خلال خمس سنوات، تحولت أوروبا إلى أحد أهم مراكز النمو لشركة “إلبيت سيستمز” الإسرائيلية للصناعات العسكرية، والتي تعمل في المدفعية والصواريخ والمسيّرات والحرب الإلكترونية والاتصالات والذخائر وحماية المنصات.
وفي نهاية يونيو/حزيران 2026 وصل دفتر طلبيات الشركة العالمي إلى مستوى قياسي بلغ 32 مليار دولار، مقابل 22.6 مليارًا في نهاية 2024 و28.1 مليارًا في نهاية 2025، فيما أصبحت 73% من الطلبيات من خارج “إسرائيل” وكان معظمها من أوروبا التي تتوسع ضمن شبكة تجمع العقود العسكرية الكبيرة مع وجود صناعي محلي أخذ يتسع داخل الدول المشترية.
انتشرت منظومة “بولس” (PULS) للمدفعية الصاروخية في عدة جيوش أوروبية، إلى جانب المسيّرات والحرب الإلكترونية ومكافحة المسيّرات والاتصالات وحماية المدرعات، فيما بنت الشركة فروعًا ومنشآت إنتاج ووقعت شراكات مع مجموعات دفاعية أوروبية كبرى.
وبحلول 2026 أصبحت رومانيا تضم سبعة مواقع إنتاجية للشركة وأكثر من ألف موظف، وظهرت في ألمانيا شركة مشتركة للمدفعية الصاروخية واتفاقات للتصنيع والتجميع المحلي، بينما توسعت قدرات الشركة الصناعية في بريطانيا والسويد.
كيف أصبحت أوروبا محرك نمو رئيسيًا لـ”إلبيت”؟
توضح إيرادات “إلبيت” الأوروبية ودفتر طلبياتها مسارًا متوازيًا بدأ قبل الغزو الروسي لأوكرانيا وتسارع بعده، فقد ارتفعت مبيعاتها في أوروبا من 885 مليون دولار في 2021 إلى 2.14 مليار دولار في 2025، فيما أصبحت القارة الأوروبية في ذلك العام أكبر سوق خارجية منفردة للشركة بحصة بلغت 27% من الإيرادات.
في الفترة نفسها صعد دفتر الطلبات العالمي من 13.7 مليار دولار نهاية 2021 إلى 28.1 مليارًا نهاية 2025، ثم تجاوز 30 مليارًا للمرة الأولى في مارس/آذار 2026 ووصل إلى 32 مليارًا في يونيو/حزيران.
وبقيت حصة أوروبا الدقيقة من كامل دفتر الطلبات غير معلنة، لكن الشركة نسبت الزيادات الكبيرة في عدة فصول إلى طلبيات أوروبية جديدة.
واتسع السوق بالتزامن مع إعادة تسليح الجيوش الأوروبية وارتفاع الإنفاق العسكري بعد الغزو الروسي لأوكرانيا. ووفق بيانات حلف شمال الأطلسي “الناتو”، ارتفع الإنفاق الدفاعي الأساسي للحلفاء الأوروبيين وكندا بنحو 20% خلال 2025، متجاوزًا 571 مليار دولار بأسعار 2021.
وكان قادة الحلف قد اتفقوا خلال قمة لاهاي في يونيو/حزيران 2025 على تخصيص 5% من الناتج المحلي للدفاع والأمن بحلول 2035، منها 3.5% للمتطلبات العسكرية الأساسية. وتتقاطع الأولويات التي حددها الناتو، من الأسلحة بعيدة المدى والدفاع الجوي إلى التشكيلات البرية واللوجستيات، مع قطاعات أساسية في محفظة “إلبيت”.
وظهر عامل سرعة التسليم وتعويض المخزونات بوضوح في المشتريات التي أعقبت إرسال أسلحة أوروبية إلى أوكرانيا. ففي 2023 تحركت الدنمارك لشراء مدافع “أتموس” عيار 155 ملم ومنظومات “بولس” بعد قرارها نقل مدافع “قيصر” إلى أوكرانيا، فيما ربطت وزارة الدفاع الهولندية اختيار “بولس” بسرعة توافر المنظومة والذخائر وإمكان تطوير قاعدة ذخيرة أوروبية لها.
وفرت هذه البيئة سوقًا لأنظمة جاهزة للإنتاج يمكن دمجها سريعًا في جيوش الناتو، ثم توسع الطلب إلى المسيّرات والاتصالات وشبكات القيادة والحرب الإلكترونية ومكافحة المسيّرات.
وجاء اتجاه أوروبي آخر ليمنح التصنيع المحلي وزنًا أكبر في الصفقات، ففي 27 مايو/أيار 2025 أقر مجلس الاتحاد الأوروبي، أداة “العمل الأمني من أجل أوروبا” (SAFE) التي توفر ما يصل إلى 150 مليار يورو في صورة قروض لدعم المشتريات والإنتاج الدفاعي.
تشمل المجالات المؤهلة الذخائر والصواريخ والمدفعية والمسيّرات ومكافحتها والقيادة والسيطرة والحرب الإلكترونية، وتضع القواعد سقفًا قدره 35% لكلفة المكونات القادمة من خارج الاتحاد الأوروبي والمنطقة الاقتصادية الأوروبية وأوكرانيا في المنتجات الممولة. وفي تقريرها السنوي لعام 2025، ربطت “إلبيت” تنامي متطلبات سلاسل الإمداد المحلية في أوروبا بتوسيع قدراتها الصناعية داخل أسواقها.
وتزامن هذا النمو مع قيود سياسية وتجارية مرتبطة بالعدوان الإسرائيلي على غزة، إذ أقرت “إلبيت” في نتائج أغسطس/آب 2026 بوجود قيود فرضتها بعض الدول على التعامل مع “إسرائيل”، إلى جانب اضطرابات في سلسلة الإمداد وهجمات على منشآت للشركة خارجها. وفي الفترة نفسها سجل دفتر الطلبات أعلى مستوى في تاريخها، مع مساهمة أوروبية رئيسية في الزيادة الفصلية الأخيرة.
ماذا تبيع “إلبيت” في أوروبا وأين؟
تكشف العقود المعلنة شبكة واسعة من العملاء تمتد من فنلندا والسويد شمالًا إلى اليونان والجبل الأسود جنوبًا، مرورًا بألمانيا وهولندا والدنمارك ورومانيا وبريطانيا.
وتتنوع المبيعات بين المدفعية الصاروخية والمسيّرات والاتصالات العسكرية والحرب الإلكترونية ومكافحة المسيّرات وحماية المدرعات والذخائر الجوالة، فيما احتفظت الشركة بأسماء عدد من أكبر عملائها الأوروبيين سرية.
يجمع الإنفوجراف التالي أبرز الأسواق والمنتجات والعقود المعلنة، بما يسمح بقراءة الخريطة من دون تكرار تفاصيل كل صفقة داخل المتن.
وبرزت “بولس” بوصفها أكثر منتجات الشركة حضورًا في عقود المدفعية الأوروبية، فقد اختارتها هولندا والدنمارك ثم ألمانيا واليونان، وأصبحت الصفقة اليونانية الموقعة في 6 أبريل/نيسان 2026، بقيمة نحو 750 مليون دولار، أكبر عقد معلن للمنظومة في هذه المجموعة من الدول. ويجري تسويق “بولس” مع عائلة من الصواريخ والذخائر ذات المديات المختلفة، بما يربط بيع القاذف بعقود الذخيرة والدعم وبرامج التحديث اللاحقة.
أما الطبقة الأقل ظهورًا من السوق فتظهر في العقود التي تسمي فيها الشركة العميل بعبارات مثل “دولة أوروبية” أو “دولة أوروبية عضو في الناتو”. وتشمل هذه الفئة صواريخ وذخائر دقيقة وأنظمة حرب إلكترونية واتصالات وقيادة وسيطرة وذخائر جوالة وحماية مدرعات ومسيّرات.
وفي 13 أغسطس/آب 2025 أعلنت “إلبيت” عقدًا بقيمة 1.635 مليار دولار لدولة أوروبية مجهولة الاسم، يجمع المدفعية الصاروخية والمسيّرات والذخائر الجوالة والحرب الإلكترونية والكهروبصريات وتحديث المركبات والرقمنة العسكرية، ثم أعلنت في 26 مايو/أيار 2026 عقدًا آخر بنحو 1.4 مليار دولار لبرنامج تحديث يشمل الأنظمة غير المأهولة والحرب الإلكترونية والذخائر الدقيقة والاتصالات.
وتشير طبيعة هذه العقود إلى قدرة الشركة على جمع عدة قطاعات في برنامج واحد، فإلى جانب “بولس” والمدفعية، تبيع “إلبيت” مسيّرات “ووتشكيبر” و”هيرمس”، ومنظومة “ريدراون” لمكافحة المسيّرات، وأنظمة الاتصالات “إي-لينكس”، ومنظومة الحماية النشطة للمدرعات “آيرون فيست”، والذخيرة الجوالة “سكاي سترايكر”.
وتكررت عقود “آيرون فيست” عبر “بي إيه إي سيستمز هيغلوندز”، الشركة السويدية التابعة لمجموعة BAE Systems البريطانية، لدمج النظام على مدرعات “سي في 90″، بما جعل حماية المركبات خط أعمال أوروبيًا متكررًا إلى جانب الصواريخ والمسيّرات والشبكات العسكرية.
ويكتسب انتشار هذه المنتجات أهمية إضافية حين يقترن بعقود طويلة الأجل للتدريب والصيانة والرقمنة، ففي السويد، على سبيل المثال، يمتد عقد دمج ورقمنة القوات البرية 10 سنوات، بينما يمتد الدعم المرتبط بعقد “بولس” اليوناني 10 سنوات بعد انتهاء مرحلة التسليم.
هذا النوع من العقود يربط الشركة بالعميل لفترات تتجاوز تسليم المنظومة نفسها، ويفتح المجال أمام تحديثات وذخائر وصيانة وشبكات اتصال مرتبطة بالأنظمة الأساسية.
كيف انتقلت “إلبيت” من التصدير إلى التصنيع داخل أوروبا؟
تطور الوجود الأوروبي للشركة باتجاه مستويات متعددة من العمل المحلي، تبدأ بالفروع الهندسية ومراكز الصيانة وتصل إلى الإنتاج والتجميع ونقل المعرفة والشركات المشتركة.
وتظهر ألمانيا ورومانيا وبريطانيا والسويد نماذج مختلفة لهذا المسار، ففي بعضها تملك “إلبيت” شركة أو منشأة إنتاج، وفي بعضها تشارك شركة دفاعية وطنية في تصنيع أو دمج المنتج، بينما تجمع عقود أخرى بين الإنتاج المحلي والصيانة طوال دورة حياة المنظومة.
في ألمانيا، بنت الشركة حضورها الصناعي حول “إلبيت سيستمز دويتشلاند”، ذراعها المحلية للهندسة والتصنيع، ثم وسعت تعاونها مع “كيه إن دي إس”، مجموعة الصناعات الدفاعية البرية الأوروبية الناتجة عن اندماج “كراوس-مافاي فيغمان” الألمانية و”نكستر” الفرنسية.
وفي 26 مارس/آذار 2026 اتفقت “إلبيت” و”كيه إن دي إس” على تأسيس شركة “يورو بولس” مناصفة ومقرها كاسل وسط ألمانيا، بحيث تقدم “إلبيت” منصة “بولس” وتضيف المجموعة الأوروبية تكنولوجيا السيطرة على النيران وقاعدتها الصناعية وشبكة عملائها. وتشمل الطلبية الألمانية الأولية خمس قاذفات مقررة للتسليم والتأهيل في 2027.
وتوسع المسار الألماني إلى الذخائر الجوالة في 11 يونيو/حزيران 2026، عندما وقعت “ديهل ديفنس”، شركة الصواريخ والدفاع الجوي التابعة لمجموعة ديهل الألمانية، شراكة مع “إلبيت” لعرض “سكاي سترايكر” على القوات المسلحة الألمانية. ويشمل الاتفاق التصنيع والتجميع والدمج والتأهيل محليًا بواسطة “ديهل”، بما يدخل المنتج في سلسلة صناعية ألمانية يقودها مقاول دفاعي وطني.
وتقدم رومانيا الحالة الأوسع من حيث البنية الصناعية المعلنة، إذ كان برنامج “ووتشكيبر” قد ربط توريد المسيّرات بإنشاء بنية إنتاج وصيانة محلية، ثم افتتحت الشركة في تشيتيلا قرب بوخارست في 27 أبريل/نيسان 2026 منشأة جديدة للمسيّرات، هي موقعها الإنتاجي السابع في البلاد.
وتجمع المنشأة إنتاج ودمج واختبار وصيانة “ووتشكيبر إكس آر”، فيما قالت الشركة إنها توظف أكثر من ألف متخصص روماني في منشآتها. ويتوازى ذلك مع اتفاقها مع شركة الصناعات الدفاعية الحكومية “رومارم” وشركة “أوزينا أوتوميكانيكا موريني” لإنشاء مركز مدفعية لـ”أتموس”، يتضمن نقل المعرفة والتصنيع والتجميع والدمج، مع حصة عمل رومانية تتجاوز 50% في التصور الصناعي المعلن للبرنامج.
وفي بريطانيا، يقوم الحضور على قاعدة هندسية وإنتاجية في بريستول وعلى قطاع المسيّرات. ففي 22 يناير/كانون الثاني 2026 استكملت “إلبيت سيستمز المملكة المتحدة” الاستحواذ الكامل على شركة “يو إيه في تاكتيكال سيستمز”، التي شاركت لسنوات في إنتاج مسيّرات “ووتشكيبر” وخدمة الجيش البريطاني.
وقدمت الشركة الاستحواذ باعتباره أساسًا لمركز بريطاني وإقليمي لتصميم وتطوير ودعم المسيّرات لعملاء بريطانيا وأوروبا والناتو، مع الاحتفاظ بالقوة العاملة المتخصصة داخل البلاد.
بدورها، تتولى “إلبيت سيستمز السويد”، التي تأسست في 2020، أعمالًا في الاتصالات والشبكات والحرب الإلكترونية ورقمنة القوات البرية.
وترتبط العقود السويدية بتصنيع حلول الاتصالات ودمج الأنظمة وتركيبها وصيانتها وترقيتها داخل منشآت الشركة، مع تشغيل عشرات المهندسين والفنيين وفرق الدعم ضمن برامج تمتد لسنوات، في نموذج يمنح الشركة وجودًا هندسيًا وصناعيًا مستمرًا داخل المؤسسة العسكرية السويدية.
ويمتد التوطين الصناعي إلى صفقات أخرى، فعقد “بولس” اليوناني الموقع في أبريل/نيسان 2026 يتضمن تعاونًا مع الصناعة اليونانية في الإنتاج ونقل التكنولوجيا وتقاسم المعرفة الفنية. ويعكس هذا المسار أهمية متزايدة للشريك المحلي في استراتيجية الشركة الأوروبية، بالتزامن مع السياسات الأوروبية التي تدفع نحو رفع المحتوى المحلي وتقوية سلاسل الإمداد والقواعد الصناعية الوطنية.
وبحلول أغسطس/آب 2026، أصبحت شبكة “إلبيت” الأوروبية تجمع بين عقود بمليارات الدولارات وقاعدة صناعية موزعة على عدد من الأسواق الرئيسية، إذ تمنح ألمانيا الشركة شراكات مع مجموعات دفاعية كبرى وتصنيعًا محليًا لمنتجات مختارة، وتوفر رومانيا سبعة مواقع إنتاج وقدرات واسعة في المسيّرات والأنظمة البرية، فيما تمنحها بريطانيا مركزًا للمسيّرات والسويد قاعدة للهندسة والاتصالات والدمج.
وتحوّل نموذج التوسع بذلك إلى منظومة تربط الصفقة بالشريك الصناعي والإنتاج أو التجميع المحلي والصيانة والدعم طويل الأجل، وهي العناصر التي أصبحت أكثر حضورًا في سوق دفاعية أوروبية ترفع الإنفاق وتطالب في الوقت نفسه بحصة أكبر لصناعتها المحلية.