• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

تركيا “العدو الجديد” في حملة نتنياهو.. هل تجاوزت الخصومة حسابات الانتخابات؟

خالد أصلان٢ سبتمبر ٢٠٢٦

الرئيس التركي ورئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي خلال اجتماعهما في نيويورك في سبتمبر/أيلول 2023

قبل أسابيع من 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، كان الرئيس التركي رئيس حزب العدالة والتنمية الحاكم رجب طيب أردوغان، ورئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي زعيم حزب الليكود اليميني بنيامين نتنياهو، يناقشان في نيويورك توسيع العلاقات بين أنقرة و”تل أبيب”.

جاء اللقاء بعد زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى تركيا في مارس/آذار 2022، واستعادة العلاقات الدبلوماسية الكاملة وتبادل السفراء في أغسطس/آب من العام نفسه، إذ كانت أنقرة قد دخلت مسارًا لإصلاح علاقاتها الإقليمية، واستعادت العلاقة مع “إسرائيل” جزءًا مهمًا من زخمها بعد سنوات من الأزمات المتكررة.

غيّر العدوان الإسرائيلي على غزة هذه البيئة، ثم دفعت الحسابات الداخلية في الجانبين العلاقة إلى مستويات أشد توترًا، ففي تركيا، تحول القطاع إلى قضية زادت الضغط الداخلي على أردوغان، مع استمرار العلاقات الاقتصادية مع حكومة الاحتلال بالتوازي مع تصاعد خطابه المؤيد للفلسطينيين.

وفي “إسرائيل”، جاء تصاعد الاحتكاك مع تركيا قبيل انتخابات أكتوبر/تشرين الأول 2026، وفي وقت يخوض فيه نتنياهو معركة لإعادة تثبيت صورته الأمنية بعد إخفاق عملية طوفان الأقصى، فتحول أردوغان نفسه إلى مادة في إعلانات الليكود الانتخابية، وهي حسابات تعطي تفسيرًا مهمًا لتوقيت بعض قرارات التصعيد وحدتها.

وفي الخلفية، تراكمت خلافات تتصل بسوريا وحركة “حماس” وشرق المتوسط وموقع تركيا الإقليمي، فأصبح التصعيد يتغذى من الحسابات الحزبية والانتخابية، ومن خلافات استراتيجية دخلت خلال السنوات الأخيرة في حسابات الأحزاب والمؤسسات الأمنية والسياسة الخارجية في الدولتين.

غزة تضغط على أردوغان

حاول أردوغان في الأسابيع الأولى بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 إبقاء قنوات التقارب مع “إسرائيل” قائمة بالتوازي مع موقفه من العدوان على غزة. ومع اتساع المجازر رفع سقف خطابه، ووصف “حماس” في نفس الشهر بأنها حركة مقاومة، ثم خاطب بعد ثلاثة أيام تجمعًا جماهيريًا ضخمًا لدعم فلسطين في إسطنبول.

استمرت التجارة خلال هذه المرحلة، فوجد خصوم أردوغان مساحة لمقارنة خطابه السياسي بالعلاقات الاقتصادية التي بقيت قائمة، وقد ظهرت الكلفة السياسية بوضوح في انتخابات البلديات في 31 مارس/آذار 2024.

تعرض حزب العدالة والتنمية لأكبر هزيمة انتخابية في عهد أردوغان، وتصدر حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة التركية آنذاك، التصويت الوطني وحافظ على إسطنبول وأنقرة. وكان التضخم وتراجع القوة الشرائية العامل الأوسع في النتيجة، بينما كشف التصويت داخل المعسكر المحافظ مشكلة أخرى ترتبط مباشرة بغزة.

حزب “الرفاه من جديد” الإسلامي المحافظ بقيادة “فاتح” نجل رئيس الوزراء التركي الأسبق نجم الدين أربكان، جعل استمرار التجارة مع “إسرائيل” جزءًا أساسيًا من حملته، وقدّم القضية للناخب المتدين باعتبارها اختبارًا لمدى تطابق مواقف الحكومة مع خطابها تجاه الفلسطينيين.

وحصل الحزب في انتخابات البلديات على نحو 6.2% من الأصوات، بعدما كان قد نال 2.8% في الانتخابات البرلمانية التي جرت قبل أقل من عام، في مايو/أيار 2023، ما أظهر سرعة اتساع حضوره داخل القاعدة المحافظة.

واكتسبت النتيجة أهمية خاصة بالنسبة إلى أردوغان بسبب مصدر هذه الأصوات بقدر حجمها، فحزب “الرفاه من جديد” ينتمي إلى البيئة الإسلامية المحافظة التي نشأ منها حزب العدالة والتنمية، وقدم للناخب المحافظ غير الراضي عن سياسة الحكومة خيارًا قريبًا منه أيديولوجيًا.

احتجاج في مدينة سامسون ضمن تحركات شهدتها 30 مدينة تركية في مارس/آذار 2024 للمطالبة بوقف التجارة مع “إسرائيل” قبل انتخابات البلديات

قبل الانتخابات، رأى الصحفي التركي رؤشن تشاكر، مؤسس منصة “ميدياسكوب” الإخبارية التركية وأحد أبرز المتخصصين في الحركات الإسلامية،  أن الحزب يسعى إلى التحول إلى وجهة رئيسية للناخبين الخارجين من العدالة والتنمية.

وبعد ظهور النتائج، ربط تشاكر سياسة أردوغان تجاه فلسطين بالحاجة إلى “منع انخفاض أصواته”، بعد أن تحولت التجارة مع “إسرائيل” إلى نقطة ضعف داخل قاعدته.

وقدم محمد علي تشاليشكان، مدير معهد “ريفورم” التركي للأبحاث السياسية والاجتماعية، قراءة مشابهة قائلًا إن “الرفاه من جديد” وضع حجم التجارة مع “إسرائيل” في قلب حملته الموجهة إلى الناخب المتدين.

كما قال محمد ألتنوز، نائب رئيس الحزب، بعد الانتخابات إن غزة والوضع الاقتصادي كانا من القضايا الأساسية التي واجهها مرشحو الحزب في الميدان. وهكذا تحولت التجارة مع “إسرائيل” إلى مدخل لمساءلة مدى اتساق سياسة حزب العدالة والتنمية مع خطابه تجاه فلسطين.

بعد تسعة أيام من الانتخابات، في 9 أبريل/نيسان 2024، فرضت وزارة التجارة التركية قيودًا على تصدير 54 فئة من السلع إلى “إسرائيل”، وفي 2 مايو/أيار أعلنت أنقرة وقف التجارة المباشرة بالكامل. وعزز هذا التسلسل تقديرات تربط التحول في سياسة أنقرة بالضغط الذي أظهرته نتائج الانتخابات داخل القاعدة المحافظة.

وتناول سليم تشيفيك، الباحث في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية (SWP) هذه العلاقة في دراسة في 14 أكتوبر/تشرين الأول 2024، وكتب أن أردوغان قاوم طوال الأشهر السابقة الضغوط الداعية إلى قطع الروابط الاقتصادية، ثم دفعته هزيمة الانتخابات المحلية ونجاح “الرفاه من جديد” إلى تغيير سياسته، واعتبر أنه أصبح “بمعنى ما، مجبرًا على اتخاذ هذه الخطوة”.

سونر جاغابتاي، مدير برنامج الأبحاث التركية في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، وصل إلى تقدير قريب، وربط تشدد أردوغان بعد الانتخابات بالسعي إلى وقف انتقال مزيد من الناخبين المحافظين إلى “الرفاه من جديد”.

وتكشف هذه القراءة طبيعة التأثير الانتخابي بصورة أدق، فقد كانت فلسطين جزءًا ثابتًا من خطاب أردوغان وقاعدة حزبه، لكن انتخابات 2024 أظهرت أن جزءًا من الناخبين المحافظين بات يطالب بسياسات أكثر صرامة تجاه “إسرائيل”، ورأى أن الإجراءات الحكومية لا توازي مستوى الخطاب.

مع الوقت، اتسعت الكلفة السياسية للعلاقة مع حكومة الاحتلال إلى ما يتجاوز منافسة “الرفاه من جديد”، فقد أظهر مركز “بيو” الأمريكي للأبحاث، خلال مسح نشر في 4 يونيو/حزيران 2026 أن 97% من المستطلعين في تركيا يحملون نظرة سلبية إلى “إسرائيل” مقارنة بـ93% في 2025.

وعند هذا المستوى من الرفض، تحمل أي عودة سريعة إلى مسار تطبيع واسع مع “إسرائيل” كلفة سياسية أمام شرائح واسعة من المجتمع التركي.

كما وصل الضغط إلى التيار القومي الحليف لأردوغان متمثلًا في دولت بهتشلي، رئيس حزب الحركة القومية التركي وشريك حزب العدالة والتنمية في تحالف الحكم، والذي ربط خلال 2024 و2025 و2026 بين تحركات حكومة الاحتلال في سوريا وشرق المتوسط وبين الأمن القومي التركي.

بهذا اكتسب الملف بعدًا آخر داخل معسكر السلطة نفسه، يجمع بين الغضب من العدوان على الفلسطينيين والقلق من التمدد الإسرائيلي في ساحات تراها أنقرة مرتبطة بأمنها ونفوذها.

وأظهرت المعارضة العلمانية بدورها أن انتقاد أردوغان لا يقود تلقائيًا إلى موقف أكثر قربًا من “إسرائيل”، إذ إن أوزغور أوزيل، الذي كان يقود حزب الشعب الجمهوري خلال انتخابات 2024 وحتى قرار قضائي أطاح به من رئاسة الحزب في مايو/أيار 2026، هاجم الحكومة مرارًا بسبب تأخر وقف التجارة واستخدم توصيف “الإبادة” عند الحديث عن غزة.

وفي أبريل/نيسان 2026، قبل إبعاده من رئاسة الحزب، شدد خلال سجال مع “تل أبيب” على وحدة الموقف التركي عندما يتعلق الأمر بمواجهة “إسرائيل”، وهي تطورات ومواقف وضعت أردوغان أمام ضغط متعدد الاتجاهات.

نتنياهو يسوق لـ “الخطر التركي”

جاء تصاعد المواجهة مع أنقرة في “إسرائيل” خلال عام انتخابي بالغ الحساسية، فالانتخابات العامة مقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026، وهي الأولى منذ عملية طوفان الأقصى والحروب التي أعقبتها.

ويخوض نتنياهو الاقتراع فيما تلاحقه قضية الإخفاق الأمني الذي سبق الهجوم، ويواجه منافسين يمتلكون أيضًا سجلًا عسكريًا، وفي مقدمتهم غادي آيزنكوت، رئيس أركان جيش الاحتلال الأسبق وأحد أبرز منافسيه في الانتخابات.

أظهرت استطلاعات صيف 2026 منافسة قوية بين نتنياهو وآيزنكوت ومعسكريهما، وفي 27 أغسطس/آب نشر بنك “جي بي مورغان” الاستثماري الأمريكي، تقديرًا لسيناريوهات السوق وضع احتمال فوز معارضة يقودها آيزنكوت عند 55%. ويرتبط التقدير بتحليل حركة الشيكل أكثر من كونه استطلاعًا انتخابيًا، لكنه يعكس حجم عدم اليقين السياسي المحيط بانتخابات أكتوبر/تشرين الأول.

في هذه الأجواء، انتقل أردوغان إلى موقع أكثر حضورًا في خطاب نتنياهو، ففي 10 يوليو/تموز 2026 نشر أزرييل بيرمانت، الباحث المشارك في معهد العلاقات الدولية في براغ، تحليلًا في مجلة “فورين بوليسي” الأمريكية بعنوان “لماذا يطلق نتنياهو إنذارًا كاذبًا بشأن تركيا”.

وقدّر بيرمانت أن الانتخابات تمنح نتنياهو حافزًا لتضخيم الخطر التركي واستخدامه لإعادة تقديم نفسه بوصفه القائد القادر على التعامل مع تهديدات متعددة. وربط هذا الخطاب أيضًا بقلق نتنياهو من العلاقة الوثيقة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وأردوغان، وبالمعارضة الإسرائيلية لاحتمال عودة تركيا إلى برنامج مقاتلات F-35 الأمريكية.

مع ذلك، أقر التحليل بوجود أسباب أمنية حقيقية للقلق، تتصل بالقدرات العسكرية التركية وسوريا وشرق المتوسط. وهنا تظهر القيمة الانتخابية للملف في الطريقة التي يُقدَّم بها للجمهور وفي موقعه داخل سردية نتنياهو عن الأخطار المحيطة بـ”إسرائيل”.

في 17 أغسطس/آب انتقلت هذه السردية إلى الدعاية الانتخابية المباشرة، فقد ظهرت في “تل أبيب” لوحة لحزب الليكود تضم صورة أردوغان إلى جانب شخصيات يقدمها الحزب باعتبارها من خصوم “إسرائيل”، تحت رسالة تربط رغبتهم المفترضة في هزيمة نتنياهو بضرورة التصويت له.

أصبح الرئيس التركي بذلك جزءًا من حملة تربط بقاء نتنياهو بالتصدي لأعداء الخارج، بعد أقل من ثلاثة أعوام على لقائهما في نيويورك ضمن مسار لتطوير العلاقات.

لوحة من حملة بنيامين نتنياهو الانتخابية تضم الرئيس التركي ضمن شخصيات يقول الليكود إنها تريد هزيمة رئيس الوزراء الإسرائيلي

اتسع الجدل في اليوم التالي مع قصف قوات الاحتلال قاعدة أبو الظهور العسكرية في شمال غرب سوريا، فقد قدمت حكومة الاحتلال الضربة باعتبارها إجراءً ضد استعدادات تركية لتوسيع وجودها العسكري، بينما نفت أنقرة وجود قوات لها في الموقع.

وفي 22 أغسطس/آب طرح توم باراك، السفير الأمريكي لدى تركيا والمبعوث الإقليمي في إدارة دونالد ترامب، احتمال أن تكون الضربة محاولة لـ”استدراج الأتراك” في سياق ما قبل الانتخابات، وقال إن الجانب الأمريكي لم ير أصولًا تركية في الموقع أو خطة وشيكة لنشرها.

وزعم وزير جيش الاحتلال يسرائيل كاتس، أن الضربة استندت إلى معلومات استخبارية واضحة بشأن نشاط تركي مخطط له، ولكن داخل “إسرائيل”، التقط خصوم نتنياهو والصحافة العبرية الناقدة البعد السياسي في التصعيد.

يائير غولان، نائب رئيس هيئة أركان جيش الاحتلال السابق ورئيس حزب الديمقراطيين، قال إن قصف سوريا تحركه اعتبارات سياسية وحذر من دفع البلاد نحو مواجهة مع تركيا.

وكتبت سيما كادمون، المعلقة السياسية في يديعوت أحرونوت، عن العلاقة بين التصعيد ووضع نتنياهو في الاستطلاعات. كما تناولت صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية، المعروفة بخطها الليبرالي الناقد للحكومة، تركيا بوصفها “عدو نتنياهو الجديد في عام الانتخابات”.

لكن ملف تركيا كان حاضرًا داخل المؤسسة الأمنية قبل ذروة حملة الصيف، ففي 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 نشرت غاليا ليندنشتراوس، الباحثة المتخصصة في تركيا في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS)، دراسة بعنوان “تركيا ليست إيران، لكنها تهديد”.

ربطت ليندنشتراوس القلق الإسرائيلي بالوجود التركي في سوريا، وانخراط أنقرة في القضية الفلسطينية، واحتمال الاحتكاك في شرق المتوسط، إضافة إلى تطور القوة العسكرية التركية.

وفي يوليو/تموز 2026 نقلت هيئة البث الإسرائيلية العامة “كان” عن جهات أمنية تقديرًا بأن تثبيت وجود عسكري تركي في سوريا أصبح “مسألة وقت”.

وقبل ضربة أبو الظهور بأيام، بحث رومان غوفمان، رئيس جهاز الموساد الإسرائيلي للاستخبارات الخارجية، مع أسعد الشيباني، وزير الخارجية السوري، قضية الانتشار العسكري التركي والأسلحة والطائرات المسيرة في سوريا، وهي تحركات سبقت انفجار الجدل الانتخابي حول الضربة، وتضع القلق من تركيا داخل عمل المؤسسات الأمنية أيضًا.

ويكشف النقاش الإسرائيلي اتساع المسافة بين تقديرات الخطر، فمايكل هراري، السفير الإسرائيلي السابق والباحث في معهد “ميتفيم” المتخصص في السياسة الخارجية الإقليمية، قال في يونيو/حزيران 2026 إن تشبيه تركيا بإيران “هراء كامل”، ورأى أن العلاقة أقرب إلى منافسة قابلة للإدارة. أما معهد دراسات الأمن القومي فيتعامل مع تنامي القوة التركية باعتباره ملفًا يستدعي استعدادًا أمنيًا طويل الأمد.

ويمتد هذا الاختلاف إلى منافسي نتنياهو، فقد وصف نفتالي بينيت، رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق، تركيا خلال 2026 بأنها “إيران الجديدة”.

كما أيد يائير لبيد، رئيس الحكومة السابق وزعيم حزب “هناك مستقبل” الوسطي، قصف أبو الظهور ودعا بالتزامن إلى إنشاء آلية لإدارة الاحتكاك مع أنقرة، أما غولان فيركز على مخاطر التصعيد والدوافع السياسية لاستخدام القوة.

وتجمع هذه المواقف على دخول تركيا إلى النقاش الأمني الإسرائيلي، وتختلف في حجم الخطر والأدوات المطلوبة لمواجهته. ولذلك وجد نتنياهو ملفًا مناسبًا لحملته داخل قضية تشغل المؤسسة الأمنية أصلًا.

التوتر يترسخ داخل المؤسسات

بعد ثلاث سنوات من العدوان على غزة أصبح السؤال الأهم متعلقًا بمدى انتقال الخصومة من علاقة أردوغان ونتنياهو إلى حسابات أوسع داخل الدولة والأحزاب.

وخلصت دراسة نشرتها مؤسسة “بروكينغز” الأمريكية المتخصصة في السياسات العامة والعلاقات الدولية، في 16 يونيو/حزيران 2026 إلى أن التنافس مع “إسرائيل” أصبح “قيدًا بنيويًا” على السياسة الإقليمية التركية، ويمتد أثره إلى سوريا وشرق المتوسط والعلاقة مع واشنطن والبحر الأحمر والقرن الإفريقي.

وبعد عام من المقابلات مع دبلوماسيين وصناع قرار أتراك، أشارت أصلي أيدنطاشباش، الباحثة في المؤسسة ومديرة مشروع تركيا فيها، إلى أن مسؤولين أتراكًا باتوا ينظرون إلى حكومة الاحتلال باعتبارها طرفًا يعمل على الحد من المجال الإقليمي لأنقرة. وتتصل هذه القراءة بالدعم الإسرائيلي لليونان وقبرص في شرق المتوسط، وبالخلاف حول مستقبل سوريا، وبالنفوذ الذي تمارسه “تل أبيب” داخل واشنطن في ملفات تهم تركيا.

وتشير هذه القراءة إلى أن الخلاف، الذي تصاعد أولًا على خلفية العدوان على غزة، اتسع ليشمل حسابات تركية تتعلق بالنفوذ في سوريا وشرق المتوسط والعلاقة مع واشنطن، وهي خلاصة يدعمها بحث آخر نشرته مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي في 26 يونيو/حزيران 2026.

مراد سومر، أستاذ السياسة والعلاقات الدولية في جامعة أوزيين التركية، يرى أن جزءًا مهمًا من السياسة الخارجية لتركيا يستند إلى تصور للمصلحة القومية تتشارك فيه قوى سياسية متعددة، يتعلق بدور البلاد كقوة متوسطة تسعى إلى نفوذ إقليمي واستقلال أوسع في القرار.

ويقدر سومر أن حكومة يقودها حزب الشعب الجمهوري ستواصل عددًا من أهداف السياسة الخارجية الحالية عندما ترتبط بهذا التصور، مع اختلاف واضح في أسلوب صنع القرار وفي دور المؤسسات والقانون والدبلوماسية.

وتضع هذه القراءة حدودًا واضحة لأثر تغير القيادة، إذ يمكن لحكومة تركية مختلفة أن تخفف الخطاب الشخصي والديني، وأن تعيد دورًا أكبر لوزارة الخارجية والمؤسسات وأن تتعامل بطريقة مختلفة مع “حماس”، لكنها ستواجه المصالح نفسها في سوريا وشرق المتوسط، ورأيًا عامًا شديد السلبية تجاه الاحتلال، ونظامًا حزبيًا تستطيع فيه القوى الإسلامية والقومية استثمار أي خطوة تُفهم على أنها تراجع أمام “تل أبيب”.

وزير الدفاع التركي يشار غولر يستقبل نظيره السوري مرهف أبو قصرة في أنقرة في يونيو/حزيران 2026

وتظهر المؤسسة الأمنية الإسرائيلية مسارًا موازيًا، إذ إن لجنة ناغل التي أنشأتها حكومة الاحتلال عام 2024 لدراسة بناء القوة العسكرية للسنوات المقبلة، حذرت في تقريرها مطلع 2025 من سيناريو يتحول فيه النفوذ العسكري التركي في سوريا إلى مصدر مواجهة مباشرة.

وبعد ذلك جاءت دراسة معهد دراسات الأمن القومي في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، ثم تحذيرات “كان” واتصالات الموساد المتعلقة بالانتشار التركي خلال 2026، لتدخل هذه المؤشرات جميعها النقاش قبل بلوغ حملة نتنياهو ذروتها.

وتظهر مواقف قادة المعارضة الإسرائيليين أن إدراج تركيا في الحسابات الأمنية أصبح أوسع من حكومة نتنياهو وحزب الليكود. وقد يبدل تغيير رئيس الحكومة مستوى التصعيد وطريقة إدارته، بينما يبقى صعود تركيا ونفوذها بسوريا وعلاقتها بقضية فلسطين ملفات قائمة في السياسة الإسرائيلية.

وتقدم تجربة 2022 و2023 دليلًا على مقدار ما تستطيع القيادة تغييره، فخروج نتنياهو مؤقتًا من رئاسة الحكومة فتح مساحة أوسع للمصالحة، وزار هرتسوغ أنقرة، ثم أعيد السفراء.

واستمر التقارب حتى بعد عودة نتنياهو ووصل إلى لقائه أردوغان في نيويورك في سبتمبر/أيلول 2023، في مرحلة أثبتت قدرة القرار السياسي على خفض التوتر عندما تتوافر المصلحة والرغبة لدى الحكومتين.

غير أن البيئة التي أحاطت بذلك التقارب تبدلت خلال السنوات التالية، فقد رفعت غزة الكلفة الشعبية والسياسية للعلاقة مع حكومة الاحتلال داخل تركيا، كما وضعت التطورات في دمشق مصالح أنقرة و”تل أبيب” أمام تماس جغرافي وعسكري مباشر.

أما شرق المتوسط فشهد ترسيخ التعاون الإسرائيلي مع اليونان وقبرص، وهو تعاون تقرأه أنقرة ضمن توازنات إقليمية تمس نفوذها ومصالحها، ولهذه الأسباب تصف بروكينغز التنافس اليوم بأنه “بنيوي”، وهي خلاصة تتجاوز طبيعة العلاقة الشخصية بين أردوغان ونتنياهو.

علاماتالحرب الإسرائيلية على قطاع غزة ، العدوان على قطاع غزة ، العلاقات بين تركيا وحماس ، تركيا وإسرائيل ، تركيا وسوريا

قد يعجبك ايضا

سياسة

تحت الاحتلال بصورة أخرى: إسرائيل لا تناقش دولة فلسطينية.. بل تستعد للتهجير

عميرة هاس٢ سبتمبر ٢٠٢٦
سياسة

مصر والكويت والعراق وإيران.. من يجد مكانًا داخل تحالف مكة؟

عماد عنان٢ سبتمبر ٢٠٢٦
سياسة

أموال التنظيم المدفونة.. تحقيق يتعقب ثروات “داعش” في صحارى سوريا والعراق

علي الإبراهيم١ سبتمبر ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑