• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

تهم مجهولة ومحاكمات مؤجلة.. أعمار السوريين العالقة في سجون لبنان

محمد كاخي٣١ أغسطس ٢٠٢٦

يمكن أن يتحول التأخير الإداري والقضائي المرتبط بقضايا الموقوفين السوريين في لبنان إلى سنوات تُقتطع من أعمار أشخاص كان يُفترض أن يكونوا خارج السجن أصلًا، إذ لا تقتصر مشكلة الموقوفين السوريين في لبنان على طول فترات الاحتجاز أو اكتظاظ السجون، بل تكشف بعض الملفات عن خلل أعمق في مسار العدالة نفسها.

وبينما تشير معطيات حقوقية وتصريحات لمحامين لبنانيين إلى بطء المحاكمات وتعقيد الإجراءات، تكشف حالات فردية حجم المفارقة بصورة أوضح، فقد نشر المحامي اللبناني محمد صبلوح، عبر صفحته على فيسبوك خلال شهر تموز/يوليو 2026، قصتين حدثتا مؤخرًا في لبنان، تعرض خلالهما سوريان للظلم القضائي.

في الحالة الأولى، أُوقف المواطن السوري قاسم الوادي في لبنان على خلفية نشرة حمراء صادرة بطلب من القضاء اليوناني، وبقي أكثر من عشرة أشهر في نظارة قصر العدل في بيروت، من دون أن تتمكن السلطات اللبنانية من تسليمه إلى الجهة الطالبة، ونُقل لاحقًا إلى اليونان على نفقة عائلته، حيث لم يحتج القضاء إلى أكثر من شهر ونصف لإصدار حكم ببراءته، فعاد إلى أهله في سوريا، بحسب صبلوح.

وفي حالة أخرى، بقي شاب سوري في أحد السجون اللبنانية 24 شهرًا إضافية، رغم صدور قرار بإخلاء سبيله، بسبب عدم تبليغه بالقرار، وظل خلف القضبان عامين كاملين، وكأن قرار خروجه لم يصدر أصلًا، قبل أن يعود إلى عائلته في سوريا في 19 تموز/يوليو 2026، وفق ما أكده المحامي محمد صبلوح لـ”نون بوست”.

وفي 29 أيلول/سبتمبر 2025، توفي الفتى السوري مهند محمد الأحمد، البالغ من العمر 14 عامًا، داخل مكان توقيفه في سجن مخصص للفتيان بمنطقة الوروار في بعبدا، شرقي العاصمة بيروت.

وبحسب وكالة أنباء الموقوفين السوريين في لبنان “سدنال”، بقي الأحمد موقوفًا لمدة 3 أشهر، من دون أن يتمكن من التواصل مع ذويه طوال هذه الفترة. ونقلت الوكالة عن والد الموقوف القاصر قوله إن ابنه “قُتل على يد آخرين” داخل السجن المخصص لمن هم دون السن القانونية.

هذه الوقائع، بصرف النظر عن خصوصية كل ملف، تدفعنا إلى طرح أسئلة حول كيفية إدارة القضاء اللبناني لملفات الموقوفين السوريين، وما إذا كان التأخير في بعض الحالات قد تجاوز حدود التعقيد القضائي المعتاد، ليصبح سببًا بحد ذاته في استمرار سلب حريتهم.

فحين يحتاج موقوف إلى أشهر طويلة حتى تتحرك إجراءات تسليمه، أو يقضي عامين إضافيين في السجن رغم صدور قرار بإخلاء سبيله، يصبح الخلل الإجرائي جزءًا من العقوبة نفسها، حتى قبل صدور الحكم القضائي.

القانون موجود.. لكن من يطبّقه؟

من المفترض أن يدخل الموقوف منظومة تحكمها سلسلة من الضمانات الواضحة منذ لحظة توقيفه؛ فيعرف سبب توقيفه، ويتمكن من الاتصال بعائلته ومحاميه، ويحصل على حقه في الدفاع، وألا يتحول توقيفه المؤقت إلى إقامة مفتوحة خلف القضبان.

لكن الشهادات التي جمعناها ترسم فجوة قاسية بين ما تنص عليه القوانين وما يعيشه الموقوف على أرض الواقع، إذ قال المحامي اللبناني محمد صبلوح لـ”نون بوست” إن المواد 32 و47 و102 من قانون أصول المحاكمات الجزائية تضع قيودًا واضحة على مدد الاحتجاز والتوقيف، وتكفل للموقوف حق الاتصال بعائلته والاستعانة بمحام، بما يضمن حقوق جميع الموقوفين، لبنانيين وسوريين على حد سواء.

ويضيف صبلوح أن غياب الرقابة القضائية على تطبيق هذه النصوص، وعدم محاسبة عناصر الضابطة العدلية عند انتهاك حقوق الموقوفين، يتركان الباب مفتوحًا أمام ما يصفه بالفوضى وغياب العدالة.

الناشط والمعتقل السابق في سجن رومية ضياء الدين جناح من داخل السجن 2026- خاص نون بوست

ويرى المحامي اللبناني نبيل الملحم أن الموقوف السوري يواجه صعوبة إضافية في الوصول إلى الدفاع، فقد يحول وضعه المادي دون توكيل محام، كما أن عدم إلمامه بالقوانين اللبنانية يضعف قدرته على حماية نفسه خلال المسار القضائي.

وحيدًا أمام القضاء اللبناني

يفقد الموقوف السوري في لبنان، حتى قبل دخوله السجن، شبكة الحماية التي يُفترض أن تحيط بأي شخص يدخل في مسار قضائي، فعائلته قد تكون في سوريا، وإقامته في لبنان غير قانونية، وقد لا تملك أسرته المال لتوكيل محامٍ أو دفع كفالة، فيما يبقى هو غير ملمّ بتفاصيل القانون اللبناني، ولا يعرف إلى من يلجأ أو كيف يتابع ملفه.

وقال المحامي محمد صبلوح لـ”نون بوست” إن الإهمال في السجون اللبنانية يطال اللبنانيين والسوريين على حد سواء، لكن عائلة الموقوف اللبناني تكون غالبًا داخل البلاد، فتستطيع السؤال عنه وتوكيل محامٍ له واللجوء إلى نقابة المحامين.

في المقابل، تعيش عائلات كثير من الموقوفين السوريين في سوريا، أو تواجه مشكلات في الإقامة داخل لبنان، ما يحول دون قدرتها على السؤال عن أبنائها. وبحسب صبلوح، ينتظر الموقوف السوري أن يتحرك ملفه من تلقاء نفسه، في حين قد يبقى الملف عالقًا لسنوات ما لم يتابعه أحد.

وتتجاوز هذه الهشاشة غياب العائلة، إذ يرى المحامي نبيل الملحم أن الوضع المادي المتردي لمعظم السوريين المقيمين في لبنان قد يحول دون توكيل محامٍ أو دفع كفالة، فيما يظل حصول غير القادرين منهم على دعم قانوني أمرًا نادرًا.

ويضيف الملحم أن عدم إلمام الموقوف السوري بالقوانين اللبنانية والإجراءات القضائية يجعله، بحسب وصفه، من “الفئات الهشة” التي تحتاج إلى حماية قانونية من أي تعسف.

وينقل الناشط والمعتقل السابق في سجن رومية ضياء الدين جناح لـ”نون بوست” صورة من داخل السجن، متحدثًا عن موقوفين لا يعرفون سبب اعتقالهم إلا بعد مثولهم أمام قاضي التحقيق، وعن عشرات المعتقلين الذين أمضوا، بحسب شهادته، سنوات من دون محاكمة، فيما كانت جلسات آخرين تؤجل لأشهر طويلة.

وبحسب جناح، لا يزال عشرات المعتقلين خلف القضبان رغم انتهاء أحكامهم، بسبب عجزهم عن دفع الغرامات أو الكفالات المالية، ويقول في حديثه لـ”نون بوست” إن عددًا كبيرًا من السجناء “لا يملك دولارًا واحدًا”، ما يجعل الإفراج عنهم مرهونًا بقدرة مالية لا يملكونها.

ولا تقتصر العوائق على الكفالات والغرامات، إذ يبقى الوصول إلى محامٍ صعبًا لمن لا يملك المال، فيما تحدث جناح أيضًا عن تعرض سجناء لعمليات نصب من بعض المحامين.

التأجيل كعقوبة غير معلنة

قد لا يحتاج الموقوف إلى حكم بالسجن كي يدفع ثمنًا باهظًا من حريته؛ إذ يكفي أحيانًا أن تتأجل جلسة محاكمته، ليقضي أسابيع أو أشهرًا إضافية رهن الاحتجاز، من دون أن يصدر بحقه حكم بالإدانة.

وقال المحامي محمد صبلوح إن بعض الجلسات تؤجل مدة تصل إلى سبعة أشهر، وقد ينتظر الموقوف طويلًا حتى يحين موعد محاكمته، ثم تُؤجل الجلسة مرة أخرى.

ويضيف صبلوح في حديثه لـ”نون بوست” أن اكتظاظ السجون يرتبط بتقصير القضاء في أداء عمله، لافتًا إلى وجود أشخاص في سجن بعبدا أمضوا سنوات من دون أن تُعرض قضاياهم على المحاكمة.

وتتكرر الشهادة على لسان الناشط والمعتقل السابق ضياء الدين جناح، الذي يقول إنه يعرف “عشرات المعتقلين الذين لا يزالون من دون محاكمة منذ 10 سنوات”، ويتحدث عن موقوفين يحضرون جلساتهم، ثم تؤجل محاكماتهم ثمانية أو تسعة أشهر، قبل أن يتكرر التأجيل في الجلسة التالية.

وتتعارض هذه الشهادات مع ما ينص عليه القانون اللبناني، إذ تكفل المادة 47 من قانون أصول المحاكمات الجزائية للمشتبه فيه حق “السرعة في الاستماع إلى أقواله وعدم المماطلة”.

كما أشارت الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان في لبنان، في تقرير صدر في 16 آب/أغسطس 2024، إلى أن رصدها أوضاع الاحتجاز كشف وجود موقوفين تجاوز احتجازهم المدد القانونية، وبعضهم أمضى أشهرًا من دون ختم محضر التحقيق.

ولم ترد وزارة العدل اللبنانية على أسئلة “نون بوست” بشأن هذه الوقائع حتى لحظة نشر التقرير.

تهمة لا يعرفها صاحبها

في بعض ملفات التوقيف، لا ترتبط المشكلة بطول مدة الاحتجاز أو تأخر المحاكمة فحسب، بل تبدأ من عدم معرفة الموقوف سبب توقيفه. وبحسب الشهادات التي جمعها “نون بوست” من داخل المنظومتين الحقوقية والقضائية، يدخل بعض الموقوفين السوريين مسار الاحتجاز من دون معرفة التهمة الموجهة إليهم أو تفاصيل الملف الذي ينتظرهم.

وقال المحامي اللبناني نبيل الملحم لـ”نون بوست” إن عدم معرفة الموقوف السوري سبب توقيفه من أبرز المشكلات التي تواجهه، خصوصًا في حالات التوقيف الأمني، ثم يجد نفسه أمام صعوبة أخرى عند إحالته إلى القضاء، بسبب عدم إلمامه بالقوانين والإجراءات اللبنانية.

وقال الناشط والمعتقل السابق في سجن رومية ضياء الدين جناح لـ”نون بوست” إن موقوفين التقاهم داخل السجن لم يكونوا يعرفون سبب اعتقالهم، وإن بعضهم لم يعلم بالتهمة الموجهة إليه إلا أمام قاضي التحقيق. وتحدث عن اتهامات قال إنها كانت تُوجَّه إلى معتقلين على خلفية مشاركتهم في الثورة السورية.

وتزداد خطورة هذه الفجوة لأن القانون اللبناني ينص على إحاطة المشتبه فيه علمًا بالصفة التي يُستجوب على أساسها، والشبهات القائمة ضده والأدلة المؤيدة لها، فضلًا عن حقه في الاتصال بمحامٍ وأحد أفراد عائلته، بحسب المادة 47 من قانون أصول المحاكمات الجزائية.

لكن الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان في لبنان رصدت، في تقريرها الصادر عام 2024، حالات لم تُقرأ فيها هذه الحقوق على المحتجزين، وأخرى لم يُسمح فيها بالاتصال بالأهل أو المحامي إلا بعد انتهاء التحقيق، كما وثّقت حالة كان فيها المحتجز “غير واعٍ بالجريمة التي اتُّهم بها”.

الناشط والمعتقل السابق في سجن رومية ضياء الدين جناح من داخل السجن 2026- خاص نون بوست

من القضاء إلى السفارة.. أين يلجأ الموقوف السوري؟

رغم تعقيدات المسار القضائي، يُفترض ألا يبقى الموقوف السوري من دون جهة يلجأ إليها أو آلية لمتابعة قضيته في البلد الذي يعيش فيه.

وقال المحامي والمستشار في القانون الجنائي الدولي محمد حربلية لـ”نون بوست” إن القضاء اللبناني هو الجهة الأولى التي يُفترض أن يلجأ إليها السوري عند مواجهة أي مشكلة قانونية في لبنان، باعتباره مؤسسة يُفترض فيها الحياد والإنصاف، مع إمكانية الاستعانة بمكتب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في لبنان، ولا سيما في حالات الاحتجاز التعسفي.

كما أعاد التحول السياسي في سوريا فتح باب كان مغلقًا أمام السوريين، إذ يقول حربلية إن السفارة السورية في لبنان بات بإمكانها، ضمن حدود صلاحياتها القانونية، متابعة شكاوى مواطنيها والتدخل لدى الجانب اللبناني عبر وزارة الخارجية، بما في ذلك طلب الاستيضاح أو الاحتجاج عند وجود تحيز أو غياب للاستجابة. ولم ترد وزارة العدل السورية على أسئلة “نون بوست” بشأن هذه التفاصيل حتى لحظة تحرير التقرير.

وعلى المستوى القنصلي، تتيح اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية لعام 1963 للسفارة إرسال مندوبين إلى أماكن التوقيف والسجون، بالتنسيق مع السلطات اللبنانية، للاطلاع على أوضاع الموقوفين والتحدث إليهم وترتيب تمثيل قانوني لهم، بحسب حربلية.

أما بالنسبة إلى الموقوف نفسه، فيلخص حربلية الحد الأدنى من الإجراءات التي ينبغي له معرفتها في حقه بمعرفة سبب احتجازه، والاستعانة بمحامٍ، والتواصل مع أسرته، وطلب فحص طبي لتوثيق أي آثار للضرب أو سوء المعاملة، ويمكن لأحد أقاربه التواصل مع السفارة السورية إذا شعر بوقوع ظلم عليه أو بعدم الاستجابة لقضيته.

علاماتأزمة اللاجئين السوريين في لبنان ، أوضاع اللاجئين السوريين في لبنان ، الحكومة السورية الجديدة ، الشأن السوري
مواضيعالأزمة السورية ، السوريين في لبنان ، الشأن السوري ، سوريا حرة

قد يعجبك ايضا

حقوق وحريات

وزير حقوق الإنسان اليمني لـ”نون بوست”: الأسر تخشى الإبلاغ عن اختفاء أبنائها

بشرى الحميدي٣٠ أغسطس ٢٠٢٦
حقوق وحريات

ملف عبدين جبارة.. كيف تجسست أمريكا على ناشطيها العرب؟

روزينا علي٢٣ أغسطس ٢٠٢٦
حقوق وحريات

إلغاء مفاجئ لإقامات مصريين في الإمارات.. إجراء إداري أم رسالة سياسية؟

فريق التحرير١٦ أغسطس ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑