خلال خمسة أشهر، تحول ميناء بانياس السوري إلى منفذ جديد للطاقة العراقية، إذ بدأت بغداد في أبريل/نيسان 2026 نقل زيت الوقود عبر سوريا لتصديره من البحر المتوسط، ثم استخدمت الطريق نفسه في سبتمبر/أيلول لاستيراد البنزين عبر بانياس ونقله برًا إلى العراق عبر معبر الوليد.
جاء هذا التحول تحت ضغط أزمة كشفت حجم اعتماد العراق على الخليج، فقبل اضطراب الملاحة في مضيق هرمز بفعل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، كانت موانئ الجنوب تحمل الجزء الأكبر من صادرات البلاد النفطية بمتوسط يقترب من 3.4 ملايين برميل يوميًا.
لكن امتلاء الخزانات وتعذر إخراج الخام دفعا إنتاج الحقول الجنوبية الرئيسية في 8 مارس/آذار إلى الهبوط من نحو 4.3 ملايين إلى 1.3 مليون برميل يوميًا. وقالت شركة تسويق النفط العراقية الحكومية “سومو” إن الصادرات من الموانئ الجنوبية توقفت ابتداء من ذلك اليوم قبل أن تبدأ بغداد بإعادة توزيع جزء من التدفقات على مسارات أخرى.
ومع استمرار الاختناق، بدأت بغداد تنظر إلى الطريق السوري باعتباره جزءًا من سياسة أوسع لتنويع منافذ الطاقة، فدخلت شركة نفط البصرة في يوليو/تموز في ترتيبات لدراسة مسارات أنابيب بديلة بمشاركة شركة الطاقة الأمريكية “شيفرون” وشركة “UCC Holding” القطرية، وبرز ضمن الخيارات مسار يربط حقول جنوب العراق بمحور حديثة ثم الساحل السوري.
لماذا احتاج العراق إلى بانياس؟
تركزت آثار الأزمة أولًا في جنوب العراق، حيث تعتمد بغداد على موانئ البصرة لإخراج معظم الخام، ومع اضطراب حركة الناقلات عبر هرمز في مارس/آذار امتلأت الخزانات سريعًا واضطرت الشركات إلى خفض الإنتاج بنحو 1.5 مليون برميل يوميًا في الأيام الأولى، شملت نحو 700 ألف برميل من حقل الرميلة و460 ألفًا من غرب القرنة-2 ونحو 325 ألفًا من حقول ميسان.
وفي الوقت نفسه، كانت المصافي المحلية تستهلك قرابة 1.1 مليون برميل يوميًا من الخام، وهي كمية لا تستطيع استيعاب الإنتاج الذي كان مخصصًا للتصدير، ما جعل امتلاء الخزانات ينعكس سريعًا على مستويات الإنتاج.
وتظهر بيانات “سومو” حجم الضربة التي أصابت حركة التصدير، إذ صدّر العراق في يناير/كانون الثاني 107.62 ملايين برميل من الخام، بما يعادل نحو 3.47 ملايين برميل يوميًا.
ثم انخفض الحجم في مارس/آذار إلى نحو 18.6 مليون برميل، أي قرابة 600 ألف برميل يوميًا في المتوسط، قبل أن يرتفع في أغسطس/آب إلى 73.688 مليون برميل، أو نحو 2.377 مليون برميل يوميًا، ليظل المتوسط أقل بنحو 31.5% من مستوى يناير/كانون الثاني.
وامتد الضغط إلى المصافي مع تعثر تصدير زيت الوقود الثقيل “الفيول” عبر خور الزبير، إذ بدأت الكميات تتراكم في الخزانات. ومع استمرار التكرير كانت المنتجات الثقيلة تستهلك السعة التخزينية وتضغط على تشغيل الوحدات التي تنتج أيضًا البنزين والديزل، لذلك ارتبط فتح طريق للفيول بقدرة المصافي على مواصلة العمل وتغطية احتياجات السوق المحلية.
وكان العراق قد صدّر 2.116 مليون طن من زيت الوقود خلال الربع الأول من 2026، بمتوسط يقارب 705 آلاف طن شهريًا، ثم منحت “سومو” عقودًا لنقل نحو 650 ألف طن شهريًا عبر سوريا من أبريل/نيسان إلى يونيو/حزيران، وهو حجم قريب من متوسط صادرات الأشهر السابقة للأزمة.
وبحلول يونيو/حزيران، قالت وزارة النفط العراقية إن نحو مليون طن من زيت الوقود نُقلت بالشاحنات إلى سوريا والأردن خلال الشهر، فيما أظهرت بيانات شركة “فورتكسا” المتخصصة في تتبع حركة شحنات الطاقة خروج نحو 720 ألف طن من الموانئ السورية وحدها، ما يعكس السرعة التي تحول بها الطريق البري إلى منفذ لتخفيف الضغط عن المصافي العراقية.
ثم اتسعت الحاجة إلى الممر مع ظهور فجوة في البنزين داخل العراق، رغم إعلان الحكومة في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 تحقيق الاكتفاء من البنزين وزيت الغاز والكيروسين بعد توسعات في قدرات التكرير، فقد سجلت “سومو” استيراد 118,298 طنًا من البنزين خلال الربع الأول من 2026.
وقال وزير النفط العراقي في 4 سبتمبر/أيلول إن الاستهلاك المعتاد يبلغ نحو 33 مليون لتر يوميًا ويمكن أن يصعد إلى 38 مليونًا عند ارتفاع الطلب، فيما قدرت الوزارة في 6 سبتمبر/أيلول حاجة السوق بنحو 35 مليون لتر يوميًا مع عجز يقارب خمسة ملايين لتر.
ومع اتساع الفجوة، أخذ بانياس وظيفة ثانية بوصفه بوابة لاستيراد البنزين، إذ وصلت أول شحنة مؤكدة بحمولة تراوحت بين 32.8 و33 ألف طن من البنزين المحسن، بما يعادل نحو 37 مليون لتر، وهي كمية تقترب من احتياجات أسبوع كامل إذا استمر العجز عند خمسة ملايين لتر يوميًا.
وقال المتحدث باسم وزارة النفط العراقية سليم الركابي إن العقد أبرم بين “سومو” و”UCC Holding”، وإن البنزين يصل بحرًا إلى بانياس ثم ينتقل بالصهاريج إلى العراق، وهو ما منح بغداد طريقًا لاستقبال الوقود من المتوسط بعيدًا عن حركة الناقلات في الخليج.
ما آلية عمل ممر بانياس–العراق؟
يعمل الممر عبر حركتين متعاكستين تلتقيان في ميناء بانياس وشبكة الطرق والمعابر الحدودية، ففي الاتجاه الغربي تُحمّل الصهاريج بزيت الوقود العراقي وتتجه إلى الساحل السوري، حيث يُفرغ المنتج في منشآت التخزين قبل ضخه إلى الناقلات البحرية، وتستخدم مرافق بانياس في هذه العملية لاستقبال الفيول العراقي وتخزينه وإعادة تصديره إلى الأسواق الخارجية.
واعتمدت الحركة في بدايتها على معبر الوليد في محافظة الأنبار، المقابل لمعبر التنف على الجانب السوري، لكن تزايد أعداد الصهاريج دفع بغداد في 20 أبريل/نيسان إلى إعادة فتح معبر ربيعة في نينوى بعد أكثر من عقد على إغلاقه.
وقال رئيس هيئة المنافذ الحدودية العراقية عمر الوائلي إن الخطوة جاءت لتخفيف الضغط عن الوليد، ما أتاح توزيع حركة الشاحنات بين طريق يعبر الأنبار وآخر يمر عبر نينوى.
وعلى الساحل، قالت الشركة السورية للبترول إنها رفعت قدرة منشآت بانياس إلى تفريغ نحو 900 صهريج يوميًا بعد تجهيز ساحات إضافية.
وتحمل الشاحنة الواحدة نحو 20 طنًا من المنتج، أي قرابة 135 برميلًا، بينما تستغرق الرحلة إلى الموانئ السورية أو الأردنية بين أربعة وستة أيام، وهو ما يجعل تشغيل الطريق بهذه الوتيرة مرتبطًا بآلاف المركبات التي تتحرك باستمرار بين مواقع التحميل والحدود والساحل.
وتحدد هذه السعة حجم الدور الذي تستطيع الصهاريج القيام به، فحمولة 900 شاحنة تعادل نحو 120 ألف برميل يوميًا، مقابل أكثر من ثلاثة ملايين برميل كان العراق يصدّرها يوميًا عبر موانئ الجنوب قبل الأزمة، وهو فارق يجعل الطريق البري مناسبًا لتخفيف اختناق منتجات محددة مثل الفيول.
وقدر الخبير الاقتصادي السوري محمود عبد الكريم في أبريل/نيسان حجم التدفق الفعلي عبر المسار بنحو 100 إلى 125 ألف برميل يوميًا.
ومع انتظام الحركة، بدأ بانياس يفتح أمام المنتجات العراقية أسواقًا تصل إليها الشحنات عبر المتوسط، إذ رصدت شركة “كبلر” المتخصصة في بيانات تجارة السلع خلال يوليو/تموز ناقلات من فئة “أفراماكس” محملة بالفيول العراقي من بانياس نحو الولايات المتحدة، إلى جانب شحنات وصلت إلى إسبانيا ومصر، وحملت ثلاث ناقلات رصدتها الشركة نحو 716.6 ألف برميل و288.5 ألفًا و414.4 ألف برميل على التوالي.
واقتصرت الشحنات الخارجة من بانياس آنذاك على زيت الوقود، بينما كانت بغداد تستعد لنقل نحو 50 ألف برميل يوميًا من الخام عبر المسار السوري. وفي الاتجاه الشرقي، تصل ناقلات البنزين إلى بانياس وتفرغ حمولتها في الخزانات قبل تحميلها على صهاريج تعبر سوريا باتجاه العراق.
وأوضح طارق شلاش نائب الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول أن أول شحنة وصلت على متن الناقلة “Avanti” بحمولة تقارب 32.8 ألف طن، وإن 77 شاحنة كانت قد غادرت بانياس نحو العراق حتى 25 سبتمبر/أيلول، مبينًا أن العملية تنفذ ضمن عقد تشارك فيه “UCC Holding” بصفتها المورد والمشرف على النقل.
وتوسعت الحركة خلال الأيام التالية، إذ أظهرت بيانات مجموعة بورصة لندن “LSEG”، المتخصصة في بيانات الأسواق والشحن، أن الناقلة “Gaeta” حملت بنزينًا من هيوستن واتجهت إلى بانياس.
وقال مدير إدارة الاتصال المؤسساتي في الشركة السورية للبترول صفوان شيخ أحمد، في 26 سبتمبر/أيلول، إن الموانئ السورية استقبلت ثلاث ناقلات مشتقات نفطية، جرى تفريغ الأولى بحمولة 32 ألف طن من البنزين، فيما تنتظر الناقلتان الأخريان دورهما، مؤكدًا جاهزية الموانئ لرفع الطاقة التحميلية إلى 150 صهريجًا يوميًا.
ويحصل الجانب السوري على رسوم عبور وخدمات مرتبطة بحركة الفيول، فيما لم تعلن بغداد أو دمشق قيمة رسمية موحدة لهذه الرسوم. وقدر الخبير عبد الكريم كلفة النقل البري في أبريل/نيسان بين 5 و10 دولارات للبرميل ورسوم العبور السورية بين 1.5 وثلاثة دولارات للبرميل، ما قد يضع الإيراد السوري بين 150 و375 ألف دولار يوميًا إذا تراوح التدفق بين 100 و125 ألف برميل.
وارتفعت قدرة بغداد على تحمل هذه الكلفة مع صعود أسعار النقل في الخليج خلال الأزمة، إذ قال وزير النفط العراقي باسم العبادي في سبتمبر/أيلول إن كلفة شحن برميل الخام ارتفعت من 26 إلى 37 دولارًا، فيما تجاوزت كلفة نقل البرميل على بعض مسارات ناقلات النفط العملاقة 30 دولارًا، ما قلص الفارق بين تكلفة الطريق السوري ومسارات بحرية ارتفعت عليها أسعار الشحن والتأمين.
هل يتحول المسار السوري إلى منفذ دائم؟
انتقلت خطط بغداد منذ الصيف إلى البحث في شبكة تصدير أوسع، ففي 4 يوليو/تموز دخلت شركة نفط البصرة الحكومية المسؤولة عن إنتاج النفط في جنوب العراق، في ترتيبات لدراسة خطوط بديلة ضمن مجموعة تضم “شيفرون” و”UCC Holding”.
وشملت الدراسات مسارات تنقل نفط الجنوب إلى محور حديثة في غرب العراق ثم تفتح الطريق نحو منافذ خارج الخليج، بينها الساحل السوري.
ويختلف المشروع الجاري بحثه عن خط كركوك–بانياس التاريخي الذي ربط حقول شمال العراق بالبحر المتوسط، لأن الحقول الجنوبية باتت مركز الثقل في الإنتاج العراقي.
ولذلك يحتاج أي منفذ واسع عبر سوريا إلى شبكة تبدأ من البصرة وتعبر الأراضي العراقية غربًا قبل الوصول إلى الحدود، وهو ما يفسر حجم الاستثمار المطلوب.
وقالت مصادر مطلعة لرويترز في 17 أغسطس/آب إن إنشاء خط جديد إلى بانياس قد يستغرق نحو أربع سنوات ويكلف 15 مليار دولار على الأقل، فيما كانت الدراسات الفنية والمالية للمشروع لا تزال جارية.
وتأتي سوريا ضمن خطة عراقية تشمل أكثر من منفذ، ففي أغسطس/آب أبرمت بغداد مع أنقرة ترتيبًا لمدة عام يستهدف رفع التدفق عبر خط العراق–تركيا إلى ميناء جيهان إلى حد أدنى يبلغ 750 ألف برميل يوميًا، بينما كان التدفق في 21 أغسطس/آب يدور حول 170 ألف برميل يوميًا.
كما تحدث رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي عن توسيع القدرة عبر جيهان وتطوير منفذ إلى بانياس ومواصلة خطط مرتبطة بالعقبة الأردنية.
وزادت أزمة مارس/آذار أهمية هذه المشاريع بالنسبة لبغداد، بعدما أظهر توقف التصدير من الجنوب أن امتلاء الخزانات يمكن أن يمتد سريعًا إلى خفض الإنتاج نفسه، وهو ما دفع العراق إلى التعامل مع تعدد منافذ التصدير والاستيراد كجزء من أمن الطاقة.
وتمنح الصهاريج بغداد قدرة سريعة على تجاوز الاختناقات في أوقات الأزمات، بينما تسمح خطوط الأنابيب بنقل كميات أكبر بكلفة أقل وعلى مدى أطول، بالتوازي مع توسيع قدرات التكرير المحلية وتقليل الاعتماد على مسار واحد عبر الخليج.
وامتدت صادرات بانياس إلى أسواق خارج المنطقة، إذ قال مات سميث، مدير أبحاث السلع في شركة “كبلر”، إن صعود صادرات الفيول عبر الميناء تزامن مع بحث مشترين، بينهم مصافي الساحل الأمريكي، عن إمدادات تعوض تدفقات شرق أوسطية تراجعت خلال الأزمة.
في المقابل، أظهرت الأشهر الأولى اختناقات تحتاج إلى معالجة إذا استمرت الحركة بأحجام أكبر، فقد امتدت طوابير الصهاريج قرب بانياس لأكثر من 30 كيلومترًا، ووقع في يونيو/حزيران تصادم بين شاحنتين عراقيتين قرب حمص أدى إلى تسرب آلاف اللترات، فيما تحتاج أجزاء من شبكة الطرق ومنشآت الطاقة السورية إلى إعادة تأهيل واسعة، وهي كلف ترتفع مع زيادة عدد الرحلات وحجم المنتجات العابرة.
ويضيف وضع سوق الوقود السورية عبئًا سياسيًا على استمرار الممر، إذ شهد سبتمبر/أيلول احتجاجات وإغلاقات طرق بعد رفع أسعار الديزل والبنزين، كما أوقفت احتجاجات محلية قوافل من الصهاريج في بعض المناطق.
وتزامن ذلك مع توقف مصفاة بانياس مؤقتًا للصيانة وارتفاع اعتماد سوريا على الاستيراد، ما دفع المسؤولين السوريين إلى التأكيد أن البنزين المتجه إلى العراق يأتي من الخارج ولا يقتطع من الإمدادات المخصصة للسوق المحلية.
وتبقى الحماية والتأمين ضمن كلفة أي توسع طويل الأجل، لأن الطريق البري يعبر مناطق صحراوية ومسارات شهدت اضطرابات أمنية خلال السنوات الماضية، فيما يحتاج الأنبوب المقترح إلى حماية منشأة تمتد مئات الكيلومترات وإلى اتفاق عراقي–سوري ينظم الرسوم والملكية والصيانة والاستثمار لسنوات طويلة، وهي شروط أساسية لمشروع تقدر كلفته بمليارات الدولارات ويُفترض أن يعمل لعقود.
وبذلك، دفعت أزمة هرمز العراق إلى فتح مسار فعلي عبر سوريا لتصدير المنتجات واستيراد الوقود، فيما يبقى التحول الدائم مرتبطًا بقدرة بغداد على تطوير هذا الطريق من حركة صهاريج إلى شبكة أنابيب تمنحها منفذًا ثابتًا على البحر المتوسط.