ترجمة وتحرير نون بوست
في الحقبة الماضية التي توليت فيها موقع المعلق السياسي الرئيسي لصحيفة “ديلي تلغراف”، اعتدت التواصل مع أنس التكريتي، الرئيس التنفيذي لمؤسسة قرطبة، للأبحاث في الشؤون الإسلامية.
وتدحض مؤسسة قرطبة أطروحة حتمية “صراع الحضارات” بين الإسلام والغرب، وهي مقولة تروج لها العديد من مراكز الفكر الأمريكية والبريطانية الأخرى.
برز التكريتي نفسه إلى دائرة الضوء بعدما كشف عن إغلاق حسابه المصرفي في بنك “إتش إس بي سي” بصورة مفاجئة وبلا إنذار مسبق عام 2014. وصرح لي حينها: “إن حيازة حساب بنكي في عصرنا الحديث تعادل الحصول على الكهرباء أو المياه الصالحة للشرب إذ يستحيل تسيير أمور الحياة اليومية بدونه”.
امتدت معاملات التكريتي المصرفية مع بنك “إتش إس بي سي” لزهاء 30 عاماً، غير أن البنك اكتفى بإبلاغه بشكل مقتضب بأن حسابه بات يتجاوز “حدود المخاطر المسموح بها لدينا”. وبموجب القانون البريطاني، لم يكن البنك ملزماً بتقديم أي إيضاحات إضافية”.
ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل وجّه البنك إخطارات مماثلة إلى زوجته، ملاذ شاكر، وولديه (بعمر 16 و12 عاماً)، لإغلاق حساباتهم المصرفية أيضاً.
حققتُ وسرعان ما اكتشفتُ أن مؤسساتٍ إسلاميةً ومسلمين ينشطون سياسيًا، بما في ذلك مسجد “فينسبوري بارك” في شمال لندن، قد واجهوا المصير نفسه.
وعندما كتبتُ عن هذا لصحيفة “ديلي تلغراف”، رفضوا نشر قصتي. (وعندما جُرِّد السياسي اليميني المتطرف نايجل فاراج في وقت لاحق من حسابه البنكي لدى بنك “ناتويست” في ظروف مماثلة، حولت صحيفة “التلغراف” هذه حالة الغضب إلى قصة للغلاف الأمامي لأيام متتالية.)
لذا، بدلاً من ذلك، تعاونتُ مع “آنا ميزيل”، وهي صحفية رائعة في هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي”، لاكتشاف الحقيقة. في البداية اصطدمنا بجدار من الصمت، حيث رفض بنك “إتش إس بي سي” مناقشة إغلاق الحسابات المصرفية.
ثم علمنا بوجود قاعدة بيانات سرية تُدعى “ورلد-تشيك”، تُستخدم من قِبَل أكبر البنوك في العالم وتملكها شركة المعلومات المالية العملاقة “طومسون رويترز”.
تصنيف الإرهاب
في عالم ما بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول، أصبحت البنوك ملزمة بمعرفة عملائها، ويمكن تحميلها المسؤولية إذا كان عملاؤها متورطين في تمويل الإرهاب أو غسيل الأموال. ولتجنب ذلك، تعتمد البنوك بشكل كبير على قواعد البيانات مثل “ورلد-تشيك”.
لا يمكن للصحفيين الوصول إلى قاعدة البيانات، لكن عميلاً لديه تحفظات قوية بشأن البرنامج سمح لنا بالدخول، ورأينا كلمة “إرهاب” مطبوعة باللون الأحمر الداكن، مباشرة فوق اسم “مؤسسة قرطبة” التابعة للتكريتي. واستندت “ورلد-تشيك” في ادعاء “الإرهاب” إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، التي كانت قد حظرت المجموعة.
والإمارات، وهي إحدى دول الخليج الأصغر حجمًا، كانت هي نفسها في مركز اتهامات بدعم غسيل الأموال. كما تعرضت للانتقادات بسبب انتهاكات حقوق الإنسان، بما في ذلك التعذيب.
تعتاد أبوظبي وسم الخصوم السياسيين بالإرهاب، مثل “مؤسسة قرطبة” التابعة للتكريتي. وفي الآونة الأخيرة، أُتهمت الإمارات برعاية ميليشيا قوات الدعم السريع المتهنة بممارسات الإبادة الجماعية، والتي ذبحت عشرات الآلاف من السودانيين الأبرياء.
هذا الأسبوع، علمنا أن تصنيف الإرهاب لم يكن الطريقة الوحيدة التي استهدفت بها الإمارات التكريتي. فقد كشف تحقيق أجرته شبكة “آي تي في نيوز” أن الإمارات جندت أيضًا مرتزقًا لتنفيذ عملية مراقبة سرية ضده في بريطانيا.
هذا أمر يبعث على القشعريرة. التكريتي مواطن بريطاني. وغني عن القول أن أي بريطاني يتورط في الإرهاب يجب أن يُعتقل، وأن يُتهم إذا لزم الأمر، من قِبَل السلطات البريطانية.
لكن لا يوجد أي دليل على الإطلاق ضد التكريتي، باستثناء أنه كان خصمًا سياسيًا للإمارات وكان داعمًا قويًا للربيع العربي.
وبالمثل، يجب على السلطات البريطانية حماية المواطنين البريطانيين الذين تستهدفهم دول أجنبية. ويطرح هذا التحقيق الذي أجرته شبكة “آي تي في” أسئلة ملحة، يتوجب على الحكومة البريطانية الإجابة عنها.
فرصة للبدء من جديد
يوم الخميس، صرح التكريتي لأحد الصحفيين في موقع “ميدل إيست إي”، إنه قبل 10 سنوات زارته الشرطة في منزله لتسليمه “إخطار حذر”، والذي يسلم فقط للأفراد إذا كان لدى الشرطة سبب للاعتقاد بأنهم في خطر وشيك.
ولكن عندما طلب التكريتي الحصول على مزيد من التفاصيل حول من يقف وراء هذا التهديد وما إذا كان ينبغي له الانتقال إلى مكان آخر، رفضت الشرطة الإجابة.
وقال التكريتي للموقع إنه لم يُتهم قط بجريمة أو يُستجوب من قِبَل السلطات، وقضى حياته ملتزمًا بالقانون البريطاني. ومع ذلك، وأمام الأدلة التي تؤكد أن حياته كانت مهددة من قِبَل دولة أجنبية، لم يُقدم للتكريتي أي حماية.
ورداً على هذه الكشوفات، كتب أندرياس كريغ، الأكاديمي المقيم في لندن والخبير في الشؤون الإماراتية، منشوراً على منصة “إكس” (تويتر سابقاً): “خصومنا روسيا والصين يقتصرون على الأقل في قمع عابر للحدود يمارسونه على مواطنيهم. أما أبوظبي فتوسع قمعا عابرا للحدود ليطال الرعايا الأجانب والناقدين في الخارج”.
وأضاف متسائلاً: “بصفتي أكاديمياً تعرض لمضايقات مدعومة من الإمارات في المملكة المتحدة لسنوات، من مراقبة ورسائل من سفاراتهم ومحاميهم، فإن هذا يجعني أفكر في سلامتي وسلامة عائلتي”.
وذكر كريغ أن “هذا السلوك الصادر عن دولة مارقة” ينبغي أن يحرم الإمارات من صلاحية كونها “شريكا موثوقا للمملكة المتحدة.” ومع ذلك، تعتبر الحكومة البريطانية الإمارات واحدة من أقرب حلفائها، ومن السهل معرفة السبب.
فالإمارات هي أكبر شريك تجاري لبريطانيا في الشرق الأوسط، ومستثمر ضخم فيها، وأبرز مثال على ذلك هو من خلال نادي مانشستر سيتي لكرة القدم.
ورداً على الاتهامات بالتواطؤ في الإبادة الجماعية المستمرة في السودان، لم يكتفِ الوزراء البريطانيون بالامتناع عن إدانة تورط الإمارات في النزاع، بل لم يستطيعوا حتى إجبار أنفسهم على ذكر اسم الإمارات في هذا السياق.
هذا أمر مدان أخلاقياً. وأندي بورنهام، بصفته رئيس الوزراء الجديد للبلاد، لديه فرصة لمواجهة الأحداث وتصحيحها. لقد حان الوقت لكي تتساءل بريطانيا عما إذا كانت الإمارات العربية المتحدة حليفا فوق القانون.
المصدر: ميدل إيست آي