• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

مطار المزة العسكري.. إعادة التأهيل تهدد مصير أدلة الانتهاكات

زينب مصري١٠ سبتمبر ٢٠٢٦

صورة بالأقمار الاصطناعية تظهر مطار المزة العسكري في وقت كان يستخدمه نظام الأسد مركز اعتقال (رويترز)

“مطار المزة العسكري ليس مجرد منشأة يمكن تغيير وظيفتها بقرار إداري”.. بهذه العبارة يختصر الناشط السوري أسامة أبو زيد، وهو من أبناء داريا ومعتقل سابق أمضى معظم فترة اعتقاله في مطار المزة العسكري، اعتراضه على إعادة تأهيل الموقع وتحويله إلى مطار مدني.

بالنسبة إلى أبو زيد، لا تنفصل منشآت المطار عن ذاكرة الاعتقال والانتهاكات التي عاشها وعاينها، ولا عن تاريخ داريا والمعضمية والمناطق المحيطة بالموقع، لذلك، يتجاوز النقاش حول إعادة تأهيل المطار وظيفته المستقبلية، ليشمل مصير موقع ارتبط بالاعتقال والانتهاكات، وما قد يحتويه من أدلة، في ظل بدء إعادة استخدامه وتغيير معالمه.

وكانت الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي أعلنت في 3 سبتمبر/أيلول 2026 أنها تعمل على إعداد الخطط الأولية لإعادة تصنيف مطار المزة في دمشق من منشأة ذات استخدام عسكري إلى مطار مدني محدود ومتخصص بالطيران الخاص والتنفيذي، على أن يكون مكملًا لمطار دمشق الدولي.

وبحسب الهيئة، تشمل الأعمال الأولية إزالة الركام وبعض أعمال البنية التحتية المرتبطة بالملاحة الجوية، فيما يجري استكمال المتطلبات الفنية والتنظيمية للمشروع، الذي من المقرر تنفيذه على مراحل، مع مراعاة الجوانب الفنية والتشغيلية والبيئية والتنظيمية والقانونية والمجتمعية.

ويأتي الإعلان الأخير بعد نحو عام من إعلان السلطات السورية، في يوليو/تموز 2025، التوجه إلى تحويل المطار إلى منشأة مدنية.

وكان رئيس هيئة الطيران المدني، عمر الحصري، قال حينها إن المشروع يستهدف منشأة مدنية بطاقة تصل إلى 30 مليون مسافر سنويًا، في تصور يختلف عن الصيغة المعلنة حاليًا، والتي تقتصر على الطيران الخاص والتنفيذي.

إلا أن التحول في وظيفة المطار لا يتعلق بتغيير استخدام الموقع فقط، إذ يأتي في وقت تشير فيه تحقيقات حقوقية إلى وجود وثائق ومواقع يُشتبه بارتباطها بضحايا ومفقودين داخل المطار ومحيطه.

حقوق متقاطعة

ولا يقتصر اعتراض أبو زيد في منشور عبر “فيس بوك” على الجانب الحقوقي، إذ يرى أن مستقبل المنطقة المحيطة بالمطار يمس أيضًا داريا والمعضمية والسكان ومالكي الأراضي فيها، في ظل ما قد يترتب على تحويل الموقع إلى منشأة مدنية من آثار عمرانية وتنظيمية واقتصادية.

ويطرح لذلك أسئلة تتعلق بسبب اختيار المطار تحديدًا، والدراسات التي سبقت المشروع، والجهات التي شاركت في تحديد مستقبله، ومدى إشراك السكان ومالكي الأراضي والمجتمعات المحلية المتضررة في القرار.

فيما يرى المدافع عن حقوق الإنسان والناجي السابق من الاعتقال منصور العمري، أن أي تغيير في استخدام مطار المزة أو معالمه يجب أن يسبقه توثيق شامل للموقع وحفظ للأدلة المرتبطة بالانتهاكات التي وقعت فيه.

ويقول العمري إن مطار المزة ومرافقه “خط أحمر، فهو ذاكرة شعب بأكمله، وموقع تراث رهيب عالمي يشهد على أفظع انتهاكات الحقوق والفظائع في التاريخ الحديث، ولا يحق لفرد أو مجموعة من الأفراد تقرير مصيره”.

ويشدد العمري في حديث لـ”نون بوست” على أن تحديد مستقبل الموقع لا ينبغي أن يتم بمعزل عن سياقه الحقوقي، داعيًا إلى إشراك الجهات المعنية بالعدالة الانتقالية والجهات الحقوقية وروابط الضحايا وذويهم، إلى جانب المجتمعات المحلية المتضررة.

ويعتبر العمري أن مشاركة الضحايا وذويهم في تحديد مصير المواقع المرتبطة بالانتهاكات جزء من التعامل مع إرث الانتهاكات والعدالة الانتقالية، إلى جانب بحث حقوق الملكية والمظالم التاريخية المرتبطة بأهالي داريا والمعضمية والمناطق المحيطة بالمطار.

كما يدعو إلى إنشاء سجل وطني شامل لمواقع الانتهاكات، يجمع ما هو متوفر من خرائط وسجلات لدى المنظمات السورية والدولية مع شهادات الناجين والسكان، ويحدد المواقع التي قد تحتوي على أدلة مادية أو بقايا بشرية، بما يسمح بتحديد أولويات التوثيق والحفظ والتحقيق.

سجل من الانتهاكات والتوثيق

ويملك مطار المزة سجلًا من التوثيق الحقوقي الذي راكمته منظمات سورية ودولية على مدى سنوات، شمل شهادات ووثائق ومواد تتعلق بالانتهاكات والمفقودين، إلا أن مدى الاستفادة من هذا التوثيق في التعامل الحالي مع الموقع لا يزال غير واضح، ولا سيما مع بدء أعمال إعادة التأهيل وتغيير استخدامه.

وتعود الأدلة على ارتباط مطار المزة بمنظومة الاعتقال والتعذيب إلى السنوات الأولى للثورة السورية، ففي تقريرها الصادر عام 2012 بعنوان “أرخبيل التعذيب” أدرجت منظمة “هيومن رايتس ووتش” فرع المخابرات الجوية في مطار المزة ضمن شبكة مراكز الاحتجاز التي حققت فيها.

واعتمد التقرير على مقابلات مع أكثر من 200 معتقل سابق ومنشق، وحدد مواقع مراكز الاحتجاز التي تمكن الباحثون من التحقق منها عبر شهادات متعددة.

وخصص التقرير قسمًا لفرع المخابرات الجوية في مطار المزة، حدد فيه موقعه ووثق وجود ثلاثة مرافق احتجاز على الأقل، بينها هنغار، إضافة إلى مرافق تحت الأرض استخدمت للاحتجاز والتحقيق والتعذيب.

ولا يعود التاريخ المرتبط بمطار المزة إلى سنوات الثورة السورية وحدها، إذ أشار منصور العمري، في منشور عبر “فيس بوك”، إلى وقائع تعود إلى ثمانينيات القرن الماضي، مستندًا إلى مذكرة قُدمت إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة عبر بعثة الأردن.

وبحسب ما أورده العمري نقلًا عن المذكرة، كان مطار المزة نقطة تجمع وانطلاق للقوات المشاركة في العملية التي استهدفت سجن تدمر في 27 يونيو/حزيران 1980، والتي قُتل خلالها نحو 1200 معتقل خلال فترة قصيرة.

وتورد المذكرة إفادة منسوبة إلى عيسى إبراهيم فياض، وهو عريف سابق في سرايا الدفاع، قال فيها إن عناصر من اللواءين 40 و138 جرى تجميعهم في مطار المزة، قبل نقلهم بواسطة مروحيات إلى مطار تدمر للمشاركة في العملية، وبحسب الإفادة، عادت القوات لاحقًا إلى مطار المزة بعد انتهاء العملية.

وفي فبراير/شباط 2025، نشر “المركز السوري للعدالة والمساءلة”، بالتعاون مع “رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا”، تحقيقًا مخصصًا لمطار المزة العسكري بعنوان “البحث عن المفقودين في سوريا ما بعد الأسد: دروس من التحقيق في مطار المزة العسكري”.

وسعى التحقيق إلى إعادة بناء طريقة عمل المنشأة والجرائم التي ارتُكبت فيها، بالاعتماد على شهادات 156 ناجيًا وثمانية من عناصر المخابرات الجوية السابقين، إلى جانب صور الأقمار الصناعية والوثائق والبيانات مفتوحة المصدر.

وبحسب نتائج التحقيق، احتُجز أكثر من 29 ألف شخص في المطار بين عامي 2011 و2017، فيما قُتل أكثر من ألف محتجز خلال الفترة نفسها، وفق البيانات التي جرى تقاطعها مع الشهادات والوثائق المتاحة.

وحدد المركز سبعة مواقع يُشتبه بارتباطها بمقابر جماعية، بينها مواقع داخل حرم المطار، استنادًا إلى شهادات وصور أقمار صناعية ووثائق صُوّرت في الموقع بعد سقوط النظام.

كما تمكن التحقيق، وفق نتائجه، من تحديد فترات يُعتقد أن ثلاثة من هذه المواقع استخدمت خلالها لدفن معتقلين في المطار، مع بقاء هذه المواقع في إطار الاشتباه إلى حين إجراء تحقيقات ميدانية وفحوص طب شرعي تحسم طبيعتها وما إذا كانت تحتوي على رفات بشرية.

أدلة قد تدخل مسار العدالة

وفي أعقاب سقوط النظام، دخل فريق المركز السوري للعدالة والمساءلة إلى المنشأة وصوّر عشرات الآلاف من الوثائق، تضمنت قوائم معتقلين ومعلومات عن مواقع يُحتمل ارتباطها بالدفن.

وفي مايو/أيار 2025، نشر المركز عينات من مجموعة الوثائق التي جمعها وحفظها من منشآت أمنية وعسكرية سورية، وأظهرت الخريطة المرفقة بالمجموعة أن مطار المزة العسكري كان واحدًا من المواقع التي عُثر فيها على وثائق حكومية، فيما أعلن المركز أنه حفظ ورقمن أكثر من 700 ألف وثيقة من منشآت مختلفة.

وسبق أن استخدمت مواد مرتبطة بفرع المخابرات الجوية في مطار المزة في مسارات قضائية، ففي قضية عبادة مزيك ضد حكومة النظام السابق، أمام المحكمة الجزئية الأميركية في واشنطن، التي رفعها سوري-أميركي تعرض للاعتقال والتعذيب في فرع المخابرات الجوية بمطار المزة عام 2012، قال المركز السوري للعدالة والمساءلة إنه قدم ثماني إفادات لشهود وعشر وثائق حكومية سورية مرتبطة بالفرع لإسناد قضية تتعلق بالتعذيب.

ويعني ذلك أن الموقع قد يرتبط أيضًا بأدلة يمكن أن تكون ذات قيمة في التحقيقات والمحاكمات المتعلقة بالانتهاكات، إلى جانب القيمة الرمزية التي يحملها بالنسبة إلى المعتقلين السابقين وذوي المفقودين.

ولا تكمن المسألة، في حالة مطار المزة، في غياب التوثيق، إذ وثقت تحقيقات حقوقية جوانب واسعة من تاريخه من خلال شهادات ووثائق وصور أقمار صناعية، وإنما في كيفية التعامل مع هذا التوثيق والمواد المرتبطة به مع بدء إعادة استخدام الموقع، وما إذا كانت الإجراءات اللازمة لحمايتها قد أُخذت في الاعتبار قبل تغيير معالمه.

ويضع تحويل مطار المزة إلى منشأة مدنية أمام السلطات ملفًا تتقاطع فيه حقوق الضحايا في العدالة ومعرفة مصير المفقودين، مع حقوق السكان ومالكي الأراضي في المشاركة في تحديد مستقبل المنطقة.

علاماتإعادة إعمار سوريا ، الحقوق والحريات ، الشأن السوري ، العدالة الانتقالية في سوريا ، انتهاكات الأسد
مواضيعإعمار سوريا ، الشأن السوري ، العدالة الانتقالية ، العدالة في سوريا ، سوريا حرة

قد يعجبك ايضا

اقتصاد

كيف نُقلت أطنان الخردة من المدن السورية المدمرة إلى معامل حمشو؟

فريق التحرير٧ سبتمبر ٢٠٢٦
حقوق وحريات

خارج السجلات.. كيف تحوّل مصر إنكار الاختفاء القسري إلى سياسة دولة؟

فريق التحرير١ سبتمبر ٢٠٢٦
حقوق وحريات

تهم مجهولة ومحاكمات مؤجلة.. أعمار السوريين العالقة في سجون لبنان

محمد كاخي٣١ أغسطس ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑