• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

من نزع السلاح إلى تنظيمه.. تاريخ الالتفاف على الدولة في العراق

إياد الدليمي٦ نوفمبر ٢٠٢٦

أفراد من قوات الحشد الشعبي العراقي يستقلون آليات عسكرية خلال عرض عسكري احتفالًا بـ«يوم النصر»، الذي يحيي الذكرى السابعة لهزيمة مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية وتحرير الأراضي العراقية، في مدينة الموصل بالعراق.

ليس أخطر ما واجهته الدولة العراقية بعد عام 2003 وجود جماعات مسلحة خارج مؤسساتها فحسب، بل نشوء نمط سياسي استطاع تحويل هذا الوجود، مع مرور الوقت، إلى جزء من بنية الدولة نفسها، من دون أن ينجح في إخضاعه الكامل لقواعدها، نظام سياسي أقل ما يقال عنه أنه يتخادم مع مصالحه لا مع مصلحة الوطن. 

فالسلاح الذي كان يفترض أن يكون مؤقتاً، فرضته ظروف الصراع الأمني والسياسي، أصبح مؤسسة لها قانونها وموازنتها وقياداتها وامتداداتها السياسية والاقتصادية. أما الجماعات التي يفترض أن تخضع لقرار القائد العام للقوات المسلحة، فقد احتفظ بعضها بمساحات واسعة من الاستقلال في القرار والقيادة والحركة.

الأمر هنا لا يتعلق بقضية السلاح فحسب، بل تاريخ طويل من التلاعب بالمفاهيم والتسميات، واستخدام النصوص القانونية لتكريس واقع موازٍ، ثم العودة إلى النصوص ذاتها عند المطالبة بالمساءلة أو نزع السلاح، باختصار هذا هو النظام السياسي الذي أفرزه الاحتلال الأمريكي ودعمه لأكثر من عقدين من الزمن، ولا يزال.

ومنذ فترة رئاسة نوري المالكي لولايته الأولى عام 2006، مروراً بتأسيس الحشد الشعبي وتقنين وضعه عام 2016، وصولاً إلى الصيغة المطروحة اليوم تحت عنوان “تنظيم السلاح”، ظل السؤال الجوهري مؤجلاً؛ هل المطلوب أن تتخلى الجماعات المسلحة عن امتلاك القوة والقرار العسكري المستقل، أم أن يجري إدخال هذه القوة في ترتيبات رسمية جديدة تضمن استمرارها داخل الدولة وخارجها في آن واحد؟

يتسع التباين في تفسير ما يرد بشأن سلاح الفصائل، الذي يُوصف بأنه خارج نطاق الدولة، إلى حدّ يبدو معه وكأننا أمام نصوص كُتبت بلغات مختلفة ثم تُرجمت إلى العربية، فتعددت القراءات واختلفت التفسيرات بشأن المقصود منها. إنها، ببساطة، لعبة التفسيرات وإفراغ الاتفاقات من مضمونها ريثما تمرّ العاصفة.

من إضعاف المؤسسة إلى بناء مراكز القوة

في عهد نوري المالكي، رئيس الوزراء بين عامي 2006 و2014، تكرس نمط من إدارة المؤسسات الأمنية يقوم على تركيز القرار في مكتب رئيس الوزراء، وتجاوز التسلسل الإداري والعسكري التقليدي.

الوزارات الأمنية، الدفاع والداخلية فضلا عن التشكيلات الأمنية الأخرى، تحولت إلى هياكل إدارية فارغة المضمون ، فلقد جمع القائد العام للقوات المسلحة ورئيس الوزراء كافة الصلاحيات بيده ، وهو ما يفسر الكثير من مسيرة الفشل التي كادت أن تودي بالعراق الدولة. 

تقدم دراسة «زواج غير سعيد: العلاقات المدنية العسكرية في عراق ما بعد صدام» الصادرة عن مؤسسة كارنيغي وصفاً لهذه المرحلة، موضحة كيف استُخدمت التعيينات والولاءات الشخصية والسياسية في إعادة تشكيل مراكز القيادة، وكيف جرى تجاوز الوزارات عبر قنوات غير رسمية.

 كما توثق دراسة أخرى للمؤسسة بعنوان «التنافس على توطيد السلطة في العراق» أثر المحاصصة والولاءات الحزبية في بنية المؤسسة العسكرية.

نوري المالكي برفقة عناصر من الجيش العراقي

وفي هذا السياق، لم تكن المسألة مجرد توزيع مناصب وزارية بين القوى السياسية، بل تراجعاً في استقلالية المؤسسات نفسها. فقد تحولت بعض المواقع إلى واجهات إدارية أو سياسية، فيما انتقلت الصلاحيات الفعلية إلى شبكات ومراكز قرار مرتبطة برئاسة الحكومة أو بالأحزاب النافذة، وتداخلت أدوار الدفاع والداخلية والقيادات العسكرية، بما أضعف وضوح المسؤولية والمحاسبة، وهي مرحلة تستحق التذكير بها هنا، لا إعادة تفصيلها، لأنها أسهمت في إنتاج بيئة سياسية وأمنية باتت فيها المؤسسة الرسمية قابلة للاختراق من القوى التي يفترض أن تخضع لها.

الحشد الشعبي: من الاستثناء الأمني إلى المؤسسة القانونية

جاءت لحظة يونيو/حزيران 2014، مع اجتياح تنظيم الدولة الإسلامية مساحات واسعة من العراق وانهيار قطعات عسكرية في الموصل ومناطق أخرى، لتفتح الباب أمام مرحلة جديدة.

 فقد تشكل الحشد الشعبي في سياق التعبئة لمواجهة التنظيم، واستندت عملية التعبئة إلى فتوى المرجعية الدينية العليا بالدفاع عن البلاد، وإلى حاجة أمنية حقيقية فرضها انهيار قطاعات من الجيش والأجهزة الأمنية، فكان أن وجدت فيها الميلشيات التي كانت تنشط قبل هذا التاريخ والتي ينتمي أغلبها إلى أحزاب شيعية نافذة؛ فرصتها لإعادة تعريف نفسها وكأنها استجابت للفتوى الدينية التي صدرت من النجف 

لكن ما بدأ باعتباره استجابة استثنائية لحالة طوارئ لم يبقَ في حدودها، فبدلاً من أن يكون المسار واضحاً باتجاه استيعاب المقاتلين ضمن مؤسسات الدولة النظامية أو إنهاء التشكيلات بعد انتهاء الحاجة إليها، أخذ الحشد يتحول تدريجياً إلى كيان مؤسسي مستقل نسبياً، له قيادة وميزانية وتشكيلات وامتدادات سياسية.

وفي 26 نوفمبر/تشرين الثاني 2016، أقر البرلمان قانون هيئة الحشد الشعبي، الذي منحها صفة مؤسسة مستقلة ذات شخصية معنوية، وجعلها جزءاً من القوات المسلحة وترتبط بالقائد العام للقوات المسلحة.

 كما نص القانون على خضوع منتسبيها للقوانين العسكرية، وعلى فك ارتباطهم بالتنظيمات السياسية والحزبية والاجتماعية ومنعهم من ممارسة النشاط السياسي.

هنا ظهر التناقض الذي سيلازم الملف لاحقاً، فالقانون رسم صورة لمؤسسة عسكرية رسمية، لكن الواقع العملي لم يضمن بالضرورة انتقال القرار والولاء والسلاح إلى الدولة، فوجود تشكيلات ضمن مؤسسة رسمية لا يعني تلقائياً أن قياداتها فقدت استقلالها التنظيمي، أو أن قرارها العسكري أصبح خاضعاً بصورة فعلية للتسلسل الرسمي.

وتشير دراسة تشاتام هاوس عن شبكات الحشد الشعبي والدولة العراقية إلى أن بعض شبكات الحشد لا تقتصر على البنية العسكرية، بل تمتد إلى أحزاب تشارك في الانتخابات، وتفاوض على الوزارات، وتؤثر في التعيينات الحكومية ومؤسسات الدولة. 

عناصر من الحشد الشعبي- الجزيرة

كما تشرح الدراسة كيف تتداخل القوى المسلحة مع شبكات سياسية وإدارية واقتصادية، بما يجعل الفصل بين المؤسسة الرسمية والجهة الحزبية أو المسلحة أمراً شديد التعقيد.

نحن هنا لا نتحدث عن مجرد تنظيمات مسلحة، وإنما تنظيمات مسلحة لها أذرع سياسية تشارك في الانتخابات وتستحوذ على أغلبية مقاعد البرلمان، تعين الوزراء وتمتد يدها لتعيين رئيس الوزراء، وتتحكم بالقرار السياسي وتصل للاقتصادي فضلا عن التشريعي. 

وهنا يمكن أن نعيد صياغة السؤال، هل الحشد الشعبي جزء من الدولة وفق القانون؟ 

هل الدولة قادرة على فرض إرادتها على جميع تشكيلاته؟ 

وهل تستطيع محاسبة أي فصيل إذا اتخذ قراراً عسكرياً خارج أوامر القائد العام؟

الصدمة أن الفارق كبير جد بين ما هو اعتراف قانوني بهذه المؤسسة التي تألفت في كثير من قطاعاتها من ميلشيات حزبية وبين امتلاك سلطة فعلية عليها، التجربة أثبتت أن لا أحد لديه سلطة أو صلاحية على هذه الميلشيات والفصائل التي تضع قدما في الحكومة ومؤسساتها وتضع أخرى خارجها كجزء من دورها فيما يعرف ب” محور المقاومة ” و ” وحدة الساحات ”  

تعدد الأسماء ووحدة النفوذ

من أبرز سمات هذا المشهد قدرة بعض الفصائل على التحرك بين ثلاث دوائر متمايزة في الخطاب، لكنها قد تتداخل في الواقع: دائرة الحشد الشعبي بوصفه مؤسسة رسمية، ودائرة الفصيل بوصفه تنظيماً مسلحاً له قيادته ومرجعيته، ودائرة «المقاومة الإسلامية في العراق» بوصفها مظلة تتبنى أو تعلن عمليات عسكرية في سياقات إقليمية.

هذا التمييز ليس تفصيلاً لغوياً. فعندما يتعلق الأمر بالموازنة والرواتب والرتب والامتيازات، تظهر صفة المؤسسة الرسمية، ويُستدعى القانون الذي يضمن للحشد موقعاً في المنظومة الأمنية. وعندما تقع عملية مسلحة أو هجوم خارج الحدود أو ضد أهداف أمريكية، قد يظهر اسم الفصيل أو المظلة التي تتبنى العملية، فيصبح ممكناً سياسياً وإعلامياً التعامل مع الحدث باعتباره نشاطاً لا يمثل الدولة ولا يعبر بالضرورة عن قرارها.

ولا يعني ذلك أن كل تشكيلات الحشد تعمل بالطريقة نفسها، أو أن كل فصيل ينتقل بالضرورة بين هذه الصفات وفق خطة موحدة. لكن الوقائع تكشف عن بنية تسمح لبعض الجماعات بالاستفادة من الوضع الرسمي من جهة، والاحتفاظ بهامش من الاستقلال العملياتي والسياسي من جهة أخرى.

العلاقة بين الحكومة العراقية والجماعات المسلحة تمتاز بتداخل كبير، فبعض الفصائل المنضوية تحت لواء الحشد الشعبي شاركت في الوقت نفسه ضمن ما يعرف بـ«المقاومة الإسلامية في العراق»، التي تبنت هجمات على مواقع أمريكية في العراق وسورية.

وهنا يبرز أمامنا صعوبة الفصل بين الصفة الرسمية لهذه التشكيلات وبين نشاطها المسلح خارج التسلسل الحكومي. 

 هذه الجماعات المسلحة لا تقف عند حدود العمل المسلح، بل تمتلك نفوذاً داخل البرلمان والحكومة وقطاعات اقتصادية، وهو ما يفسر صعوبة التعامل معها باعتبارها مجرد تشكيلات عسكرية يمكن حلها بقرار إداري.

وتكمن أهمية هذا الفصل في أنه يتيح تعدد مستويات المسؤولية، فالفصيل يستطيع أن ينفي ارتباطه بعملية، أو أن يؤكد أنها جاءت في إطار «المقاومة»، فيما تستطيع المؤسسة الرسمية أن تتمسك بأنها لم تصدر أمراً بها.

في المقابل، لا يمنع هذا التداخل من الاستفادة من موارد الدولة أو من الصفة القانونية للحشد عند الحاجة، وهنا تتحول الأسماء إلى أدوات سياسية، ليست مجرد تسميات تنظيمية، بل وسائل لتحديد متى تكون الجماعة جزءاً من الدولة، ومتى تقدم نفسها باعتبارها قوة مستقلة عنها.

وتزداد خطورة هذا الالتباس عندما يتعلق الأمر بعمليات خارج العراق، فالدولة العراقية مسؤولة قانونياً وسياسياً عن منع استخدام أراضيها منطلقاً للاعتداء على دول أخرى، لكن وجود جماعات تحتفظ بقرارها المسلح يضعف قدرتها على الوفاء بهذا الالتزام. 

وفي هذا الصدد كشفت تقارير إعلامية عن وجود خلايا سرية عراقية قامت بتنفيذ هجمات مسلحة على دول خليجية دون أن يكون لها انتماء محدد لأي من الفصائل العراقية المعروفة. 

تنظيم السلاح بدلاً عن نزعه

في المرحلة الراهنة، انتقل الجدل من سؤال نزع السلاح إلى سؤال أكثر حساسية؛ ماذا يعني تنظيم السلاح؟ 

هل المقصود إخضاعه للدولة وإنهاء استقلال الفصائل، أم الوصول إلى صيغة توافقية تسمح ببقاء السلاح لدى الجماعات، مع وضع قيود على استخدامه أو تخزينه أو تحريك وحداته؟

منذ تولي رئيس الوزراء علي الزيدي، تحول ملف السلاح إلى اختبار رئيسي لسلطة الحكومة، خصوصاً مع الضغوط الأمريكية والإقليمية، وتزايد المخاوف من استخدام الأراضي العراقية في الصراع الإقليمي. 

وقد أعلنت الحكومة خطة لحصر السلاح بيد الدولة، وحددت 30 سبتمبر/أيلول 2026 موعداً أولياً لبدء مرحلة التنفيذ، قبل أن يمتد المسار إلى 30 يونيو/حزيران 2027.

وفي الأول من أكتوبر/تشرين الأول، وصف الزيدي المرحلة الجديدة بأنها بداية جادة لمعالجة السلاح خارج سيطرة الدولة، مؤكداً الالتزام بجداول زمنية لا تتجاوز منتصف عام 2027، ومشدداً على أن قرار الحرب والسلم يجب أن يبقى بيد السلطات الدستورية. 

مفاوضات حصر السلاح في العراق

لكن البيان نفسه تحدث أيضاً عن تشريع قانون للحشد الشعبي وتثبيت مكانته في المنظومة الأمنية بوصفه جزءاً منها وتحت إمرة القائد العام. وهذه الثنائية تفتح باب التساؤل: هل يجري تفكيك البنية المسلحة المستقلة، أم إعادة تنظيمها داخل إطار قانوني أكثر رسوخاً؟ 

وتكشف تطورات الأسابيع الأخيرة أن الخلاف لم يعد محصوراً في المبدأ، بل بات يدور حول تعريف العملية نفسها.

 ففي 2 نوفمبر/تشرين الثاني، قال النائب سعود الساعدي، رئيس كتلة حقوق المرتبطة بكتائب حزب الله، إن لجنة من الإطار التنسيقي توصلت إلى تفاهم مع الفصائل بشأن «تنظيم السلاح»، وإن الصيغة المتفق عليها تنتظر توقيع رئيس الوزراء. 

ونسب الساعدي تأخر التوقيع إلى الخشية من رد الفعل الأمريكي، فيما لم تكن الحكومة قد أعلنت نص اتفاق موقع أو أكدت تفاصيل الرواية. 

ومن هنا تبرز ضرورة التعامل مع التصريح باعتباره رواية طرف مشارك في التفاوض، لا اتفاقاً حكومياً نافذاً.  

والفارق بين المصطلحين جوهري، فنزع السلاح يعني إنهاء امتلاك الفصيل ترسانة مستقلة، ونقل الأسلحة الثقيلة والمتوسطة والذخائر إلى عهدة الدولة، وإنهاء القدرة على اتخاذ قرار عسكري خارج مؤسساتها.

 أما تنظيم السلاح فقد يعني، إذا لم تُحدد آلياته بدقة، الإبقاء على الأسلحة في حيازة الفصائل، مع الاتفاق على عدم استخدامها أو وضعها في مخازن خاصة أو إخضاع تحريكها لإجراءات تفاوضية.

وهذا ليس احتمالاً نظرياً ، فلقد تحدثت مصادر سياسية عن مقترح قدمته فصائل مسلحة لتجميد أسلحتها في مخازن خاصة بها، ووقف نشاطها العسكري داخل العراق لمدة عامين، من دون تسليم الترسانة إلى الحكومة.

 ووفق تلك المصادر، رفضت بغداد الصيغة لأنها لا تحقق مبدأ إنهاء وجود السلاح خارج المؤسسات الرسمية. 

هذا المقترح يكشف جوهر المعضلة، فالفصائل لا تناقش بالضرورة التخلي عن السلاح، بل تبحث عن صيغة تحفظه وتؤجل استخدامه أو تقيده.

 وإذا تحولت هذه الصيغة إلى اتفاق، فستكون الدولة قد انتقلت من مطالبة الجماعات المسلحة بالتخلي عن ترسانتها إلى التفاوض معها بشأن شروط الاحتفاظ بها.

قانون الحشد الجديد: إصلاح أم تثبيت لواقع موازٍ؟

تتضح حساسية المسألة أكثر عند النظر إلى مسار التشريعات المقترحة، فالحكومة، وفق ما أوردته مكتبة مجلس العموم البريطاني في تقريرها عن التحديات السياسية والأمنية في العراق لعام 2026، تعمل على مسارات تشمل لجنة حكومية لمتابعة ملف نزع السلاح، ومقترحاً لتوحيد الرواتب والتقاعد والرتب بين القوات المسلحة والحشد، إلى جانب إعداد تشريع يكرس احتكار الدولة للسلاح. 

ويشير التقرير إلى أن صيغة سابقة لتوحيد الرواتب والرتب كانت قد سُحبت بعد اعتراضات عراقية وأمريكية. مكتبة مجلس العموم البريطاني: تحديات العراق في 2026.

في الظاهر، تبدو هذه الإجراءات محاولة لترتيب المؤسسة الأمنية وإخضاعها لمعايير موحدة، لكن السؤال الذي لا يمكن تجاوزه هو: هل يؤدي توحيد الرواتب والرتب إلى توحيد القيادة والولاء والقرار؟ 

أم أن النتيجة ستكون مساواة مالية وإدارية بين تشكيلات الدولة والقوات التي تحتفظ بقياداتها وشبكاتها الخاصة، من دون تفكيك استقلالها؟

والأمر هنا لا يتعلق بموقف سياسي من تلك الفصائل ، وإنما من خشية إدماج المقاتلين في المؤسسات وما يمكن من أن يلحقه من نقل ولاءهم من الفصيل إلى الدولة ، والأمر هنا ليس بجديد على العراق ، فتجربة دمج مقاتلي ما كان يعرف بالمعارضة العراقية المسلحة عقب الغزو الأمريكي للعراق داخل مؤسسات الدولة أثبتت أن المقاتلين لم يقطعوا صلاتهم التنظيمية والسياسية السابقة ، والأمر هنا لا يتعلق بنقل الولاء فحسب وإنما نقل الصلاحيات التي يمنحها لهم هذا الولاء في داخل نظام سياسي إلى الآن غير قادر على أن يفصل علاقته بين الحزب و الدولة ، فجوهر المشكلة لا يتعلق بنقل الأفراد إلى ملاك رسمي، بل بنقل الولاء وسلطة القرار من الجماعة إلى الدولة.

من هنا تأتي الخشية من قانون الحشد الشعبي الجديد، الخشية من أن يرسخ سلطة الميلشيات داخل الدولة، ويرسخ وجود جهاز أمني موازٍ، إذا منح المؤسسة موارد وصلاحيات إضافية من دون معالجة بنية القيادة والعلاقة مع الجيش.

وهنا يظهر احتمال أن يتحول التشريع، بدلاً من أن يكون أداة لإنهاء الازدواجية، إلى وسيلة لتثبيتها، فالقانون الذي لا يحدد بوضوح سلسلة القيادة، ولا يمنع ازدواج الولاء، ولا يضمن خضوع الأسلحة الثقيلة والمخازن والعمليات لرقابة الدولة، قد يضيف شرعية جديدة إلى واقع قائم بدلاً من تغييره.

هل تنتهي ازدواجية السلاح أم يعاد تدويرها؟

المسار التاريخي من مرحلة المالكي إلى تقنين الحشد، ثم الفصل بين الفصيل والمظلة العملياتية والمؤسسة الرسمية، وصولاً إلى مفاوضات تنظيم السلاح، يكشف نمطاً متكرراً في إدارة القوة، يتمثل في استخدام القانون لتثبيت مواقع النفوذ، والاستفادة من الصفة الرسمية عندما يتعلق الأمر بالموارد والامتيازات، والتمسك بالاستقلال عندما يتعلق الأمر بالقرار العسكري والمساءلة.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تنتهي المفاوضات إلى تسوية لغوية جديدة، تسمى فيها عملية الاحتفاظ بالسلاح «تنظيماً»، ويُسمى تجميده «تسليماً»، ويُسمى إدخال المقاتلين في مؤسسات الدولة «دمجاً»، بينما تبقى مفاتيح القرار الفعلي خارج يد الدولة. 

عندها لن تكون الحكومة قد أنهت مشكلة السلاح، بل تكون قد منحتها اسماً قانونياً جديداً وموعداً مؤجلاً.

العراق اليوم لا يحتاج إلى إعادة تسمية السلاح، ولا إلى ابتكار صيغة إدارية للتعايش معه، بل إلى حسم سؤال السيادة، من يملك حق استخدام القوة؟ ومن يقرر الحرب والسلم؟ ومن يحاسب من يطلق صاروخاً أو يرسل مسيرة أو يفتح جبهة خارج الحدود؟ 

وإذا لم تكن الإجابة واحدة وواضحة، فإن كل حديث عن حصر السلاح سيظل قابلاً للتأويل، وكل قانون جديد معرضاً لأن يتحول إلى مظلة إضافية لسلطة موازية.

علاماتالأمن في العراق ، الشأن العراقي ، الفساد في العراق
مواضيعأمن العراق ، الشأن العراقي ، تجارة السلاح ، حرب العراق

قد يعجبك ايضا

سياسة

من “عودوا إلى بلادكم” إلى الكونغرس.. كيف فرض الصوماليون حضورهم في السياسة الأمريكية؟

عماد عنان٥ نوفمبر ٢٠٢٦
سياسة

الانتخابات النصفية الأمريكية ومؤشرات تآكل الحصانة السياسية لـ”إسرائيل”

أحمد الطناني٥ نوفمبر ٢٠٢٦
سياسة

حاصروا عبد الرحمن السيد بالإسلاموفوبيا.. فهل انقلب سلاح التخويف على أصحابه؟

منة الرشاد٤ نوفمبر ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑