنا البرلمانية حضورها في الاتحادات البرلمانية العربية والدولية بالتنسيق مع الوزارة.

يدخل مجلس الشعب عمله في مرحلة انتقالية تحمل ملفات كبرى، من العدالة الانتقالية والإصلاح القضائي إلى قوانين الأحزاب والانتخابات. كيف سيحدد المجلس أولوياته التشريعية بين هذه الملفات؟

نرتب أولوياتنا وفق ثلاثة معايير: استحقاقات الإعلان الدستوري، واستكمال البنية المؤسسية للدولة بما يعزز الاستقرار والسلم الأهلي، وما يمس حياة المواطن مباشرة.

وتتقدم تشريعات العدالة الانتقالية ودعم هيئتها الوطنية وهيئة المفقودين بوصفها أساسًا للسلم الأهلي، ويوازيها الإصلاح القضائي لأنه شرط فاعلية أي قانون آخر.

ولا نغفل أهمية التشريعات الاقتصادية والخدمية التي يلمسها الناس يوميًا، وما يتصل بالتطلعات المستقبلية لإعادة البناء والتنمية. وقد ميّز النظام الداخلي القوانين التأسيسية التي لا تُقر إلا بأغلبية مشددة: الانتخابات، والأحزاب، والسلطة القضائية، والمحكمة الدستورية العليا، والعدالة الانتقالية. وهذا التمييز، بقدر ما يعكس أهمية هذه القوانين، يرسم الأولويات بحد ذاته.

كما خصص النظام لملفات الانتقال لجانًا دائمة قائمة بذاتها: للعدالة الانتقالية والسلم الأهلي، ولشؤون الضحايا والشهداء والمفقودين، وللحريات العامة وحقوق الإنسان، وللإعمار والمهجرين.

ما الآليات التي سيعتمدها المجلس لضمان شفافية عمله أمام السوريين، سواء في نشر محاضر الجلسات، أو التصويت على القوانين، أو إتاحة النقاشات المتعلقة بالتشريعات الكبرى؟

جعلنا العلنية أصلًا، والسرية استثناءً ضيقًا معللًا لا يجوز التوسع فيه. تنعقد جلسات المجلس علنية وتُبث، وتُنشر محاضرها ونتائج التصويت في الجريدة الرسمية وعلى المنصات الإلكترونية الرسمية، ويُعلن جدول الأعمال ويوزَّع قبل الجلسات بثلاثة أيام على الأقل. والأصل في التصويت العلنية، وعند التصويت بالنداء الاسمي يُثبت موقف كل نائب باسمه في المحضر، فيعرف الناخب كيف صوّت من يمثله.

وفي اللجان، حيث يُصنع التشريع فعليًا، يجوز فتح الاجتماعات لحضور الخبراء وأصحاب المصلحة ووسائل الإعلام، وتنشر اللجان خلاصات أعمالها وتقاريرها المعتمدة. وينشر المجلس نسب حضور الأعضاء وغيابهم علنًا، فحتى الانضباط الشخصي للنواب موضوع تحت عين الجمهور.

ويلتزم إعلام المجلس بالحياد والدقة وخدمة حق الناس في المعرفة دون توظيف سياسي، ويُمنع منعًا صريحًا استخدام الحذف من المحاضر لإزالة رأي سياسي أو نقد مشروع.

ندرك أن مسار استعادة الثقة طويل ولا يُنجز بالخطب، وأول خطواته أن يرى السوريون كل شيء بأعينهم.

بعد عقودٍ كان فيها مجلس الشعب يُتهم بأنه يقتصر على إقرار ما يُحال إليه، ما الضمانات العملية التي ستجعل المجلس الحالي سلطة تشريعية ورقابية مستقلة، لا مجرد جهة تصادق على قرارات السلطة التنفيذية؟

نفهم هذا السؤال جيدًا، فذاكرة السوريين مع “برلمان التصفيق” طويلة.

تبدأ الضمانة من النظام الإجرائي أولًا، إذ يكرّس النظام الداخلي حق النواب في اقتراح القوانين وتعديل ما يُحال إليهم وردّه، لا مجرد التصديق عليه. والثانية سلوكية؛ يجعل سجلُّ التصويت المعلن كلَّ نائب مسؤولًا أمام ناخبيه باسمه. والثالثة خارجية؛ صحافة حرة ومجتمع مدني يراقبان أداءنا.

والرابعة الحصانة: لا يُسأل النائب مدنيًا أو جزائيًا أو تأديبيًا عن آرائه وأقواله وتصويتاته في أعماله البرلمانية، وهي حصانة لا تُرفع ولا يجوز التنازل عنها، وتبقى قائمة بعد انتهاء الولاية، فالنائب الذي يعارض وينتقد، مطمئنًا إلى أن كلمته لن تُحاسب، هو نائب حر، وهذا ما يفصل برلمان الرأي عن برلمان التصفيق. وسيحكم السوريون علينا في نهاية المرحلة بما فعلناه، لا بما قلناه.

ما المعايير التي ستعتمدونها لتقييم أدائكم خلال المرحلة الانتقالية، وما الذي سيجعلكم تقولون في نهايتها إنكم نجحتم أو أخفقتم؟

يوفر النظام الداخلي نفسه مؤشرات تتيح محاسبة كل نائب على عمله، وتبدأ من الانضباط، إذ ينشر المجلس سجل حضور الأعضاء وغيابهم أمام الجمهور، ثم المساهمة التشريعية، أي ما يشارك النائب في اقتراحه من قوانين، وما يقدمه من آراء للجان، وما يقترحه من تعديلات أثناء المناقشة.

ثم الممارسة الرقابية، وطلبات الاستماع التي يوقّعها وما تنتهي إليه من متابعة فعلية، وليس مجرد توصيات. ثم الصلة بالمواطنين، أي ما يحمله النائب من قضاياهم وهمومهم إلى قاعة المجلس، وما يعود به إليهم من أجوبة.

ويُضاف معيار لا يقل أهمية، وهو أداء النائب داخل البرلمان نفسه، وترسيخه ثقافة الاستماع بين زملائه، من احترام الآراء المخالفة، والحوار المسؤول، والالتزام بالنظام الداخلي، والإيمان بالعمل الجماعي بناءً وتقديمًا للمبادرات، فالنائب الذي يطالب الحكومة بالإصغاء عليه أن يتقن الإصغاء في قاعته أولًا.

ويكون الحكم بالنجاح إذا خرجت القوانين التي تلبي تطلعات السوريين إلى حياة كريمة وآمنة، وتحولت الرقابة من نص إلى تقاليد مؤسسية راسخة. ويبقى معيار تتحمله المرحلة، وهو أن تجد السوريات في هذه التجربة ما يشجعهن على خوض العمل العام، فالتمثيل النسائي اليوم محدود، والمسؤولية لذلك مضاعفة.

ما الآلية التي ستعتمدونها للبقاء على تواصل مع السوريين والاستماع إلى مطالبهم، حتى لا يبقى عمل النائب محصورًا داخل قاعة المجلس؟

على المستوى المؤسسي، نصّ النظام الداخلي على أداة مباشرة لهذا الغرض، إذ أجاز إحداث مكاتب للمجلس في المحافظات، تنظم لقاءات النواب واللجان مع المواطنين، وتيسّر وصولهم إلى الخدمات البرلمانية، مع عناية خاصة بالفئات الأكثر تضررًا وذوي الاحتياجات الخاصة.

سأستثمر ما أتاحه النظام من فتح اجتماعات اللجان لأصحاب المصلحة ومنظمات المجتمع المدني، كي تدخل أصوات الناس إلى قاعة المجلس نفسها.

أما على المستوى الشخصي، فأعتمد زيارات ميدانية دورية للمدن والبلدات، ولقاءات مفتوحة مع الفعاليات المحلية والنقابات ومنظمات المجتمع المدني، وتلقّي المقترحات، ثم أنقل هذه المطالب إلى المجلس عبر أدواته.

ما القضية التي تشعرون أنكم تتحملون مسؤولية خاصة تجاهها داخل مجلس الشعب، وتسعون إلى تحويلها إلى تشريع أو سياسة عامة؟

القضية التي نتحمل مسؤولية خاصة تجاهها هي التنمية المحلية كمدخل لإعادة بناء العقد الاجتماعي، وعلى رأسها قانون الإدارة المحلية، وبالتحديد تفعيل دور البلديات والمجالس المحلية.

تنطلق قناعاتنا من واقع ملموس، وهو أن المواطن في بلد خارج من نزاع لا يختبر شرعية الدولة في العاصمة، بل في حيّه وقريته.

المؤسسات المحلية هي واجهة الدولة اليومية، فإن فشلت في تقديم الخدمات الأساسية، فشلت الدولة كلها في نظر المواطن، لذلك نرى أن تفعيل دور البلديات وتزويدها بالإمكانات اللازمة هو المدخل الأكثر إلحاحًا لإعادة بناء الثقة. ونركّز في عملنا على دعم تشريع يمكّن البلديات من أداء وظائفها بفاعلية في قطاعات الخدمات الأساسية، والإعمار المحلي، والصحة، والتعليم.

ندفع نحو قانون يمنحها الموارد المالية الكافية، ويبني قدرتها المؤسسية، ويعزز آليات التخطيط التشاركي والمساءلة المحلية، ويفتح قنوات حقيقية لمشاركة الشباب والنساء في الشأن العام، انطلاقًا من همومهم وقضاياهم واحتياجات مجتمعاتهم المحلية.

هدفنا أن تتحول البلدية من جهة إدارية هامشية إلى فاعل تنموي ومحوري، ومن متلقٍ للتعليمات المركزية إلى شريك في صياغة أولويات مجتمعها وتلبيتها. بهذا يتحول المواطن من متفرج على تعافي بلده إلى طرف فاعل فيه، وتغدو التنمية مشروعًا يلمسه الناس في معيشتهم اليومية.

علاماتالحكومة السورية الجديدة ، الشأن السوري ، سوريا.. صفحة جديدة ، مجلس الشعب السوري ، ملامح سوريا الجديدة
مواضيعالشأن السوري ، العدالة في سوريا ، حوارات نون بوست ، سوريا حرة ، مجلس الشعب السوري

قد يعجبك ايضا

سياسة

صفقات الموانئ والقواعد العسكرية.. من يقتسم القرن الأفريقي؟

محمد مصطفى جامع١٦ أغسطس ٢٠٢٦
سياسة

نائب وزير الخارجية اليمني: السلام مع الحوثيين بلا ضمانات “مضيعة للوقت”

بشرى الحميدي١٥ أغسطس ٢٠٢٦
سياسة

أبناء حلفايا في سوريا الجديدة.. كيف وصلوا إلى مفاصل الحكم؟ 

حسن إبراهيم١٥ أغسطس ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑