كانت مدينة بنّش من أوائل المدن التي ثارت سلميًا في وجه نظام بشار الأسد، وسرعان ما جعلها موقعها الجغرافي ساحة مبكرة للصراع مع قواته التي واجهت المظاهرات السلمية بالعنف، إذ تقع بنش عند المدخل الشرقي لمحافظة إدلب، وتجاور مطار تفتناز العسكري وبلدتي كفريا والفوعة، ما وضعها على تماس مباشر مع مواقع وقوى موالية للنظام.
تعددت المسارات التي اتخذها أبناء المدينة، بين الحراك المدني والعمل المسلح والإدارة المحلية، وخرج منها عشرات الشخصيات خلال سنوات الثورة، فقد تحررت بنّش مبكرًا، وحاولت قوات الأسد اقتحامها مرتين خلال عام 2011، ثم أمضت سنوات تحت القصف والبراميل المتفجرة، واحتضنت آلاف المهجرين والنازحين.
ومع الإطاحة بحكم بشار الأسد، انتقلت شخصيات من أبناء بنّش إلى مؤسسات الدولة الجديدة، ووصل عدد منهم إلى مواقع في الحكم، فيما وصف الرئيس السوري أحمد الشرع بنّش بأنها “رائدة في الثورة”، معربًا عن أمله بأن تكون “رائدة أيضًا في إعادة بناء سوريا الجديدة”، وقال إن تجربة الحكم في إدلب كانت تعتمد بشكل كبير على أهل بنّش.
نفوذ عائلي في الحكم
من مدينة بنش، برزت أربع شخصيات من عائلة واحدة، في مقدمتهم قتيبة بدوي، الذي يشغل عدة مناصب، من بينها رئاسة الهيئة العامة للمنافذ والجمارك بمرتبة وزير، وذلك بموجب مرسوم رئاسي صدر في 23 تشرين الثاني/نوفمبر 2025.
بعد تحرير سوريا، ظهر بدوي بمنصب مدير مديرية الجمارك العامة، ثم كُلّف في 31 كانون الأول/ديسمبر 2024 برئاسة الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية، بقرار من رئيس مجلس الوزراء في حكومة تسيير الأعمال حينها، محمد البشير.

يترأس بدوي أيضًا اللجنة الوطنية للاستيراد والتصدير، التي أعيد تشكيلها بمرسوم رئاسي في 17 أيار/مايو 2026، كما يشغل عضوية المجلس الأعلى للتنمية الاقتصادية، المشكّل بمرسوم رئاسي في 24 حزيران/يونيو 2025. ويمثّل المجلس في مجلس إدارة الشركة السورية للبترول المؤلف من تسع شخصيات، مع تداول معلومات عن خروجه من تمثيل المجلس دون تأكيد رسمي.
في إدلب، كان قتيبة بدوي معروفًا بلقبي “أبو حمزة بنش” و”المغيرة بنش”، إذ انضم إلى “جبهة النصرة” وسار معها في تحولاتها، قبل أن يصبح أمير قاطع إدلب في “هيئة تحرير الشام”. وخلال مرحلة حكم “الهيئة” في إدلب بين عامي 2017 و2024، شغل عدة مناصب، منها مدير معبر باب الهوى الحدودي ومسؤول إدارة المعابر، كما تولى مهمات اقتصادية، وكان من أبرز الشخصيات التي أدارت الملف الاقتصادي إلى جانب عمر قديد “أبو عبد الرحمن الزربة”.
أما شقيقه حذيفة بدوي “أبو حفص بنّش”، فتولى إدارة معبر “جديدة يابوس” الحدودي مع لبنان بعد هروب الأسد، ثم قيادة هيئة الإمداد والتموين في وزارة الدفاع السورية برتبة عميد، بعد سنوات من توليه مناصب أمنية وعسكرية في “جبهة النصرة” وتحولاتها، ومنها قيادة لواء “طلحة بن عبيد الله” في “تحرير الشام”.

حضر اسم “أبو حفص” في الاشتباكات التي دارت بين “تحرير الشام” وفصائل من الجيش الحر، وكذلك مع توترات ضد فصائل ارتبطت بتنظيم القاعدة، ومنها “حراس الدين”. وفي عام 2020، أشرف من جانب “تحرير الشام” على اتفاق وقف الاقتتال مع “حراس الدين” وإغلاق مقارهم في بلدة عرب سعيد وسهل الروج.
في عام 2024، عندما تصاعدت الخلافات داخل “تحرير الشام” على خلفية ملف “العملاء مع النظام وروسيا والتحالف”، أعلن “أبو حفص” تعليق عمله في الجناح العسكري، احتجاجًا على آلية التعامل مع الملف، الذي أسفر عن زج عشرات القياديين وغيرهم من الصفوف الأولى في السجون وتعذيبهم.
في حين تجمع شخصية الدكتور مَعد بدوي بين مسار طبي ومجتمعي ونشاط اقتصادي في قطاع الصناعات الغذائية والدواجن، إذ يشغل رئاسة الجمعية السورية للدواجن، المعنية بقضايا القطاع وتمثيل المربين والمنتجين، بعد إشهارها في دمشق في 17 أيلول/سبتمبر 2025، إلى جانب إدارته المجمع الطبي الإسلامي في بنش.
ويظهر اسم معد بدوي في الموقع الرسمي لشركة “Rayan Food” مديرًا إداريًا لها، بخبرة تتجاوز 15 عامًا في صناعة الأغذية، وهي شركة مملوكة لعائلة بدوي، وسط تقارير تحدثت عن توريدها منتجات من المرتديلا للجيش السوري الجديد، على خلفية تولي حذيفة بدوي قيادة هيئة الإمداد والتموين، دون أن يتأكد “نون بوست” من صحة هذه المعلومات.

كما أن معد عضو في اللجنة المشرفة على حملة “بنش كرمى عيونك” لإعادة تأهيل البنية التحتية في المدينة، ويدير مؤسسة “غراس العطاء” الخيرية، التي أشرفت على جمع التبرعات لبناء مستشفى جديد في بنش، كما تشرف على أعمال ترميم وتأهيل وصيانة المدارس والطرقات والمستوصف وشبكة الصرف الصحي ضمن الحملة.
كان معد بدوي عضوًا في مجلس أمناء مديرية صحة إدلب لدورتين، الأولى بين عامي 2015 و2017، والثانية بين عامي 2017 و2020، دون وجود معلومات عن ارتباط بعمل عسكري أو إداري ضمن “تحرير الشام” أو واجهتها المدنية “الإنقاذ”.
وبالنسبة للأخ الأصغر، مصعب بدوي “أبو عمير” فيشغل منصب معاون محافظ دمشق، كما كُلّف برئاسة الهيئة العامة للتخطيط والتعاون الدولي، إلى أن صدر مرسوم في 27 أيار/مايو 2025 بتحويلها إلى هيئة التخطيط والإحصاء تتبع لوزارة الخارجية، وتعيين أنس رضوان سليم رئيسًا لها بدلًا منه.
وفي إدلب، تولى مصعب إدارة المعهد العالي للإدارة، الذي أحدثته “حكومة الإنقاذ” عام 2024، بهدف تطوير الكادر العامل في الحكومة من الجانب الإداري، ويتبع مباشرة لرئاسة مجلس الوزراء دون تبعية لأي جهة أكاديمية. ولم يكن عمل “أبو عمير” مرتبطًا بالجانب العسكري، في حين تشير تقارير إعلامية إلى أنه عمل سابقًا مسؤولًا عن الموارد البشرية في “هيئة تحرير الشام”، وتولى ملف التعامل مع المنظمات الإنسانية في الشمال السوري.
أدار مصعب “دار نقش” للنشر، المُسجلة باسمه، بعد أن بدأت عام 2016 باسم “مكتبة قرطبة”، وتطورت من تقديم الخدمات الطلابية في إدلب إلى نشر كتب الجهاد والخواطر الأدبية. كما تولت “نقش” بين عامي 2020 و2023 طباعة عدد من كتب حسين الشرع، والد أحمد الشرع، بطلب من نجله أحمد، المعروف آنذاك باسم “أبو محمد الجولاني”، في طبعات محدودة وغير معلنة للاستخدام الشخصي، وفق مقال للكاتب والباحث حسام جزماتي.
يُعد الأشقاء الأربعة من أبرز الشخصيات النافذة من أبناء بنّش في مؤسسات الحكم الجديد في سوريا، إلى جانب شخصيات أخرى من المدينة تشغل مواقع حكومية ذات طابع إداري، مثل إدارة المكاتب الإعلامية والثقافية. كما صدر مرسوم رئاسي في أيار/مايو 2026 بتعيين تميم إبراهيم صواغي، ابن مدينة بنّش، معاونًا لرئيس الهيئة العامة للمنافذ والجمارك لشؤون المنافذ.
ويتولى فاضل حاج هاشم إدارة المؤسسة العامة للدواجن، بعد أن شغل مناصب إدارية متعددة في إدلب، منها مسؤول كتلة بنش في المنطقة الوسطى، ومسؤول كتلة إدلب في إدارة المنطقة. وسبق أن ترأّس المجلس المحلي في مدينة بنش خلال الفترة الممتدة من 1 آب/أغسطس 2016 إلى 27 نيسان/أبريل 2017، ثم ترأّس المجلس المحلي الذي أُعيد تأسيسه مرة أخرى تحت إشراف حكومة “الإنقاذ” في 11 كانون الثاني/يناير 2019.

ويرى الخبير الاقتصادي كرم شعار أن “أقوى الشبكات العائلية في سوريا بعد الأسد على التقاطع بين الدولة والمال هي لآل بدوي”، معتبرًا أن تركّز السلطة بيد عائلة أو مؤسسة أو كيان يجب أن يكون “مدعاة للقلق لكل السوريين”، لأنه “يفتح الباب للتسلط والفساد”، مشيرًا إلى عدم وجود أدلة على إساءة أي فرد من العائلة استخدام السلطة.
ثقة اختبرتها الأزمات
لبنّش تنوعها الذي أفرز عشرات الشخصيات بمختلف القطاعات والتوجهات، فمنها من رحل، على سبيل المثال، طه صبحي فلاحة “أبو محمد العدناني” المتحدث باسم تنظيم “الدولة الإسلامية” وأحد أبرز قادة التنظيم، وأحمد بدوي “أبو يوسف” ويوسف قطب “أبو جميل”، وهما من أبرز قيادات ومؤسسي “حركة أحرار الشام الإسلامية”. كما دُفنت في بنش جثامين عدد من قادة الحركة بعد التفجير الذي أودى بحياة أبرز قياداتها.
وكان صوت حمزة زيواني جزءًا من مشهد الاحتجاج في المدينة، إذ استخدم سيارته المتواضعة للتنقل في شوارع بنّش والدعوة إلى الاحتجاج وبث الأناشيد والهتافات. فيما كان مضر عبد السلام حمدون أول محافظ لإدلب بعد تحريرها من قوات الأسد عام 2015، وتولى إدارة شؤونها لنحو تسعة أشهر، قبل أن يتوفى متأثرًا بجراح أصيب بها خلال معارك صد حملة برية لقوات الأسد والميليشيات الداعمة لها في ريف حلب الجنوبي.

وواصل الرسامان عزيز أسمر وأنيس حمدون استخدام جدرانها المهدمة بفعل قصف قوات الأسد وحلفائها للتعبير عن معاناة السوريين، وتحولت جدران بنش والشمال السوري إلى مساحة للتضامن مع قضايا إنسانية مختلفة داخل سوريا وخارجها.
وتنوعت علاقة أبناء بنّش بـ”هيئة تحرير الشام” بين الانضمام إليها ومواجهتها وانتقاد سياساتها، فشهدت المدينة اشتباكات بين “الهيئة” وفصائل أخرى، كما وقعت خلافات بينها وبين “حركة أحرار الشام الإسلامية”. وكان ابن المدينة جابر علي باشا، الشرعي والقائد السابق للحركة، من أبرز منتقدي سياسات “الهيئة”، ووصفها بـ”الباغية” على الفصائل والثوار. كذلك، لم يشغل أي من أبناء بنّش حقيبة وزارية في “حكومة الإنقاذ” منذ إحداثها عام 2017 وحتى دورتها السابعة عام 2024.
وكانت مدينة بنش من أبرز مراكز الاحتجاج على سياسات “تحرير الشام” منذ مطلع عام 2024، حين خرجت مظاهرات طالبت بإسقاط “الجولاني” وتبييض السجون، ومع تصاعد الاحتجاجات، قطع الأمن العام الطرق بين بنش وإدلب لمنع وصول المتظاهرين إلى مركز المدينة، فيما شهدت بعض التظاهرات اعتداءات ومواجهات استخدمت خلالها الحجارة والغاز المسيل للدموع، وسُجلت محاولات لدهس متظاهرين بآليات عسكرية.
بالنظر إلى الشخصيات البنّشية في سوريا الجديدة، فإن الارتباط بـ”تحرير الشام” يبدو العامل الأساسي الذي أسهم في وصول عدد منها إلى مواقع في الحكم، خصوصًا أن هذا الارتباط امتد لسنوات، واختبرته صراعات واشتباكات وأزمات، سواء مع فصائل أخرى أو داخل “الهيئة” نفسها.
كما شكّل ما عُرف بتيار بنش أحد التجمعات ذات الثقل داخل “تحرير الشام”، وكان حذيفة بدوي “أبو حفص” من أبرز شخصياته، بحكم أدواره العسكرية والأمنية، فيما برز شقيقه قتيبة بدوي “المغيرة بنش” في الجانب الاقتصادي. وامتد هذا التيار إلى شخصيات من خارج بنش كانت قريبة منه، بينها الشرعي عبد الرحيم عطون، الذي يشغل رئاسة المكتب الاستشاري للشؤون الدينية لدى رئاسة الجمهورية العربية السورية، ووزير العدل الحالي مظهر الويس، ووزير الداخلية أنس خطاب “أبو أحمد حدود”.
وفي ملف “العملاء” مثلًا، استمر قتيبة بدوي “المغيرة بنش”، رئيس اللجنة الاقتصادية في “تحرير الشام”، في موقعه، رغم تعليق شقيقه “أبو حفص” عمله في الجناح العسكري، بما يشير إلى أن الخلاف حول إدارة الملف لم يؤدِ إلى تفكك التيار أو إبعاد جميع الشخصيات المرتبطة به عن مواقعها داخل “الهيئة”. ويختلف ذلك عن حالات انتهت بخروج شخصيات بارزة من الفصيل، كما حدث مع جهاد عيسى الشيخ، الرجل الثاني فيه، الذي انشق عنه وكشف ملفات قال إنها تتعلق بعمليات تفجير واغتيال أدارتها “الهيئة” و”الجولاني”.
