فوجئ أسامة، المهندس المصري الذي يعمل في شركة «أدنوك» النفطية الإماراتية، أثناء قضائه إجازته السنوية في القاهرة، بإلغاء إقامته الإماراتية دون إبداء أسباب أو سابق إنذار، وكان الرجل قد غادر أبوظبي بشكل طبيعي، في ظل علاقة جيدة بإدارة الشركة، فضلًا عن كونه من أبرز المهندسين فيها، بحسب شهادات زملائه.
وحاول المهندس المصري، العالق حاليًا في القاهرة، التواصل مع إدارة الشركة للاستفسار عما جرى، إلا أن مسؤوليها أكدوا له أنهم لا يعرفون سبب إلغاء إقامته، وأنهم سيخاطبون الجهات المختصة لمراجعة الأمر، في إشارة إلى الهيئة الاتحادية للهوية والجنسية، المعنية بشؤون الإقامة والهجرة، لكن، وعلى مدار أكثر من أسبوعين، لم يتلقَّ أسامة ردًا حاسمًا من الشركة، ليظل مصيره معلقًا، لا سيما أن لديه متعلقات ومستحقات في الإمارات لم يتمكن من الحصول عليها حتى الآن.
ولم يكن أسامة الحالة الوحيدة التي فوجئت بإلغاء إقامتها أثناء قضاء عطلة الصيف في مصر؛ إذ تعرض مئات المصريين، تحديدًا، لمواقف مشابهة، من بينهم مهندسون ومدرسون ومستثمرون، وهو ما أثار تساؤلات عديدة بشأن أبعاد ما يجري: لماذا المصريون تحديدًا؟ وهل يتعلق الأمر بإجراءات إدارية بحتة، أم أن للسياسة صلة بما يحدث؟
يُذكر أن عدد المصريين المقيمين في دولة الإمارات بلغ نحو 1.3 مليون مصري حتى نهاية عام 2024، فيما بلغت قيمة تحويلات المصريين العاملين هناك نحو 3.6 مليارات دولار خلال العام المالي 2024/2025، مقابل 1.8 مليار دولار خلال العام المالي 2023/2024، وفقًا لبيانات الجهاز المركزي المصري للتعبئة العامة والإحصاء، وهو جهة رسمية.
إلغاء إقامات بالجملة واستغاثات دون رد
يقول أحمد، الذي يعمل مدرسًا بإحدى المدارس الخاصة في إمارة الشارقة منذ أكثر من 12 عامًا، إنه فوجئ بإلغاء إقامته قبل موعد عودته إلى الإمارات بنحو 48 ساعة، مضيفًا في حديثه لـ«نون بوست»، أن جميع أوراقه سليمة، ردًا على من يرجعون ما حدث إلى وجود مشكلة أو خطأ في المستندات.
وأشار المدرس المصري إلى وجود حالات أخرى مشابهة بين عدد من زملائه المصريين، الذين تعرضوا للموقف ذاته دون إبداء أسباب واضحة، لافتًا إلى أن إدارات الشركات والجهات التي يعملون لديها وعدتهم بمحاولة حل المشكلة، بعدما أكدت لهم أنها ليست طرفًا في قرار الإلغاء، وأن الأمر صادر عن الجهات المختصة بشؤون الإقامة والهجرة.
وفي السياق ذاته، شهدت منصات التواصل الاجتماعي عشرات الاستغاثات والشهادات لمصريين فوجئوا بالموقف نفسه، فقد تساءل أحد المهندسين عن كيفية بيع سيارته في الإمارات بعدما فوجئ بإلغاء إقامته أثناء قضائه إجازته في مصر، وكتب قائلا: “من فضلكم، أنا نزلت إجازة من 10 أيام، واليوم إقامتي اتكنسلت، ممكن أعرف إزاي أقدر أبيع سيارتي؟ إقامتي عجمان، مهندس ميكانيكي على نفس الشركة اللي بشتغل فيها، ومرتب ثابت لمدة 3 سنين، ونفس الوظيفة الموجودة في الباسبور، عشان الناس اللي تسأل”
وفي شهادة أخرى، كتب أحد المصريين: “أنا امبارح جالي كنسلة وأنا في مصر إجازة، للعلم، أنا مجدد إقامة قبل ما أنزل بأسبوع، ومعرفش سبب الكنسلة، أنا شغال في شركة كبيرة في أبوظبي، مفيش فيها أي مخالفات. كلمت مسؤول العلاقات العامة في الشركة، قال لي: هنشوف السبب”
ولا يقتصر الأمر على العاملين والموظفين المصريين فحسب، بل امتد كذلك إلى مستثمرين وأصحاب شركات، إذ قال صاحب إحدى الشركات المتوسطة العاملة في الإمارات، في مقطع مصور، إن شركته تنشط في مجالي البترول والنقل البحري، وإنه فوجئ بإلغاء إقامات نحو 30 عاملًا في شركته.
وأوضح المستثمر المصري أن حصرًا مبدئيًا أجرته مجموعة من الشركات المملوكة لمصريين أظهر، بحسب قوله، أن عدد من أُلغيت إقاماتهم خلال الأسابيع الماضية لا يقل عن 3 آلاف شخص، لافتًا أن أصحاب الشركات توجهوا إلى الجهة المختصة بإصدار تصاريح العمل للاستفسار، حيث أُبلغوا بأن التصاريح لا تزال سارية، وأن إلغاء الإقامات صدر عن الهيئة الاتحادية للهوية والجنسية والجمارك وأمن المنافذ، وهي الجهة المختصة بتنظيم شؤون دخول وإقامة الأجانب في دولة الإمارات.
وتابع قائلًا: توجهنا إلى الهيئة، لكنهم رفضوا السماح لنا بالدخول بعدما علموا أن حضورنا مرتبط بأزمة إلغاء الإقامات، واقتصر الرد على أنه يتعين علينا احترام قوانين دولة الإمارات”، منوها أنهم لا يعرفون حتى الآن سبب إلغاء الإقامات، رغم أنها كانت جميعها سارية، ويتبقى على انتهائها ما بين عام وعام ونصف.
يُذكر أن عدد الشركات المصرية المسجلة في عضوية غرفة دبي بلغ 4,873 شركة، لتحتل مصر بذلك المركز الثالث، بعد الهند وباكستان، في قائمة جنسيات الشركات المنضمة إلى عضوية الغرفة، وفق أحدث تحليل صادر عن غرفة تجارة دبي.
مراجعة أمنية وإدارية
تذهب القراءة الأولى لما جرى إلى تفسير ذي طابع أمني وإداري، إذ يرى أصحاب هذا الطرح أن السلطات الإماراتية ربما شرعت في مراجعة أوسع لملفات الإقامة والهجرة، وفق معايير أكثر تشددًا من السابق، وقد يكون بعضها غير معلن، في محاولة لإعادة ضبط سوق العمل وحركة الدخول والإقامة بعد سنوات من الانفتاح الواسع نسبيًا على جنسيات متعددة، وهو ما انعكس على عدد من المقيمين المصريين.
وتعزز هذا التفسير تقارير تحدثت عن تشديد أبو ظبي، خلال العام الجاري وفي ظل التداعيات الأمنية للحرب الأمريكية الإيرانية، بعض إجراءات التدقيق المرتبطة بتأشيرات العمل، من بينها توسيع نطاق اشتراط تقديم شهادة صحيفة الحالة الجنائية عند التقدم للحصول على تأشيرات عمل جديدة لعدد من الجنسيات، وكانت الجنسية المصرية ضمن المرحلة الأولى من الجنسيات المشمولة بتلك الإجراءات إلى جانب جنسيات أخرى.
وفي السياق ذاته، يذهب اتجاه آخر إلى أن سياسة الانفتاح الواسع التي اتبعتها الدولة الخليجية خلال السنوات الماضية في استقدام العمالة واستقبال جنسيات مختلفة ربما دفعت السلطات إلى إعادة تقييم بعض أنماط الهجرة وسوق العمل، ليس بهدف استهداف جنسية بعينها، وإنما لرفع مستوى ونوعية العمالة الوافدة وفرض معايير أكثر صرامة على التأهيل العلمي والمهني، وهو ما أشار إليه أحد العاملين في الإمارات، في حديثه لـ«نون بوست»، موضحًا أنه سمع من مصادر إماراتية على صلة بوزارة العمل عن وجود توجه نحو تحسين نوعية العمالة الوافدة، وإعطاء أولوية أكبر لأصحاب المؤهلات التعليمية والمهنية، مع تقليص منح التأشيرات لغير المتعلمين أو أصحاب المؤهلات المتوسطة إلا في نطاقات محدودة ووفق احتياجات سوق العمل.
غير أن هذه القراءة لا تحظى بإجماع، إذ يشكك آخرون في قدرة تلك المبررات وحدها على تفسير الإلغاء المفاجئ لإقامات مئات المصريين خلال فترة زمنية متقاربة، ويستند المشككون إلى نقطة رئيسية، مفادها أن معظم إجراءات التشديد المعلنة، بما في ذلك اشتراطات الصحيفة الجنائية أو رفع معايير قبول العمالة، تتعلق أساسًا بطلبات التأشيرات الجديدة والقادمين إلى الدولة للمرة الأولى، ولا يفترض أن تنطبق بالمنطق نفسه على مقيمين أمضوا سنوات داخل الإمارات، ويحملون إقامات سارية، ويخضعون بالفعل بصورة دورية لإجراءات الفحص والتدقيق وتجديد الإقامة.
من هنا تبرز فجوة لا تزال بحاجة إلى تفسير رسمي واضح، فإذا كانت الإجراءات الجديدة تستهدف أساسًا الوافدين الجدد، فما الذي يفسر إلغاء إقامات قائمة وسارية لأشخاص مقيمين منذ سنوات، بعضهم يعمل لدى شركات معروفة ولا توجد، بحسب رواياتهم، مخالفات واضحة في أوضاعهم القانونية أو المهنية؟ وهي النقطة التي أبقت الباب مفتوحًا أمام قراءات أخرى تتجاوز البعد الإداري التقليدي إلى اعتبارات سياسية أوسع.
رسالة سياسية غير مباشرة
هناك قراءة أخرى تفرض نفسها على المشهد، لا يمكن استبعادها بصورة كاملة وإن ظلت حتى الآن في إطار الاحتمال غير المدعوم بإعلان رسمي مباشر، وترتبط هذه القراءة بالتطورات المتسارعة التي شهدتها المنطقة منذ اندلاع الحرب الأمريكية ضد إيران، وما فرضته من إعادة ترتيب لحسابات العديد من الدول ومراجعة سياساتها وعلاقاتها الإقليمية.
ووفق هذا الطرح، فإن ما جرى مع بعض العمالة المصرية في الإمارات، وإن لم يرتقِ حتى الآن إلى مستوى الظاهرة المنظمة أو السياسة المعلنة، قد يُقرأ بوصفه رسالة غير مباشرة إلى القاهرة على خلفية تباينات في الرؤى مع أبو ظبي في عدد من الملفات الإقليمية، بدءًا من الملف السوداني، وصولًا إلى الموقف المصري من الحرب الإيرانية.
ويستند أصحاب هذه القراءة إلى حالة التوتر التي أحدثتها الحرب داخل بعض التحالفات العربية، وهو ما كشفته صحيفة «فاينانشيال تايمز» حين أشارت إلى وجود حالة من عدم الرضا في أبوظبي عما اعتبرته دعمًا غير كافٍ من بعض الحلفاء العرب في مواجهة الهجمات الإيرانية، لافتة إلى أن القاهرة مالت إلى تجنب الانخراط المباشر في الحرب، مُفسرة إرسال مقاتلات «رافال» مصرية إلى الإمارات باعتباره خطوة لطمأنة أبوظبي واحتواء أي توتر محتمل في العلاقات بين البلدين.
كما لفتت الصحيفة إلى أن المزاج الشعبي المصري، والذي أبدى تعاطفًا بدرجات متفاوتة مع إيران في مواجهتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل، أثار حساسية لدى الجانب الإماراتي ولم يلقَ ترحيبًا في أبوظبي، رغم التحركات الدبلوماسية التي بذلتها القيادة المصرية لتأكيد موقف الدولة الرسمي وفصله عن توجهات الرأي العام ومواقف مستخدمي منصات التواصل الاجتماعي.
وفي السياق ذاته، أشار الصحفي المصري جمال سلطان، المعروف بقربه من دوائر سعودية، إلى ما وصفه بأزمة متنامية في العلاقة بين بعض دول الخليج ومصر، على خلفية ما اعتبره انحيازًا من قطاعات واسعة من المصريين إلى الجانب الإيراني وتبريرًا للهجمات التي استهدفت مدنًا ومنشآت خليجية، محذرًا من أن استمرار هذا المناخ قد ينعكس على أوضاع ملايين المصريين العاملين في دول الخليج، وما يرتبط بهم من أسر تعتمد بدرجات متفاوتة على تحويلاتهم ودخولهم.
وتزداد حساسية هذه القراءة بالنظر إلى طبيعة العلاقة المركبة بين البلدين؛ فعلى المستوى الرسمي، تحتفظ القاهرة وأبوظبي بعلاقات قوية وشراكة وثيقة في ملفات سياسية واقتصادية متعددة، في حين يظل المزاج الشعبي المصري أكثر تحفظًا تجاه بعض السياسات الإقليمية الإماراتية، بالتوازي مع نقاش داخلي متزايد حول اتساع حضور الاستثمارات الإماراتية في قطاعات استراتيجية حساسة من الاقتصاد المصري، من بينها الموانئ والطاقة والنقل والغذاء والصحة والتعليم والزراعة.
في المحصلة، يحبس ملايين المصريين العاملين في دول الخليج أنفاسهم ترقبًا لهذه التطورات، خشية أن تتحول أوضاعهم الوظيفية والإقامية إلى ورقة ضغط ضمن حسابات سياسية أوسع، تُستخدم لدفع القاهرة نحو تبني مقاربات أكثر انسجامًا مع الرؤى الخليجية في عدد من الملفات الإقليمية، بصرف النظر عن موقعها على خارطة أولويات المصلحة المصرية.
وتنبع خطورة هذا السيناريو من أن أي اهتزاز واسع في أوضاع العمالة المصرية بالخليج لن يقتصر أثره على العاملين أنفسهم، بل سيمتد إلى ملايين الأسر التي تعتمد على تحويلاتهم باعتبارها أحد مصادر الدخل الأساسية، وبالنظر إلى الأوضاع المعيشية الصعبة في مصر واقتصادها المترهل، فإن أي عودة مفاجئة للعاملين في الخليج قد تشكل صدمة كبيرة للاقتصاد المصري من جانب، ومغامرة شديدة الكلفة لأسر المغتربين من جانب أخر.