خلال سنوات النزاع، ظل الاختفاء القسري أحد الملفات الحقوقية الصعبة في اليمن. أشخاص انقطعت أخبارهم بعد اختطافهم أو احتجازهم، وعائلات بدأت رحلة طويلة للبحث عن معلومة، بينما تتعقد عملية الوصول إلى الحقيقة مع تعدد أطراف النزاع وتباين مناطق السيطرة وتداخل الجهات المسؤولة عن الاحتجاز.
ومع مرور الوقت، لا تفقد هذه القضية أهميتها؛ فمعرفة مكان المختفي ومصيره ليست مطلبًا مؤجلًا، وإنما حق لأسرته، كما أن كشف ملابسات اختفائه ومحاسبة المسؤولين عنه يمثلان جزءًا أساسيًا من مسؤولية الدولة تجاه ضحايا الانتهاكات.
وبحلول اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري، يفتح “نون بوست” ملف المختفين قسرًا في اليمن في حوار مع وزير حقوق الإنسان اليمني، مشدل محمد عمر، للوقوف على واقع القضية، وآليات التوثيق والمتابعة، ودور الحكومة في التعامل مع حالات الاختفاء، ومسؤوليتها تجاه المختفين وأسرهم.
بعد توليكم وزارة حقوق الإنسان، ما حجم ملف الاختفاء القسري في اليمن وفق أحدث البيانات التي تمتلكها الوزارة؟ وكم عدد الحالات التي تم توثيقها والتحقق منها رسميًا؟
ملف الاختفاء القسري من أكثر ملفات حقوق الإنسان تعقيدًا في اليمن، ولا يمكن اختزاله في رقم نهائي، لأن ما يصل إلى الجهات الرسمية لا يمثل بالضرورة الحجم الكامل للظاهرة. لدينا حالات تم توثيقها والتحقق منها، لكننا نعتقد أن العدد الحقيقي أكبر من الأرقام المسجلة، خصوصًا في ظل إحجام بعض الأسر عن الإبلاغ خوفًا من التهديد والانتقام، وهو ما يظهر بصورة أكبر في حالات النساء.
ولهذا تعمل الوزارة على جمع المعلومات من مصادر متعددة، عبر مكاتبها في المحافظات والراصدين والتواصل مع الأسر، وبالتنسيق مع الجهات الوطنية ذات العلاقة، وهدفنا الوصول إلى بيانات دقيقة يمكن البناء عليها في معرفة مصير المختفين ومتابعة المسؤولين عن هذه الانتهاكات، وليس تقديم رقم غير مكتمل باعتباره حصرًا نهائيًا.
ما الجهات أو الأطراف التي تنسب إليها الوزارة حالات الاختفاء القسري التي وثقتها؟ وهل تمتلك الوزارة بيانات توضح عدد الحالات بحسب الجهة والمنطقة والفترة الزمنية؟
تؤكد المعلومات والوقائع التي وثقناها مسؤولية مليشيات الحوثي الإرهابية عن جانب واسع من حالات الاختطاف والاحتجاز والإخفاء القسري، وقد ارتبطت هذه الممارسات بعدد من أجهزتها الأمنية والاستخباراتية، بما في ذلك جهات تتولى عمليات التحقيق والاحتجاز، إضافة إلى ما يرد من معلومات بشأن تورط عناصر نسائية تابعة للمليشيات، تُعرف بالزينبيات.
ونحن نحرص في هذا الملف على التمييز بين توثيق الواقعة ونسبتها استنادًا إلى المعلومات المتاحة، وبين إثبات المسؤولية الجنائية التي تختص بها جهات التحقيق والقضاء.
من بين حالات الاختفاء القسري التي وثقتها الوزارة، كم حالة تمكنت الحكومة من معرفة مصير أصحابها، وكم حالة لا يزال مصير أصحابها مجهولًا؟ وما أبرز الأسباب التي تعيق الوصول إلى بقية الحالات؟
ينبغي هنا التفريق بين الحالات التي وثقتها الوزارة والحالات التي تمكنت الجهات الحكومية المختصة من الوصول إلى معلومات بشأنها. الوزارة تتابع ما يرد إليها من حالات، لكنها ليست الجهة الوحيدة التي تمتلك بيانات جميع حالات الاحتجاز والاختفاء في البلاد، كون هذا الملف تتقاطع فيه معلومات جهات متعددة، ولذلك لا نريد تقديم رقم إجمالي لا يستند إلى قاعدة بيانات وطنية ومحدثة.
وما نستطيع تأكيده في هذا السياق، أن الوزارة عملت على متابعة العديد من الحالات وتمكنت من الوصول إلى معلومات بشأنها، وتعمل على تشبيك هذه المعلومات مع اللجنة الوطنية للتحقيق ووزارة الداخلية ومكاتب الوزارة في المحافظات والراصدين.
عندما تتلقى الوزارة بلاغًا عن شخص يُعتقد أنه تعرض للاختفاء القسري، ما الإجراءات التي تتخذها للتحقق من الحالة وتتبع مصير الشخص؟ وماذا يحدث للملف بعد توثيقه؟
تتعامل الوزارة مع البلاغات الواردة إليها من خلال التحقق من المعلومات المتاحة، ومراجعة البيانات والوثائق ذات الصلة عبر راصديها الميدانيين ومكاتب الوزارة في المحافظات المختلفة، والتواصل مع الجهات المختصة بحسب طبيعة الحالة، ومتابعة ما يستجد بشأنها.
وعند توثيق الحالة تُدرج ضمن الملفات التي تتابعها الوزارة وفق اختصاصها، ويمكن إحالتها أو مخاطبة الجهات المختصة بشأنها بحسب طبيعة الواقعة، مع مراعاة الضوابط القانونية وحماية المعلومات المتعلقة بالضحايا وأسرهم.
في الحالات المنسوبة إلى جماعة الحوثي، ما الأدوات التي تمتلكها الحكومة لكشف مصير المختفين أو الضغط للإفراج عنهم، خصوصًا في ظل عدم سيطرتها على المناطق التي توجد فيها بعض هذه الحالات؟ وما النتائج التي تحققت حتى الآن؟
عدم السيطرة الفعلية على بعض المناطق لا يعني غياب مسؤولية الحكومة عن متابعة مواطنيها أو الترافع عن حقوقهم. وتستخدم الحكومة القنوات الوطنية والدولية المتاحة لمتابعة هذه الملفات، بما في ذلك التواصل مع الجهات الدولية عبر المسار الأممي، وبالتنسيق مع مكتب المبعوث الأممي واللجنة الدولية للصليب الأحمر، وإثارة حالات الاختفاء والاحتجاز في المحافل المختصة، والمطالبة بالكشف عن مصير المختفين والإفراج عن المحتجزين تعسفيًا. أما النتائج فتتفاوت بحسب كل حالة ومجريات المتابعة.
كما أن لدينا في الحكومة لجنة معنية بمفاوضات تبادل المحتجزين والمختطفين، وتبذل جهودًا مستمرة للوصول إلى عمليات تبادل تضمن الإفراج عن المختطفين والمحتجزين، وخاصة المدنيين.
وقد شهد هذا المسار مباحثات وصفقات شملت أعدادًا كبيرة من المحتجزين، كان آخرها صفقة التبادل التي كان مقررًا أن تتم في شهر يوليو الماضي، إلا أن المليشيات الحوثية تنصلت عن التزاماتها في اللحظة الأخيرة، وألغت عملية التبادل من طرفها.
في المقابل، كيف تتعامل الوزارة مع حالات الاحتجاز أو الاختفاء التي تقع في مناطق خاضعة لسيطرة الحكومة؟ وما الإجراءات المتخذة للتحقيق فيها ومحاسبة أي جهة يثبت تورطها؟
موقف الوزارة واضح في أن حماية حقوق الإنسان لا تتجزأ، وأن أي ادعاء بوقوع احتجاز غير قانوني أو اختفاء أو انتهاك لحقوق الأشخاص في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة يجب أن يخضع للتحقق والمتابعة وفق القانون.
والوزارة تقوم في حدود اختصاصها برصد ومتابعة ما يرد إليها من حالات احتجاز أو ادعاءات تتعلق بحرمان الأشخاص من حريتهم بصورة غير قانونية، وتتواصل مع السلطات المحلية والجهات الأمنية المختصة ووزارة الداخلية للتحقق من أوضاع الحالات ومبررات الاحتجاز.
وفي الحالات التي لا تتوفر فيها مبررات قانونية لاستمرار الاحتجاز، تعمل الوزارة مع الجهات المعنية على إنهائه أو إحالة الملف إلى النيابة وفق الإجراءات القانونية، لتتولى إجراءات التحقيق والمساءلة الجنائية وفق اختصاصاتها، والوزارة لا تحل محل جهات التحقيق والنيابة والقضاء، لكنها تتابع وترصد وتخاطب وتنسق، ولا ينبغي أن تكون صفة الجهة أو موقعها سببًا في تعطيل المساءلة متى ثبت وقوع مخالفة للقانون.
ما حجم التعاون بين وزارة حقوق الإنسان ووزارات الداخلية والعدل والنيابة ومصلحة السجون في متابعة حالات الاختفاء القسري؟ وأين تتوقف الملفات عادةً، عند التوثيق، أم التحقيق، أم الوصول إلى المسؤولين؟
لا أعتقد أن من الدقة تعميم القول إن ملفات الاختفاء القسري تتوقف عند مرحلة معينة. هناك مراحل واختصاصات مختلفة؛ فالوزارة تضطلع بدور حقوقي في الرصد والتوثيق والمتابعة والتنسيق، بينما تتولى جهات التحقيق والنيابة والقضاء الاختصاصات المتعلقة بالتحقيق الجنائي والمسؤولية القضائية.
وتتمثل إحدى أبرز الصعوبات في بعض الحالات التي لا يمكن الوصول فيها إلى الشخص المختفي أو المعلومات المتعلقة بمكان احتجازه.
كما أن هناك تنسيقًا قائمًا بين وزارة حقوق الإنسان والجهات الوطنية ذات العلاقة، وفي مقدمتها وزارة الداخلية والجهات المحلية والقضائية واللجنة الوطنية للتحقيق، وتعمل الوزارة على الاستفادة من المعلومات التي تتوفر لدى مكاتبها في المحافظات والراصدين، بهدف بناء صورة أكثر تكاملًا عن الحالات ومتابعتها.
ما الذي قامت به الحكومة اليمنية بالتنسيق مع الأمم المتحدة والمجتمع الدولي للكشف عن مصير المختفين قسرًا، وما النتائج الملموسة التي تحققت من هذا التعاون؟
تتابع الحكومة هذا الملف عبر القنوات الوطنية والدولية المتاحة، وتعمل على إيصال المعلومات والملفات المتعلقة بالاختفاء والاحتجاز إلى الجهات الدولية المختصة، وإثارة هذه القضايا في المحافل الدولية، والمطالبة بالكشف عن مصير المختفين وضمان حقوق المحتجزين.
وفي ملف المحتجزين والمختطفين، يجري العمل عبر المسار الأممي وبالتنسيق مع مكتب المبعوث الأممي واللجنة الدولية للصليب الأحمر، كلٌ بحسب اختصاصه، للوصول إلى نتائج تسهم في كشف المصير والإفراج عن المحتجزين والمختطفين والمخفيين.
كيف تتعامل الوزارة مع أسر المختفين قسرًا، الذين قد تمر سنوات من دون أن تعرف الأسرة مصير أحد أفرادها؟ وهل توجد آلية رسمية لتقديم الدعم القانوني أو النفسي أو الاجتماعي لهم؟
أسر المختفين تتحمل عبئًا إنسانيًا ونفسيًا بالغًا، لأن الأسرة لا تواجه فقط فقدان أحد أفرادها، وإنما تعيش سنوات من عدم اليقين حول مصيره ومكان وجوده. ولذلك تنظر الوزارة إلى الأسرة باعتبارها طرفًا أساسيًا في متابعة الحالة، وتعمل على الاستماع إلى بلاغاتها ومعلوماتها ومتابعة ما يمكن متابعته مع الجهات المختصة.
لكن هناك تحديًا بالغ الخطورة يتمثل في خوف بعض الأسر من الإبلاغ أصلًا، وقد ظهر ذلك بصورة خاصة في حالات النساء التي تتواجد في مناطق سيطرة المليشيات الحوثية، حيث تحجم بعض الأسر عن ذكر الأسماء أو تقديم المعلومات خشية التهديد أو الابتزاز. وقد وصلت إلى الوزارة إفادات وشهادات مؤكدة من محتجزات سابقات تتحدث عن أعداد كبيرة من النساء المحتجزات أو المخفيات في سجون المليشيات.
أما ما يخص آليات الدعم للأسر، فما تزال الحاجة قائمة إلى تطوير آلية وطنية أكثر تكاملًا لدعم أسر المختفين، خاصة في الجوانب القانونية والنفسية والاجتماعية، وهو جانب ترى الوزارة أهمية العمل عليه بالتنسيق مع الجهات الحكومية والشركاء الدوليين.
إذا أردنا تقييم أداء الحكومة في ملف الاختفاء القسري خلال الفترة المقبلة، ما النتائج والأرقام التي يمكن أن تلتزم وزارتكم بتحقيقها، سواء في الكشف عن مصير المختفين، أو التحقيق في الحالات، أو إحالة المسؤولين عنها إلى القضاء؟
لا يمكن لوزارة حقوق الإنسان وحدها أن تضع رقمًا للكشف عن مصير المختفين، لأن الوصول إلى هذه النتائج يرتبط بجهات وإجراءات وظروف تتجاوز اختصاص الوزارة. لكن يمكننا الالتزام بتعزيز آليات الرصد والتوثيق، ومتابعة الحالات، ومخاطبة الجهات المختصة، وتطوير قواعد البيانات، ورفع القضايا والملفات التي تتوافر بشأنها المعلومات اللازمة إلى الجهات صاحبة الاختصاص، والاستمرار في إثارة هذا الملف وحقوق الضحايا وأسرهم أمام الجهات الوطنية والدولية.
كما ستواصل الوزارة التنسيق مع الجهات المعنية بملف المحتجزين والمختطفين، والدفع باتجاه أن تخضع حالات الاحتجاز غير القانوني للتحقيق والمساءلة وفق القانون. والأهم أن يظل ملف المختفين مفتوحًا، وألا تتحول السنوات التي تمر على أسرهم إلى سبب لنسيان هذه الحالات أو إغلاق ملفاتها، فمعرفة مصير المختفي حق لأسرته، وكشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات هدف يجب أن يظل قائمًا.