يقولون في أدبيات العدالة إن بعض الجرائم لا تسقط بالتقادم، وإن الزمن وحده ليس كافيًا لطي صفحات دموية من التاريخ، مهما طال عليها الأمد، وتُعد مذبحة رابعة العدوية والنهضة، التي وقعت على أيدي قوات الأمن المصرية في 14 أغسطس/آب 2013، واحدة من أبرز الأحداث التي تُجسّد هذه المقولة بصورة حية وواقعية، لا يزال أصحابها يرون آثارها رأيَ العين.
واليوم، بينما يُحيي المصريون الذكرى الثالثة عشرة لتلك المذبحة، التي وُصفت بأنها واحدة من أبشع الجرائم ضد الإنسانية في تاريخ مصر الحديث، لا تزال مشاهد القتل والحرق والانتهاكات وأصوات الاستغاثة تخيّم على الذاكرة، وكأن ما جرى بالأمس القريب، لا قبل ثلاثة عشر عامًا.
ثلاثة عشر عامًا لم تكن كافية لإغلاق تلك الصفحة، رغم الأزمات والمعاناة المتلاحقة التي يواجهها الشعب المصري، والتي كان يُفترض أن تكون كفيلة بإزاحة كثير من الذكريات المؤلمة، بعدما أصبح الواقع نفسه أكثر إيلامًا، ومع ذلك، بقيت رابعة أكثر من مجرد جريمة، ولم تعد واقعة استثنائية في المخيلة المصرية، بل تحولت إلى رمز للوحشية والإجرام المنظم، ونقطة سوداء في تاريخ الدولة المصرية الحديث.
وتأتي الذكرى هذا العام فيما لا يزال الجرح ينزف، والآلام لم تلتئم، في ظل عدالة غائبة أو مُغيّبة، ومحاولات متواصلة لإعادة صياغة ما جرى عبر آلة إعلامية تُنفق عليها مئات الملايين من قوت المصريين، في محاولة للتخلص من كابوس لا يزال يؤرق السلطة رغم مرور كل هذه السنوات.
وبينما يهرول النظام إلى تجريف تلك الذكرى من الذاكرة المصرية وطمس تفاصيلها، تتعالى في المقابل أصوات ذوي الضحايا والمهتمين بالشأن الحقوقي، متمسكة بمطالب العدالة والمحاسبة والقصاص، ومؤكدة أن مرور الزمن، مهما طال، لن يكون كافيًا لإسقاط الحقوق أو محو الذاكرة، مهما بلغت قوة آلة التجريف.
جرعة تشويه زائدة.. ما الجديد هذا العام؟
رغم غياب أي فعاليات ميدانية أو دعوات للتحرك من جانب أنصار ضحايا تلك المجزرة، أو من قوى المعارضة بصفة عامة، على نحو ما كان يحدث في سنوات سابقة، فإن الآلة الإعلامية الموالية للنظام كانت الأكثر حضورًا في المشهد، إذ تبنت خطابًا ممنهجًا يقوم على الشيطنة، ومحاولة تمرير رواية السلطة بصورة أو بأخرى.
وبدأت العديد من الوسائل الإعلامية التابعة للشركة المتحدة، المملوكة لإحدى الجهات السيادية في مصر، منذ أكثر من شهر في تكثيف حملاتها الإعلامية المخصصة للحديث عن المذبحة، مع التركيز على تحميل المعتصمين كامل المسؤولية عما جرى، وتشويه صورة الاعتصام في حد ذاته، عبر الترويج لروايات تناقضت مع شهادات وتقارير حقوقية متعددة.
كما تبنى عدد من الإعلاميين المحسوبين على السلطة، وفي مقدمتهم محمد الباز، تقديم حلقات كاملة خُصصت لتشويه صورة اعتصام رابعة وتبرير ما شهدته عملية الفض من جرائم وانتهاكات، إلى جانب توجيه اتهامات أخلاقية وإنسانية لقيادات جماعة الإخوان والمعتصمين، في محاولة لإعادة تشكيل صورة المشهد برمته، وتقديم مبررات لما جرى خلال عملية الفض وما صاحبها من انتهاكات.
معركة سرديات
انتقلت ذكرى رابعة، مع مرور السنوات، من كونها ساحةً للفعاليات والتحركات الميدانية إلى ساحة أخرى لا تقل احتدامًا، معركة السرديات ومن يملك القدرة على فرض روايته للأحداث، ورغم الفارق الكبير في الإمكانات والقدرات بين طرفي هذه المعركة، لم تتمكن الآلة الإعلامية الرسمية من حسم الرواية لصالح السلطة، في ظل بقاء عدد كبير من شهود الواقعة على قيد الحياة، فضلًا عن استمرار آثارها السياسية والنفسية عالقة في الأذهان، دون أن تُطوى صفحتها بصورة كاملة.
وبعيدًا عن الجدل المتجدد بشأن أعداد الضحايا، تظل الواقعة في حد ذاتها صدمة سياسية وإنسانية يصعب تجاوز تداعياتها، ففي الوقت الذي تستند فيه الرواية الرسمية إلى التقديرات الحكومية المصرية التي أشارت إلى مقتل 624 مدنيًا، تطرح تقارير حقوقية موثقة تقديرات أعلى، تشير إلى أن أعداد الضحايا ربما تجاوزت الرقم الرسمي واقتربت من ضعفه.
وفي هذا السياق، يكثف الإعلام الموالي للسلطة جهوده لترسيخ الرواية الرسمية ومحاولة نفي المسؤولية عن الانتهاكات التي رافقت عملية الفض، وذلك عبر مسارين رئيسيين، أولهما الطعن في مصداقية التقارير الحقوقية التي وثقت الانتهاكات، أو على الأقل التشكيك في منهجيتها ونتائجها؛ وثانيهما تحميل المعتصمين جانبًا أساسيًا من المسؤولية عما جرى، من خلال تقديمهم باعتبارهم الطرف الذي دفع قوات الأمن إلى استخدام القوة على النحو الذي شهدته عملية الفض.
ورغم مرور 13 عامًا، لا تزال معركة الرواية مفتوحة، ولم تنجح الآلة الإعلامية الرسمية، رغم ما سُخر لها من إمكانات ونفوذ واسع، في فرض رواية واحدة للأحداث أو إغلاق باب الجدل بشأنها، ومع ذلك، يواصل النظام الاستثمار في هذا المسار الإعلامي، في مؤشر على أن ذكرى رابعة ما تزال تمثل صداعًا وكابوسًا مؤرقًا له، رغم مرور سنوات طويلة على الواقعة ورغم إحكام السلطة قبضتها على المشهد السياسي والإعلامي.
البحث عن العدالة لم يتوقف
بعيدًا عن محاولات التشويه والطمس، وآلة التجريف التي تسابق الزمن لطي هذه الصفحة نهائيًا، وبعيدًا عن واقع التشريد الذي طال كثيرًا من ذوي ضحايا المذبحة، سواء داخل السجون في مصر أو خارج البلاد في المنافي، فإن البحث عن العدالة لم يتوقف، كما أن طريق المساءلة والقصاص العادل لم يُغلق بعد.
وبمناسبة الذكرى الثالثة عشرة للمذبحة، أطلق مركز شهاب لحقوق الإنسان حملة ركزت على غياب المساءلة، وطالبت بكشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين، مشيرًا وأشار إلى أن مرور أكثر من عقد على الواقعة لم يفضِ إلى تحقيق العدالة لأسر الضحايا، معتبرًا أنها فتحت «فصلًا طويلًا من الألم والانتهاكات والإفلات من العقاب»، فيما لا تزال أسر كثيرة تعاني حتى اليوم من تداعيات ما حدث.
وأعاد المركز، ضمن حملته، التذكير بتفاصيل الواقعة في محاولة لمواجهة الرواية الرسمية بشأنها، واصفًا الاعتصام بأنه احتجاج للمطالبة بعودة الرئيس الأسبق محمد مرسي إلى الحكم، كما أشار إلى استخدام قوات الأمن الأسلحة النارية والغاز المسيل للدموع والمعدات والجرافات خلال عملية الفض، ونقل عن عدد من المنظمات الحقوقية قولها إن المعتصمين لم يحصلوا على وقت كافٍ أو تحذير فعّال يسمح لهم بالمغادرة قبل بدء العملية، التي استمرت، بحسب تلك الروايات، قرابة 12 ساعة.
وطالب المركز كذلك بنشر التقرير الكامل للجنة تقصي الحقائق التي شُكلت لبحث الواقعة، والكشف عن تفاصيلها وأبعادها، وتحديد المسؤوليات، وحصر أعداد الضحايا والمصابين، وخلص في حملته إلى أن السلطات المصرية لم تُجرِ، وفقًا لتقييم المنظمات الحقوقية التي استند إليها، تحقيقًا كافيًا في وقائع الفض وما صاحبها من سقوط قتلى، معتبرًا أن العدالة، رغم مرور كل هذه السنوات، لا تزال غائبة بفعل فاعل، وأن ملف المساءلة لم يُحسم حتى الآن.
وهكذا، ومع انتقال ذكرى المذبحة من ساحات الشارع والميادين إلى معركة الروايات والسرديات واحتكار تفسير التاريخ، تظل رابعة واحدة من أكثر النقاط مفصلية في مسار المرحلة التي أعقبت عام 2013، ليس فقط بسبب حجم الدماء التي أُريقت خلالها، وإنما لما مثّلته من تحول جوهري في طبيعة العلاقة بين السلطة والمعارضة، وفي حدود استخدام القوة داخل المجال السياسي المصري.
فما جرى لم يكن مجرد عملية فض لاعتصام انتهت بسقوط مئات الضحايا، بقدر ما دشّن مرحلة جديدة أصبحت فيها العقلية الأمنية الدموية أحد الأدوات الرئيسية لإدارة الصراع السياسي، ومنذ ذلك الوقت دخلت مصر مسارًا لم تستطع حتى اليوم تجاوز تداعياته بالكامل، بعدما امتدت آثار تلك اللحظة إلى المجال العام، والحريات، والعمل السياسي، وحدود الاختلاف المسموح به.
ومن هنا، تحولت ذكرى رابعة إلى عبء سياسي وأخلاقي متجدد على السلطة، يعود إلى الواجهة كلما حلّت ذكراها، رغم محاولات إغلاق الملف أو إعادة صياغة روايته، أو حتى عبر ترهيب الناجين منه وذويهم، بل إن استمرار مطالب العدالة وكشف الحقيقة، وتمسك ذوي الضحايا بحقهم في المساءلة، أبقيا القضية حاضرة في الذاكرة السياسية والحقوقية، تطارد المتورطين فيها أينما ذهبوا ومهما طال الوقت.