• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

الهروب من هرمز.. كيف تعيد دول النفط رسم خريطة تصدير الطاقة؟

عماد عنان٢٣ أغسطس ٢٠٢٦

منذ الهزة العنيفة التي شهدها مضيق هرمز، أحد أهم ممرات الطاقة البحرية في العالم، والذي يعبر من خلاله ما يقرب من خُمس إمدادات الطاقة العالمية، بالتزامن مع اندلاع الحرب الأمريكية ضد إيران وتحول هذا الشريان الحيوي إلى سلاح وورقة ضغط جيوسياسية، وجدت الدول النفطية نفسها أمام مأزق استراتيجي كبير، بعدما أصبح ممرها الأبرز والأكثر أهمية لتصدير الطاقة عرضة لتهديدات مستمرة.

وأمام هذا الواقع، بدأت الدول المنتجة للنفط البحث بصورة أكثر جدية عن مسارات بديلة تقلل اعتمادها على مضيق هرمز قدر الإمكان،  فأي تهديد بإغلاق المضيق أو تعطيل حركة الملاحة عبره لا يمثل زلزالًا للأسواق العالمية فحسب، بل يشكل أيضًا ضربة قاسية لاقتصادات الدول النفطية التي تعتمد بدرجات متفاوتة على عائدات النفط والغاز في تمويل موازناتها ونشاطها الاقتصادي.

وقد دفعت المخاطر الأمنية المتصاعدة والمتلاحقة خلال الأشهر الستة الماضية دول الخليج، إلى جانب عدد من الدول النفطية المجاورة، إلى تسريع البحث عن ممرات وخطوط أنابيب وموانئ بديلة تتيح لها تصدير النفط والغاز بعيدًا عن نطاق مضيق هرمز، سواء عبر البحر الأحمر أو البحر المتوسط أو خليج عُمان وبحر العرب.

وفي هذه الإطلالة، نرسم خريطة تفصيلية لأبرز المسارات البديلة التي بدأت الدول النفطية تضعها تحت مجهر الدراسة والاهتمام، ومدى قدرتها الفعلية على تقليص الاعتماد على مضيق هرمز، والموانئ المرشحة لتحقيق أكبر استفادة اقتصادية واستراتيجية من إعادة رسم طرق تصدير الطاقة، إلى جانب أبرز المخاطر الأمنية والجيوسياسية واللوجستية التي قد تواجه هذه الممرات والموانئ الجديدة، في ظل حالة الاضطراب المتصاعدة التي تشهدها المنطقة بأسرها.

ينبع.. البديل السعودي الأكثر جاهزية لتجاوز هرمز

تُعد السعودية من أكثر الدول النفطية استعدادًا للتعامل مع سيناريو اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، إذ تمتلك بالفعل أقوى مسار بديل قائم لنقل النفط بعيدًا عن المضيق، وهو خط شرق–غرب الممتد من حقول المنطقة الشرقية إلى بقيق، ثم إلى ميناء ينبع على ساحل البحر الأحمر، ويمتد هذا الخط لمسافة تقارب 1,200 كيلومتر، بطاقة استيعابية تصل إلى نحو 7 ملايين برميل يوميًا، ما يمنح الرياض قدرة كبيرة على إعادة توجيه جانب مهم من صادراتها النفطية بعيدًا عن الممرات المهددة في الخليج.

ومن ميناء ينبع، يمكن تصدير النفط السعودي عبر ثلاثة اتجاهات رئيسية، الأول يمتد جنوبًا عبر البحر الأحمر، مرورًا بباب المندب، ثم إلى المحيط الهندي والأسواق الآسيوية، أما الاتجاه الثاني، فيتجه شمالًا عبر البحر الأحمر إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر المتوسط والأسواق الأوروبية، وهناك مسار ثالث يعتمد على البنية التحتية المصرية، يبدأ من ينبع إلى العين السخنة، ثم عبر خط سوميد إلى سيدي كرير على البحر المتوسط، قبل إعادة تحميل النفط على ناقلات متجهة إلى أوروبا أو إفريقيا أو آسيا.

ويُعد هذا المسار من أكثر البدائل حضورًا وقوة في المشهد الإقليمي، بل إن ميناء ينبع مرشح لأن يتحول إلى إحدى البوابات الرئيسية للنفط الخليجي نحو الأسواق العالمية بعيدًا عن مضيق هرمز، إذ لا تتوقف أهميته عند النفط السعودي فقط، إذ يمكن، حال تطوير شبكات الربط الإقليمية، أن يمتد ليشمل صادرات دول خليجية أخرى، وفي مقدمتها البحرين والكويت، وربما قطر في بعض السيناريوهات المستقبلية.

وفي المقابل، ورغم ما يمثله هذا الممر من فرصة لبناء عمود فقري جديد لصادرات الطاقة الخليجية، فإنه لا يخلو من تحديات أمنية وجيوسياسية كبيرة، فالخط نفسه يمتد لمسافات طويلة ويمكن أن يكون عرضة للاستهداف، كما أن جزءًا من حركة التصدير يعتمد على المرور عبر البحر الأحمر وباب المندب، وهي مناطق شهدت خلال السنوات الأخيرة تصاعدًا في التهديدات الأمنية.

وقد سبق أن تعرضت منشآت وخطوط مرتبطة بمنظومة النفط السعودية لهجمات بطائرات مسيرة وصواريخ، وهو ما يكشف أن تجاوز هرمز لا يعني بالضرورة التخلص من المخاطر، وإنما قد يؤدي إلى نقل مركز التهديد من مضيق هرمز إلى مسارات برية وبحرية أخرى،  لتبقى المعضلة الأمنية أبرز تحدٍ أمام البديل السعودي، رغم كونه الأكثر جاهزية وقدرة على العمل مقارنة بالخيارات الإقليمية الأخرى.

الفجيرة.. البوابة الإماراتية نحو المحيط الهندي

من بين المسارات البديلة التي فرضت نفسها بقوة على المشهد خلال الآونة الأخيرة، يبرز مسار أبوظبي–الفجيرة بوصفه أحد أهم الخيارات الإماراتية لتصدير النفط بعيدًا عن مضيق هرمز،  ويعتمد هذا المسار على نقل الخام من حقول أبوظبي إلى منطقة حبشان، ثم ضخه عبر خط أنابيب إلى ميناء الفجيرة على خليج عُمان، ومنها مباشرة إلى المحيط الهندي والأسواق العالمية.

ويبلغ طول هذا الخط نحو 400 كيلومتر، بطاقة استيعابية تقدر بنحو 1.5 مليون برميل يوميًا، فيما ترفع بعض التقديرات قدرته إلى نحو 1.8 مليون برميل يوميًا،  ويمنح هذا المسار الإمارات هامشًا أوسع من المرونة في تصدير نفطها بعيدًا عن مضيق هرمز، إذ يمكن تحميل الخام من الفجيرة والتوجه مباشرة إلى الأسواق الآسيوية، وفي مقدمتها الهند والصين واليابان وكوريا الجنوبية.

ولا يقتصر التحرك الإماراتي على هذا الخط القائم فقط، إذ تعمل شركة أدنوك على تنفيذ مسار إضافي موازٍ يعزز القدرة التصديرية للدولة خارج هرمز، ويبلغ طول المشروع الجديد نحو 300 كيلومتر، بتكلفة تقدر بنحو 3 مليارات دولار، وبطاقة متوقعة تصل إلى قرابة 1.2 مليون برميل يوميًا، مع توقعات باستكماله خلال العام المقبل.

وفي حال اكتمال هذا التوسع، قد تتحول الفجيرة إلى أحد أهم مراكز الطاقة المتكاملة في الخليج خارج مضيق هرمز، بما تضمه من خطوط أنابيب، ومرافق تخزين، وأرصفة لتحميل الناقلات، وخدمات لوجستية، وعمليات نقل وتداول للنفط بين السفن، ولهذا يُعد هذا النموذج من أكثر البدائل ملاءمة للأسواق الآسيوية، نظرًا لقصر المسار وسهولة الحركة اللوجستية مقارنة بالمسارات التي تتطلب المرور عبر البحر الأحمر أو قناة السويس.

البصرة – حديثة.. هيكلة جذرية عراقية لمسارات تصدير النفط

بدأ العراق هو الآخر في التعاطي مع المستجدات الأخيرة بقدر واضح من البراغماتية، انطلاقًا من معضلته الرئيسية المتمثلة في أن الجزء الأكبر من إنتاجه النفطي، ولا سيما القادم من حقول الجنوب مثل البصرة والرميلة والزبير وغرب القرنة ومجنون، يتجه نحو موانئ الخليج، وهو ما يضع بغداد أمام مأزق لوجستي واستراتيجي في حال تعرض طرق الملاحة في المنطقة لأي اضطراب، ويدفعها إلى التفكير في إعادة هيكلة مسارات نقل النفط بصورة أكثر جذرية.

ومن هنا برزت فكرة تدشين مسار بري بديل يعرف باسم البصرة–حديثة، يقوم على نقل النفط من جنوب العراق إلى مدينة حديثة في محافظة الأنبار غرب البلاد، لتتحول الأخيرة إلى نقطة ارتكاز تتفرع منها عدة مسارات نحو منافذ بحرية مختلفة.

الاتجاه الأول يمتد من حديثة شمالًا نحو فيشخابور، ثم إلى ميناء جيهان التركي على البحر المتوسط. ويكتسب هذا الخيار أهمية إضافية في ظل وجود خط قائم بالفعل يربط كركوك بجيهان، وقد أعيد تشغيله جزئيًا وفق التفاهمات العراقية التركية خلال العام الجاري، ومن شأن ربط نفط الجنوب بهذا المسار أن يمنح العراق منفذًا مباشرًا إلى المتوسط بعيدًا عن مضيق هرمز.

أما الاتجاه الثاني، فيمتد من حديثة باتجاه ميناء بانياس السوري على البحر المتوسط، وهو في جوهره إحياء لفكرة الخط العراقي–السوري القديم، مع الأخذ في الاعتبار أن البنية القديمة لم تعد مناسبة لإعادة التشغيل المباشر، ما يجعل الحاجة أقرب إلى إنشاء مسار جديد أو إعادة بناء واسعة للبنية التحتية، ويستهدف هذا المشروع طاقة تصل إلى نحو مليوني برميل يوميًا، وسط تقديرات تشير إلى تكلفة قد لا تقل عن 15 مليار دولار، وفترة تنفيذ قد تمتد إلى نحو أربع سنوات.

فيما يتجه المسار الثالث نحو ميناء العقبة الأردني على البحر الأحمر، انطلاقًا من البصرة مرورًا بحديثة ثم إلى الأراضي الأردنية وصولًا إلى العقبة، ويُعد هذا المشروع من الخطط القديمة التي أعادت تطورات مضيق هرمز الأخيرة إحياءها من جديد، في ظل سعي بغداد إلى تقليص اعتمادها على منفذ بحري واحد، فيما تدور بعض التقديرات حول طاقات تتجاوز مليوني برميل يوميًا في أجزاء من منظومة النقل المقترحة، مع اختلاف السعات بحسب كل جزء من أجزاء الشبكة.

وإذا نجح العراق فعليًا في تنفيذ هذه الشبكة من المسارات البديلة، فقد يصبح من أكثر الدول النفطية في المنطقة تنوعًا في جغرافيا تصدير الخام، فبدل الاعتماد شبه الكامل على الخليج العربي، سيكون بإمكانه الوصول إلى البحر المتوسط عبر تركيا وسوريا، والبحر الأحمر عبر الأردن، إلى جانب الإبقاء على منافذه التقليدية في الخليج، وبهذا التصور، لا يكون قد عالج فقط معضلة الاعتماد على مضيق هرمز، بل يكون قد أعاد رسم خريطته التصديرية بالكامل، بما يمنحه مرونة جغرافية واستراتيجية نادرة نسبيًا بين الدول النفطية في المنطقة.

بقية دول الخليج.. الاستفادة من المسارات البديلة

تعتمد بقية الدول النفطية في الخليج، بدرجات متفاوتة، على الاستفادة من المسارات البديلة القائمة بالفعل أو العمل على الارتباط بها مستقبلًا، فالكويت، على سبيل المثال، لا تمتلك حتى الآن خطًا مستقلاً ينقل إنتاجها إلى بحر مفتوح بعيدًا عن مضيق هرمز، ما يجعلها أكثر اعتمادًا على تطوير ترتيبات ربط مع البنية التحتية السعودية،  وفي هذا السياق، يبرز تصور يقوم على نقل النفط الكويتي عبر شبكة أرامكو في شرق السعودية، ثم إلى بقيق، ومنها عبر خط شرق–غرب وصولًا إلى ينبع على البحر الأحمر، كما تُطرح أفكار أخرى للربط عبر عُمان أو الإمارات، لكنها لا تزال في مراحل غير مكتملة حتى الآن.

ولا تختلف البحرين كثيرًا عن الكويت من حيث الاعتماد المحتمل على الشبكة السعودية، فالخيار الأكثر واقعية يتمثل في ربط صادراتها النفطية بمنشآت أرامكو في شرق المملكة، ومنها إلى شبكة شرق–غرب ثم إلى ينبع والبحر الأحمر ومع ذلك، فإن الوضع البحريني يختلف نسبيًا، لأن الخط القائم حاليًا يخدم في الأساس نقل النفط السعودي إلى البحرين، وليس تصدير النفط البحريني إلى الخارج، وهو ما يستدعي ترتيبات إضافية مع الرياض لتوسيع قدرات الربط وتكييفها مع أي دور تصديري مستقبلي.

أما قطر، فتواجه معضلة أكثر تعقيدًا، لا سيما أن الجزء الأكبر من ثقلها في أسواق الطاقة يرتبط بالغاز الطبيعي المسال، ويعبر مضيق هرمز جزء مهم من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميًا، وتُمثل قطر حصة كبيرة من هذه التدفقات، كما أن التعامل مع الغاز يختلف جذريًا عن النفط الخام، إذ يحتاج إلى بنية تحتية متخصصة تشمل مرافق معالجة وضغط وإسالة ونقل، ولا يمكن التعامل معه بالمرونة نفسها التي تسمح بها خطوط نقل النفط التقليدية، ومن هنا قد تبرز مستقبلًا تفاهمات بشأن مسارات بديلة مرتبطة بالفجيرة أو ينبع أو موانئ سلطنة عُمان، لكن هذه الخيارات تظل أكثر تعقيدًا وكلفة من البدائل النفطية.

وفيما يتعلق بعُمان، فالوضع مختلف إلى حد كبير؛ إذ لا تواجه السلطنة المعضلة نفسها التي تواجهها بقية دول الخليج، لأن جزءًا مهمًا من سواحلها وموانئها الرئيسية يقع خارج مضيق هرمز أصلًا،  وإلى جانب ذلك، تمتلك عُمان شبكة من الموانئ والمراكز اللوجستية المهمة مثل صحار، وميناء الفحل في مسقط، والدقم، وصلالة، ما يمنحها ميزة جغرافية ولوجستية واضحة، وبناء عليه قد تتحول السلطنة من مجرد دولة منتجة ومصدرة للطاقة إلى منصة إقليمية متقدمة لتخزين وتداول وإعادة تصدير النفط والغاز بعيدًا عن مضيق هرمز، خاصة إذا توسعت مستقبلاً مشاريع الربط مع الدول الخليجية والعراق، أو جرى تعزيز قدراتها في مجالات التخزين وإعادة الشحن والخدمات البحرية.

خريطة جديدة للطاقة في الشرق الأوسط

من خلال هذه المؤشرات، يمكن تصور خريطة جديدة لمسارات الطاقة في الشرق الأوسط تتشكل حول ستة محاور رئيسية، هدفها تقليل الاعتماد على مضيق هرمز وتنويع منافذ التصدير أمام الدول النفطية، المحور الأول هو المحور الغربي، ويمتد من الكويت والبحرين والسعودية نحو بقيق، ثم عبر شبكة شرق–غرب إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر،  أما المحور الثاني فهو المحور الشرقي، وينطلق من أبوظبي إلى حبشان، ثم الفجيرة، ومنها مباشرة إلى المحيط الهندي والأسواق الآسيوية.

ويأتي بعد ذلك المحور الشمالي، الذي يبدأ من البصرة ويمر بحديثة ثم فيشخابور وصولًا إلى ميناء جيهان التركي على البحر المتوسط، وإلى جانبه يبرز المحور الشمالي الغربي، الممتد من البصرة إلى حديثة ثم بانياس السورية ومنها إلى البحر المتوسط.

أما المحور الجنوبي الغربي، فينطلق من البصرة مرورًا بحديثة ثم إلى ميناء العقبة الأردني على البحر الأحمر، وأخيرًا يأتي المحور الجنوبي الشرقي المحتمل، والذي يمكن أن يربط الكويت وقطر والعراق بميناء الدقم في سلطنة عُمان، ومنها إلى خليج عُمان وبحر العرب.

وفي حال اكتمال البنية التحتية لهذه الشبكة ودخول مشروعاتها الرئيسية حيز التشغيل، فإنها قد تعيد رسم خريطة تدفقات النفط في المنطقة بصورة لافتة. ووفق تقديرات وكالة “أسوشيتد برس”، يمكن لهذه البدائل أن تتيح مرور نحو 60% من صادرات الخليج النفطية بعيدًا عن مضيق هرمز بحلول عام 2028.

ومع ذلك، تظل هذه المسارات بدائل مساندة وليست بديلًا كاملًا عن مضيق هرمز،  فاستبدال المضيق بشكل كامل يظل أمرًا غير واقعي، خاصة فيما يتعلق بتجارة الغاز الطبيعي المسال القطري، التي ترتبط ببنية تحتية أكثر تعقيدًا وأقل مرونة من النفط الخام، وعليه، فإن القيمة الحقيقية لهذه المشروعات تكمن في تنويع طرق التصدير وتقليص الاعتماد على منفذ بحري واحد، بما يمنح الدول النفطية هامشًا أوسع من الحركة والمرونة في حال تعرض مضيق هرمز لأي اضطراب أمني أو عسكري مستقبلاً.

الموانئ الرابحة

من شأن تدشين شبكة جديدة لنقل إمدادات الطاقة في الشرق الأوسط بعيدًا عن مضيق هرمز أن يعيد توزيع الأهمية الجيوسياسية واللوجستية بين عدد من موانئ المنطقة، ويمنح بعضها أدوارًا أكبر مما كانت تتمتع به قبل اندلاع الحرب الحالية، ووفق قاعدة ( مصائب قوم عند قوم فوائد) فإن بعض الموانئ مرشحة لأن تتحول إلى مراكز رئيسية في خريطة الطاقة الجديدة.

وفي مقدمة هذه الموانئ يأتي ميناء ينبع السعودي، الذي قد ينتقل من كونه ميناءً رئيسيًا لتصدير النفط السعودي إلى بوابة الطاقة الغربية للخليج، لا سيما إذا جرى ربطه مستقبلًا بإمدادات قادمة من الكويت أو البحرين، بما يعزز دوره كمركز رئيسي لتجميع وتصدير النفط الخليجي عبر البحر الأحمر بعيدًا عن مضيق هرمز.

ويأتي بعده ميناء الفجيرة الإماراتي، الذي يمكن اعتباره أحد أكبر الرابحين استراتيجيًا على المدى الطويل من التحولات الحالية.، وتكمن ميزته الأساسية مقارنة بينبع في أنه لا يحتاج، عند التوجه نحو الأسواق الآسيوية، إلى المرور عبر مضيق باب المندب، إذ تنطلق الشحنات من خليج عُمان إلى بحر العرب ثم المحيط الهندي مباشرة، وهو ما يمنحه قدرًا أكبر من المرونة اللوجستية ويقلل عدد نقاط الاختناق البحرية التي يتعين عبورها.

كذلك يبرز ميناء جيهان التركي بوصفه أهم بوابة عراقية قائمة بالفعل على البحر المتوسط، إذ يوفر منفذًا مباشرًا للنفط العراقي إلى الأسواق الأوروبية بعيدًا عن هرمز والبحر الأحمر معًا، ومن بعده يأتي ميناء بانياس السوري، الذي قد يكون مرشحًا لتحول اقتصادي واستراتيجي كبير إذا جرى تطوير البنية التحتية وربطه فعليًا بشبكة نقل النفط العراقية، ورغم أن إعادة تأهيله وتوسيع قدراته تتطلب استثمارات ضخمة، فإن موقعه على المتوسط يمنحه أهمية محتملة كبيرة ضمن خريطة الطاقة الإقليمية الجديدة.

ومن الموانئ المرشحة للاستفادة أيضًا ميناء العقبة الأردني، خاصة في حال استكمال الربط مع مسار البصرة–حديثة العراقي، بما يمنحه دورًا جديدًا كمحطة لتصدير النفط العراقي عبر البحر الأحمر، كما يبرز ميناء الدقم في سلطنة عُمان، المطل على بحر العرب، كأحد أكثر المواقع الواعدة للتحول إلى مركز لوجستي متكامل لتخزين وتداول وإعادة تصدير الطاقة مستقبلًا، وفي السياق نفسه، يكتسب ميناء صحار العُماني أهمية متزايدة، وإن كان دوره المرجح أقرب إلى مركز لوجستي وخدمي لعمليات التخزين وإعادة الشحن ونقل النفط بين السفن، أكثر من كونه محطة نهائية لخط أنابيب كبير.

أما ميناءا العين السخنة وسيدي كرير في مصر، فيمثلان حلقة محورية في هذا التحول، لكونهما يشكلان طرفي محور النقل بين البحر الأحمر والبحر المتوسط عبر خط سوميد، وقد بدأت أرامكو السعودية بالفعل خلال منتصف العام في زيادة عرض شحنات من سيدي كرير بالتزامن مع تصاعد المخاطر في البحر الأحمر، كما استخدم بعض العملاء الآسيويين الخام السعودي المنقول عبر محور السويس–المتوسط، وفي حال استمرار هذا الاتجاه، فإن مصر قد تعزز موقعها باعتبارها جسرًا بريًا وبحريًا رئيسيًا بين البحر الأحمر والبحر المتوسط، بما يرفع الأهمية الاستراتيجية لكل من العين السخنة وسيدي كرير ضمن شبكة تصدير الطاقة الإقليمية الجديدة.

بلا حصانة كاملة

في المحصلة، ترسم هذه البدائل مجتمعة ملامح خريطة جديدة للطاقة في الشرق الأوسط، من شأنها أن تمنح الدول النفطية هامشًا أوسع من الحركة، وخيارات أكثر تنوعًا في مواجهة الاضطرابات التي قد يتعرض لها مضيق هرمز، بعدما تحول في أوقات الأزمات إلى أداة ضغط وورقة سياسية ذات تأثير مباشر في أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي.

ومع ذلك، فإن هذه البدائل لا توفر مظلة أمان كاملة، إذ تظل بدورها عرضة لجملة من التحديات الأمنية والعسكرية واللوجستية، فخطوط الأنابيب الممتدة لمسافات طويلة، والموانئ البديلة، ومراكز التخزين والشحن، يمكن أن تتحول جميعها إلى أهداف محتملة في أوقات التصعيد، وهو ما قد يؤدي إلى تعطيلها أو إخراجها من الخدمة مؤقتًا، كما حدث في سوابق عدة خلال السنوات الماضية.

ومن هنا، فإن الرهان على هذه المسارات لا ينبغي أن يقتصر على إنشائها أو توسعة طاقتها الاستيعابية فقط، بل يستدعي بالتوازي إعادة صياغة استراتيجيات الحماية والتأمين، سواء من خلال الدفاعات الجوية، أو تأمين خطوط الأنابيب، أو تعزيز أمن الموانئ والممرات البحرية، بما يضمن استمرار تدفق الطاقة في أوقات الأزمات.

وعلى كل حال، وبصرف النظر عن سرعة إنجاز هذه الشبكة الجديدة أو حجمها النهائي، فإن الحرب الأمريكية الإيرانية الجارية تمثل على الأرجح محطة فاصلة في خريطة الاقتصاد الطاقوي العالمي، فما قبلها لن يكون بالضرورة كما بعدها، إذ كشفت الأزمة بوضوح مخاطر الاعتماد المفرط على ممر واحد، مهما بلغت أهميته أو رسوخه في منظومة التجارة الدولية، ومن هنا، ستكون الأفضلية للدول التي نجحت في بناء بدائل متعددة وسيناريوهات مرنة، بما يضمن ألا يصبح مصير صادراتها وإيراداتها رهين ممر واحد قد يتعرض للاضطراب، أو يتحول في لحظة أزمة إلى أداة ضغط ومساومة جيوسياسية.

مواضيعاقتصاد الخليج ، الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، النفط ، صراع الطاقة ، مصادر الطاقة

قد يعجبك ايضا

اقتصاد

من الكهرباء إلى المناجم والموانئ.. أين تتوسع تركيا اقتصاديًا في سوريا؟

نون إنسايت٢١ أغسطس ٢٠٢٦
اقتصاد

من النفط إلى المعادن.. لماذا تدخل أرامكو التعدين الآن؟

نون إنسايت٢٠ أغسطس ٢٠٢٦
اقتصاد

من الخليج إلى الأطلسي.. ماذا وراء تحالف الـ29 مليار دولار بين المغرب والإمارات؟

نون إنسايت١٩ أغسطس ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑