• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

بعد 25 عامًا على 11 سبتمبر.. لماذا تعود الإسلاموفوبيا إلى قلب السياسة الأمريكية؟

هبة بعيرات١١ سبتمبر ٢٠٢٦

تحلّ الذكرى الـ25 لهجمات 11 سبتمبر في ظل استقطاب سياسي حادّ في الولايات المتحدة؛ إذ يحمل الموسم الإنتخابي الحالي وعودًا مبشّرة للحزب الديمقراطي للسيطرة على شقي الكونجرس: الشيوخ والنواب بعد عامين من تفرّد الحزب الجمهوري بالحكم في شقّيه التشريعي والتنفيذي. وفي وسط الهزائم المتتالية التي يُمنى بها مرشحوا الحزب المدعومون من قبل ترامب وزبانيته في مقابل النجاح المفاجئ ومنقطع النظير للديمقراطيين التقدميين في الإنتخابات التمهيدية الحالية، يتجه الجمهوريون لشمّاعتهم المعتادة لتخويف الناخبين وحشد الكراهية وتحريك الحشود العنصرية: الإسلاموفوبيا. 

وقد تظافرت عدة عوامل جعلت من خطاب الإسلاموفوبيا حصان طروادة الأثير للحزب الجمهوري لتحصيل مكاسب سياسية والتغطية على فشلهم في ملفات أمريكية ودولية مفصلية؛ فما هي تلك العوامل؟ وكيف أدار الجمهوريون خطاب الإسلاموفوبيا؟ وأي أثر يحمله الموسم الإنتخابي الحالي؟ وكيف واجه مسلمو أمريكا هذه التحديات القديمة-الجديدة؟

يحاول هذا المقال تقديم إجابات على هذه الأسئلة وغيرها.

عودة الإسلاموفوبيا: السياسة القديمة- الجديدة

عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر طرح نواب أمريكيون ما مجموعه 231 مشروع قانون مناهضًا للشريعة، وذلك في محاولة لإضفاء طابع مؤسسي على إقصاء المسلمين من السياسة العامة بحجة حماية الأمريكيين من تطبيق “القانون الأجنبي”. واستندت العديد من مشاريع القوانين هذه إلى مسودة تشريعية صاغها المحامي ديفيد يروشالمي، المعروف بكونه “الأب الروحي للحركة المناهضة للشريعة” في الولايات المتحدة. وقد كشف تقرير لمعهد هاس لمجتمع عادل وشامل التابع لجامعة كاليفورنيا في بيركلي عام 2018، أن مسودة يروشالمي كانت بمثابة نموذج تبعه 18 قانونًا معاديًا للمسلمين في 12 ولاية أمريكية بين عامي 2010 و2016.

وقد شارك يروشالمي في إعداد تقرير نشره مركز السياسة الأمنية عام 2010 بعنوان “الشريعة: التهديد الذي يواجه أمريكا”. يعتبر المركز، التابع لفرانك غافني، منظّر وصائغ مؤامرات معاداة المسلمين، إحدى الجهات الرئيسية التي تروج لـ أبحاث ودراسات قائمة على رهاب الإسلام، وهي ذات الأبحاث التي يستخدمها النواب اليمينيون لطرح قوانينهم التمييزية. وقد أوصى التقرير حنها بمنع الأفراد الذين “يتبنون الشريعة أو يؤيدونها” من العمل في الحكومة الأمريكية أو القوات المسلحة. وحرّض على ملاحقة أئمة المساجد وقادة التجمعات المسلمة التي تدعو إلى تطبيق الشريعة في الولايات المتحدة بتهمة الخيانة والتحريض على أنشطة غير مشروعة.

يقارن عماد سالم، عضو مجلس الإدارة والرئيس السابق لتجمع الديمقراطيين في تكساس بين حملات الإسلاموفوبيا الحالية وتلك التي شهدتها الولايات المتحدة عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر بقوله أن الحملات الحالية أشد وأخطر كونها تملك سرعة الوصول لقطاعات عامة من الجمهور الذي يسهل تضليله والتلاعب به.

فعلى سبيل المثال، شهدت ولاية تكساس إحدى أهم وأكبر معاقل حركة ماجا حراكًا واسعًا معاديًا للمسلمين قاده لسنوات كل من حركة حزب الشاي، مظلة ماجا الأم، وحركة تحرك من أجل أمريكا اليمينية المتطرفة؛ فمن اجتماعات المجالس العمومية التي تناقش خطر “أسلمة أمريكا” إلى المظاهرات الرافضة ل”هجرة المسلمين الجماعية للولايات” وصولًا لوصم منظمة كير كمنظمة إرهابية من قبل حاكم الولاية جريج آبوت، استطاع مسؤولو الحزب الجمهوري تحريك قطاعات من الجمهور الامريكي في الولاية لمهاجمة المسلمين وممثليهم ومناطق تجمعهم.

 وقد وصفت النائبة الجمهورية في تكساس كيث سيلف مخططات بناء المساجد بأنها تعبير صارخ عن الإسلام السياسي؛ حيث تقدمت للكونجرس بمشروع قانون لمنع الجزية وهو ما أثار سخرية واسعة ضدها. بينما انضم لها النائب كين باكستون الذي حرّض ضد مشروع مدينة إيبيك للجالية المسلمة في الولاية. 

وفي مثال آخر، يمثّل المرشح الجمهوري تومي توبرفيل لمنصب حاكم ولاية ألاباما الوجه الأكثر شراسة في حملة الإسلاموفوبيا في الولاية؛ فقد صمم توبرفيل برنامجه الإنتخابي حول نقطة واحدة: عداء المسلمين وضرورة التخلص منهم. حيث تظهر في حملاته الإنتخابية صور لممداني بجانب أبراج التجارة العالمية التي تمّ تدميرها في أحداث الحادي عشر من سبتمبر مع عبارة “العدو داخل الأسوار”. كما تتكرر في لقاءاته وخطاباته عبارات التخويف من فرض الشريعة في الولايات المتحدة وضرورة وقف الإسلام الراديكالي قبل أن يدمر الثقافة الأمريكية.

المرشح الجمهوري تومي توبرفيل وبجانبه لوحة كتب عليها: أوقفوا قانون الشريعة

وقد صنف مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية كير توبرفيل كمتطرف معادٍ للمسلمين ليصبح بذلك أول سيناتور أمريكي يدرج في هذه القائمة منذ العام الماضي. وقد دعاه المجلس لزيارة المساجد والتحدث إلى قادة المجتمعات المسلمة لتشكيل فكرة أفضل عن معتقداتهم؛ غير أن المرشح الجمهوري واصل هجومه على ديانة المسلمين وممارساتهم العقائدية والثقافية.

كما يسعى النائب الجمهوري عن مدينة انتربرايز باري مور والذي يأمل لخلافة توبرفيل في منصبه في خطىً حثيثة لوقف ما أسماه انتشار الشريعة الإسلامية المقلق في الولايات المتحدة. وقد أنشأ مور ما يعرف بتكتل أمريكا خالية من الشريعة والذي يضمّ 60 نائبًا جمهوريًا في الكونجرس للدفع بحزمة قوانين تستهدف منع تبني قوانين أو ممارسات إسلامية في النظام القانوني الأمريكي. على رأسها مشروع قانون “هزيمة الشريعة الإسلامية”. 

وتبدو شعارات مور مجرد فقاعات فارغة تهدف لحشد الأصوات وتحريك الجموع الأمريكية مدفوعة بالخوف والترهيب أكثر منها خطوات مشروعة ذات مغزى؛ إذ يمنع الدستور الأمريكي ابتداءً أي نظام قانوني أجنبي من تخطي القانون الفيدرالي الأمريكي أو التدخل في عمل القضاء المحكوم بالدستور والقوانين المحلية. 

يبدو مما سبق أن الدولة، لا الجمهور وجموع الغوغائين فقط، متورطة في برنامج معادٍ للإسلام والمسلمين يتم تنفيذه بمنهجية على أرفع درجات سلّم الحكم في الولايات؛ ففي كتابها “مواسم الغضب” تشير الصحفية روزينا علي إلى جذور ظاهرة الإسلاموفوبيا في الولايات المتحدة قائلة أن الحكومة الأمريكية الرسمية لعبت دورًا مفصليًا في نشر ثقافة الترهيب من الإسلام والمسلمين حيث دأبت أجهزة إنفاذ القانون على مراقبة مجتمعات المسلمين حتى في غياب دواعي أمنية مشروعة لإعتقادها أن هذه المتجمعات تحمل بذرة الإرهاب بداخلها.

لماذا الآن؟

كشفت دراسة أجرتها منظمة “إكواليتي لابس”  أن أكثر من 4.7 مليون منشور على وسائل التواصل الاجتماعي معادية للإسلام والمسلمين تم تداولها في الولايات المتحدة خلال عام 2025. وقد تصدرت ولاية تكساس المشهد في نشر المعلومات المضللة المعادية للمسلمين، حيث سُجل فيها نحو 279 ألف منشور يروج لشائعات مثل “نظرية الغزو الإسلامي”، وفرض الشريعة الإسلامية، ويطالب بالتحقيق مع المنظمات والقيادات المسلمة، ويدعو إلى ترحيل المسلمين.

كما أشار مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية في تقرير له أن معسكر الإسلاموفوبيا شهد تصاعدًا ملحوظًا العام الماضي حيث بلغت شكاوى التمييز التي تقدم بها مسلمون أمريكيون 8683 بلاغًا خلال عام 2025 وحده. 

وقد ساهمت الأحداث الكبرى المتزامنة من هجمة شرسة على المهاجرين منذ تولي ترامب لولايته الرئاسية الثانية، ومحاصرة للمصالح الإسرائيلية والعلاقات الأمريكية-الإسرائيلية بعد حرب الإبادة في قطاع غزة، وتولي وجوه ملونة، تقدمية وذات أصول مهاجرة  مناصب حكومية حساسة في الولايات المتحدة، وصولًا إلى حرب واشنطن مع طهران والنفخ في صورة العدو الخارجي الراديكالي، في إعادة خطاب الإسلاموفوبيا إلى الواجهة. 

غير أن إدارة ترامب لطالما اتخذت من خطاب الإسلاموفوبيا أساسًا لعملها في الداخل والخارج ابتداءً بسياسة ترحيل المهاجرين ومنع الهجرة من الدول ذات الاكثرية المسلمة. ورغم أن سياسة ترامب لترحيل المقيمين بصورة غير قانونية في الولايات المتحدة كانت وراء تأجيج مشاعر كراهية الأجانب بصورة عامة في الولايات المتحدة؛ إلا أن المجتمعات المسلمة كان لها نصيب مضاعف بعد أن عمد ترامب لإطلاق الأوصاف المسيئة على الصوماليين والسوادنيين والأفغان جعل منهم مادة للكراهية والتمييز.

ولم تكن المجتمعات المسلمة وحدها من ساعد المرشحين المسلمين على الفوز في حملاتهم الإنتخابية؛ فقد امتدت معسكرات الإساءة التي تقودها إدارة ترامب إلى المجتمعات الملونة ومجتمعات المهاجرين عمومًا تحت شعارات مسيحية قومية عنصرية حملتها حركة ماجا التي ينبثق ترامب من ظهرانيها. فقد ساعدت المجتمعات اللاتينية في ميشيجان عبد الرحمن السيد على الفوز في الإنتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي عن مجلس الشيوخ إضافة لثمانية مرشحين لاتينيين لمناصب تشريعية وقضائية وإدارية متنوعة. 

وقد سجلت الجالية اللاتينية ارتفاعًا بنسبة 10% في التصويت عن الإنتخابات النصفية لعام 2022 حيث صوّت قرابة 144 ألف ناخب لاتيني في ولاية ميشيجان في انتخابات يوم الرابع من آب الماضي. 

الإنتخابات النصفية: موسم الإسلاموفوبيا المزدهر

اعتاد الحزب الجمهوري على تنصيب جماعةٍ ما “أقل أمريكية” وعدوةً للقيم العليا التي يمثلها الحزب كشمّاعة لتغطية إخفاقاتهم وسبيل ناجع لحشد الناخبين؛ ففي انتخابات عام 2020 صبّ الحزب غضبه على الجالية الصينية في الولايات المتحدة متهمًا إياها بالتسبب بالجائحة التي ألقت بأثرها على الاقتصادين العالمي والأمريكي. وفي انتخابات عام 2024 اتخذ الحزب من الشواذ والمتحولين جنسيًا صورة للأعداء الذين يسعى الحزب للتخلص منها من خلال برنامجه الإنتخابي المحافظ.

غير أن المشهد الذي يرسمه الموسم الإنتخابي الحالي مدفوعًا بالإبادة الجماعية في قطاع غزة ومتخذًا من العلاقة مع إسرائيل عنوانًا بالخط العريض حمل إلى المشهد عددًا غير مسبوق من العرب والمسلمين والتقدميين المخالفين للمألوف في عالم السياسة الأمريكية والذين يهددون الأساسات الراسخة حتى للمؤسسة الديمقراطية التي ينتمون إليها.

وفي ظل هذا التحول الدراماتيكي المفاجئ وما يحمله من إحباطات متتالية وتهديدات حيوية للمصالح الأمريكية الرأسمالية والموالية لإسرائيل؛ يبدو من المنطقي أن يعود الحزب الجمهوري والشق المحافظ من الحزب الديمقراطي إلى لعبته الأثيرة بالتخويف من تأثير المسلمين وظهورهم الجريء في الصورة الأمريكية الرسمية رغم أنهم لا يشكلون سوى 1% من الشعب الأمريكي وفقًا لمركز بيو للدراسات. 

ومن المفارقات أن مركز بيو للدراسات واستطلاعات الرأي وجد في استطلاع أجراه عام 2025 أن 42% من مسلمي الولايات المتحدة يميلون باتجاه الحزب الجمهوري ويشاركونه رؤاه الاجتماعية والاقتصادية المحافظة في مقابل 53% يميلون باتجاه الحزب الديمقراطي. ورغم هذا لا يبدو الحزب الجمهوري مرحبًا بالمسلمين المنتمين إلى صفوفه ويرى فيهم تلوثيًا لنقاء رؤيته السياسية وتشويشًا على قيمه العليا الرافضة للمهاجرين والملونين والمسلمين عمومًا. 

والآن تلجأ إداراة ترامب ونواب يمينيين محافظين لتنظيم حملة إسلاموفبيا مركّزة عشية الإنتخابات النصفية نوفمبر المقبل؛ وتستخدم الشعارات الكارهة للإسلام والمسلمين في محاولة لتوجيه الحشود وإعادة تشكيل الرأي العام لتامين مزيد من المقاعد للجمهوريين مقابل شيطنة الحزب الديمقراطي الذي باتت قاعدته الإنتخابية تميل نحو التقدميين والإشتراكيين. 

فما إن تم الإعلان عن فوز عبد الرحمن السيد في ولاية ميشيجان حتى ارتفعت معدلات كراهية المسلمين إلى 1895% حيث سجل اليوم التالي لفوزه 12 ألف منشور معادي للمسلمين على مواقع التواصل الإجتماعي في الولايات المتحدة وفقًا لتقرير منظمة دراسة الكراهية المنظمة.

لا يأتي تعليق ترامب الذي أدلى به عقب فوز عبدالرحمن السيد وغيره من مسلمي الولايات المتحدة في الانتخابات التمهيدية في ولاياتهم والذي قال فيه أن “الجهاديين يتم انتخابهم في جميع أنحاء الولايات المتحدة” منقطعًا عن سياقه العام؛ فبالنسبة لترامب شكّل خطاب معاداة المسلمين ركنًا أساسيًا من برنامجه في الفترين الإنتخابيتين الأولى 2016-2020 والثانية التي تقترب من نهاية عامها الثاني. وقد أخلص ترامب لخطابه ذاك بوضعه موضع التنفيذ في كثير من القرارات الرئاسية والسياسات التنفيذية التي استهدفت الدول ذات الأكثرية المسلمة من جهة وحرّضت ضد مجتمعات المسلمين في الداخل الأمريكي وضيّقت عليهم من جهة أخرى. 

ويعتبر إحياء ذكرى هجمات الحادي عشر من سبتمبر فرصة ذهبية في خدمة أجندة الجمهوريين في هذا السياق؛ إذ حرّك مؤثرون ومسؤولون يمينيون المياه الراكدة بربط المسلمين بأحداث الحادي عشر من سبتمبر عشية التجهيز لإحياء الذكرى ال25 للهجمات. وقد طالب بعض أهالي الضحايا عمدة نيويورك زهران ممداني بعدم التواجد في الفعالية المقرر إقامتها في المكان الذي شهد الهجمات. وقد ادعت النيويورك بوست المعادية بشدة لممداني أن الطلب جمع حتى اللحظة 42 ألف توقيع؛ حيث يرجع أهالي الضحايا طلبهم لدعم ممداني وتعاطفه مع الإرهابيين واعتقاده أن أمريكا تستحق الهجمات وهو ما كان ممداني قد نفاه تكرارًا. 

البعض ممن وقعوا الطلب لا يخفون امتعاضهم من دعم ممداني للحق الفلسطيني وانتقاده اللاذع للسياسات الإسرائيلية معتبرين أنه داعم للإرهاب في ربط مباشر بين احداث الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتحدة والسابع من اكتوبر في الأراضي المحتلة. وقد أشاروا لشعارات سابقة لممداني ووالده الأكاديمي في جامعة كولومبيا، محمود ممداني ب”عولمة الإنتفاضة” وما يعينه ذلك من دعوة للقضاء على يهود العالم حيث تعد مدينة نيويورك إحدى أكبر حواضنهم في الولايات المتحدة. 

الحرب في الشرق الأوسط: تصادم الحضارات

تابع تقرير لمنظمة دراسة الكراهية المنظمة تصاعد خطاب الإسلاموفوبيا منذ مطلع العام الحالي ولاحظ ازديادًا مضطردًا مع إندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران. فقد أشار التقرير ألى النشاط الواضح بين 28 فبراير و5 مارس، حيث سُجّل ما مجموعه 25,348 منشورًا معاديًا للإسلام و المسلمين على منصة X. وإذا ما شملنا المنشورات المعاد نشرها، فسوف يرتفع إجمالي المحتوى المعادي للإسلام إلى 279,417، أي بزيادة مقدارها 11 ضعفًا عن منشورات الكراهية الأصلية.

وقد تنوعت المنشورات بين تلك التي تنزع عن المسلمين إنسانيتهم فتصفهم بالجرذان والحشرات وبين تلك التي تعتبرهم آفة يجب إبادتها بشكل جذري دفاعًا عن الحضارة الغربية. وقد طالبت المنشورات باستبعاد المسلمين واحتجازهم في مراكز خاصة وهدم مساجدهم تمهيدًا لترحيلهم إلى بلادهم. 

فقد تزامن إنطلاق الأعمال العدائية ضد طهران والتي اكتسبت غطاء مسيحيًا قوميًا بتحريض من ترامب ووزير دفاعه بيت هيغسيث مع ازدياد ملحوظ في حملات الإسلاموفوبيا على مواقع التواصل الإجتماعي في الولايات المتحدة وفقًا لمركز دراسة الكراهية المنظمة. 

من ناحية أخرى؛ تبرز حرب الإبادة الإسرائيلية كعامل مفصلي في حملة التشويه؛ إذ أشار تقرير لمبادرة بريدج التابعة لجامعة جورج تاون إلى دور وزراة الخارجية الإسرائيلية في تعزيز حملة الإسلاموفوبيا الحالية حيث أشارت الوزراة إلى فاعلية التحريض ضد المسلمين لإلهاء الأمريكيين عن حرب الاإبادة الجماعية التي تشنها في قطاع غزة. بينما قام المسؤولون الجمهوريون وهم الأكثر دعمًا لإسرائيل وفقًا للتقرير إلى تبني توصيات الوزارة واستخدامها كاستراتيجية لحملاتهم الإنتخابية. 

فقد عمل التحوّل الملموس في وعي الأمريكيين وتعاطفهم مع القضية الفلسطينية بعد أحداث السابع من أكتوبر بصورة مباشرة على توفير الدعم الشعبي للمرشحين التقدميين الذين ينتقدون علنًا العلاقات الامريكية الإسرائيلية والدعم غير المشروط للسياسات الإستعمارية الإسرائيلية في الشرق الأوسط. ففي استطلاع رأي لمنظمة جالوب أجرته عام 2026 يظهر التحول الشعبي في التعاطف الأمريكي مع الفلسطينيين بنسبة 41% مقابل 36% يتعاطفون مع الإسرائيليين. وإذا ما قارننا هذه النتائج بنتائج العام الماضي فقط للمنظمة والذي أظهر 46% من الأمريكيين متعاطفين مع إسرائيل مقابل 33% مع الفلسطينيين سيظهر التحول الكبير في مشهد الدعم في الشارع الامريكي. 

وقد ظهر هذا التحول بين صفوف يهود نيويورك بصورة خاصة؛ حيث أظهر استطلاع رأي أجراه مركز نورك للأبحاث التابع للأسوشيتيد برس في بحر العام الجاري أن يهود نيويورك يفضّلون ممداني على نتنياهو؛ حيث يعتقد 61% منهم أن إسرائيل ارتكبت جرائم حرب في قطاع غزة بينما يصف 40% منهم ما يحصل في القطاع بالإبادة الجماعية.  

ويرى بريتون أوشيلدس، محامي فرع ألاباما لمجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية كير أن شيطنة المسلمين وتصويرهم في صورة العدو الأوحد للثقافة الامريكية يأتي في سياق محاولات اللوبي الصهيوني ورجالاته لإسكات المسلمين ووقف إنتقادهم المشروع لسياسات إسرائيل الإبادية في الشرق الأوسط والتي باتت تؤتي أكلها في الموسم الإنتخابي الحالي. 

حيث تعمل حملة الإسلاموفوبيا الحالية وفقًا لأوشيلدس كمشتت للناخبين عن القضايا والملفات الأكثر خطورة في الواقع الامريكي كملفات الإقتصاد والحرب مع طهران وملفات إبستين التي فشل الجمهوريين في إدارتها حتى اللحظة. متهمًا مرشحين جمهوريين من أمثال توبرفيل بأنه “جبان” يحاول تغطية فشله كسيناتور داعم لترامب ومؤيد للحرب ومتستر على ملفات إبستين بتوجيه غضب الناخبين إلى المسلمين الأبرياء الذين باتوا في خطر حقيقي من حملات الإنتقام في ألاباما والتي يشكلون ما نسبته 1% من سكانها وفقًا لمركز بيو. 

المواجهة: استراتيجية مسلمي أمريكا

رغم أن الزمان يعيد نفسه إلا أن مواجهة مجتمعات المسلمين لحملات الإسلاموفوبيا المنظمة في الولايات المتحدة باتت مختلفة تمامًا؛ فمن جتمعات متقوقعة، خائفة، معتذرة عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، إلى مجتمعات منظمة، تسعى لتمثيل سياسي جيد، وتواجه بشجاعة في المساحات العامة ومؤسسات الحكومة. 

فقد كانت أحداث الحادي عشر من سبتمبر نقطة تحول مفصلية في المشهد السياسي الأمريكي للجاليات المسلمة؛ فقد شهدت السنوات التالية للأحداث رغبة وسعيًا حثيثين من مسلمي أمريكا للوصول إلى المناصب السياسية المهمة لمواجهة حملات الشيطنة والتضليل التي أثرت بشكل مباشر على حياتهم وسلامة عائلاتهم في مجتمعاتهم الحاضنة.

فالمسلمون الامريكيون يملكون حضورًا لافتًا في السياسة العامة الأمريكية اليوم مقارنة بالعقود الماضية؛ إذ يحتل 255 مسلمًا أمريكيًا اليوم مناصب سياسية في 26 ولاية أمريكية، منهم أربعة أعضاء في الكونجرس الأمريكي، 46 مشرّع على مستوى الولايات، و11 عمدة لمدن امريكية متنوعة. بينما تبشر الإنتخابات النصفية المقبلة بإمكانية دخول أول مسلم لمجلس الشيوخ الأمريكي في تاريخ الولايات حال انتصر عبد الرحمن السيد المرشح عن ولاية ميشيجان، كما يمتلك سبعة مسلمين آخرين حظوظًا مرتفعة في الدخول لمجلس النواب في سابقة عددية هي الأولى من نوعها. 

وقد حمل فوز زهران ممداني بارقة امل لمسلمي الولايات المتحدة بأن عصر شيطنتهم وربطهم بالإرهاب لتحقيق مكاسب سياسية قد بدأ بالأفول بعد نجاح حملته الإنتخابية برغم كل الحملات العنصرية التي تعرض لها والتي صوّرته كتهديد للهوية الحضارية الأمريكية بسبب إنتمائه الديني وأن ليس أمريكيًا خالصًا وحقيقيًا.

ورغم أن المسلمين الأمريكيين يفضّلون الانضواء تحت راية الحزب الديمقراطي؛ إلا أن اصطفاف المؤسسة الرسمية للحزب إلى جانب إسرائيل في حربها الإبادية على القطاع دفع كثير من المسلمين للتخفف من إلتزامهم الحزبي والبحث عن مظلة بديلة عن التنظيم الرسمي للحزب. وساعدهم في ذلك الطفرة التكنولوجية التي جاءت بها مواقع التواصل الإجتماعي والتي وفّرت بديلًا مذهلًا للتواصل الشعبي المباشر بدلًا من وساطة المؤسسات الرسمية لمخاطبة الناخبين. وقد أفاد من هذه الطفرة كل من ممداني الذي ظهر في مقاطع تصويرية عفوية يتجول فيها في منهاتن وعبد الرحمن السيد الذي ظهر في مقاطع لطيفة يرقص فيها الزومبا ويشارك فيها في فعاليات شعبية قرّبتهم مباشرة من قاعدة الناخبين. 

علاماتالإسلاموفوبيا في أمريكا ، الانتخابات الأمريكية ، السياسة الأمريكية ، الفشل الإسرائيلي في الحرب على غزة ، المسلمون في أمريكا
مواضيعالإسلاموفوبيا ، الانتخابات الأمريكية ، الحرب على غزة ، السياسة الأمريكية ، العنصرية في أمريكا

قد يعجبك ايضا

سياسة

يريدون إنهاء حقبة نتنياهو.. دول عربية وغربية تدخل معركة انتخابات “إسرائيل”

خالد أصلان١٠ سبتمبر ٢٠٢٦
سياسة

بعد سقوط الجدار الذكي: العقيدة الأمنية الإسرائيلية من الردع إلى ابتلاع الأرض

أحمد الطناني٩ سبتمبر ٢٠٢٦
سياسة

قرار تحرير صنعاء اتُّخذ.. هل تستطيع القوات اليمنية تحويل تقدمها إلى حسم؟

خالد أصلان٨ سبتمبر ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑