في آذار/مارس 2026، لم يكن الحفر في منطقة عدرا الصناعية بريف دمشق بحثًا عن رفات بشرية، إذ كان الموقع مهيئًا لإنشاء مطحنة، لكن أعمال تجهيز الأساسات قادت إلى العثور على رفات أربعة أشخاص في اليوم الأول، كانت مبعثرة ومختلطة بفعل أعمال الحفر، قبل أن تستأنف الفرق المختصة البحث في اليوم التالي وتعثر على رفات عشرة أشخاص آخرين، ليصل مجموع ما جرى انتشاله خلال يومين إلى 14 شخصًا.
لم تكن عدرا الحالة الوحيدة التي أدت فيها أعمال الحفر إلى العثور على رفات بشرية. ففي شباط/فبراير 2026، عُثر على رفات في حي التضامن بدمشق أثناء الحفر لتشييد بناء، فأوقفت الأعمال وأُغلق الموقع. وفي أيار/ مايو، كشفت أعمال حفر أساسات مدرسة “خولة بنت الأزور” في دوما بريف دمشق عن رفات عائلة مؤلفة من تسعة أشخاص، بينهم أربعة أطفال.
ومع اتساع أعمال البناء والتأهيل وفتح الطرق وترحيل الأنقاض في مناطق سورية، أخذت أعمال الحفر وإعادة التأهيل تكشف تباعًا عن جانب من ملف المفقودين. ففي داريا بريف دمشق، عُثر في أيار/مايو 2026 على رفات بشرية في موقع كان يُجهّز لأعمال إنشائية سكنية، وفي الشهر نفسه كُشفت رفات أخرى في منطقة المزة ـ أوتستراد بدمشق أثناء أعمال الحفر والإنشاء. وقبل ذلك، في أيلول/سبتمبر 2025، قادت أعمال صيانة خط للصرف الصحي في حي القدم إلى العثور على مقبرة جماعية تضم رفات خمسة أشخاص على الأقل.
تكشف هذه الوقائع أن أعمال الحفر، على اختلاف أهدافها، قد تقود إلى العثور على رفات لأشخاص ما يزال مصيرهم مجهولًا، كما لا يقتصر الأمر على مواقع البناء، إذ عُثر في آب/أغسطس الحالي على رفات بشرية خلال أعمال حفر وتوسعة الطريق الواصل بين أريحا وإدلب في ريف إدلب الجنوبي.
تضيف هذه الحالات تعقيدًا إلى ملف المفقودين والمختفين قسرًا في سوريا، في وقت تتزامن فيه الجهود المتعلقة بالتعامل مع الرفات وتحديد هويات أصحابها مع توسع أعمال إعادة الإعمار وتأهيل الأحياء، ما يسلط الضوء على كيفية تعامل الجهات المختصة مع الرفات التي يُعثر عليها خلال هذه الأعمال، والإجراءات المتبعة لحمايتها وتوثيقها وانتشالها، ومدى ما قد تسببه أعمال الحفر والإنشاء من تأثير في سلامتها أو فقدان الأدلة التي قد تساعد في تحديد هويات أصحابها.
مئات المقابر وآلاف المصائر المجهولة
مع سقوط نظام الأسد، كانت التقديرات تشير إلى وجود 66 مقبرة جماعية في سوريا، لكن اكتشاف المقابر لا يزال متواصلًا، وهو ملف شائك يتجاوز استخراج الرفات إلى تحديد هويات الضحايا وكشف مصير المفقودين والمختفين قسرًا، الذين تقدر الشبكة السورية لحقوق الإنسان عددهم بأكثر من 177 ألف شخص منذ عام 2011، فيما يصل العدد إلى نحو 300 ألف مفقود على مدى أكثر من خمسة عقود من حكم عائلة الأسد.
ويرجح مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فضل عبد الغني، أن يكون عدد المقابر الجماعية أكبر بكثير من التقديرات المعلنة، وقد يصل إلى مئات المقابر، بالنظر إلى سنوات من الاعتقالات والقتل تحت التعذيب، وعدم الكشف عن مصير آلاف المعتقلين والمفقودين، إضافة إلى إرث أحداث حماة، حيث ظل مصير كثير من الضحايا مجهولًا.
وتواجه سوريا، وفق عبد الغني، معضلة في التعامل مع الأعداد الكبيرة من الأشخاص المدفونين في المقابر الجماعية، في ظل ما تعرضت له بعض هذه المواقع من نقل وتجريف وخلط وعبث، إلى جانب تعدد القوى التي سيطرت على مناطق مختلفة خلال سنوات الثورة.
ويضع عبد الغني الحفاظ على المقابر الجماعية وعدم تخريبها في مقدمة الأولويات، مع ضرورة توعية المجتمع بأهمية حمايتها، بما في ذلك المقابر التي تظهر في أماكن عامة كالحدائق، مشيرًا إلى أن المضي في ملف المفقودين يحتاج إلى دعم كبير، تقدر كلفته بمئات ملايين الدولارات، لتوفير التقنيات والكوادر والخبرات والمعدات، في ظل عدم وجود إمكانات كافية لحماية جميع المقابر.
ويؤكد عبد الغني أن المقبرة الجماعية، بمجرد اكتشافها، تُعامل على أنها مسرح جريمة، ما يستدعي حمايتها وتحصينها وتنظيم الدخول والخروج إليها قبل البدء بأي أعمال. ولا تقتصر العملية، بحسبه، على استخراج الجثث أو الرفات، إنما تتطلب سلسلة من الإجراءات تشمل توحيد البيانات وتحديد الهويات، وصولًا إلى بناء ملف متكامل يساعد في معرفة مصير المفقودين.
كيف تُحمى الرفات؟
تشرف الهيئة الوطنية للمفقودين، وهي كيان أُسس بموجب مرسوم رئاسي صدر في أيار/مايو 2025، على ملف البحث عن المفقودين والمختفين قسرًا والكشف عن مصيرهم، إلى جانب توثيق الحالات وإنشاء قاعدة بيانات وطنية وتقديم الدعم القانوني والإنساني لعائلاتهم.
وفيما يتعلق بالرفات التي يُعثر عليها، تعمل الفرق المختصة في الدفاع المدني السوري بإشراف وتنسيق الهيئة، وفق البروتوكولات والمعايير المهنية المعتمدة لتوثيق الرفات وجمعها وانتشالها والاستجابة للبلاغات المتعلقة بها، بما يضمن حماية الأدلة واحترام كرامة الضحايا، قبل تسليم الرفات إلى مركز الاستعراف لاتخاذ الإجراءات اللازمة.
وتنشر الهيئة والدفاع المدني بصورة دورية توصيات وتنبيهات تدعو إلى عدم الاقتراب من المواقع التي يُشتبه بوجود رفات مجهولة الهوية أو مقابر جماعية فيها، وعدم لمسها أو العبث بها، حفاظًا على الأدلة الجنائية وكرامة الضحايا.
وعلى مستوى ترحيل الأنقاض، يتولى الدفاع المدني السوري تنفيذ هذه الأعمال، لا سيما في المناطق التي تعرضت أحياؤها لدمار واسع وتتجاوز فيها عمليات الترحيل قدرة الأفراد أو المبادرات المحلية، منها مشروع إزالة وإدارة الأنقاض في مدينتي دوما وداريا بريف دمشق، الممول من مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، والذي وصلت نسبة تنفيذه حتى نهاية تموز/يوليو الماضي إلى أكثر من 98%، بعد ترحيل نحو 84 ألف متر مكعب من أصل 85 ألف متر مكعب مستهدفة.
حاول “نون بوست” الحصول على توضيحات من الدفاع المدني السوري عبر مجموعة من الأسئلة، حول إحصائية عن استجابة فرقه لبلاغات العثور على رفات بشرية منذ سقوط نظام بشار الأسد، والإجراءات التي تتبعها الفرق عند العثور على الرفات، والجهات التي تُحال إليها الرفات والمواقع بعد انتهاء دورها، إضافة إلى الإجراءات المتعلقة بالكشف المبكر عن بقايا أو رفات بشرية في مواقع ترحيل الأنقاض قبل البدء بالعمل، لكنه لم يتلق ردًا حتى لحظة نشر هذا التقرير.
عند العثور على رفات بشرية أثناء تأهيل مدرسة، أو شق طريق، أو تنفيذ أي مشروع إنشائي، يؤكد مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فضل عبد الغني على ضرورة وقف الأعمال فورًا في الجزء المتأثر، وتأمين الموقع، ومنع تحريك الرفات أو المتعلقات المحيطة بها إلى حين وصول الجهة المختصة وإجراء تقييم أولي. ولا يعني ذلك بالضرورة وقف المشروع بأكمله أو تعطيله إلى أجل غير محدد، وإنما عزل المساحة التي يُحتمل أن تحتوي على رفات أو أدلة إلى أن تتضح طبيعة الموقع وحدوده.
ويقول عبد الغني لـ”نون بوست” إن النقطة الأساسية تتمثل في أن الرفات لا يجوز التعامل معها باعتبارها مجرد عظام ينبغي نقلها لإفساح المجال أمام المشروع، فقد يكون الموقع مرتبطًا بمفقودين أو مختفين قسرًا، وقد يشكل أيضًا مسرحًا لجريمة قتل أو تعذيب أو إعدام خارج نطاق القضاء.
لذلك، لا تكمن القيمة الإثباتية في الرفات وحدها، بل تشمل أيضًا موضعها، وعمق الدفن، وعلاقتها بالرفات الأخرى، والملابس، والمتعلقات الشخصية، والمقذوفات، والقيود، وطبقات التربة، وقد يؤدي تحريك هذه العناصر عشوائيًا إلى فقدان معلومات لا يمكن استعادتها لاحقًا، حتى إذا أمكن تحديد هوية الضحية بواسطة الحمض النووي، وفق عبد الغني.
بين استمرار الإعمار وحماية الأدلة
ويشير إلى أن هذا هو المنطق الذي يقوم عليه بروتوكول “مينيسوتا” لعام 2016 بشأن التحقيق في حالات الوفاة التي يُحتمل أن تكون غير مشروعة، إذ يشدد على اعتماد منهج جنائي وأثري منظم عند استخراج الرفات، وعلى توثيق موقعها والعلاقة بينها وبين الأدلة المحيطة بها. كما تحدد إرشادات اللجنة الدولية لشؤون المفقودين (ICMP) للاستجابة الأولى في مواقع الدفن أربعة عناصر أساسية هي، حماية الموقع، وتسجيل موقعه، وتوثيقه، وإبلاغ السلطات المختصة. وتوصي كذلك بأن تتجاوز المنطقة المحمية الحدود الظاهرة للرفات، لأن نطاق الدفن الفعلي قد يكون أوسع مما يظهر أثناء الحفر الأولي.
وبناءً على ذلك، يرى مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان أنه في حال اصطدمت جرافة برفات أثناء العمل، ينبغي إيقافها وتوثيق موضع ظهور الرفات قبل أي تدخل إضافي، وإذا كانت الجرافة قد نقلت بالفعل تربة من الموقع، فلا ينبغي التخلص من تلك التربة، لأن أجزاءً من الرفات أو المتعلقات أو الأدلة قد تكون انتقلت معها.
كذلك لا يجوز للعمال، أو للمقاول جمع العظام أو غسلها أو وضعها في أكياس أو نقلها إلى مكان آخر، وينبغي إبلاغ الهيئة الوطنية للمفقودين والجهات القضائية والطب الشرعي، بحسب طبيعة الحالة، بحيث يتولى التقييم مختصون في الطب الشرعي والأنثروبولوجيا والآثار الجنائية.
بعد ذلك، يجب تحديد نطاق الموقع قبل اتخاذ قرار بشأن الاستخراج، وقد تُستخدم وسائل غير تدخلية أو تقنيات مسح مختلفة عندما تكون ملائمة، لكن لا توجد قاعدة دولية تجعل استخدام وسيلة تقنية بعينها، مثل المسح الجيوفيزيائي، إلزاميًا في جميع الحالات.
ويشير إلى أن المبدأ هو اختيار الوسيلة التي تحافظ على الأدلة وتحد من التدخل في الموقع إلى أدنى قدر ممكن، وإذا أمكن استمرار المشروع في أجزاء أخرى، أو تعديل تسلسل الأعمال أو مسارها مؤقتًا، فإن ذلك يكون أفضل من اللجوء إلى استخراج متسرع. أما إذا كان بقاء الرفات في مكانها يعرضها لخطر وشيك من التلف أو التدمير، فقد يصبح التدخل العاجل ضروريًا، على أن يتخذ المختصون هذا القرار، لا المقاول أو الجهة المستفيدة من المشروع.
ويلفت إلى أن هذه المسألة ليست هامشية في سوريا، فوفق قاعدة بيانات الشبكة السورية لحقوق الإنسان حتى حزيران/يونيو 2026، لا يزال 177,021 شخصًا على الأقل في عداد المختفين قسرًا. ولذلك، يعتقد أن سوريا تحتاج إلى بروتوكول وطني ملزم للتعامل مع حالات الاكتشاف العرضي للرفات، يكون جزءًا من قواعد التخطيط العمراني وعقود المقاولات. فالإعمار يجب أن يستمر، لكن لا يجوز أن تكون سرعة التنفيذ مبررًا لتدمير موقع قد يمثل الفرصة الأخيرة لعائلة لمعرفة مصير مفقودها، وللقضاء لإثبات الجريمة وتحديد المسؤولية عنها.