ترجمة وتحرير: نون بوست
من خلال الاستمرار في شراء الأسلحة من إسرائيل، تساهم الدول الأجنبية في الحفاظ على البنية التحتية والخبرات والتمويل الذي تحتاجه الدولة العبرية لشن حربها القادمة.
في السنوات الأخيرة، باتت حكومات عدة عبر العالم تدرك أن بيانات التنديد والكلمات وحدها لن تحاسب إسرائيل على جرائمها المرتكبة بحق الفلسطينيين. وكان من أوضح الاستجابات والتحركات العملية إزاء هذا الإدراك، هو الدفع المتزايد نحو تقييد التجارة العسكرية مع إسرائيل؛ وهو مطلب حيوي شكل أيضاً شعاراً مركزياً للاحتجاجات المؤيدة لفلسطين في جميع أنحاء المعمورة.
لقد نجحت صور القنابل التي تحمل أرقاماً تسلسلية أمريكية، ومحركات الدبابات ألمانية الصنع، والمكونات المصنعة أوروبياً، والتي جرى انتشالها من مواقع المجازر التي راح ضحيتها رجال ونساء وأطفال فلسطينيون، في حشد الناس ودفعهم لمطالبة حكوماتهم بإنهاء تواطؤها في الحملات العسكرية الإسرائيلية. وبالفعل، بدأت تلك الجهود المدنية تؤتي ثمارها على أرض الواقع.
ومنذ بدء حرب الإبادة الجماعية التي تشنها إسرائيل في قطاع غزة في شهر أكتوبر/تشرين الأول 2023، أعلنت نحو أربع وعشرين دولة عن خطط لوقف أو تقييد عمليات نقل الأسلحة إلى القوة القائمة بالاحتلال. وخلال العام الماضي وحده، وحتى في ظل ما يُسمى بوقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة حماس والذي بدأ في أكتوبر/تشرين الأول 2025، أقدمت كل من إسبانيا والمملكة المتحدة والفلبين على إلغاء صفقات مبرمة مع شركات الأسلحة الإسرائيلية.
ولكن، في الوقت الذي انصب فيه التدقيق الدولي إلى حد كبير على الشركات والحكومات الأجنبية التي تزود إسرائيل بالأسلحة، حظي تدفق الأسلحة في الاتجاه المعاكس باهتمام أقل بكثير، ونعني بذلك الصادرات العسكرية الإسرائيلية نفسها. فخلال الفترة ذاتها، وسعت صناعة الدفاع الإسرائيلية مبيعاتها في الخارج بشكل هائل ومكثف، مما أدى إلى توليد عائدات بمليارات الدولارات للشركات الإسرائيلية، والأهم من ذلك، لخزينة الدولة ذاتها.
قد يبدو من غير اللائق مناقشة هذه الفترة الدموية بلغة الأرقام والمصطلحات المالية في وقت قُتل فيه عشرات الآلاف من الفلسطينيين ولا تزال حصيلة الضحايا في ارتفاع مستمر. غير أن قدرة أي دولة على خوض حرب طويلة الأمد تعتمد، إلى حد لا يستهان به، على قدرتها المالية لتمويل تلك الحرب. وإذا كان حظر الأسلحة يهدف في الأساس إلى تقييد قدرة إسرائيل على شن الحروب، فإن الأموال المتدفقة إلى البلاد عبر بوابة صادرات الأسلحة تتطلب القدر ذاته من التدقيق والمحاسبة والضغط.
لا يخفى على أحد أن الحملات العسكرية باهظة التكلفة بشكل استثنائي وتزداد بشكل مضاعف عندما يتعلق الأمر بحملات تمتد لسنوات على غرار هجوم الإبادة الجماعية الذي تشنه إسرائيل على قطاع غزة. وتُشير التقديرات إلى أن العامين والنصف الماضيين من الحروب الإسرائيلية قد كلفا خزانة الدولة أكثر من مائة مليار دولار، وهو مبلغ ضخم يغطي نفقات شراء الذخائر والأسلحة، وأجور الأفراد العسكريين، والتعويضات عن الممتلكات المتضررة، وغيرها من نفقات زمن الحرب.
وفي هذا السياق، لعبت صناعة الأسلحة الإسرائيلية دوراً محورياً في تعويض بعض تلك الموارد المستنزفة. وتجدر الإشارة إلى أن عدداً من كبرى شركات التصنيع الدفاعي في البلاد مملوكة للدولة، مما يعني أن حصة من أرباحها تتدفق مباشرة إلى الخزينة العامة وتنعشها.
ففي عام 2025 على سبيل المثال، دفعت شركة صناعات الفضاء الإسرائيلية للدولة ما يقرب من سبعمائة مليون دولار في شكل أرباح تراكمية، شملت مستحقات عن سنوات سابقة. وفي الوقت ذاته، سددت شركة أنظمة رفائيل للدولة مائة وواحداً وعشرين مليون دولار في العام ذاته، وذلك بعد أن دفعت ما يقرب من مائة مليون دولار في عام 2024، بينما ساهمت شركة تومر للصناعات المملوكة للدولة، وهي شركة أصغر حجماً، بخمسة ملايين ونصف المليون دولار إضافية.
على أن الأرباح الموزعة لا تمثل سوى قناة واحدة من القنوات التي تدر من خلالها هذه الصناعة إيرادات ضخمة للدولة. فالشركات الدفاعية، سواء كانت مملوكة للدولة أو تابعة للقطاع الخاص، تدفع ضرائب على أرباح الشركات حيث ساهمت كبريات الشركات العسكرية الإسرائيلية بنحو مليار شيكل (أي ما يعادل تقريباً ثلاثمائة وخمسة وثلاثين مليون دولار) كضرائب على دخل الشركات في عام 2024.
ولأن حصة كبيرة من عائدات الضرائب الإسرائيلية تُجمع عبر الضرائب المفروضة على العمل والرواتب، فإن مساهمة هذه الشركات تتجاوز بكثير مجرد ضرائب الأرباح. واستناداً إلى التقارير العامة للشركات، يُقدر أن الوظائف التي توفرها كل من شركة إلبيط سيستمز، وصناعات الفضاء الإسرائيلية، وأنظمة رفائيل قد ولدت ثمانية مليارات وستمائة مليون شيكل إضافية في شكل ضرائب على الدخل والرواتب، مما يرفع إجمالي الحصيلة الضريبية السنوية للدولة المرتبطة بهذه الشركات إلى ما يتراوح بين تسعة وعشرة مليارات شيكل تقريباً.
وتتجلى الأهمية المتزايدة للصادرات العسكرية بشكل أكثر وضوحاً عند مقارنتها بأداء اقتصاد التصدير الإسرائيلي على نطاق أوسع. فبين عامي 2022 و2024، انخفض إجمالي صادرات السلع الإسرائيلية بنحو ثلاثة عشر ملياراً وأربعمائة مليون شيكل، وفقاً لبيانات المكتب المركزي للإحصاء، وهو تراجع يعكس انكماشاً اقتصادياً أوسع شمل خسائر فادحة في القطاع الزراعي وتزايد ضغوط المقاطعة الدولية.
ولكن، وخلال الفترة ذاتها، ارتفعت الصادرات الدفاعية بنحو سبعة مليارات شيكل، وذلك بحسب بيانات مديرية التعاون الدفاعي الدولي التابعة لوزارة الدفاع الإسرائيلية (سيبات). وبمعنى آخر، فإن النمو الملحوظ في صادرات الأسلحة قد عوض ما يقرب من اثنين وخمسين بالمائة من التراجع الذي شهدته الصادرات الإسرائيلية الأخرى للسلع خلال هذين العامين. وفي اللحظة التي فرضت فيها حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة أعباءً استثنائية وغير مسبوقة على الاقتصاد الإسرائيلي، تحولت صناعة الدفاع إلى مصدر لا غنى عنه لجلب العملات الأجنبية، وإنعاش الدخل الضريبي، وضخ المدفوعات المباشرة في شرايين الدولة.
احتياطي التصدير
بعد بضعة أيام من السابع من أكتوبر/تشرين الأول، فتحت فرق الاستجابة السريعة في المستوطنات اليهودية بمنطقة الجليل الأعلى صناديق سوداء تحتوي على بنادق جديدة ولامعة، سُلمت مباشرة من شركة تصنيع الأسلحة الإسرائيلية إمتان كرميئيل. ووفقاً لموقع شومريم الاستقصائي، فقد تفاجأ هؤلاء الأفراد حين وجدوا أن الأسلحة تحمل شعاراً محفوراً لشرطة دولة آسيوية.
جاءت هذه الحادثة كثمرة لصفقة أُبرمت في خضم الفوضى التي أعقبت الهجوم الذي قادته حركة حماس. ففي اليوم التالي مباشرة، كسبت أربع شركات أسلحة إسرائيلية عميلاً محلياً جديداً يتمثل في وزارة الأمن القومي التي يترأسها إيتمار بن غفير. ومن أجل تلبية هذا الطلب غير المسبوق على الأسلحة الخفيفة داخل إسرائيل، سارعت تلك الشركات إلى تحويل مسار الأسلحة التي صُنعت في الأصل لصالح مشترين أجانب، لتضعها بين يدي الوزير اليميني المتطرف.
غير أن السياسة الكامنة وراء هذا الإجراء تسبق تاريخ السابع من أكتوبر/تشرين الأول بوقت طويل. فمن أبرز الدروس التي استخلصتها إسرائيل من حرب عام 1973، حاجتها الماسة إلى صناعة أسلحة محلية أضخم بكثير، قادرة على تلبية احتياجات الجيش الإسرائيلي خلال أي حرب كبرى ومفاجئة. ومع ذلك، لم يكن من الممكن تبرير الحفاظ على طاقة إنتاجية بهذا الحجم الهائل بناءً على الاحتياجات الروتينية للجيش الإسرائيلي فحسب، حتى مع الأخذ في الحسبان الأسلحة المطلوبة لمواصلة الاحتلال الإسرائيلي المستمر للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة.
وهنا، برزت أسواق التصدير كحل مثالي لهذه المعضلة إذ أتاحت لمصنعي الأسلحة الإسرائيليين إبقاء مصانعهم قيد التشغيل المستمر بين الهجمات واسعة النطاق، مع الاحتفاظ في الوقت ذاته بالقدرة على إعادة توجيه الإنتاج بسرعة البرق لصالح الجيش الإسرائيلي كلما ارتفع الطلب بشكل مفاجئ.
ولا يزال هذا المنطق يمثل ركيزة أساسية في صناعة الدفاع الإسرائيلية حتى يومنا هذا. وكما أوضح مراقب الدولة في عام 2012، فإن الصادرات العسكرية تساهم في الحفاظ على البنية التحتية الصناعية، والمعرفة الفنية، ورأس المال البشري، وهي عناصر ضرورية لمنح الجيش الإسرائيلي تفوقاً نوعياً فريداً. وعلاوة على ذلك، تخدم هذه الصادرات ما وصفه المراقب بالمصالح السياسية والاستراتيجية والاقتصادية لدولة إسرائيل.
ويمتد المبدأ ذاته ليتجاوز نطاق الأسلحة الخفيفة، ليشمل أنظمة دفاعية وهجومية أكثر تطوراً. فعلى سبيل المثال، شُهد توسع ملحوظ في إنتاج الصواريخ الاعتراضية الإسرائيلية من خلال افتتاح خط تصنيع جديد لصواريخ السهم في عام 2024، وذلك لتلبية صفقة بيع ضخمة لدولة ألمانيا. وعلى الرغم من أن هذه الصفقة كانت قد وُقعت قبل شهر أكتوبر/تشرين الأول 2023، إلا أن الطاقة الإنتاجية الإضافية ضاعفت من قدرة إسرائيل على تجديد مخزوناتها الخاصة وتغذيتها خلال فترة الحرب.
وفي شهر يناير/كانون الثاني 2024، أفاد موقع كالكاليست المالي الإسرائيلي بأن مصنعي الأسلحة الإسرائيليين قرروا تأجيل تسليم أسلحة تُقدر قيمتها بنحو مليار ونصف المليون دولار لعملاء أجانب. وأشارت التقارير إلى أن الشحنات المؤجلة تضمنت قذائف هاون، وذخائر دبابات وقطع غيار لها، وأنظمة دفاع جوي، وأسلحة خفيفة، وغيرها من المعدات العسكرية. وكانت هذه المواد بأكملها من النوع الذي يمكن إعطاء الأولوية لتوجيهه نحو تلبية الاحتياجات العسكرية الداخلية بدلاً من تصديره.
بناءً على ذلك، تتجلى إحدى الوظائف الأشمل والأعمق لصادرات الأسلحة الإسرائيلية فمن خلال شراء الأسلحة والمكونات الإسرائيلية، يقوم العملاء الأجانب بما هو أبعد من مجرد إثراء مصنعي الأسلحة والمساهمين فيها. إذ تساهم طلباتهم في الحفاظ على استمرارية خطوط الإنتاج، والخبرات الفنية، والعمالة الماهرة، والطاقة الصناعية الجاهزة لإعادة التوجيه نحو تلبية المتطلبات العسكرية الخاصة بإسرائيل في أوقات الحرب. ومن خلال القيام بذلك، يساعد هؤلاء العملاء، بقصد أو بدون قصد، في الحفاظ على البنية التحتية العسكرية والصناعية التي تستند إليها إسرائيل في هجوم الإبادة الجماعية على قطاع غزة، وغزوها للبنان، وبناء قدراتها لخوض أي حروب مستقبلية.
أسلحة بلا حدود
وإذا كانت صادرات الأسلحة تمثل جزءاً لا يتجزأ من قدرة إسرائيل على شن الحروب، تماماً كما هو الحال مع وارداتها من الأسلحة، فإن الدول التي تسعى جاهدة لتبرئة ساحتها من التواطؤ في الجرائم الإسرائيلية لا يمكنها الاكتفاء بمجرد التوقف عن بيع الأسلحة لإسرائيل بل يتوجب عليها أيضاً التوقف عن الشراء منها. ومع ذلك، فإن تطبيق هذا الأمر على أرض الواقع يبدو قولاً أسهل بكثير من الفعل.
تُبنى صناعة الأسلحة العالمية على سلاسل توريد مترابطة ومتكاملة بعمق. فمنظومة أسلحة واحدة، سواء كانت طائرة مقاتلة أو دبابة أو نظام دفاع جوي، قد تحتوي في طياتها على مكونات وتقنيات من إنتاج شركات تتوزع في عدة دول مختلفة. وبالتالي، يمكن للحكومات أن توقف مشترياتها المباشرة من الشركات الإسرائيلية، مع استمرارها في شراء أسلحة تتضمن تكنولوجيا إسرائيلية مدمجة، وهو ما يضمن استمرار تدفق الإيرادات وتوليد الأرباح لصالح صناعة الدفاع الإسرائيلية.
وقد اصطدمت دولة النرويج بهذا الواقع المعقد بعد أن اتخذت قراراً بوقف بيع الأسلحة لإسرائيل والتوقف عن شراء الأسلحة إسرائيلية الصنع في آن واحد. وفي هذا السياق، صرح وزير الدفاع النرويجي توري ساندفيك في شهر أبريل/نيسان الماضي قائلاً إن بلاده لا تبيع أسلحة لإسرائيل، ولا تشتري أنظمة أسلحة إسرائيلية مستقلة. غير أنه سارع إلى التوضيح بأن استبعاد المكونات إسرائيلية الصنع، المدمجة داخل أنظمة أسلحة أجنبية أكبر، يُعد أمراً غير وارد على الإطلاق. وعلل ذلك بأن الإقدام على خطوة كهذه سيجعل من المستحيل تماماً بناء قدرات القوات المسلحة النرويجية، وسيجعل عملية الاندماج في حلف شمال الأطلسي صعبة للغاية.
وعلاوة على ذلك، تزيد المشاريع المشتركة (وهي شركات أو مشاريع مملوكة وتُدار بشكل مشترك من قبل شركات من دول مختلفة) من صعوبة رسم الحدود الفاصلة للمقاطعة. فقد أعلنت كل من إسبانيا وكرواتيا وسلوفينيا صراحة دعمها لفرض حظر أسلحة على إسرائيل، بما يشمل فرض قيود صارمة على الواردات والصادرات معاً. ورغم هذا الإعلان، قامت الدول الثلاث بشراء صاروخ يورو سبايك، وهو نسخة مصنعة أوروبياً من صاروخ سبايك الذي تنتجه شركة أنظمة رفائيل الإسرائيلية.
ويُنتج هذا الصاروخ من خلال مشروع مشترك يجمع بين الشركة الإسرائيلية المملوكة للدولة، وشركتي راينميتال وديل ديفينس الألمانيتين. وقد تُصنع هذه الصواريخ على الأراضي الأوروبية بالفعل، لكن مبيعاتها لا تزال تدر أرباحاً طائلة لصالح واحدة من أكبر الشركات الإسرائيلية المصنعة للأسلحة والمملوكة للدولة.
ولا يقتصر التمويل الأوروبي للصناعة العسكرية الإسرائيلية على مشتريات الأسلحة فحسب. فإسرائيل تحظى بصفة عضو منتسب في برنامج أبحاث أفق أوروبا التابع للاتحاد الأوروبي، وهو ما يمنح الجامعات ومعاهد الأبحاث وشركات التكنولوجيا الإسرائيلية حق الوصول إلى ميزانية الأبحاث الضخمة للكتلة الأوروبية، والتي تقدر بنحو خمسة وتسعين ملياراً ونصف المليون يورو. ومنذ عام 2021، حصلت ما لا يقل عن عشر شركات عسكرية إسرائيلية، من بينها إلبيط سيستمز، وصناعات الفضاء الإسرائيلية، وأنظمة رفائيل، وإيرونوتكس للأنظمة الدفاعية، مجتمعة على ما لا يقل عن أربعة وثلاثين مليوناً وتسعمائة وخمسين ألف يورو في شكل منح بحثية يقدمها الاتحاد الأوروبي لصالح مشاريع تطوير الأسلحة.
بناءً على ما سبق، يتضح أن المعضلة أكثر تعقيداً وتشابكاً من مجرد إيقاف شحنات الأسلحة المتجهة إلى إسرائيل خلال فترة حرب معينة. فعلى مدار عقود متتالية، تمكنت شركات الدفاع الإسرائيلية من دمج وتأصيل نفسها بعمق داخل سلاسل التوريد الدولية، والمشاريع المشتركة، وشبكات الأبحاث الممولة من القطاع العام. وتستمر هذه العلاقات المتشابكة في توليد الأموال الطائلة، وتراكم الخبرات التقنية، وتوسيع القدرات الصناعية، حتى في الأوقات التي تُعلق فيها عمليات النقل المباشر للأسلحة.
كسر حلقة التواطؤ
إبان الحملة العسكرية الإسرائيلية على قطاع غزة بين عامي 2008 و2009، أقدمت كل من المملكة المتحدة وبلجيكا والنرويج على وقف أو إلغاء تراخيص تصدير عسكرية محددة إلى إسرائيل. غير أن النرويج كانت الدولة الوحيدة من بين الدول الثلاث التي لم تتراجع لاحقاً لتعود إلى سياستها السابقة. وخلال الهجوم على غزة في عام 2014، راجعت الحكومة البريطانية مجدداً تراخيص الأسلحة الخاصة بها ولوحت بتهديدات بتعليقها. وفي خضم الإبادة الجماعية المستمرة في غزة، عادت المملكة المتحدة وبلجيكا لتفرضا قيوداً جديدة على الصادرات العسكرية في عام 2024.
ويكشف هذا المسار عن نمط متكرر تتجسد ملامحه في فرض العقوبات فقط عندما يبلغ العنف الإسرائيلي مستويات تجعل من استمرار التعاون العسكري أمراً لا يمكن تبريره أو الدفاع عنه سياسياً، ثم سرعان ما يُتخلى عن هذه العقوبات بمجرد تراجع حدة العدوان المباشر. والحقيقة أن مثل هذه التدابير المؤقتة لم تفلح كثيراً في وقف تلك الحملات العسكرية في حينها، ناهيك عن فشلها الذريع في تفكيك العلاقات والبنية التحتية التي تمهد الطريق لتسهيل شن حملات مستقبلية أشد فتكاً.
لا يعني أي مما سبق أن سحب الاستثمارات أو فرض حظر على الأسلحة هي إجراءات عديمة الجدوى. بل يعني ببساطة أنه لا يمكن فهم التعاون العسكري أو التعامل معه كحدث يبدأ مع انطلاق شرارة الحرب وينتهي بمجرد إعلان وقف إطلاق النار. فالحكومات لا يمكنها ببساطة أن تضغط على زر لتُعلق تواطؤها في الوقت الذي تتساقط فيه القنابل، ثم تعود لممارسة أعمالها كالمعتاد وكأن شيئاً لم يكن بمجرد انصراف انتباه المجتمع الدولي نحو قضايا أخرى.
إن أي مشروع مشترك، أو منحة بحثية، أو عقد مشتريات يُبرم قبل سنوات من اندلاع الحرب، يمكن أن يورط حكومة أجنبية ويجعلها مساهمة فعلياً في الدعم المادي للبنية التحتية التي تقف وراء جرائم حرب قد تُرتكب بعد عقود. وعلاوة على ذلك، فإن الخط الفاصل الذي تحاول الحكومات رسمه بين حرب الإبادة الإسرائيلية في غزة، وبين ما يُفترض أنه عنف روتيني ناجم عن الاحتلال ونظام الفصل العنصري (الأبارتهايد) والحصار، هو في الواقع تمييز زائف يطمس حقيقة هذا التواطؤ المستمر والممتد.
إن الأبحاث العسكرية والتمويل والتعاون الصناعي التي تتواصل وتتدفق خلال تلك السنوات التي يُزعم أنها أكثر هدوءاً واستقراراً، هي العناصر ذاتها التي تمنح إسرائيل القدرة على تصعيد وتيرة عنفها للوصول إلى مستويات الإبادة الجماعية. كما أنها العوامل التي تمكنها من الصمود بشكل أفضل في وجه العقوبات التي تُفرض عليها بمجرد بلوغ ذلك العنف أقصى درجاته وأبشع صوره.
في ظل وجود احتلال عسكري مستمر، يتلاشى أي معنى حقيقي لمفهوم وقت السلم. وتبرز أهمية هذه الحقيقة بشكل خاص اليوم، لتكون رسالة يجب على حركة التحرر الفلسطينية صياغتها والتأكيد عليها بوضوح. فمع تراجع الاهتمام العالمي بما يجري في غزة، وفي ظل احتمالية صعود حكومة إسرائيلية تبدو ظاهرياً أكثر اعتدالاً بعد الانتخابات المقبلة، قد تنتهز الحكومات الأجنبية الفرصة للتراجع عن القيود الحالية، وحفظ التشريعات المقترحة في الأدراج، واستعادة العلاقات العسكرية التي عُلقت أو قُلصت إبان فترة الإبادة الجماعية.
ولذلك، يجب أن تكون الحجة المناهضة لهذه التحركات واضحة ومباشرة فالتجارة العسكرية مع إسرائيل لا تقتصر وظيفتها على تزويد آلة حربها الحالية بالعتاد فحسب، بل إنها تدعم وتحافظ على البنية التحتية الصناعية والتكنولوجية والمالية التي تجعل من الممكن ارتكاب إبادة جماعية في المستقبل. وبحلول الوقت الذي تقع فيه تلك الإبادة المرتقبة، سيكون الأوان قد فات بالفعل لتفكيك هذه الترسانة المتجذرة.
المصدر: مجلة +972