• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

قصف وتجريف وسرقة جثامين.. كيف يدمّر الاحتلال مقابر غزة ويلاحق موتاها؟

محمد النعامي٨ سبتمبر ٢٠٢٦

لم تتوقف جرائم الاحتلال في غزة عند الإبادة وقتل أكثر من 73 ألف إنسان، بل واصل حملته العنصرية ضدهم حتى في قبورهم، من خلال مهاجمة المقابر بالقصف الجوي والمدفعي والاقتحام والتجريف، وتصوير الجنود لمقاطع ساخرة من داخل حرم المقابر ونشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

ونتيجة لهجمات الاحتلال، اختفت الكثير من جثامين الشهداء، وضاعت معالم الأضرحة، وتحولت المقابر إلى مساحات من الركام والتراب المختلط بالرفات.

وبحسب بيان للمرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان ووزارة الأوقاف الفلسطينية، تضررت 93.5% من مقابر قطاع غزة بشكل كلي أو جزئي، بفعل الاحتلال الإسرائيلي.

إجرام بحق الموتى

كما جرى تجريف وتدمير 39 مقبرة بالكامل وتسويتها بالأرض، بينما تعرضت 19 مقبرة أخرى للقصف والنبش الجزئي، في حين لم تسلم من الأضرار سوى أربع مقابر من أصل 62 مقبرة رسمية.

ولم يقتصر الدمار على أسوار المقابر أو مبانيها ومعالمها الخارجية، بل طال القبور نفسها؛ إذ يشير البيان إلى أن جيش الاحتلال دمر 62.9% من إجمالي القبور الفردية في القطاع، فيما لحقت أضرار ببنية 30.6% من القبور الأخرى، الأمر الذي أدى إلى اختفاء معالم عدد كبير من الأضرحة واختلاط الرفات بعضها ببعض.

ومن جانبه، قال أحمد حرز الله إن الاحتلال الإسرائيلي لم يكتف خلال الحرب بإبادة 71 من أفراد عائلته وعائلات أعمامه وأخواله، بل واصل اعتداءاته على موتاهم، عبر نبش قبورهم وتجريفها وتشتيت ما تبقى من رفاتهم، ونثرها داخل المقبرة وخارجها، بعدما جرى تدمير معالمها بالكامل.

وأضاف حرز الله في حديث لـ”نون بوست”: “لا أنسى اللحظات التي وضعت فيها جثمان شقيقي في القبر، ثم أتبعتها بما تبقى من أجساد أطفاله في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، ولا المرات التي تلتها، حين كنا نحمل جثامين وأشلاء أقاربنا وجيراننا إلى المقبرة. كان ما عشناه لا يوصف، لكن ما زادنا قهرًا أنهم لم يسلموا من أذى الاحتلال حتى في قبورهم”.

وتابع: “هاجم الاحتلال مقبرة الشيخ رضوان، حيث دفناهم، بالصواريخ الثقيلة، ثم توغلت دباباته وجرافاته إلى المكان وجرفت المقبرة، لتطمس بذلك آخر ما تبقى من آثار شهدائنا”.

وأوضح حرز الله أنه عاين المقبرة عقب انسحاب قوات الاحتلال، واصفا المشهد بأنه “كارثي بكل المقاييس”، إذ كانت الجثامين والأشلاء والعظام متناثرة في كل مكان، ومختلطة بالتراب والطين، فيما اختفت معالم المقبرة بصورة شبه كاملة، وأصبح الاستدلال عليها يتم من خلال ما تبقى من جثامين وآثار الموت.

وتابع: “تقدمت باتجاه الجانب الشمالي من المقبرة، حيث دفن شقيقي وعائلته. وفي الطريق مررت بجوار قبور منبوشة وجثامين وأشلاء، وسط مشاهد صادمة. وعندما وصلت إلى المكان الذي دفن فيه شقيقي، لم أجد أي معلم يدل على قبره، فقد جرفت المنطقة بالكامل، ولم يتبق سوى عظام متناثرة، ولا أحد يعرف إلى أي جثمان تعود، وكانت تلك اللحظة بالنسبة لي في قمة القهر، أن أرى حرمة قبر أخي قد انتهكت”.

وأشار إلى أنه حاول مع أقاربه البحث عن الجثامين التي تخص عائلتهم من خلال استذكار الملابس التي استشهدوا وهم يرتدونها، والحفر في مواقع القبور التي جرفت، ولكن لم ينتج عن هذه المحاولات شيء، فالاحتلال تقصد أن يطمس معالم المقابر، حسب وصفه.

سرقة الجثامين

وبالتوازي مع تدميره للمقابر، وأثناء اقتحامه لها، عمل الاحتلال على نبش وسرقة عدد كبير من جثامين الشهداء من مقابر مختلفة في القطاع.

وبحسب المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، سرق جيش الاحتلال نحو 2300 جثمان من المقابر خلال الحرب، وتمت عمليات السرقة في أكثر من 20 مقبرة رسمية وعشوائية في القطاع.

ومن أبرز جرائم الاحتلال في المقابر كان اقتحامه لمقبرة الشهداء في حي التفاح شرقي مدينة غزة، في 5 يناير/كانون الثاني 2024، حيث نبش جنود الاحتلال نحو 1100 قبر وجرفّوا الرفات بواسطة الجرافات، وسرقوا 150 جثمانًا كانت قد دفنت حديثًا.

كما طالت عمليات التجريف والنبش مقبرة الفالوجة شمالي قطاع غزة، في 14 ديسمبر/كانون الأول 2023، حيث جرفت القبور وتناثرت الرفات وأخرجت جثامين كانت حديثة الدفن. وفي مقبرة بيت حانون، دمّر الاحتلال أجزاءً واسعة منها بالآليات العسكرية، فيما رصد الأهالي حفرًا في قبور محددة قالوا إنها تعرضت لسلب جثامينها.

كما طالت أعمال التخريب والنبش مقابر علي بن مروان، والشيخ رضوان، والشيخ شعبان، إضافة إلى مقبرة كنيسة القديس برفيريوس الأثرية في مدينة غزة.

ولم يكن واضحًا لماذا قام الاحتلال بحملات سرقة جثامين الشهداء من المقابر، حتى أعادت قوات الاحتلال مئات الجثث من جثامين الشهداء إلى القطاع عبر معبر كرم أبو سالم وكانت مجهولة الهوية، حيث ظهرت أدلة قطعية على قيام الاحتلال بسرقة أعضاء من الكثير من جثث الشهداء التي سرقها.

وبحسب معاينات طواقم طبية ولجان إدارة الجثامين في غزة، ظهرت على بعض الجثامين المستلمة شقوق عرضية وقطوع في مناطق البطن والصدر، إلى جانب تغيرات أو اختفاء لبعض المعالم الحيوية. وتتطابق هذه الشقوق مع عمليات انتزاع أعضاء من بعض الجثامين.

مأساة المقابر العشوائية

ومع الهجمات الإجرامية للاحتلال على المقابر، اضطر الفلسطينيون إلى إنشاء مقابر جماعية وعشوائية داخل الأحياء السكنية وفناء المستشفيات والملاعب.

وترافقت هذه المأساة مع ظهور ظاهرة المقابر الجماعية المؤقتة والعشوائية على نطاق واسع، إذأنشأت أكثر من 30 مقبرة جماعية عشوائية كبرى، إلى جانب نحو 120 مقبرة جماعية مصغرة، تضم كل منها ثلاثة جثامين أو أكثر، داخل الأحياء السكنية والملاعب وفناء المستشفيات، ومن بينها ساحات مجمعي الشفاء وناصر الطبيين.

وفي ظل استمرار القصف وارتفاع أعداد القتلى، وتعذّر الوصول إلى المقابر الرسمية، سواء بسبب العمليات العسكرية أو صعوبة نقل الشهداء إليها أو بسبب خرابها نتيجة التدمير، لم يكن أمام كثير من العائلات واللجان المحلية سوى دفن الموتى في أقرب مساحة آمنة متاحة.

ويقدر أن المقابر العشوائية التي أنشئت خلال الحرب تضم قرابة 3000 جثمان لشهداء مجهولي الهوية.

ومع مرور الوقت، يصبح التعرف إلى هذه الجثامين أكثر صعوبة، خصوصًا عندما تتعرض الأجساد للتحلل أو التشوه أو فقدان أجزاء منها. ووسط غياب الفحوصات الطبية اللازمة، قد يتحول الرقم الذي يوضع على القبر إلى الهوية الوحيدة المتاحة للجثمان.

من جانبه، قال أبو محمد العدين، وهو أحد النازحين الذين لجؤوا إلى مدرسة الحلو في مخيم البريج، إن عشرات الفلسطينيين ارتقوا شهداء خلال اجتياح قوات الاحتلال الإسرائيلي للمخيم وحصاره، نتيجة القصف العشوائي والاستهداف المباشر للمدرسة ومحيطها والمنازل، إلى جانب القصف المدفعي المكثف الذي طال مناطق مختلفة من المخيم.

وأوضح العدين أن كثيرًا من جثامين الشهداء لم يتمكن ذووهم من دفنها، في وقت سقط فيه عدد آخر من الشهداء دون أن تتمكن عائلاتهم من التعرف إلى هوياتهم، مشيرًا إلى أن الحصار المفروض على المخيم، وعجز سيارات الإسعاف عن الوصول إلى المناطق المستهدفة، فاقما من صعوبة التعامل مع جثامين الضحايا.

مقبرة غير واضحة المعالم في أحد ضواحي القطاع

وأضاف في حديث لـ”نون بوست” أن ذوي الشهداء الذين كانوا داخل المدرسة، وكذلك في مدارس أخرى تؤوي النازحين، اضطروا إلى دفن أحبائهم بصورة مؤقتة داخل المدارس وفي الأماكن التي أمكن الوصول إليها على شكل مقابر عشوائية، في ظل استمرار القصف والخوف من استهداف كل من يحاول نقل الجثامين أو الوصول إليها.

وأشار العدين إلى أن معضلة أكبر برزت في التعامل مع الشهداء مجهولي الهوية، الذين كانوا قد نزحوا إلى المدرسة بصورة عشوائية خلال فترة اقتحام الاحتلال للمخيم، إذ لم تكن هناك جهة أو عائلة معروفة تتولى دفنهم أو تحدد هوياتهم.

وتابع: “في النهاية رأينا أن ندفنهم أيضًا بشكل مؤقت داخل فناء المدرسة وفي محيطها، لأن الجثامين لا يمكن أن تبقى لفترة طويلة من دون دفن، ولذلك قررنا أن نكرمهم وندفنهم”.

وبين العدين أن النازحين كانوا يلفون جثمان الشهيد بأغطية من النايلون، ثم يحفرون له قبرًا ضحلًا بسبب محدودية الإمكانات والخوف من التعرض للاستهداف، قبل وضع الجثمان داخله وإهالة التراب عليه.

وأوضح أن كثيرًا من الشهداء الذين دفنوا في تلك الظروف لم توضع على قبورهم شواهد تحمل أسماءهم، وإنما أرقام فقط، في محاولة لتوثيق مواقع دفنهم إلى حين التمكن من تحديد هوياتهم.

وبعد انتهاء الحصار وانسحاب قوات الاحتلال من المخيم، تمكنت بعض العائلات من التعرف إلى جثامين أبنائها من خلال الملابس التي كانوا يرتدونها، إلا أن الجزء الأكبر من الجثامين، وفق العدين، لا يزال مجهول الهوية حتى الآن.

ولفت أبو محمد إلى أن مأساة الشهداء مجهولي الهوية لا تتوقف عند فقدان القدرة على التعرف إلى قبورهم، إذ لا تزال عائلات كثير من المفقودين تتمسك بأمل عودتهم، معتقدة أنهم ربما ما زالوا على قيد الحياة داخل سجون الاحتلال.

وأوضح أن قوات الاحتلال، خلال اقتحامها المدارس التي كانت تؤوي النازحين، اعتقلت عددًا كبيرًا منهم، وهو ما جعل عائلات بعض المفقودين ترجح أنهم وقعوا في الأسر، لا أن أبناءهم استشهدوا ودفنوا في أماكن قريبة منهم من دون أن يعلموا بذلك.

وأضاف أن استمرار غياب المعلومات عن مصير هؤلاء يجعل العائلات عالقة بين احتمالين مؤلمين: انتظار عودة أبنائها من معتقلات الاحتلال، أو اكتشاف أن جثامينهم كانت طوال هذه الفترة مدفونة تحت التراب في مقابر مؤقتة، من دون أسماء أو علامات واضحة تدل على هوياتهم.

محاولات تأهيل المقابر

وبعد ما شهدته المقابر من فظاعات واستهدافات وعمليات نبش وتنكيل بجثامين الشهداء، بدأت جهود حكومية وشعبية لتأهيل بعض المقابر الواقعة خارج أماكن سيطرة قوات الاحتلال، وشملت الجهود إزالة الركام وتنظيم المقبرة وإعادة ترتيب القبور التي تعرف هوية صاحبها.

وتدير هذه الجهود لجنة حكومية شُكلّت تحت مسمى لجنة إدارة الجثامين، وتتكون من ممثلين عن وزارة الصحة والدفاع المدني والأدلة الجنائية والطب الشرعي بجهاز الشرطة ووزارة الأوقاف.

ورغم هذه الجهود، فإن القبور التي جرّفها الاحتلال ونبشها لم يكن من الممكن إصلاحها واسترجاع الجثامين التي كانت فيها، حيث إنه في المناطق التي تعرضت فيها المقابر للتجريف الكامل تناثرت العظام والأشلاء بين الركام والتراب، بحيث بات من المستحيل تحديد الجثمان الذي تعود إليه كل قطعة من الرفات.

علاماتأزمات غزة ، أزمة قطاع غزة ، الإبادة الإسرائيلية لغزة ، الانتهاكات الإسرائيلية ، الحرب على غزة
مواضيعإبادة ، الاحتلال الإسرائيلي ، الحرب على غزة ، غزة

قد يعجبك ايضا

مجتمع

“أصبحنا نتشبه بالنازيين”.. جنرالات إسرائيليون يشهدون على إرهاب المستوطنين

ناتان أودنهايمر٢ سبتمبر ٢٠٢٦
مجتمع

“حزام بغداد” وصراع الديموغرافيا والجغرافيا على أطراف العاصمة

فريق التحرير٢٤ أغسطس ٢٠٢٦
مجتمع

13 عامًا.. وما تزال الوصمة الأمنية تلاحق عائلات ضحايا مجزرة رابعة

فريق التحرير١٥ أغسطس ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑