• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

دولة داخل الدولة.. تشكيل “مستقبل مصر” يكشف خريطة نفوذ جديدة

فريق التحرير١٧ أغسطس ٢٠٢٦

في الثالث عشر من أغسطس/آب الجاري، أصدر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قرارًا رسميًا بإعادة تشكيل مجلس إدارة جهاز “مستقبل مصر للتنمية المستدامة”، في خطوة لافتة ضمت أربعة وزراء حاليين، هم وزير الموارد المائية والري هاني سويلم، ووزير التموين والتجارة الداخلية شريف فاروق، ووزير الزراعة واستصلاح الأراضي علاء فاروق، ووزير التخطيط والتنمية الاقتصادية أحمد رستم، إلى جانب رئيس الجهاز العقيد بهاء الغنام، وعدد من الشخصيات المتخصصة في مجالات التخطيط العمراني والبنوك والقانون والإدارة.

ويأتي القرار في أعقاب تحولات جذرية شهدها الجهاز خلال السنوات الأخيرة، بعدما انتقل من كيان يتركز نشاطه بصورة أساسية في المشروعات الزراعية ويتبع القوات الجوية، إلى جهاز قومي سيادي ذي طبيعة خاصة يتبع رئيس الجمهورية مباشرة، ويتمتع باستقلال فني ومالي وإداري، فضلًا عن تمتعه بالشخصية الاعتبارية المستقلة، في تحول يعكس اتساع نطاق أدواره وتزايد وزنه داخل منظومة إدارة المشروعات والاستثمارات التابعة للدولة.

وأثار التشكيل الجديد جدلًا واسعًا في الأوساط المصرية، حيث جرى تفسيره سياسيًا باعتباره مؤشرًا على إعادة رسم خريطة مراكز القوة والاختصاصات الاقتصادية داخل الدولة، وبينما رأى البعض أن الجهاز بات أقرب إلى “دولة اقتصادية داخل الدولة” بالنظر إلى اتساع صلاحياته وتعدد القطاعات التي يتحرك فيها، ذهب آخرون إلى أن ضم وزراء حاليين إلى مجلس إدارته يعزز الانطباع بأن الجهاز، الذي بدأ كذراع تنموية زراعية قبل أن يتحول إلى كيان سيادي، يتجه إلى لعب دور يتجاوز حدود الجهاز التنفيذي التقليدي، وربما يفتح الباب أمام نموذج جديد لإدارة الملفات الاقتصادية والتنموية خارج الأطر الحكومية المعتادة.

أكبر من مجرد أسماء.. قراءة في التشكيل

وتجدر الإشارة ابتداءً إلى أن التشكيل الجديد يطرح إشكالية لافتة تتعلق بطبيعة التسلسل الإداري والسياسي داخل الجهاز، وهي إشكالية تفتح الباب أمام تساؤلات حول موقعه الحقيقي داخل هيكل الدولة، فرئيس الجهاز، العقيد بهاء الغنام، ليس وزيرًا في الحكومة، وبالتالي كيف له أن يرأس تحت قيادته من هم أعلى منه منصبًا، في إشارة إلى الوزراء الأربعة الحاليين.

ورغم أن البرلمان قد منحه درجة الوزير اعتباريًا، فهو بذلك لابد وأن يكون خاضعًا لرئيس مجلس الوزراء بشكل رسمي وليس مستقلا عنه، وهو ما لم يحدث في التشكيل، بما يخلق وضعًا مؤسسيًا غير تقليدي، لا يقوم بالضرورة على التدرج الوظيفي المعتاد بقدر ما يعكس طبيعة خاصة لجهاز يتبع رئيس الجمهورية مباشرة ويضم في مجلس إدارته مسؤولين يتولون حقائب وزارية قائمة.

أما التشكيل ذاته، فإن دلالته تتجاوز مجرد أسماء أضيفت إلى مجلس الإدارة؛ فالحقائب الوزارية المختارة لا تبدو عشوائية، وإنما تتقاطع بصورة مباشرة مع مجالات عمل الجهاز وطموحاته المستقبلية، فوجود وزير الموارد المائية والري يربط الجهاز بملف المياه وإدارة الموارد المائية، وهو أحد الركائز الأساسية لأي توسع في استصلاح الأراضي والمشروعات الزراعية الكبرى، بما يجعل التنسيق مع هذا القطاع جزءًا جوهريًا من قدرة الجهاز على تنفيذ خططه.

وينطبق الأمر ذاته على وزارات التموين والزراعة والتخطيط؛ فوزارة التموين ترتبط مباشرة بالأمن الغذائي وسلاسل الإمداد وتداول السلع الاستراتيجية، بينما تمثل وزارة الزراعة الحلقة الأساسية في التوسع الإنتاجي واستصلاح الأراضي وإدارة المشروعات الزراعية، أما وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية، فتمنح الجهاز اتصالًا مباشرًا بالخطط الاستثمارية للدولة وأولويات التنمية وتقييم الجدوى والعائد الاقتصادي للمشروعات الكبرى، ومن ثم، فإن جمع هذه الوزارات داخل مجلس إدارة واحد لا يبدو مجرد إجراء تنسيقي، بقدر ما يعكس محاولة لبناء منصة تنفيذية تجمع تحت مظلتها الملفات الرئيسية المرتبطة بالأمن الغذائي والمياه والزراعة والاستثمار والتخطيط.

صلاحيات غير محددة

قبل أشهر قليلة، كان جهاز “مستقبل مصر للتنمية المستدامة” يُنظر إليه باعتباره كيانًا يتركز نشاطه أساسًا في المجال الزراعي واستصلاح الأراضي، لكن القانون الجديد الصادر في يوليو/تموز الماضي أعاد صياغة موقع الجهاز بصورة جذرية، ونقله إلى كيان اقتصادي وتنموي ذي صلاحيات واسعة تتجاوز نطاق نشاطه الزراعي التقليدي بمراحل، فقد منحه القانون اختصاصات تشمل وضع التخطيط العام والتفصيلي، وتحديد استخدامات الأراضي والاشتراطات البنائية، ووضع نظم التراخيص والتصاريح والموافقات، فضلًا عن إمكانية التوسع في نطاق الأراضي والمناطق الخاضعة لأنشطته وفق الآليات التي حددها القانون.

ولم تتوقف التحولات عند اتساع نطاق الاختصاصات، بل منح القانون الجهاز مجموعة من الاستثناءات الواسعة التي تتيح له، في حدود مناطق التنمية المستدامة واختصاصاته القانونية، تنفيذ عدد من مشروعاته وأنشطته دون التقيد ببعض الأحكام والإجراءات المنصوص عليها في قوانين أخرى أو اشتراط الحصول على موافقات من جهات أخرى، وهو ما يمنحه مساحة استثنائية من الاستقلال والمرونة في اتخاذ القرار والتنفيذ، مقارنة بالعديد من الهيئات والأجهزة الحكومية التقليدية.

وامتد نفوذ الجهاز إلى مجالات أكثر تأثيرًا في المنظومة الاقتصادية، من بينها تأسيس الشركات والترخيص لها والرقابة والإشراف عليها، وتخصيص الأراضي بالبيع أو الإيجار أو الإيجار المنتهي بالتملك أو حق الانتفاع، إلى جانب إقرار قواعد الاستيراد والتصدير من وإلى مناطق التنمية المستدامة، وبذلك لم يعد الجهاز مجرد ذراع تنفيذية لمشروعات زراعية، وإنما أصبح يمتلك أدوات تتقاطع مع الاستثمار وإدارة الأراضي والتجارة وتأسيس الشركات، بما يضعه في موقع اقتصادي أكثر اتساعًا وتأثيرًا.

ويكتسب هذا التحول دلالة إضافية مع إنشاء صندوقين تحت مظلة الجهاز؛ أولهما “صندوق مستقبل مصر للثروة السيادية – أهرامات النيل”، الذي يمكن أن تنتقل إليه أصول وأموال مملوكة ملكية خاصة للدولة، فضلًا عن أسهم وحصص في شركات تملكها الدولة أو تساهم فيها، مع صلاحيات مرتبطة بالاستثمار والاستحواذ والاندماج والتخارج داخل مصر وخارجها،  أما الثاني فهو “صندوق مستقبل مصر الخدمي – داعم”، الذي يمتد نطاق عمله إلى المساهمة في مشروعات التعليم والصحة والإسكان والبنية التحتية والثقافة والبحث والتدريب والتنمية الاجتماعية.

دولة داخل الدولة

أعاد التشكيل المعلن للجهاز، مقترنًا بحجم الصلاحيات التي منحها له القانون، فتح النقاش حول طبيعته الحقيقية وموقعه داخل بنية الدولة، فوجود أربعة وزراء حاليين ضمن مجلس إدارته، إلى جانب رئيس للجهاز بدرجة وزير ويتبع رئيس الجمهورية مباشرة، دفع بعض المراقبين إلى اعتباره أقرب إلى نموذج “حكومة موازية”، وربما أكثر مرونة ونفوذًا في بعض الملفات، خصوصًا في ظل الاستثناءات الواسعة التي يتمتع بها الجهاز ومشروعاته مقارنة بالهياكل الحكومية التقليدية.

وذهب آخرون إلى توصيف أكثر حدة، معتبرين أن جمع هذا القدر من الاختصاصات الاقتصادية داخل كيان واحد يثير تساؤلات حول تشكل ما يشبه “دولة اقتصادية داخل الدولة السياسية”، فالجهاز بات يتحرك في ملفات تتصل بأراضي الدولة وشركاتها ومصادر التمويل والاستثمار والتخارج من الأصول، إلى جانب قطاعات تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة، مثل الغذاء والمياه والتصنيع والاستيراد والتصدير،  ويعزز هذا التصور كون الجهاز مرتبطًا برئيس الجمهورية مباشرة ويتمتع بهامش واسع من الاستقلال والمرونة، في مقابل الجهاز التنفيذي التقليدي الذي يعمل عبر منظومة الوزارات والهيئات والقوانين والإجراءات المعتادة.

ولم يتأخر الجهاز، بهيكله وصلاحياته الجديدة، كثيرًا في التوسع نحو ملفات استثمارية كبيرة؛ إذ بدأ الاستعداد لتولي إدارة 477 قطعة أرض فضاء بمحافظة البحر الأحمر وطرحها على المستثمرين على مراحل، بهدف إقامة مشروعات سياحية وعقارية وترفيهية، باستثمارات مبدئية تُقدَّر بنحو تريليوني جنيه، كذلك ضمه لعشرات الأفدنة الأخرى في مناطق مختلفة من أنحاء الجمهورية.

هذا بخلاف تمديد السماح للجهاز بتصدير الأرز حتى نهاية عام 2027، سواء بصورة مباشرة أو عبر جهات يفوضها، رغم استمرار الحظر الحكومي المفروض على تصدير الأرز منذ عام 2016، في إطار مساعي الحفاظ على الموارد المائية المحدودة، خصوصًا مع تداعيات سد النهضة الإثيوبي والضغوط المتزايدة على حصة مصر من المياه.

وبموجب هذا الاستثناء، بات الجهاز يتمتع، دون غيره، بصلاحية تصدير الأرز إلى الخارج، سواء بنفسه أو من خلال جهات يمنحها التفويض اللازم، بما في ذلك مجموعة “أبناء سيناء” التابعة لإبراهيم العرجاني، التي كانت قد أعلنت في فبراير/شباط 2025 تصدير الأرز المصري إلى 18 دولة، وهو ما يضيف بُعدًا جديدًا إلى الجدل المتعلق بحجم الامتيازات والاستثناءات الممنوحة للجهاز والجهات المرتبطة به.

مثل هذا التوجه المتسارع في الهيمنة على ثروات الدولة أثار الكثير من المخاوف والتساؤلات الحساسة حول حدود الدور الذي يمكن أن يصل إليه الجهاز مستقبلًا، وما إذا كان سيظل مجرد ذراع تنفيذية وتنموية ذات طبيعة خاصة، كما يدافع عنه أنصاره،  أم سيتحول تدريجيًا إلى مركز اقتصادي -أقرب إلى دولة داخل الدولة- واسع النفوذ يمتد حضوره إلى أجزاء متزايدة من أصول الدولة ومواردها وقطاعاتها الاستراتيجية.

في المحصلة، يتصاعد القلق في أوساط المصريين من المسار الذي تتبناه الدولة خلال السنوات الأخيرة، والقائم على التوسع في طرح الأصول والموارد العامة أمام الاستثمار والقطاع الخاص، في محاولة لتوفير السيولة وتخفيف الضغوط الناتجة عن الاختلالات الاقتصادية وتفاقم أعباء الموازنة التي راكمتها السياسات المتبعة خلال العقد الأخير.

ويأتي صعود جهاز “مستقبل مصر” بصلاحياته الواسعة ليضيف طبقة جديدة من المخاوف، خصوصًا مع اتساع قدرته على إدارة الأصول والأراضي والشركات والدخول في عمليات الاستثمار والتخارج، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة بشأن مصير ما تبقى من أصول الدولة، وحدود الضمانات التي تكفل إدارتها وفق معايير واضحة للشفافية والكفاءة والحفاظ على الملكية العامة.

مواضيعالاقتصاد المصري ، الشأن المصري

قد يعجبك ايضا

اقتصاد

الطيران السوري يطوي سنوات العزلة ويعيد رسم خريطته

فتون استانبولي١٥ أغسطس ٢٠٢٦
اقتصاد

طلبيات قياسية بـ32 مليار دولار.. كيف توطّن “إلبيت” الإسرائيلية صناعتها في أوروبا؟

نون إنسايت١٤ أغسطس ٢٠٢٦
اقتصاد

المخا بدل الحديدة؟.. كيف بنت الحكومة اليمنية بوابة بحرية خارج سيطرة الحوثيين؟

نون إنسايت١٣ أغسطس ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑