• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

مواجهة خلف أبواب التحالف.. حين فكرت واشنطن في احتلال نفط الخليج

مصطفى علي٢١ سبتمبر ٢٠٢٦

“بما إن اعتماد العالم الغربي على النفط العربي مطلق، فذلك يعني أننا نعيش تحت رحمة العرب، أيّ، تحت رحمة الروس. وإن كان ذلك صحيحًا، فلن نحتاج بعد الآن إلى مؤسسة للسياسة الخارجية، وقد يكون من الأفضل لنا حل القوات المسلحة، فليس من المنطقي دفع 85 مليار دولار سنويًا مقابل العجز عن فعل شيء ما”. — السيطرة على النفط العربي، ميلوس إجنوتوس

على هامش الحرب العالمية الثانية، كان هناك تناقضٌ قد بدأ في الظهور بوضوح، وكان مقدّرًا له أن يترك بصمته على مستقبل المنطقة.

كان امتلاك الحكومة البريطانية حصة كبيرة في شركات النفط في الشرق الأوسط قد كفل تطابق مصالحها مع مصالح صناعة النفط على نحو كبير. وعلى النقيض من ذلك، لم يكن للحكومة الأمريكية أيّة أسهم في أيّ شركة للنفط، إلى جانب وجود مشكلة إضافية، هي وجود صناعة محلية كبيرة للنفط داخل الولايات المتحدة.

كانت الحكومة والصناعة على خلاف، فلقد أرادت الحكومة الحفاظ على مخزونات النفط المحلية، في حين كانت شركات النفط المحلية تبغي الإنتاج. لذا، كان المنتجون المحليون سيتصدّون لأيّ محاولة من جانب الحكومة لمساعدة الشركات الكبرى على استثمار حقول النفط الأجنبية، لأنهم يخشون أن تؤدي تخمة النفط إلى خفض سعر السوق.

وليس كل ما تأتي به الحرب وبالًا؛ فبالنسبة إلى الرئيس روزفلت، كانت الحرب فرصة للمصادقة على تأسيس مؤسسة الاحتياطات البترولية في يونيو 1943، وكان القصد من وراء ذلك إخضاع المصالح النفطية الأمريكية في السعودية لسيطرة الحكومة، وتضييق الخناق على انفراد الشركات بالقرارات النفطية، حمايةً للأمن القومي ومصالح البلاد أثناء الحرب.

وكان وزير الداخلية هارولد إيكس من أبرز الداعين إلى ذلك، إذ دعا إلى أن “تسيطر الحكومة الفيدرالية، إن تطلّب الأمر، بشكل مباشر على جميع موارد النفط المملوكة لشركات أمريكية في السعودية”.

في هذا الصدد، حاولت الحكومة الأمريكية شراء 100% من أسهم الشركة صاحبة امتياز التنقيب في السعودية، لتصبح تحت سيطرتها، واقترحت لاحقًا إنشاء خط أنابيب يمتد من الخليج العربي إلى البحر المتوسط، لتجاوز نفوذ الشركات التجارية. كما ضمّ مجلس إدارة المؤسسة البترولية وزراء الحرب والبحرية والخارجية، إلى جانب وزير الداخلية إيكس رئيسًا، لضمان سيطرة الحكومة على القرارات النفطية.

لكن تلك القرارات لم تُمرَّر بسهولة، ولم تُنفَّذ كاملةً، فقد واجهت معارضة شديدة من قطاع النفط الخاص والكونغرس، واتُّهمت بأنها ضرب من الفاشية الاقتصادية والتدخل في السوق الحرة، مما دفع إدارة روزفلت إلى تجميد كثير من خططها الأوسع الساعية إلى تضفير الأمن القومي بالصناعات النفطية في الشرق الأوسط. وما أسفرت عنه تلك الفترة هو ما أسمته الاقتصادية السابقة في البنك الدولي جيني سبالدينغ: “الصفقة التي تُبقي النفط متدفقًا”.

خرجت الصفقة المعنية من اللقاء الذي جمع روزفلت والملك عبد العزيز على متن الطراد كوينسي، الذي عرضنا له سابقًا، وكان فحواها النفط مقابل الأمن. واتسع هذا التصور لاحقًا في مبدأ كارتر، الذي أُعلن عام 1980، ونصّ على أن أي محاولة من قوة خارجية للسيطرة على منطقة الخليج ستُعدّ اعتداءً على المصالح الحيوية للولايات المتحدة، وستُواجَه بالقوة العسكرية إذا اقتضى الأمر.

وخلال الحرب العراقية الإيرانية، ساعد الوجود العسكري الأمريكي في إبقاء مضيق هرمز مفتوحًا. وكان من أبرز تجليات هذا التوجه حرب الخليج عام 1991، حين دافعت القوات الأمريكية عن حقول النفط السعودية، وقدّمت المملكة الأموال والوقود.

قد تُعطي تلك المقدمة انطباعًا بأن الأمور لطالما حكمها تناغم خاص، حين يتعلق الأمر بدفاع الولايات المتحدة عن أمن النفط في الخليج ضد الأطماع الخارجية، لكن العلاقة شهدت لحظات أبعد ما تكون عن السمن والعسل، وصلت فيها الولايات المتحدة إلى حدّ بحث استخدام القوة للسيطرة على آبار النفط في الخليج.

من أجل ذلك، اخترنا في ملفنا هذا أن نُلقي الضوء على تلك الصفحة في العلاقات الأمريكية الخليجية، التي لا تُذكر كثيرًا، فبينما يستحوذ الحديث الاقتصادي على تغطية أزمة النفط عام 1973، التي أعقبت الحرب العربية الإسرائيلية، يُغفل الحديث عن أمور سياسية أخرى طرأت على العلاقة بين الولايات المتحدة وحلفائها خلال تلك الأزمة التي كشفت عن خطط الطوارئ الأمريكية للسيطرة على نفط الخليج، وأظهرت أيضًا كيف استجابت القيادة السياسية في الخليج، خاصةً السعودية، وكيف رسمت خطوطها الحمراء أمام حُماتها الأمريكيين.

الصيغة الجديدة والطريق إلى الحظر

عقب الانقلاب على محمد مصدق عام 1953، أخذت علاقة الدول المنتجة بشركات النفط الغربية تتغير، وظهرت لاحقًا في الشرق الأوسط صيغة تمنح الدول حصصًا في إنتاج النفط، تتزايد بمرور السنوات. وفي مطلع السبعينيات، دخلت الحكومة السعودية في محادثات جديدة مع شركات النفط الأمريكية لإعادة توزيع تلك الحصص.

اختار السعوديون توقيت المحادثات بعناية خلال عام 1972، حين كان البيت الأبيض منشغلًا بحملة إعادة انتخاب الرئيس نيكسون. ومع تصاعد الضغط السعودي، انتهت المحادثات بقبول أرامكو شروط المشاركة.

هنري كيسنجر يلتقي العاهل السعودي الملك فيصل في ديسمبر/كانون الأول 1973. (Bettmann)

وهكذا حصل السعوديون على حصة أولية قدرها 25% بدءًا من عام 1973، على أن ترتفع إلى حصة الأغلبية، 51%، عام 1982. وكان ذلك انتصارًا مذهلًا للملك فيصل. وكان كيسنجر، كما يذكر أندرو سكوت كوبر في كتابه “ملوك النفط”، قد وبّخ علنًا مفاوضي الشركات الأمريكية، ورأى أن خضوعهم للشروط السعودية سيجعلهم أدوات في أيدي دول قد لا تتطابق مصالحها مع مصالح الولايات المتحدة.

لكن محادثة خاصة مع جون كونلي تكشف جانبًا آخر من موقفه؛ فقد أخبره أنه حثّ الأمير سعود على تجنّب نهج المصادرة، وأبلغه في الوقت نفسه: “ليس من مصلحتنا أن نفرض عليهم تسوية تضعهم في موقع أسوأ من الدول الأخرى، لأننا معنيون باستقرارهم”. لقد كانت تلك طريقة كيسنجر في إخبار الملك فيصل بأن إدارة نيكسون تتفهم حاجته إلى زيادة عائدات النفط، وتحرص على استقرار حكمه.

قلّل كيسنجر من شأن ما جرى، لكن أثره سيعود ليطارد السياسة الأمريكية بمجرد اندلاع حرب تشرين الأول 1973.

غرفة الخرائط.. واستعادة القوة الأمريكية

في مطلع عام 2004، وبموجب قواعد تقضي بنشر بعض الوثائق السرية بعد ثلاثين عامًا، نُشرت تفاصيل تقرير للجنة الاستخبارات البريطانية المشتركة، وقدّر التقرير أن إدارة نيكسون قد تلجأ، في خضم أزمة النفط عام 1973، إلى خطوة جذرية باحتلال حقول النفط في دول الخليج العربي إذا تصاعدت الأزمة.

ورأت اللجنة أن الولايات المتحدة تستطيع ضمان إمدادات نفطية كافية لها ولحلفائها بالاستيلاء على حقول في السعودية والكويت وأبو ظبي، تبلغ احتياطياتها مجتمعةً أكثر من 28 مليار طن.

في ذلك الوقت، كان السعوديون مأخوذين بفعالية سلاح المقاطعة النفطية، الذي كان كيسنجر قد قلّل من أهميته قبل اندلاع حرب عام 1973 بفترة وجيزة. وفي نوفمبر من ذلك العام، صرّح أحمد زكي يماني قائلًا: “نحن نراقب كل برميل نفط يصل إلى الولايات المتحدة”.

في هذا المناخ، رأى بعض المسؤولين في وزارة الدفاع أن إظهار القوة ضروري لاستعادة صورة القوة الأمريكية في الخليج. فقد بدت لهم الأحداث خارجة عن السيطرة، حتى إن المشيخات الصغيرة شعرت بحرية التصرف كما تريد في عهد فيتنام ووترجيت.

وكان السوفييت حاضرين في الحسابات العسكرية الأمريكية. فقد رأى صقور وزارة الدفاع أن بريجنيف ما كان ليجرؤ على التهديد بإنزال قوات من الجيش الأحمر في الشرق الأوسط لو أنه كان يهاب الموقف العسكري الأمريكي في المنطقة، لذلك شعروا بأن على الولايات المتحدة أن تجد طريقة لإظهار قوتها في الشرق الأوسط وكسر المقاطعة النفطية في الوقت ذاته.

وتماهيًا مع ذلك الفكر، اجتمع كبار الساسة في غرفة الخرائط بالبيت الأبيض صباح الثالث من نوفمبر، لبحث ما وصلت إليه الحالة السعودية. فقد فرضت السعودية مقاطعة نفطية على الولايات المتحدة يمكنها أن تصيب سلاحَي الجو والبحرية بالشلل، وهددت بإبطال بنود الاتفاقية التي وقّعتها مع أرامكو قبل عام، والتي قضت بامتلاك السعوديين حصة قدرها 25% من الشركة، والمضيّ نحو تأميمها بالكامل.

ضمّ الاجتماع هنري كيسنجر، ووزير الدفاع جيمس شليزنجر، ورئيس هيئة الاستخبارات وليام كولبي، وآخرين. وافتتح شليزنجر حديثه قائلًا: “السعوديون مندفعون جدًا فيما يتعلق بقوة النفط. لست واثقًا من أن لديهم مستقبلًا إلا مع الغرب، ولا يمكنهم أن يفلتوا بتهديدهم بإحراق الغرب”. لقد أراد شليزنجر قرصة أذن للسعوديين؛ فقد رأى أن هناك أرضية صالحة جدًا لاستعادة القوة الأمريكية في الشرق الأوسط وتخويفهم.

أبو ظبي.. مستعمرة أمريكية

كانت تلك الأرضية هي إمارة أبو ظبي، التي كانت قرية صيادين قبل 15 عامًا، ثم أصبحت إمارة نفطية يقطنها ثلاثون ألفًا وتشارك في المقاطعة النفطية. وكان موقعها استراتيجيًا، إذ يشكّل نقطة مناسبة يمكن للولايات المتحدة أن تطلق منها ضربات عسكرية مستقبلية في المنطقة. قال شليزنجر: “ستعطينا أبو ظبي ما نريده”.

تخيّل شليزنجر أنه يستطيع تنفيذ ضربة نظيفة ومدروسة، بإنزال قوات أمريكية في قلب دولة نفطية عربية لتوجيه تحذير جدي من عواقب أفعال دول الخليج. وظل هذا الخيار مطروحًا على الطاولة، وهو ما أغضب السعوديين ودول الخليج، كما يذكر كوبر في كتابه.

قُدّر أن تكون الأيام العشرة الأخيرة من نوفمبر موعدًا للتدخل العسكري الأمريكي، إذ ستكون عندئذٍ عدة مدمرات أمريكية متمركزة عند مدخل الخليج العربي للمشاركة في مناورات بحرية مقررة مسبقًا. وكانت حاملة الطائرات “يو إس إس هانكوك”، وعلى متنها أكثر من ثمانين طائرة هجومية، تتجه كذلك نحو المنطقة.

في ذلك الوقت، كان كيسنجر يستعد لرحلاته إلى الشرق الأوسط والصين، ويقلقه احتمال أن يشن السوفييت هجومًا. فسُئل شليزنجر عمّا يمكن أن يحدث، فرد وزير الدفاع قائلًا: “نُطلق العنان لإسرائيل على الجيش الثالث، ونخبر السادات أنه إذا أطلق العنان للسوفييت، فسيكون الأمر وبالًا عليه”.

وكان الخبر الجيد لشليزنجر أن شاه إيران قد أخبر السفير الأمريكي بأن بحريته على استعداد للمشاركة في الغزو. وفُتحت الموانئ والمطارات ومستودعات الوقود الإيرانية أمام الجيش الأمريكي لتوفير الإمدادات المطلوبة. لكن الشاه كان، من ناحية أخرى، يخشى خرق معاهدة أبرمها مع موسكو عام 1962، تمنع إيران من جعل أراضيها مقرًا لقوة أجنبية قد تنشئ مواقع لإطلاق صواريخ من أي نوع؛ لذلك كانت مشاركته على استحياء.

وعلى كل حال، كان الموقف المحرج كله وشيكًا على نهايته. فقد طار كيسنجر في الثامن من نوفمبر إلى الرياض، واجتمع بالملك فيصل في جلسة تجاوزت ثلاث ساعات.

اجتماع واحد.. وروايات عدة

في جو يخيّم عليه التوتر، كان الملك فيصل يعلم أن قبالة الساحل مباشرةً قوة بحرية تكفي لتدمير مملكته والسيطرة على الممالك الأخرى. وكانت حاملة الطائرات “هانكوك” تذكيرًا بمن يملك زمام الأمور في تلك العلاقة المعقدة؛ ففي نظر الولايات المتحدة، اختُزل دور المملكة إلى محطة وقود عملاقة تلبي احتياجات الدول الصناعية الديمقراطية.

في كتابه “الملك فيصل: شخصيته وعصره وإيمانه”، يتحدث ألكسي فاسيلييف عن كواليس الاجتماع. فبطريقته المعتادة، تحدّث كيسنجر من موقع المتودد. وحاول أن يترك في نفس الملك انطباعًا جيدًا حين أخبره أنه اطّلع على جميع مكاتباته مع الرؤساء كينيدي وجونسون ونيكسون، وأدرك منها خيبة أمله في سياسات الولايات المتحدة بالمنطقة، وأنه مُحقّ في ذلك. وأضاف أنه يؤمن بإمكان التوصل إلى تسوية الآن، ودعاه إلى التعاون، سائلًا إياه إن كان يؤيد عقد مؤتمر للسلام، فأجابه فيصل بالإيجاب.

ثم سأله إن كان يؤيد رفع حظر البترول، مؤكدًا أن رفعه بات مهمًا إلى حد الإحراج؛ فاستمراره يثير مشاعر العداء للعرب في الولايات المتحدة، ويعرقل جهود حثّ إسرائيل على إخلاء الأراضي المحتلة تدريجيًا.

ويذكر فاسيلييف، في إحدى الروايات عن الاجتماع، أنه انتهى بسؤال كيسنجر الملكَ السعودي عمّا إذا كان الحظر سيستمر ما دامت القدس محتلة. ولم يُجبه الملك. ولدينا رواية أخرى في كتاب كوبر.

في تلك الرواية، التي نقلها كيسنجر إلى زملائه، ألمح فيصل إلى استعداده للتوصل إلى اتفاق لإنهاء الحظر، وقال لكيسنجر بنبرة متوددة: “يمكنك إجبار إسرائيل على الانسحاب فورًا في غضون ثلاثة أسابيع. ألا يمكنك مساعدتي؟ ألا يمكنك منحي القدس؟”. فردّ كيسنجر: “امنحونا الوقت وسنفعلها”.

وفي اليوم نفسه الذي بدأت فيه المناورات في الخليج العربي، 19 نوفمبر، أرسل البيت الأبيض إشارة لطمأنة فيصل، إذ أُعلن: “في الوقت الراهن، قررت الولايات المتحدة عدم الرد على الدول العربية”.

“انتحار العالم المتقدم”

بعد يومين من بادرة البيت الأبيض، خرج كيسنجر في مؤتمر صحفي ليعلن أنه لا يزال يحتفظ بورقة القوة في يده، وقال إن الإدارة قد تنظر في اتخاذ إجراءات مضادة إذا استمرت الضغوط الاقتصادية على نحو غير معقول وإلى أجل غير مسمى؛ فواشنطن لن تتسامح مع تعرضها لضغوط اقتصادية وهي تحاول التفاوض على اتفاق سلام في الشرق الأوسط.

كان الرد السعودي مفاجئًا. فقد هدد أحمد زكي يماني بأن السعودية قد تتبع سياسة الأرض المحروقة حين قال: “سنخفض إنتاجنا بنسبة 80% إذا اتخذت القوى الغربية إجراءات لكسر الحصار، وأي عمل عسكري قد يكون بمثابة انتحار للعالم المتقدم، لأن اقتصادكم بأكمله سينهار حتمًا فجأة. وهناك بعض المناطق الحساسة في حقول النفط السعودية سيتم تفجيرها”.

تجاوز تهديد يماني حدود البلاغة؛ فقد اتخذت الدول العربية النفطية إجراءات، ووضعت خطط طوارئ لحماية منشآتها بزرع المتفجرات فيها تحسبًا لغزو أمريكي محتمل. وأحاطت الكويت حقولها النفطية بألغام أرضية، لكن الكواليس حملت مسارًا آخر خلف التصعيد العلني؛ فقد كان فيصل يميل إلى تجنّب مواجهة مع أكبر حليف له في العالم.

صباح 28 نوفمبر، اتصل كيسنجر بوزير الدفاع ليخبره بأن لديه رسالة مثيرة للاهتمام من السعودية: الملك فيصل يرغب في تخفيف المقاطعة والبحث عن فرصة مبكرة للاتفاق على مؤتمر سلام. أكد وزير الدفاع لكيسنجر أن هذه أخبار جيدة جدًا؛ فقد تبيّن له أن حشد القوات للغزو يحتاج إلى ستة أسابيع إضافية. وكان نهج الإدارة القائم على الترغيب والترهيب قد أتى أكله؛ يستكشف كيسنجر الخيارات الدبلوماسية، فيما يجهّز زميله قوات المارينز للتحرك إذا فشلت المفاوضات.

وهكذا بدأ نوفمبر باجتماع في غرفة الخرائط، وانتهى بآخر يوم 29 منه، أخبر فيه كيسنجر زملاءه الحاضرين: “الملك فيصل صديق لنا. لكنه يتعرض لضغوط من المتطرفين، لذا فهو يتجاوزهم حتى لا يُحرج نفسه بعلاقته مع الولايات المتحدة، ولديّ انطباع بأن السعوديين يتراجعون”.

في ذلك الوقت، كان وليام كولبي قد علم أن السعوديين أبلغوا أرامكو سرًا ببدء ضخ مزيد من النفط، وأنهم مستعدون لتقديم شحنات سرية من الوقود للبحرية الأمريكية كبادرة حسن نية، وعلّق كيسنجر قائلًا: “يبدو أنهم يبحثون عن مخرج”. وقد كان محقًا؛ فبحلول مارس 1974، كان الحظر النفطي على الولايات المتحدة قد بلغ نهايته.

رضوخ فيصل.. واقعية سياسيّة أم تآمر؟

في كتابه “اليماني: القصة من الداخل”، يورد جيفري روبنسون حوارًا دار بينه وبين السفير الأمريكي لدى السعودية جيمس إيكنز، الذي كان يوصف على سبيل السخرية بأنه “عربي متطرف”، ولطالما شعر أنه أحق من كيسنجر بمكانة الوسيط في الصراع العربي الإسرائيلي.

وتناول الحوار سمعة كيسنجر لدى السعوديين في أعقاب حرب 1973 وخلال الحظر النفطي. يقول إيكنز: “لقد اعتبر السعوديون كيسنجر نصّابًا كبيرًا. لو قال لهم إن الشمس ستشرق غدًا من المشرق، لقالوا: حسنًا، ننتظر ونتأكد أولًا”. وكان الملك فيصل متيقنًا من ذلك بالفعل، فما الذي دعاه إلى الاستسلام في النهاية؟

عند ألكسي فاسيلييف، نجد أن الملك كان يحمل يقينًا آخر: الإدارة الأمريكية منخرطة بقوة في الشرق الأوسط، وهو بعيد كل البعد عن الشيوعية الملحدة. لذا، آمن بأن نيكسون هو الشخص المنوط به إيجاد تسوية تفاوضية للصراع العربي الإسرائيلي. وكان على الصراع بين الولايات المتحدة والسعودية أن يبلغ مداه، حتى إن السفير إيكنز وصف موقف الملك قائلًا: “لقد كان حريصًا على مصالحنا أكثر منا”.

في النهاية، بقيت القدس خارج أيدي العرب، ولم تعد إسرائيل إلى حدود ما قبل عام 1967. وحين اغتيل الملك فيصل في مارس 1975، رحل قبل أن يرى شيئًا مما حلم به يتحقق. أما النفط، فواصل تدفقه في أنابيب أرامكو، واستمرت الأزمة النفطية في صورة أخرى.

شياطين على ظهور الجمال

كان الدرس الذي استخلصه الأمريكيون من أزمة النفط عام 1973 جليًا في نظرهم؛ لا يمكن لدول الخليج العربية أن تتحكم بالنفط. وتعالت الدعوات إلى احتلال الخليج. نعم، انتهى الحظر، لكن دول أوبك واصلت الانفراد بسياسة رفع الأسعار وتحقيق مكاسب عالية. وكان ذلك زمنًا خصبًا لصعود الصقور في السياسة الأمريكية، فيما يقف المواطنون في طوابير لملء خزانات سياراتهم.

“يجب علينا تأديب هؤلاء الشياطين على ظهور الجمال”. ترد هذه الجملة في كتاب فاسيلييف على لسان أحد قادة الجيش الأمريكي، في وقت كانت السعودية تراقب بقلق أثر ما تفعله، مع منظمة أوبك، من عصرٍ قاسٍ لجيوب الغرب. فقد كانت هناك شعرة لا يريد السعوديون تجاوزها؛ فاليائسون قد يُقدمون أحيانًا على أفعال مستميتة ومميتة.

بدا أن اليائسين على استعداد للتحرك. ففي يناير 1975، نشرت مجلة “كومنتري” مقالة للأستاذ روبرت تاكر بعنوان “النفط: قضية التدخل الأمريكي”، دعا فيها الولايات المتحدة إلى الاستيلاء عسكريًا على الساحل العربي للخليج، الذي كان يضخ 40% من إنتاج أوبك. وقد أثارت أطروحته اهتمامًا واسعًا في واشنطن، بالتزامن مع تصريح كيسنجر الغامض عن إمكان استخدام القوة وعدم الوقوف مكتوفي الأيدي أمام الخنق الاقتصادي.

أما المقالة التي بلغ صداها السعودية، فنشرتها مجلة “هاربرز” في صورة تحقيق تحريضي مطوّل بعنوان “احتلال النفط العربي”، لكاتب اتخذ الاسم المستعار “ميليس إجنوتس”، الذي يعني باللاتينية “الجندي المجهول”. وينسب البعض المقالة أحيانًا إلى هنري كيسنجر نفسه. ووفقًا لكوبر، اجتمعت العائلة المالكة السعودية عقب نشرها، وأرسلت مع الملك حسين رسالة إلى الرئيس فورد، تطالبه فيها بالتدخل للحؤول دون انتشار مثل هذه الدعوات مجددًا.

منظمة الدول المصدّرة للنفط (أوبك)

في تلك المقالة، دعا الجندي المجهول إلى احتلال المحافظات الشرقية الغنية بالنفط في المملكة العربية السعودية لمدة عشر سنوات، ورأى أن الولايات المتحدة تستطيع الاستيلاء على نفط الخليج بقوة قوامها أربعون ألف جندي لا أكثر. وإذا كانت إيران القوة الوحيدة في الخليج القادرة على اعتراض الغزو، فيمكن شراء سكوت الشاه بإهدائه الكويت، وسيكون شاكرًا.

ومع مقالات ونقاشات أخرى دارت حول الفكرة نفسها، بدت تلك حملة منظمة في نظر السفير إيكنز، فقد استبعد أن تتفتق أذهان أكثر من ثمانية أشخاص عن الفكرة الشاذة نفسها في الوقت ذاته، حتى إنه قال في حوار تلفزيوني إن من يقترح ذلك إما مجنون أو مجرم أو عميل للاتحاد السوفييتي، وقد فُصل لاحقًا من وظيفته على إثر ذلك، وظل حتى وفاته يعتقد أن هنري كيسنجر أدار تلك الحملة.

هدأت الحملة حين ظهرت تقارير تفيد بأن عمليات كهذه ستلحق أضرارًا كبرى بالبنية التحتية للنفط، من دون أي جدوى اقتصادية. وكما يورد ألكسي فاسيلييف في كتابه “بترول الخليج والقضية العربية”، بدا، رغم ارتفاع صوت التهديدات، أن الكلمة العليا في واشنطن بشأن التعامل مع الخليج ستكون لأنصار الشراكة والتعامل المتبادل. وكانت مثل تلك الحملات مجرد بالونات اختبار لما قد تبلغه أسوأ السيناريوهات في العلاقة بين شريكين.

وبالفعل، كان لكلمات نائب وزير الخارجية الأمريكي جورج بال صدى أقوى من أي مقالة صحفية حين قال: “زمن التهديدات مضى وانقضى. لا أحد من الذين يفهمون الوقائع الاستراتيجية الراهنة يمكن أن يتقبل بجدية مغامرة حربية للاستيلاء على المناطق المنتجة للنفط. فتلك خيالات عتيقة. إن حضور روسيا في حوض البحر الأبيض المتوسط يشطب هذه المسألة من جدول الأعمال. لذا، فلنواجه الحقائق: طالما أنه ما من حكومة في واشنطن تنوي تحويل المناطق المنتجة للنفط إلى جحيم نووي، فليس علينا أن نتحدث عن مثل هذه الأمور. فالأمم الكبرى لا تلوح بتهديدات إلا إذا كانت تنوي القيام بها فعلًا”.

انقلاب في الأوبك.. ومستقبل المنطقة

كانت أزمة عام 1977 أكثر الأزمات كشفًا عن طبيعة العلاقة التي تأسست لاحقًا بين الولايات المتحدة والسعودية، فبعد أن سكتت المدافع العربية والإسرائيلية، وظهرت نية السادات زيارة القدس، بدا أن البلدين قادران على إيجاد صيغة جديدة لعلاقتهما.

في ذلك العام، أصيب سوق النفط بالشلل جراء انقسام أعضاء منظمة أوبك حول الأسعار المقترحة للعام التالي. فقد اقترح الشاه زيادة بنسبة 15%، عارضها الملك خالد بإيعاز أمريكي، واحتجّ بأن زيادة أسعار النفط تفتقر إلى المبرر فيما تمر الاقتصادات الغربية بحالة ركود.

حتى إن وزير نفطه، اليماني، صرّح لصحيفة “دير شبيغل” الألمانية قائلًا: “نحن قلقون على الوضع الاقتصادي في الغرب، وقلقون من احتمال حدوث ركود اقتصادي آخر، وقلقون على الوضع في بريطانيا وإيطاليا وفرنسا من خطر الشيوعية”. لقد كان كل ذلك من عمل هنري كيسنجر في الكواليس، كما يذكر أندرو كوبر في كتابه.

وبينما شعر الشاه بالنصر حين أقنع بقية دول أوبك بتبنّي زيادة من خانتين في أسعار عام 1977، جاء الرد السعودي سريعًا وقاسيًا. فقد أعلنت الرياض أنها ستتخذ خطوات حازمة لمنع نظام الأسعار الذي اقترحته إيران. وقال اليماني، بعد انسحابه من مؤتمر الدوحة الشهير: “ليس من العدل أن تجتمع دول الأوبك لتقرر سعر النفط السعودي؟ هل من العدل أن يقرر الآخرون لنا ما نريده؟”.

لقد قررت السعودية أن تضرب: زيادة الإنتاج، وضخ مزيد من النفط الخام في الأسواق، والبيع بسعر أقل من أسعار المنافسين. اتبعت تلك الخطوات بين ليلة وضحاها، فخسرت إيران على إثرها مليارات الدولارات من عائداتها النفطية المتوقعة. وأجبرت الضربة حكومة الشاه، التي كانت تترنح تحت وطأتها، على الحصول على قرض قصير الأجل من مصارف أجنبية، ثم اتباع مسار اقتصادي تقشفي انتهى بتحطيم عرش الطاووس.

كانت الولايات المتحدة والسعودية تسعيان إلى منع صعود نظام راديكالي في إيران، لكنهما نقضتا غزلهما بأيديهما. ففي سبيل إرساء مصالحهما النفطية، أُزيح الشاه وصعدت الخمينية. وأصبح تجاهل تبعات قرار عام 1977، وما أعقبه من زلزال جيوسياسي في المنطقة، سمةً مميزة لعلاقة أمريكا بالنفط في الشرق الأوسط. وبدأ الرد على ذلك بمبدأ كارتر، الذي حوّل خطط الاحتلال الطارئة لعام 1973 إلى فعل ميداني.

ففي مطلع عام 1980، أعلن الرئيس الأمريكي مبدأه الذي ينصّ على أن أي اعتداء على منطقة الخليج سيُعدّ اعتداءً على المصالح الحيوية للولايات المتحدة، وسيُواجَه بكل الوسائل الضرورية، بما فيها القوة العسكرية. وقد تجلّت تبعاته في العقود التالية في حروب وقواعد أمريكية شكّلت حزامًا طوّق أعداء الولايات المتحدة، وما زال يخنق حلفاءها في الوقت ذاته.

علاماتأوبك ، إنتاج النفط ، التدخل الأمريكي في الشرق الأوسط ، السياسة الأمريكية ، السياسة السعودية
مواضيعأسعار النفط ، السياسة السعودية ، الشأن السعودي ، نحن وأمريكا

قد يعجبك ايضا

سياسة

اليمن في حسابات القاهرة: أمن الملاحة ودروس الستينيات

عماد عنان٢١ سبتمبر ٢٠٢٦
سياسة

من “الجبهة” إلى “الأمة”.. كيف يعيد إسلاميو الأردن بناء بيتهم السياسي؟

خالد أصلان٢١ سبتمبر ٢٠٢٦
سياسة

يزعم دعم الفلسطينيين ويمول الجيش الإسرائيلي: التناقض الصارخ في تبرعات روبرت كرافت

جونا فالديز٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑