تدخل الساحة الفلسطينية انتخابات 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2026 أمام إعادة اصطفاف قد تجمع في قائمة واحدة قوى فرقتها سنوات من الاقتتال والانقسام، فحركة حماس التي حكمت قطاع غزة منذ 2007 تبحث عن أوسع ائتلاف انتخابي ممكن، ويتقدم بين شركائها المحتملين تيار الإصلاح الديمقراطي في حركة فتح بزعامة محمد دحلان، أحد أبرز خصومها.
يشارك في المشاورات أيضًا ناصر القدوة القيادي الذي فصل سابقًا من حركة فتح ورئيس الملتقى الوطني الديمقراطي وابن شقيقة الرئيس الراحل ياسر عرفات وقوى يسارية وشخصيات مستقلة.
وبدورها، تتحرك قيادة حركة “فتح” في الضفة الغربية باتجاه الفصائل لمنع اتساع القائمة، وتتركز معركتها حاليًا على موقف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.
يأتي هذا التقارب في لحظة تغير فيها موقع الطرفين، إذ تنتقل “حماس” من إدارة غزة إلى ترتيبات تمنح الحكم للجنة تكنوقراط، ودخلت مسارًا تدريجيًا يتعلق بتسليم السلاح وتخزينه، فيما يبحث دحلان عن العودة إلى المؤسسات الفلسطينية بعد أكثر من عقد على إقصائه من قيادة “فتح”.
لماذا يلتقي “حماس” ودحلان الآن؟
تعود جذور الخصومة بين الطرفين إلى ذروة الانقسام الداخلي، إذ كان دحلان من أبرز قادة “فتح” والأجهزة الأمنية في غزة خلال الاقتتال الذي انتهى بسيطرة “حماس” على القطاع في يونيو/حزيران 2007، ثم دخل في صراع مع الرئيس محمود عباس انتهى بإقصائه من قيادة الحركة عام 2011.
ومع انتقال دحلان إلى موقع الخصومة مع مركز القرار في رام الله، بدأت مساحة للتعامل البراغماتي مع “حماس” تتشكل تدريجيًا تحت الرعاية المصرية.
ظهر أول اختبار مهم لهذه العلاقة عام 2017، عندما رعت مصر تفاهمات بين تيار دحلان وقيادات في “حماس” تناولت المصالحة المجتمعية وتعويض متضرري اقتتال 2007 ولجنة التكافل الاجتماعي وأزمات الكهرباء والوقود وبعض الملفات الإنسانية في غزة. وأرست تلك التفاهمات سابقة تسمح للطرفين بإدارة ملفات مشتركة عندما تتقاطع مصالحهما، مع بقاء القاهرة القناة الرئيسية لهذا التواصل.
في أغسطس/آب 2026 ارتفع مستوى الاتصالات من ترتيبات غزة إلى مستقبل النظام السياسي الفلسطيني، إذ أعلنت “حماس” عقد لقاء في مصر بين وفد برئاسة رئيس المكتب السياسي للحركة خليل الحية وآخر برئاسة دحلان، تناول ترتيبات المرحلة الثانية في غزة و”ترتيب البيت الفلسطيني على أسس الشراكة والديمقراطية” وإنهاء التفرد بالقرار.
وأوضحت مصادر أن دحلان شجع حماس على المضي في خريطة الطريق الخاصة بغزة، وتحدث عن العمل للحصول على موقف أمريكي وأوروبي يتيح لها التحول إلى فاعل سياسي والمشاركة في الانتخابات. وقال أسامة الفرا، القيادي في تيار دحلان، إن اجتماع 17 أغسطس/آب بحث أيضًا الانتخابات التشريعية والرئاسية وانتخابات المجلس الوطني.
بالنسبة إلى “حماس”، يأتي هذا المسار بالتزامن مع تغيير جوهري في شكل وجودها داخل قطاع غزة، وخاصة بعد أن أعلنت حل هيئة الحكم الفعلية التي كانت تشرف على الوزارات، والاستعداد لنقل الإدارة إلى لجنة فلسطينية من التكنوقراط ضمن ترتيبات مرحلة ما بعد الحرب.
وجاء التحول الآخر في ملف السلاح، عندما وافقت حماس على مسار يربط تسليمه لإدارة فلسطينية من التكنوقراط بانسحاب “إسرائيل” من غزة.
وأوردت وكالة “أسوشيتد برس” في أغسطس/آب تفاصيل خريطة طريق من 15 بندًا تقوم على تسليم تدريجي للسلاح مقابل وقف الهجمات والانسحاب الإسرائيلي، مع بقاء توقيت التنفيذ وتفاصيله ضمن التفاوض.
وقال حسام بدران، عضو المكتب السياسي ومسؤول العلاقات الوطنية في حماس، إن المشاركة في الانتخابات حُسمت، وإن الحركة تتواصل مع “الجهاد الإسلامي” والجبهة الشعبية والمبادرة الوطنية وتيار دحلان وشخصيات ومكونات شعبية وأهلية للوصول إلى أوسع توافق ممكن.
أما دحلان فتفتح هذه الخطوة أمامه مسارًا للعودة إلى المؤسسات بعيدًا عن قرار قيادة “فتح” بشأن إعادته إلى صفوفها. وقال أسامة الفرا إن تياره سيشارك بالانتخابات، وإن التحالف الوطني الواسع الذي يضم فصائل وكفاءات وشخصيات وطنية ومجتمعية يقع في مقدمة الخيارات المطروحة.
وسبق لانتخابات 2021 التي أُلغيت قبل الاقتراع أن أظهرت قدرة تياره على تشكيل قائمة مستقلة عن القائمة الرسمية لـ”فتح”، بالتزامن مع قائمة أخرى قادها ناصر القدوة وحظيت بدعم الأسير في سجون الاحتلال والقيادي في ذات الحركة مروان البرغوثي.
كيف يمكن أن تتشكل القائمة ومن ينضم إليها؟
تقوم أقرب صيغة للمشروع حتى الآن على قائمة وطنية واسعة تضم مستقلين وكفاءات وشبابًا ونساء، وتحظى بدعم قوى سياسية متعددة.
وقال ناصر القدوة إن المشاركين يبحثون قائمة تتسع لمكونات المجتمع مع مشاركة فصائلية غير مباشرة، ووصف المشروع بأنه قائمة انتخابية محددة الغرض.
ويطرح تيار دحلان تصورًا قريبًا يقوم على جمع الفصائل مع الكفاءات والشخصيات الوطنية والمجتمعية، وهي صيغة تسمح بجمع أطراف تفصل بينها اختلافات واسعة في البرنامج والخلفية السياسية.
إلى جانب حماس ودحلان، يشارك القدوة مباشرة في المشاورات، كما وصلت اتصالات إلى الجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين والمبادرة الوطنية والجهاد الإسلامي، كما ترد لجان المقاومة الشعبية ضمن القوى التي حضرت اجتماعات أو طُرحت أسماؤها في المحادثات.
ويظل موقف تيار مروان البرغوثي مفتوحًا، فيما قال القدوة إنه ينتظر موقف الأسير الذي يحظي بشعبية فلسطينية جارفة، إلى جانب موقفي الشعبية والديمقراطية.
وأصبحت الجبهة الشعبية الطرف الأكثر أهمية في مرحلة تشكيل القائمة، إذ شاركت في اجتماعات القاهرة وأبدت موقفًا إيجابيًا من الحوار حول قائمة وطنية واسعة، ثم طلبت مهلة لاستكمال المشاورات الداخلية.
وترتبط موافقتها، بحسب ما نقل عن قياداتها، بوجود برنامج سياسي يتناول إصلاح النظام الفلسطيني وحماية ما تصفه الجبهة بـ”الثوابت”، وهو ما يجعل قرارها متعلقًا بمضمون المشروع وأسماء المشاركين فيه إلى جانب الحسابات الانتخابية.
وتحول موقف الجبهة الشعبية إلى محور تحرك مباشر من قيادة “فتح”، إذ قالت مصادر إن وفدًا يضم حسين الشيخ نائب الرئيس الفلسطيني، وماجد فرج رئيس جهاز المخابرات العامة، وروحي فتوح رئيس المجلس الوطني، يتجه إلى القاهرة للقاء قيادتها ومحاولة ثنيها عن الانضمام إلى القائمة.
وشملت الطروحات إمكانية تشكيل قائمة في إطار منظمة التحرير وإعادة فتح ملف المخصصات المالية التي أوقفت عن “الشعبية”. ورد مصدر في الجبهة بأن هذه الأموال “حق” لها، ورفض ربطها بالموقف السياسي.
وتنبع أهمية الشعبية من موقعها كفصيل يساري تاريخي وعضو في منظمة التحرير، إذ يوسع انضمامها هوية القائمة خارج تقاطع “حماس” مع تيار فتحاوي منشق، ويمكن أن يؤثر في خيارات الجبهة الديمقراطية وشخصيات يسارية ومستقلة أخرى، وهو ما يفسر تركيز تحرك “فتح” على موقفها.
وحضرت الجبهة الديمقراطية بدورها اجتماع القاهرة وأرجأت قرارها إلى مشاوراتها الداخلية، فيما تحدثت مصادر أخرى عن احتمال اتجاهها مع الشعبية إلى صيغة انتخابية يسارية.
أما “الجهاد الإسلامي”، فتظهر حول موقفها روايات متباينة، إذ تحدثت تقارير عن موافقة أولية على مشروع التحالف وإمكان خوض الحركة أول انتخابات تشريعية في تاريخها.
ونقلت صحيفة “الشرق الأوسط” السعودية، عن قيادي في الجهاد الإسلامي في لبنان استمرار المشاورات الداخلية، وعن مصدر آخر في غزة ترجيح دعم قائمة من الخارج من دون ترشيح كوادر للحركة.
وقال عثمان أبو صبحة، القيادي في المبادرة الوطنية الفلسطينية، إن المبادرة تلقت طرحًا للانضمام وإن مؤسساتها تدرس الموقف. وفي موازاة ذلك، أفادت مصادر بأن “فتح” ألغت للمرة الثانية لقاءً كان مقررًا مع “حماس” في مصر، مع استمرار اتصالاتها مع الفصائل والجانب المصري.
هل تستطيع القائمة تهديد هيمنة “فتح”؟
تبدأ الإجابة من التوازن الحالي بين أكبر قوتين، إذ أظهر استطلاع أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في أغسطس/آب أن “فتح” تحصل على 32% مقابل 29% لـ”حماس”، فيما تحصد القوى الأخرى مجتمعة 18%، ويبقى 21% من المشاركين المحتملين من دون خيار محسوم.
وتضع هذه الأرقام “حماس” خلف “فتح” بفارق محدود، بينما توجد كتلة انتخابية كبيرة خارج الطرفين يمكن أن يصبح جزء منها موضع تنافس بين القائمة الرسمية لـ”فتح” والقائمة الواسعة الجاري بحثها.
وتختلف صورة المنافسة بين قطاع غزة والضفة الغربية، ففي المنطقة المحاصرة تحصل “حماس” على 34% مقابل 30% لـ”فتح”، بينما تبلغ حصة القوى الأخرى مجتمعة 27% ويبقى 10% مترددين. وفي الضفة تتقدم “فتح” بـ34% مقابل 25% لـ”حماس”، وتحصل القوى الأخرى على 10%، فيما تصل نسبة المترددين إلى 32%.
وتجعل هذه الفجوة انضمام الشعبية والقدوة وشخصيات فتحاوية معارضة أكثر أهمية بالنسبة إلى القائمة في الضفة، حيث تحتاج إلى تجاوز قاعدة “حماس” التقليدية إذا أرادت منافسة “فتح” على الصدارة.
ويظهر مروان البرغوثي بوصفه المتغير الأكثر تأثيرًا في هذه المساحة، ففي الاستطلاع المذكور، تصدر الشخصيات المفضلة لخلافة عباس بنسبة 39%، يليه خليل الحية بـ16% ثم دحلان بـ15%.
وفي مواجهة رئاسية افتراضية، يحصل البرغوثي على 54% وترتفع حصته إلى 63% في الضفة، مقابل 26% للحية و14% لعباس على المستوى العام.
وتجري هذه المنافسة وسط مستويات مرتفعة من السخط على قيادة السلطة، ففي الاستطلاع نفسه، قال 79% إنهم يريدون استقالة عباس، وبلغ عدم الرضا عن أدائه 76%، ورأى 83% وجود فساد في مؤسساتها، فيما اعتبرها 65% عبئًا على الشعب الفلسطيني.
ويخلق هذا المزاج كتلة كبيرة قابلة للتصويت الاحتجاجي، بينما ستتحدد وجهتها بحسب أسماء المرشحين وشكل القوائم وقدرتها على استقطاب ناخبين يعارضون القيادة الحالية ولا ينتمون تنظيميًا إلى “حماس”.
في المقابل، تسعى “فتح” إلى دخول الانتخابات بقائمة رسمية واحدة وتجنب تشظي قاعدتها على غرار ما حدث قبل إلغاء انتخابات 2021، عندما ظهرت إلى جانب قائمتها الرسمية قائمة لتيار دحلان وأخرى للقدوة حظيت بدعم البرغوثي.
ويؤثر قانون الانتخابات في حسابات الطرفين، إذ أعلنت لجنة الانتخابات المركزية، تسلمها قرارًا بقانون أعاد عدد أعضاء المجلس التشريعي إلى 132 عضوًا، وحدد نسبة الحسم عند 1%، ورفع الحد الأدنى لتمثيل النساء في القوائم إلى 33%، وخفض سن الترشح إلى 23 عامًا.
كما أبقى القانون شرط التزام القوائم بمنظمة التحرير بوصفها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وببرنامجها السياسي والوطني وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة.
وتجري الانتخابات وفق نظام التمثيل النسبي الكامل بقوائم مغلقة، وتُعامل الأراضي الفلسطينية دائرة انتخابية واحدة، وقد حددت لجنة الانتخابات الفترة من 26 سبتمبر/أيلول إلى 7 أكتوبر/تشرين الأول لتقديم القوائم، و28 نوفمبر/تشرين الثاني موعدًا للاقتراع.
ويجعل خفض نسبة الحسم إلى 1% دخول القوائم الصغيرة ممكنًا حتى خارج التحالفات الكبيرة، لذلك ترتبط قيمة القائمة المشتركة بقدرتها على توحيد جزء واسع من المعارضة ومنافسة “فتح” على المركز الأول أكثر من ارتباطها بالحاجة الفنية إلى تجاوز نسبة الحسم.
ويمثل شرط الالتزام ببرنامج منظمة التحرير (الذي يرفض المقاومة المسلحة) إحدى أكثر النقاط حساسية بالنسبة إلى “حماس” و”الجهاد الإسلامي”، وقد يصبح تطبيقه موضع نزاع عند تسجيل القوائم.
ويظهر الاستطلاع الأخير أن نحو ثلثي الفلسطينيين يعارضون جعل قبول التزامات منظمة التحرير شرطًا للترشح، ما يمنح أي خلاف حول تفسير هذا النص وزنًا سياسيًا يتجاوز الجانب الإجرائي.
ويبقى موعد الانتخابات نفسه جزءًا من الحسابات السياسية، إذ تواصل لجنة الانتخابات تنفيذ الجدول المعلن، بينما قال القدوة إنه يتوقع تأجيلها أو إلغاءها إذا اتسعت القائمة الجديدة.
وتواجه العملية الانتخابية في الوقت نفسه عقبات ميدانية وسياسية مستقلة عن صراع القوائم، في مقدمتها الوضع الانتقالي في غزة وسيطرة “إسرائيل” على مساحات من القطاع وترتيبات مشاركة القدس.
واستُخدمت قضية القدس رسميًا عام 2021 لتبرير تأجيل الانتخابات السابقة، التي تزامنت حينها مع انقسامات حادة داخل “فتح”. وفي استطلاع أغسطس/آب، توقع 49% إجراء الانتخابات في نوفمبر/تشرين الثاني، مقابل 44% رأوا أنها لن تجري، بينما توقع 30% فقط أن تكون حرة ونزيهة.