• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

إرث مجمّد وعائلات معلّقة.. هل تنصف “شهادة الغياب” عائلات المفقودين؟

زينب مصري٣٠ أغسطس ٢٠٢٦

أشخاص يتفحصون صور جثامين يُعتقد أنها تعود إلى معتقلين في سجن صيدنايا، وفقًا لمسؤول الطب الشرعي زاهر الطقش، في مستشفى المجتهد بدمشق، سوريا، 10 كانون الأول/ديسمبر 2024. (رويترز/محمد عازر)

يتزامن 30 آب، اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري، هذا العام مع مرحلة جديدة في تعامل الحكومة السورية مع أحد أكثر ملفات إرث النظام البائد تعقيداً، إذ لا يزال مصير آلاف الأشخاص مجهولاً، فيما تبقى عائلاتهم أمام فراغ قانوني بين استمرار حالة الفقدان والحكم بالوفاة، من دون وضع قانوني مستقل يتيح لها إدارة شؤون المفقود وحماية حقوقه إلى حين حسم مصيره.

وفي إطار جهود الدولة في هذا السياق، أُنشئت الهيئة الوطنية للمفقودين في سوريا بعد سقوط النظام السابق، بموجب المرسوم الرئاسي رقم 19 لعام 2025، بهدف البحث والكشف عن مصير المفقودين والمختفين قسراً، وتوثيق الحالات وإنشاء قاعدة بيانات وطنية، إلى جانب تقديم الدعم القانوني والإنساني لعائلاتهم. 

وفي حزيران الماضي، أطلقت الهيئة مشاورات وطنية حول المبادئ الحاكمة التي سيُبنى عليها مشروع قانون شؤون المفقودين والمختفين قسراً، بمشاركة عائلات المفقودين والناجين والمتأثرين مباشرة بالقضية، إلى جانب منظمات المجتمع المدني والخبراء القانونيين والحقوقيين.

وتأتي هذه المشاورات في ظل فجوة قانونية قائمة، إذ لا يوفر التشريع السوري الحالي وضعاً قانونياً مستقلاً للمفقود يتيح لعائلته تنظيم شؤونه دون اعتباره متوفى.

وبحسب المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في سوريا، تقتصر الخيارات المتاحة حالياً على إثبات حالة الفقدان، أو تعيين وكيل قضائي لإدارة بعض شؤون المفقود، أو اللجوء، عند تحقق الشروط القانونية، إلى الحكم باعتباره متوفى. 

وتزداد أهمية هذا النقاش في ظل حجم الملف، فوفقاً لبيانات “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، لا يزال ما لا يقل عن 181 ألفًا و677 شخصاً بين محتجزين ومختفين قسراً وأشخاص مجهولي المصير أو المكان لدى أطراف النزاع في سوريا منذ آذار 2011 وحتى حزيران 2026، بينهم 177 ألفاً و21 شخصاً مصنفين كمختفين قسراً.

وبينما تعمل الهيئة على صياغة الإطار القانوني الذي سينظم ملف المفقودين، تتجه المشاورات إلى تحديد الحقوق التي سيكفلها القانون للمفقودين وعائلاتهم، وطبيعة الوضع القانوني للمفقود إلى حين حسم مصيره، إلى جانب توزيع الصلاحيات والمسؤوليات بين الجهات المعنية بإدارة هذا الملف.

مشكلات قانونية يواجهها المفقود وعائلته

وتتمثل المشكلة القانونية الأساسية في غياب وضع قانوني مستقل للتعامل مع حالات الغياب القسري، كحالات الاختفاء القسري أو الاعتقال التعسفي أو الاختطاف في سياق النزاعات المسلحة، مع عدم وجود وضع قانوني وسيط، في غالبية الأنظمة القانونية العربية، ومنها القانون السوري المتأثر بالفقه المدني الفرنسي والشريعة الإسلامية، يعترف بـ”الغياب لأسباب قسرية” كحالة قانونية مستقلة قائمة بذاتها، بحسب المستشار القانوني لدى الهيئة الوطنية للمفقودين مركز إدلب المحامي عاصي الحلاق.

ويوضح المستشار في حديث لـ”نون بوست”، أن القانون يعرف عادة حالتين متطرفتين فقط: الشخص الحاضر/الحي: تُمارس جميع حقوقه وتُنفذ التزاماته بشكل طبيعي، والشخص المتوفى: تُصفّى ذمته المالية، وتُفتح التركة، وتُطلق زوجته حكماً (بانتهاء الزوجية بالوفاة)، ويسقط حقه في الحضانة والولاية، والمفقود بسبب الاختفاء القسري لا ينتمي فعلياً لأي من الحالتين، فهو ليس حاضراً ليمارس حقوقه، وليس ميتاً بشكل مؤكد قانوناً أو واقعاً، وهذا “الفراغ القانوني” هو جوهر المشكلة بحسب وصفه.

جانب من أولى جلسات المشاورات الوطنية بشأن المبادئ الحاكمة لقانون شؤون المفقودين والمختفين قسرًا، بمشاركة عائلات المفقودين وخبراء وممثلين عن المجتمع المدني، حلب، 17 آب/أغسطس 2026 (الهيئة الوطنية للمفقودين)

ويمتد أثر هذا الفراغ إلى تفاصيل الحياة اليومية لأفراد أسرة المفقود، بحسب ما شرحه المستشار، فعلى مستوى الزوجة، قد تبقى في وضع قانوني معلّق، فلا هي مطلقة ولا أرملة، الأمر الذي قد يحول دون زواجها مجدداً، ولا الحصول على نفقة زوجية بصفتها كذلك في كثير من الأنظمة، لأن القانون يفترض وجوب استمرار العلاقة الزوجية دون آلية تكيف مع طول أمد الغياب.  

كذلك، قد تواجه صعوبة في التصرف بالأموال المشتركة أو التي بحوزتها باسم الزوج، مثل الحسابات المصرفية والعقارات، في غياب توكيل منه أو حكم قضائي، كما قد يتعذر عليها الاستفادة من بعض أنظمة التأمين الاجتماعي أو المعاشات التقاعدية المرتبطة بوفاة المعيل، ما دامت وفاته غير مثبتة.

ويمتد الأثر إلى الأطفال أيضاً، إذ تتعطل الولاية القانونية على الأطفال القصّر لأن الأب لا يزال قانوناً “الولي” حتى لو كان مفقوداً منذ سنوات، ولا يوجد آلية سريعة لنقل الولاية إلى الأم أو لتعيين وصي دون المرور بدعوى غياب طويلة ومعقدة، كما تحرم الأسرى من حقوق اجتماعية مرتبطة بوجود “معيل” أو من تعويضات مرتبطة بوفاة المعيل، لأن الوفاة غير مثبتة. 

أما على مستوى الملكية والإدارة المالية، فتتعرض أموال المفقود وممتلكاته، بما فيها العقارات والحسابات والمنشآت التجارية، لخطر الجمود، إذ قد لا يكون هناك شخص يملك الصفة القانونية اللازمة لإدارتها أو التصرف فيها أو حتى صيانتها، مثل دفع الضرائب أو تجديد العقود أو تحصيل الإيجارات. 

وفي المقابل، تستمر الالتزامات المالية، بما فيها الديون والضرائب والعقود، في الاستحقاق، ما قد يعرّض الأسرة لمخاطر مالية إضافية في غياب شخص مخوّل قانوناً للتصرف نيابة عن المفقود.

امرأة تسير بجوار جثامين يُعتقد أنها تعود إلى معتقلين في سجن صيدنايا، بحسب مسؤول الطب الشرعي زاهر الطقش، في مستشفى المجتهد بدمشق، 10 كانون الأول/ديسمبر 2024. (رويترز/محمد عازر)

وتظهر المشكلة كذلك في مسائل الإرث، إذ لا يمكن فتح تركة المفقود وتوزيعها سواء إرث المفقود من غيره أو إرث آخرين من المفقود، لأن حالته القانونية “معلّقة”، وقد يجد الورثة الآخرون في الأسرة الممتدة كإخوة المفقود أو والديه تركات متوقفة بانتظار حسم مصيره، مما يطيل النزاعات العائلية والقانونية لعقود أحياناً.

كذلك، قد يواجه أفراد الأسرة صعوبات في إنجاز بعض المعاملات والحقوق الإدارية التي تتطلب حضور المفقود أو توقيعه أو موافقته، بما في ذلك تجديد بعض الوثائق الثبوتية أو الحصول على شهادات رسمية، كما أن أنظمة التعويض والجبر غالباً ما تُبنى على ثنائية الضحية الحية أو المتوفاة، ولا تراعي بالقدر نفسه وضع الشخص المفقود الذي لا يُعرف مصيره.

وبذلك، فإن غياب وضع قانوني مستقل للغياب يعني أن الأسرة تدفع الثمن الإداري والمالي والاجتماعي لجريمة الإخفاء القسري مرتين: مرة بفقدان عزيزها ومرة بشلل قانوني يمتد لسنوات أو عقود يعطل حياتها اليومية، بحسب المستشار. 

“شهادة الغياب” حل أكثر ملاءمة 

من جهتها، ترى المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في سوريا، في وثيقة منشورة عبر موقعها الرسمي، أن غياب وثيقة قانونية تنظم وضع المفقود يمثل فجوة في التشريع السوري الحالي، مشيرة إلى أن “شهادة الغياب” أو أي وثيقة قانونية مشابهة مثل “إفادة فقدان” تعد خيارًا أنسب من إعلان المفقود متوفى. 

وبحسب المؤسسة، يمكن لمثل هذه الوثيقة أن تتيح للعائلات تنظيم الوضع القانوني والإداري للشخص المفقود دون افتراض وفاته، وتجنّب التعقيدات القانونية التي قد تترتب على عودته المحتملة، مع تمكين الأسرة في الوقت ذاته من إثبات حالة الفقدان بما يسمح بإدارة الممتلكات والوصول إلى الحقوق ومعالجة الاحتياجات القانونية العاجلة.

كما يمكن لـ”شهادة الغياب” أن تُجنّب العائلات الآثار النفسية والاجتماعية والقانونية المرتبطة بإعلان الوفاة، والتي قد لا تكون العديد من الأسر مستعدة لتقبّلها في ظل استمرار الجهل بمصير المفقود.

الهيئة الوطنية للمفقودين تطلق مشاورات إعداد المبادئ الحاكمة لقانون شؤون المفقودين والمختفين قسرًا، بمشاركة عائلات المفقودين والجهات المعنية، حزيران/يونيو 2026 (الهيئة الوطنية للمفقودين)

وتقول المؤسسة إن التشريع السوري الحالي لا يوفر حتى الآن “شهادة غياب”، وإن الخيارات المتاحة عمليًا تدور حول الحكم بالوفاة أو الحصول على إذن قضائي لإدارة شؤون المفقود.

وأعربت المؤسسة عن أملها في أن يعالج قانون شؤون المفقودين المرتقب هذه “الثغرة التشريعية”، من خلال استحداث إطار قانوني واضح يتيح للعائلات الحصول على شهادة غياب أو وثيقة مماثلة إلى حين اتضاح مصير المفقود، بما يضمن حماية حقوقها ويبسّط الإجراءات اللازمة لتنظيم الأوضاع القانونية للمفقودين. 

وفي رد مكتوب على أسئلة “نون بوست”، قالت المؤسسة الأممية إنها تواصل انخراطها مع الجهات المعنية بشأن التحديات القانونية والعملية التي تواجهها عائلات المفقودين في سوريا، بما في ذلك في سياق التشريعات المحددة التي يجري إعدادها حول هذه القضية. 

وأضافت أن حالة عدم اليقين المحيطة بمصير الشخص المفقود ومكان وجوده يمكن أن تترك آثارًا عميقة وطويلة الأمد على عائلاته. وإلى جانب عملية البحث نفسها، قد تواجه العائلات صعوبات قانونية وإدارية واقتصادية واجتماعية ناجمة عن غياب أحبائها. لذلك، فإن تلبية احتياجات عائلات المفقودين وحماية حقوقها تُعد جزءًا أساسيًا من أي استجابة شاملة لقضية المفقودين.

وشددت المؤسسة على أن أي معالجة لهذه القضايا ينبغي أن تظل متمحورة حول المفقودين وعائلاتهم، وأن تتمكن العائلات من الوصول إلى حقوقها ومعالجة التداعيات العملية لغياب أحد أحبائها، من دون أن يقوّض ذلك حقها في معرفة الحقيقة بشأن ما حدث له.

وأكدت أن التدابير القانونية أو الإدارية الرامية إلى معالجة الصعوبات التي تواجهها العائلات يجب ألا تؤدي إلى إنهاء الجهود المبذولة للبحث عن الشخص المفقود أو لتحديد مصيره ومكان وجوده، مشيرة إلى أن البحث عن المفقودين يظل أمرًا أساسيًا، وينبغي النظر في التدابير الرامية إلى دعم العائلات بالتوازي مع عملية البحث، وليس كبديل عنها.

كما ترى المؤسسة المستقلة أن المشاركة الفاعلة والهادفة للعائلات أمر أساسي عند بحث القضايا التي تمس حقوقها واحتياجاتها، لافتة إلى أن تجارب العائلات ووجهات نظرها مهمة لفهم التداعيات العملية الناجمة عن فقدان أحد أحبائها، ولتطوير استجابات تعكس حقوقها واحتياجاتها بصورة ملائمة.

ماذا تمنح “شهادة الغياب”؟ 

ويتّفق المستشار القانوني عاصي الحلاق مع المؤسسة المستقلة في كون أن “شهادة الغياب” تمثل آلية أكثر ملاءمة للتعامل مع حالات المفقودين قسراً، لأنها تفصل بين حاجتين مختلفتين: حاجة الأسرة العملية إلى إدارة شؤون المفقود المالية والقانونية، والحاجة إلى تحديد مصيره فعلياً، أي معرفة ما إذا كان حياً أم متوفى، بحسب ما أوضحه. 

ففي حين أن الحكم القضائي باعتبار المفقود متوفى يخلط بين الأمرين، ويجعل إثبات الوفاة وسيلة لحل مشكلات إدارية أو مالية، تتيح شهادة الغياب معالجة هذه المشكلات من دون افتراض وفاة الشخص أو حسم مصيره.

أفراد من عائلات المفقودين يحملون صور أقاربهم الذين اختفوا خلال الحرب السورية المستمرة منذ نحو 14 عامًا، في وقفة بمدينة درعا طالبت الحكومة الانتقالية بعدم التخلي عن جهود البحث عنهم، الأحد 16 آذار/مارس 2025. (AP/عمر صناديقي)

وأضاف المستشار أن هذه الوثيقة تنسجم مع حق معرفة الحقيقة، فالقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، بما في ذلك الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري لعام 2006، يقرّان بحق الأسر في معرفة مصير ذويها كحق مستقل وقائم بذاته، لا يجوز إسقاطه أو تجاوزه بافتراض قانوني للوفاة لأغراض إدارية، إذ أن إعلان الوفاة قسراً دون دليل قد يغلق ملف البحث فعلياً ويجهض هذا الحق. 

وبحسب المستشار، تحد شهادة الغياب من الآثار التي قد يصعب التراجع عنها في حال اتضح لاحقاً أن المفقود على قيد الحياة، ففي سياقات الاختفاء القسري الجماعي (كما في سوريا)، هناك احتمال حقيقي لظهور مفقودين أحياء بعد سنوات (من معتقلات، مناطق نزاع، أو حتى بلدان أخرى). 

ويُنتج حكم الوفاة إذا صدر ثم ظهر الشخص حياً، فوضى قانونية هائلة (زواج ثانٍ للزوجة، توزيع إرث تم تسييله فعلاً، تغيير حضانة الأطفال)، لذلك فإن شهادة الغياب تتجنب هذا الخطر لأنها لا تُنتج بطبيعتها آثاراً نهائية.

وتتميز شهادة الغياب أيضاً بالمرونة من الناحية الزمنية، إذ يمكن إصدارها، بسرعة نسبية (لأنها لا تحسم مسألة الحياة أو الموت)، مما يخفف المعاناة الإدارية للأسرة بسرعة أكبر من انتظار لسنوات الطويلة التي يتطلبها عادة حكم الوفاة في القوانين التقليدية. 

كما تحمل بعداً إنسانياً ونفسياً أيضاً، فهي، بحسب المستشار، تحترم حالة “الحداد المعلّق” التي تعيشها عائلات المفقودين نفسياً، ولا تفرض عليها إغلاقاً قسرياً لملف قد يبقى مفتوحاً لسنوات في وجدانها، بينما تمنحها في الوقت نفسه أدوات قانونية عملية.

إشكاليات قانونية قد تنتج عن “شهادة الغياب”

لكن استحداث آلية قانونية لشهادة الغياب لا يخلو بدوره من إشكاليات، إذ ينبغي أن تضمن هذه الآلية حماية حقوق المفقود وأفراد أسرته، من دون أن تتحول إلى وضع قانوني جامد يترك الأسرة معلّقة إلى أجل غير مسمى، أو إلى بديل عن البحث عن مصير المفقود.

وبحسب المستشار، تبرز أولى الإشكاليات، فيما يتعلق بحقوق الزوجة واستمرار العلاقة الزوجية، فإذا بقيت الزوجية “معلّقة” إلى أجل غير مسمى، فقد يُحرم الزوجة من حق الزواج مجدداً لعقود، وهو ما قد يُعتبر انتهاكاً لحقها في تكوين أسرة.

ويشير المستشار إلى أن الحل المطروح في تجارب مقارنة (كالتفريق للغياب في الفقه المالكي، أو “التطليق للفقد” في بعض القوانين العربية) هو منح الزوجة حق طلب التفريق القضائي بعد مدة معينة، دون أن يعني ذلك إعلان وفاة الزوج.

كذلك، ينبغي تحديد آلية لصرف نفقة الزوجة والأطفال من أموال المفقود (عبر القيّم/الوكيل) دون الحاجة لإثبات الوفاة، إلى جانب ضمان استمرار الحقوق الاجتماعية، كالتأمين الصحي والضمان الاجتماعي المرتبطين بصفة الزوجة، أو توفير حقوق مكافئة خلال فترة الغياب.

أشخاص يبحثون بين الأوراق، بمشاركة عناصر من الدفاع المدني السوري المعروف بـ«الخوذ البيضاء»، خلال البحث عن معتقلين في أقسام تحت الأرض بسجن صيدنايا، سوريا، 9 كانون الأول/ديسمبر 2024. (رويترز/عمرو عبد الله دلش)

أما بالنسبة إلى الأطفال، فتتمثل إحدى أبرز الإشكاليات في الولاية والوصاية المؤقتة، ويجب، بحسب المستشار، أن تنص الآلية على نقل صلاحيات الولاية (التعليم، السفر، القرارات الطبية) إلى الأم أو لوصي مختار بشكل تلقائي أو شبه تلقائي عند صدور شهادة الغياب، دون الحاجة لدعاوى منفصلة ومعقدة.

كما ينبغي حماية حقوق الطفل في النسب، بما في ذلك الحالات التي يكون فيها الحمل قد وقع قبل اختفاء الأب ثم تتم الولادة في فترة غيابه، بحيث لا يؤدي غياب الأب إلى المساس بإثبات النسب أو تسجيل المولود. 

ويجب كذلك ضمان حق الطفل مستقبلاً في معرفة الحقيقة الكاملة بشأن مصير والده، وألا تُستخدم شهادة الغياب كوسيلة لإغلاق ملف البحث نهائياً.

وفيما يتعلق بالملكية وإدارة الأموال، تحتاج الآلية إلى وضع نظام واضح وسريع لتعيين قيّم أو وكيل قضائي، (يمكن أن تكون الزوجة أو أحد أقاربه، الأقارب) كقيّم على أموال المفقود، مع صلاحيات محددة (الإدارة والصيانة) دون صلاحية التصرف النهائي (كالبيع) إلا بإذن قضائي، لحماية حقوق المفقود في حال عودته.

وفي المقابل، يجب وضع ضمانات تحول دون استغلال أمواله، مثل إلزام القيّم بتقديم تقارير دورية وإخضاعه لرقابة قضائية. 

كما ينبغي معالجة وضع المفقودين الذين يملكون منشآت تجارية أو حصصاً في شركات، من خلال تحديد آلية تضمن استمرار النشاط التجاري أو، عند الضرورة، تجميد القرارات الجوهرية، كالبيع أو الحل، إلى حين ظهور المفقود أو حسم مصيره.

وتطرح شهادة الغياب إشكالية خاصة في مسائل الإرث، فإذا توفي شخص وكان المفقود أحد ورثته، ينبغي تحديد مصير الحصة التي كان سيحصل عليها، ويرى المستشار أن الحل الأنسب يتمثل في إبقاء حصة المفقود معلّقة إلى حين حسم وضعه، بدلاً من توزيعها مؤقتاً على بقية الورثة مع إلزامهم بإعادتها في حال ظهر المفقود، وهو خيار أكثر تعقيداً وأقل حماية لحقوقه. 

وفي هذه الحالة، يجب تحديد مدة زمنية معقولة لتجميد الحصة، ووضع آلية لإدارتها أو حفظها أو استثمارها من دون الإضرار بحقوق باقي الورثة. 

كما أن ذلك يتطلب معالجة التعارض المحتمل بين شهادة الغياب وقواعد الإرث القائمة على تحقق وفاة المورّث، سواء من خلال تعديل النصوص القائمة أو استحداث أحكام خاصة تنظم حالة المفقود.

إضافة إلى ذلك، تحتاج شهادة الغياب إلى قواعد إجرائية واضحة تحدد من يحق له طلبها، سواء كان الزوجة أو أحد الأقارب ضمن درجات محددة أو النيابة العامة، وما إذا كان يمكن لجهات أخرى تقديم الطلب بتفويض. 

كما ينبغي تحديد الجهة المختصة بإصدارها، وما إذا كانت قضائية أم إدارية، مع ترجيح نموذج يتيح إصدارها من جهة إدارية أو شبه قضائية بصورة سريعة، مع إبقاء إمكانية الطعن أمام القضاء.

أمينة بقاعي تواصل البحث عن أي معلومة تقود إلى زوجها المفقود منذ 13 عامًا، في دمشق، كانون الأول/ديسمبر 2025 (رويترز)

ومن المسائل الأساسية أيضاً تحديد المدة التي يجب أن تمر قبل التقدم بطلب شهادة الغياب، إذ يرى المستشار أن هذه المدة ينبغي أن تكون قصيرة نسبياً، وقد تُقاس بالأشهر لا بالسنوات في حالات النزاع والاختفاء القسري، مع التمييز بينها وبين حالات الغياب العادي، كالسفر أو فقدان الاتصال الطوعي، التي تختلف طبيعتها القانونية.

وفي حال ظهور المفقود، يجب أن تكون آلية إلغاء شهادة الغياب فورية وبسيطة، مع وضع قواعد لتسوية الآثار المالية والقانونية التي ترتبت خلال فترة الغياب، بما في ذلك حماية حقوق الغير حسن النية الذين تعاملوا مع القيّم أو الوكيل وفقاً للصلاحيات الممنوحة له.

وفي جميع الأحوال، يشدد المستشار على ضرورة ألا تتحول شهادة الغياب إلى بديل عن البحث عن المفقود، فهي يجب أن تعمل كأداة قانونية موازية تتيح للأسرة إدارة شؤونها ومعالجة المشكلات العملية التي يسببها غياب الشخص، مع استمرار التحقيق والبحث عن مصيره وعدم إغلاق ملفه لمجرد صدور الشهادة.

أثر القانون على العائلات

لا يقتصر دور قانون خاص بالمفقودين بالضرورة على تنظيم عمليات البحث وتحديد مصير الأشخاص المفقودين، بل يمكن أن يمتد إلى معالجة جانب كبير من الآثار القانونية والاقتصادية والاجتماعية التي يتركها الاختفاء القسري على عائلاتهم.

ويرى المستشار أن معالجة هذه الآثار ينبغي أن تكون جزءاً أساسياً من أي قانون شامل للمفقودين، وإن كانت بعض الآثار، ولا سيما النفسية والاجتماعية العميقة، تتجاوز قدرة القانون وحده وتحتاج إلى منظومة متكاملة تجمع بين الأدوات القانونية والمؤسساتية والخدماتية.

وعلى المستوى المدني والإداري، يمكن للقانون معالجة الإشكاليات المرتبطة بالولاية والزواج والإرث وإدارة أموال المفقود، من خلال آليات مثل “شهادة الغياب” وتعيين قيّم مؤقت، بما يسمح للأسرة بإدارة شؤونها دون اشتراط حسم مصير المفقود أو إثبات وفاته.

أفراد من عائلات المفقودين يبحثون في أوراق ووثائق داخل سجن صيدنايا عن معلومات تقود إلى مصير أقاربهم، 9 كانون الأول/ديسمبر 2024 (رويترز/Amr Abdallah Dalsh)

كما يمكن للقانون أن يعالج الآثار الاقتصادية والاجتماعية للاختفاء القسري، من خلال منح الأسرة حقاً في تعويضات مؤقتة أو مساعدات اجتماعية خلال فترة غياب الشخص، بدلاً من ربط الاستفادة منها بثبوت وفاته فقط. 

ويمكن أن يشمل ذلك أيضاً إعفاءات ضريبية أو تسهيلات إدارية تتعلق بأملاك المفقود، ومنح أسرته أولوية في بعض برامج الدعم الحكومي، كالتعليم والصحة والسكن.

ولا يتوقف الأمر عند إدارة الآثار المادية، إذ يمكن للقانون أن يكرّس حق الأسرة في معرفة الحقيقة والعدالة، ويشمل ذلك حقها في الحصول بصورة دورية على معلومات عن سير التحقيقات، والمشاركة في عمليات البحث والتنقيب واستخراج الرفات وتحديد الهوية، بما في ذلك إجراءات الطب الشرعي وتحليل الحمض النووي. 

كما يمكن أن ينص القانون على حق الأسرة في جبر الضرر والتعويض من دون اشتراط إثبات وفاة المفقود، وإنما استناداً إلى الضرر الناتج عن واقعة الاختفاء القسري نفسها، ويشير المستشار إلى أن القانون الدولي لحقوق الإنسان يعترف بأفراد أسرة المختفي بوصفهم ضحايا للانتهاك، وليس الشخص المختفي وحده.

ومن الناحية المؤسساتية، يمكن لقانون المفقودين أن ينشئ هيئة وطنية دائمة تتولى التنسيق بين الأسر والجهات الرسمية، وتوحيد قواعد بيانات المفقودين، ومتابعة قضايا الأسر من الناحية الإدارية والقانونية بصورة مستمرة، بدلاً من اقتصار دورها على لحظة تقديم طلب أو فتح ملف. 

ويمكن أن تتولى هذه الهيئة مهام مشابهة، في بعض جوانبها، للمهام التي تضطلع بها المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين التابعة للأمم المتحدة، أو الهيئة الوطنية السورية التي أُنشئت بموجب المرسوم رقم 19 لعام 2025.

لكن قدرة القانون على معالجة آثار الاختفاء القسري لها حدود، بحسب المستشار، فالصدمة النفسية وحالة “الحداد المعلّق” التي تعيشها الأسر لا يمكن معالجتها بنص قانوني وحده، وإنما تحتاج إلى برامج مستقلة للدعم النفسي والاجتماعي، ويمكن للقانون، مع ذلك، أن يحول هذه الخدمات من مجرد مبادرات اختيارية إلى حقوق تلتزم الدولة بتوفيرها للأسر.

رجل ينظر إلى صور أشخاص مفقودين في ساحة المرجة، المعروفة أيضًا بساحة الشهداء، في دمشق. (تصوير: سلوان جورج/واشنطن بوست عبر غيتي إيمجز)

وينطبق الأمر ذاته على بعض الآثار المجتمعية والثقافية، مثل وصمة العار التي قد تلحق ببعض الأسر، ولا سيما في حالات الاختفاء القسري ذات الخلفية السياسية، أو الضغوط الاجتماعية التي قد تواجهها النساء، إذ تحتاج هذه القضايا إلى سياسات توعية وإجراءات اجتماعية موازية، ولا يمكن للقانون وحده معالجتها بصورة مباشرة.

كما يبقى تنفيذ القانون تحدياً أساسياً، ولا سيما في سياق مثل سوريا، فوجود نص قانوني متقدم لا يكفي إذا لم ترافقه إرادة سياسية وقدرة مؤسساتية فعلية على كشف الأرشيفات الأمنية، والوصول إلى أماكن الاحتجاز ومواقع المقابر الجماعية، والتعاون في عمليات الطب الشرعي وتحديد الهوية. 

ولذلك، فإن أفضل إطار قانوني لشهادة الغياب يظل، في هذه الحالة، “تدبيراً مخففاً للضرر” وليس بديلاً عن كشف الحقيقة وتحديد مصير المفقودين.

ومن هنا، فإن القانون الأمثل للمفقودين، بحسب المستشار، هو الذي يجمع بين ثلاثة مسارات متوازية ومستقلة عن بعضها: مسار البحث عن المفقود وتحديد مصيره، وهو مسار تقني وتحقيقي لا ينتهي بمجرد صدور شهادة الغياب، ومسار إدارة الآثار المدنية للاختفاء على الأسرة، بما يشمل شهادة الغياب والقيّم والولاية والإرث المؤقت، ومسار الحقوق والجبر، بما يشمل التعويض والدعم الاجتماعي والنفسي وحق الأسرة في المعرفة والمشاركة.

وفصل هذه المسارات عن بعضها، بدلاً من ربط جميع الحقوق بحسم السؤال الوحيد حول ما إذا كان الشخص حياً أم ميتاً، هو ما يمكن أن يحول دون استمرار المعاناة القانونية والإنسانية التي تواجهها أسر المفقودين.

علاماتأزمة إنسانية في سوريا ، الاختفاء القسري في سوريا ، اليوم العالمي لضحايا الاختفاء القسري ، سجون الأسد
مواضيعجرائم الأسد ، حقوق الإنسان ، سوريا حرة

قد يعجبك ايضا

سياسة

مقابر تحت ورش البناء.. كيف تحمي سوريا رفات المفقودين والمختفين قسرًا؟

حسن إبراهيم٣٠ أغسطس ٢٠٢٦
سياسة

من العقارات إلى بيت الحكم: كيف أصبح كوشنر أيقونة الأوليغارشية الأمريكية؟

كيسي ميشيل٣٠ أغسطس ٢٠٢٦
سياسة

صعود الصين في ظل ترامب: مكاسب تكتيكية أم مكاسب دائمة؟

دانيال تين كيت٣٠ أغسطس ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑