على مدى سنوات، قدّم بنيامين نتنياهو رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي وزعيم حزب الليكود اليميني، نفسه للناخب باعتباره الشخص القادر على إدارة علاقة “إسرائيل” بالعالم من موقع قوة.
استند نتنياهو إلى علاقته الوثيقة بالولايات المتحدة واتفاقيات التطبيع مع دول عربية، وإلى صورة “رجل الأمن” الذي خبر إيران وغزة والضفة والجبهات المحيطة، لكن الأسابيع الأخيرة قبل انتخابات 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026 وضعت هذه الركائز نفسها في قلب المعركة على مستقبله السياسي.
فبينما فتحت عواصم عربية قنوات مع منافسين محتملين له، أبقى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مسافة من منحه تأييدًا انتخابيًا واضحًا، وأعادت قصة تحذير إماراتي سبق عملية طوفان الأقصى ملف الإخفاق الأمني إلى الواجهة، فيما انتقلت بريطانيا وشركاء غربيون إلى إجراءات ضد الاستيطان.
في مواجهة هذه الضغوط، يدفع نتنياهو وحلفاؤه بخطاب يقوم على أن قوى خارجية تريد إسقاط اليمين، بالتوازي مع خطوات استيطانية وأمنية يسعى الائتلاف لتوظيفها في استعادة الناخبين الذين يتنافس عليهم الليكود مع أحزاب أكثر تشددًا.
عواصم تفتح قنوات ما بعد نتنياهو
كشفت صحيفة “جيروزاليم بوست” الإسرائيلية في 3 سبتمبر/أيلول، استنادًا إلى مصدرين مطلعين، أن مسؤولين كبارًا من عدة دول عربية أجروا اتصالات مع شخصيات قريبة من غادي آيزنكوت، رئيس الأركان الإسرائيلي الأسبق وزعيم حزب “ياشار”، لفهم توجهاته والاستعداد لاحتمال وصوله إلى رئاسة الحكومة، خصوصًا مواقفه من العلاقات مع العالم العربي.
وأضافت أن المسؤولين يحتفظون بقنوات مع نفتالي بينيت، رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق وزعيم حزب “معًا”، ويائير لابيد، رئيس الوزراء السابق وزعيم حزب “يش عتيد”. وقال أحد المصدرين المطلعين على الاتصالات إن العواصم العربية تتحدث مع “كل من يمكن أن يصبح رئيسًا للحكومة”.
وتضع هذه الاتصالات احتمال خروج نتنياهو من السلطة داخل الحسابات الدبلوماسية العربية قبل الاقتراع، خاصة مع تقدم آيزنكوت في عدد من استطلاعات سبتمبر/أيلول.
وتدور المحادثات حتى الآن حول بناء القنوات واستطلاع المواقف والاستعداد لتشكيلة سياسية مختلفة، في وقت تنتظر فيه أي حكومة مقبلة ملفات ثقيلة مع الدول العربية، من مستقبل غزة والاستيطان والضم في الضفة الغربية إلى التطبيع والترتيبات الإقليمية بعد العدوان على القطاع.
وفي واشنطن أخذت العلاقة بالانتخابات شكلًا أكثر وضوحًا، فقد كشف موقع أكسيوس الأمريكي في 14 أغسطس/آب أن مساعدين لبينيت وآيزنكوت ولابيد نقلوا إلى ترامب، عبر أصدقاء ومانحين وحلفاء سياسيين مشتركين، رسائل تطلب منه البقاء على الحياد وعدم منح نتنياهو دعمًا انتخابيًا.
وكان بعض مستشاري الرئيس الأمريكي يتوقعون أن يؤيد ترامب رئيس الحكومة بعد الحرب مع إيران، لكن ساكن البيت الأبيض أبقى موقفه مفتوحًا وقال إن الأفضل له الابتعاد عن الانتخابات الإسرائيلية، ليظل التأييد غائبًا حتى الآن رغم العلاقة الوثيقة بينهما.
ويشير تحرك خصوم نتنياهو نحو واشنطن إلى إدراكهم لوزن ترامب داخل السباق، بينما ترتبط حسابات البيت الأبيض بأجندة إقليمية يريد المضي بها بعد الانتخابات.
وأفاد “أكسيوس” بأن الإدارة الأمريكية تجمع ترتيبات غزة والمفاوضات مع لبنان والتفاهمات الأمنية مع سوريا والتطبيع الإسرائيلي مع السعودية ضمن ملفات مترابطة، وتسعى إلى تجنيبها تأثير الأزمة السياسية الداخلية في “إسرائيل” وحسابات الحملة الانتخابية.
وفي 8 سبتمبر/أيلول، نشرت صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية تحقيقًا استند إلى كتاب جديد للصحفيين شلومي إلدار وروث يوفال ومقابلات مع عشرات الأشخاص، كشف أن رئيس الإمارات محمد بن زايد آل نهيان اتصل بنتنياهو قبل نحو عشرة أيام من عملية طوفان الأقصى في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 وحذره من أن “حركة حماس تستعد لعمل كبير قد يقود إلى حرب وإراقة دماء ويهدد ترتيبات المنطقة”.
وقال موقع “تايمز أوف إسرائيل” إنه حصل بصورة منفصلة على تأكيد من مصدر إماراتي مطلع على حصول المكالمة، بينما اكتفت أبوظبي رسميًا بالإشارة إلى أن قنوات الاتصال وتبادل المعلومات تعمل عبر المسارات المناسبة، في وقت نفى مكتب نتنياهو تلقي التحذير.
ويربط تحقيق هآرتس التحذير بقناة غير مباشرة كانت تعمل خلال 2023 بين شخصيات في غزة وحماس ووسطاء فلسطينيين، ووصلت عبرها إشارات تتحدث عن “زلزال” أو مفاجأة كبيرة، وهنا يظهر محمد دحلان، القيادي الفلسطيني السابق المقيم في الإمارات والمقرب من دوائر الحكم فيها.
فقد نقلت القناة 12 الإسرائيلية في الأيام التالية للهجوم عن شخص قريب من دحلان قوله إن تحذيرات نُقلت إلى الإسرائيليين من دون استجابة.
وبعد نشر التفاصيل الجديدة، نقلت صحيفة “إسرائيل هيوم” عن مصادر فلسطينية وخليجية تقديرها أن دحلان كان المصدر أو الحلقة التي ساعدت في إخراجها إلى العلن بحكم موقعه في الإمارات وشبكاته الفلسطينية واتصالاته بغزة.
وتحولت القصة سريعًا إلى سلاح انتخابي، إذ طالب آيزنكوت بالتحقيق وربطها بمسؤولية نتنياهو عن التحذيرات التي سبقت 7 أكتوبر/تشرين الأول، بينما قال بينيت إن مضمون التقرير صحيح وحمّل رئيس الحكومة مسؤولية الإخفاق.
ورد نتنياهو بوصف القصة بأنها كذبة ذات توقيت سياسي وهدد بمقاضاة “هآرتس” وطالب بالتحقيق مع الصحفيين، لتعيد القضية أحد أخطر الأسئلة على حملته إلى الواجهة، وهو مقدار ما عرفه المستوى السياسي قبل الهجوم وكيف تعامل مع المؤشرات التي سبقته.
وتزداد خطورة الملف مع طبيعة المنافس الذي يصعد أمام نتنياهو، فآيزنكوت يخوض المعركة من خلفية عسكرية كرئيس سابق للأركان ويجعل المحاسبة والكفاءة والثقة عناصر مركزية في خطابه.
وقال إيتان شامير، مدير مركز بيغن–السادات للدراسات الاستراتيجية في جامعة بار إيلان الإسرائيلية، إن قوة آيزنكوت تستند إلى صورته الشخصية وخبرته العسكرية وما أسماه “تضحيات عائلته خلال الحرب” وفق تعبيره، مع احتفاظه بمواقف أمنية صقورية تجاه لبنان والفلسطينيين، ما يسمح له بمهاجمة سجل نتنياهو من داخل ملف الأمن الذي شكّل طويلًا إحدى أبرز نقاط قوة زعيم الليكود.
ائتلاف نتنياهو يصطدم بترتيبات الخارج
تتجاوز حسابات العواصم الخارجية شخص نتنياهو إلى طبيعة الائتلاف الذي يحكم معه، إذ تعتمد ترتيبات إدارة ترامب لغزة على الانتقال إلى مرحلة تشمل نزع سلاح حماس وإدارة فلسطينية تكنوقراطية وترتيبات استقرار دولية، وإعادة انتشار لقوات الاحتلال ومسارًا لإعادة الإعمار.
وبدوره، يستند بقاء رئيس الحكومة إلى بتسلئيل سموتريتش، وزير المالية وزعيم حزب “الصهيونية الدينية” الممسك بجزء واسع من ملف الاستيطان داخل وزارة الجيش، وأيضا إيتمار بن غفير، وزير الأمن القومي وزعيم حزب “القوة اليهودية”.
وجعل سموتريتش وبن غفير من رفض الانسحابات من قطاع غزة والدفع نحو الاستيطان وتهجير الفلسطينيين عناصر رئيسية في مشروعيهما السياسيين.
وقال مسؤول رفيع في مجلس السلام، الإطار الذي ترعاه إدارة ترامب لمتابعة ترتيبات غزة، لموقع “تايمز أوف إسرائيل” إن تعاون نتنياهو مع المخطط الأمريكي تراجع بقوة منذ بدء الحملة الانتخابية، وإن واشنطن تتوقع استعادة قدرتها على ممارسة الضغط بعد الانتخابات أيًا كانت هوية الفائز.
ويضع ذلك قرارات غزة خلال الأسابيع السابقة للتصويت تحت ضغط المنافسة داخل اليمين، حيث يمكن لأي خطوة تتضمن انسحابًا أو تسوية أن تتحول إلى مادة يستخدمها سموتريتش وبن غفير ضد الليكود.
وفي الضفة الغربية يظهر التعارض بصورة أشد، فقد حذرت الإمارات منذ سبتمبر/أيلول 2025 من أن ضمها أو الإجراءات التي تقود إلى مثل هذه الخطوة يمثل “خطًا أحمر” يمكن أن يقوض اتفاقيات أبراهام للتطبيع، وربطت بصورة خاصة بين التحذير ومشروع “إي 1” الاستيطاني شرق القدس.
وفي لقاء لاحق مع نتنياهو، ضغط عبد الله بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الإماراتي، باتجاه دعم خطة ترامب لغزة ووقف خطوات الضم، مع اعتبار استمرار هذا المسار عبئًا على التطبيع القائم وعلى فرص توسيعه عربيًا.
وتتقاطع هذه المخاوف مع حسابات واشنطن في السعودية، حيث تسعى إدارة ترامب إلى ربط شراكة استراتيجية ونووية طويلة الأمد مع الرياض بمسار تطبيع مع “إسرائيل”، بينما تتمسك المملكة بمسار ذي صدقية نحو الدولة الفلسطينية.
ويضع استمرار التوسع في “إي 1” والضم الفعلي وجرائم المستوطنين حكومة نتنياهو في مواجهة مع هدف أمريكي وعربي أوسع، خاصة أن سموتريتش وسّع خلال عمر الحكومة نفوذه المؤسسي على إدارة الضفة ودفع نحو شرعنة مزيد من البناء الاستيطاني.
أما بريطانيا فانتقلت في 8 سبتمبر/أيلول إلى إجراءات تستهدف النشاط الاستيطاني، وقال مسؤول بريطاني للصحفيين في اليوم التالي إن نطاقها يمكن توسيعه أو تخفيفه وفق سياسات حكومة الاحتلال التي ستتولى السلطة بعد الانتخابات.
وقالت صحيفة جيروزاليم بوست إن “إسرائيل” أعطت لندن وباريس وبرلين تطمينات بعدم دفع خطوات جديدة في مشروع “إي 1” قبل الاقتراع، ثم طرحت مناقصة ينتهي موعدها قبل التصويت بنحو أسبوع، وهو توقيت دخل ضمن الأسباب التي دفعت الحكومة البريطانية إلى تشديد موقفها.
ويمتد التعقيد إلى سوريا ولبنان، حيث يضع البيت الأبيض ترتيبات غزة والمفاوضات الإسرائيلية–اللبنانية والتفاهم الأمني مع سوريا والتطبيع السعودي ضمن أجندة واحدة للمرحلة المقبلة. ويأتي اعتماد نتنياهو على شركاء يستطيعون تهديد بقاء حكومته عند كل انسحاب أو تسوية ليجعل تنفيذ هذه الملفات أكثر صعوبة خلال حملة انتخابية تتحول فيها التنازلات أمام واشنطن أو العواصم العربية إلى مادة للمزايدة داخل اليمين.
ويحدّ برنامج المنافسين أنفسهم من حجم التغيير الذي يمكن للعواصم توقعه بعد الانتخابات، فقد انتقد بينيت ولابيد وآيزنكوت وقف إطلاق النار مع لبنان الذي دفع إليه ترامب في الربيع.
ويعارض بينيت إقامة دولة فلسطينية، بينما يتجنب آيزنكوت وضع حل الدولتين في قلب برنامجه ويدافع عن هامش واسع للعمل العسكري في لبنان.
كما أظهر استطلاع لمعهد سياسات الشعب اليهودي أن قرابة ثلاثة أرباع اليهود الإسرائيليين يؤيدون شكلًا من أشكال ضم الضفة، ما يضع أي حكومة مقبلة داخل بيئة سياسية متشددة تجاه الفلسطينيين.
ويرتبط اهتمام بعض الدوائر الخارجية بحكومة أخرى بتركيبتها المتوقعة وقدرتها على إدارة العلاقات وتنفيذ التفاهمات. وترى داليا شيندلين المستشارة السياسية وخبيرة استطلاعات الرأي الإسرائيلية والكاتبة في “هآرتس”، أن حكومة تلي نتنياهو قد تخفف الصدام مع المؤسسات وتصلح جانبًا من العلاقات الدبلوماسية المتضررة، بينما تتوقع تغيرًا محدودًا في السياسة تجاه الفلسطينيين.
ويعتقد نمرود نوفيك، المبعوث السابق للرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز والمحلل في الشؤون الإسرائيلية–الفلسطينية، أن قبول نتنياهو بتسويات خارجية قبل الاقتراع يهدد سردية “النصر الكامل” ويعرضه لصدام مع شركائه في اليمين، ما يرفع كلفة التفاهم معه خلال الحملة.
وامتدت قراءة الفارق بين الحكومتين المحتملتين إلى الأسواق، فقد قدّر بنك “جيه بي مورغان”، أحد أكبر البنوك الاستثمارية الأمريكية في 27 أغسطس/آب احتمال فوز معارضة بقيادة آيزنكوت بنحو 55% في السيناريو الأساسي، ورجح ارتفاع الشيكل بين 2 و3% في هذه الحالة مع تراجع المخاوف المؤسسية، مقابل احتمال انخفاضه بنحو 3% إذا فاز نتنياهو مجددًا.
وربط البنك الفارق المتوقع بالعلاقات مع الحلفاء الغربيين والإصلاح القضائي والسياسات في الضفة وغزة، ما أدخل هوية الحكومة المقبلة أيضًا في حسابات المخاطر السياسية لدى المؤسسات المالية الدولية.
الضغط الخارجي بين إضعاف نتنياهو وحشد اليمين
في موازاة اتساع حسابات “ما بعد نتنياهو”، يعمل رئيس حكومة الاحتلال وحلفاؤه على إعادة ترتيب أجندة الحملة حول الأمن والاستيطان وفرض الوقائع، وتظهر الصلة الأوضح بين السياسة والتوقيت الانتخابي في مشروع “إي 1”.
إذ طرحت سلطات الاحتلال في 19 أغسطس/آب مناقصة لبناء 1,234 وحدة استيطانية في سبعة مجمعات شرق القدس وحددت موعد إغلاق العطاءات قبل الانتخابات بنحو أسبوع، في تسريع يأتي ضمن إجراءات تدفع نحو الضم الفعلي للضفة، وفق منظمة “السلام الآن” الإسرائيلية.
وبحلول سبتمبر/أيلول بلغ عدد البؤر الاستيطانية التي تدعي سلطات الاحتلال عدم اعترافها بها رسميًا نحو 340، إلى جانب 146 مستوطنة معترف بها إسرائيليًا، فيما أشرف سموتريتش خلال عمر الحكومة على شرعنة مشاريع استيطانية بدأت من دون تراخيص رسمية.
وفي 6 سبتمبر/أيلول ظهر الوجه الآخر للمنافسة داخل اليمين عندما أمر نتنياهو بإزالة بؤر استيطانية غير مرخصة بعد ضغوط أمريكية متزايدة على خلفية اعتداءات المستوطنين، فاعترض سموتريتش علنًا.
ويواجه نتنياهو هنا معادلة تجمع بين الحفاظ على علاقته بواشنطن ومنع انتقال أصوات من الليكود إلى قوائم أخرى، بعدما جعل توحيد معسكر اليمين ومنع ضياع الأصوات تحت نسبة الحسم إحدى أولويات حملته.
وفي غزة، قدّم بن غفير مطلع سبتمبر/أيلول خطة مكتوبة لتهجير أعداد كبيرة من الفلسطينيين خارج القطاع، ووضعتها صحيفة “الغارديان” البريطانية، في سياق حملته الانتخابية ومحاولته تثبيت موقع حزبه داخل اليمين ثم قال وزير الخارجية جدعون ساعر إن الحكومة لا تملك خطة رسمية لذلك.
وتظهر هذه المزايدة الفجوة بين الالتزامات التي تحتاجها حكومة الاحتلال في اتصالاتها مع واشنطن والعواصم العربية والخطاب الذي يستخدمه شركاء نتنياهو لجذب ناخبي اليمين.
وفي 9 سبتمبر/أيلول، توغل نتنياهو ووزير جيشه يسرائيل كاتس، في المناطق التي احتلتها قواته في جبل الشيخ بسوريا، حيث تحدثا عن استمرار السيطرة الأمنية الإسرائيلية على المنطقة، فيما يأتي المشهد ضمن حملة جعلت الأمن والسيطرة والخصوم الإقليميين عناصر رئيسية في رسالتها.
ورصد موقع “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلي تصاعد توظيف تركيا والخصوم الإقليميين في حملة نتنياهو الانتخابية، إذ ظهرت في “تل أبيب” لوحة دعائية ضخمة ضمت الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى جانب قادة إيران وحزب الله ورئيس بلدية نيويورك، وحملت رسالة تقول إن هؤلاء يريدون هزيمة رئيس الوزراء الحالي وتدعو الناخبين إلى منعهم من تحقيق ذلك.
وتكشف استطلاعات الرأي حجم المخاطر والفرص التي تحملها هذه المعركة لرئيس حكومة الاحتلال، ففي مؤشر نشره معهد الديمقراطية الإسرائيلي، بعد استطلاع أُجري بين 31 أغسطس/آب و3 سبتمبر/أيلول، قال 68% من اليهود إن أحداث طوفان الأقصى تؤثر بصورة مركزية في اختيارهم الانتخابي، ووضع 39% الأمن والسياسة الخارجية بين أهم عاملين في قرارهم، لترتفع النسبة إلى 47% داخل اليمين.
وتحمل العلاقة مع الولايات المتحدة وزنًا داخل قاعدة الليكود نفسها، إذ قال 55% من اليهود إنها مهمة في اختيار الحزب الذي سيصوتون له، وتقترب النسبة من الثلثين بين ناخبي الليكود.
وفي الاستطلاع نفسه، رأى 54% من اليهود احتمالًا مرتفعًا لمحاولات تأثير أجنبي غير سليم في الانتخابات، ما يمنح المعارضة مساحة لمهاجمة نتنياهو على تدهور علاقاته مع واشنطن، ويمنحه مساحة موازية لربط الضغوط الخارجية بمحاولات التأثير في قرار الناخب الإسرائيلي.
واستخدم ساعر هذا المناخ عندما وصف الإجراءات البريطانية بأنها “تدخل سافر” في السياسة الإسرائيلية، وردت حكومة الاحتلال بإغلاق القنصلية البريطانية في شرق القدس وإبعاد بريطانيا عن بعض ترتيبات غزة ووقف دورها في تدريب قوات السلطة الفلسطينية.
وترى شيندلين أن هذه الإجراءات مرشحة لتعميق الاصطفافات القائمة أكثر من نقل كتل واسعة من الناخبين، إذ يقرأها مؤيد نتنياهو بوصفها دليلًا على عداء الخارج لحكومته، فيما يراها خصومه نتيجة للعزلة التي أنتجتها سياسات الائتلاف.
ووصل المسؤول في مجلس السلام الذي تحدث إلى “تايمز أوف إسرائيل” إلى تقدير قريب، إذ قال إن ممارسة الضغط أو فرض عقوبات قبل الانتخابات قد تساعد نتنياهو سياسيًا عندما يقدم نفسه للناخب باعتباره الرجل الذي صمد أمام أمريكا ورفض الخضوع في ملف القطاع.
ويرى ألون بينكاس، الدبلوماسي الإسرائيلي السابق الذي شغل مناصب في وزارة الخارجية والقنصلية الإسرائيلية في نيويورك، أن نتنياهو قد يحسب أن تحدي واشنطن قبل الاقتراع أقل كلفة داخليًا من تقديم تنازلات تتيح لسموتريتش وبن غفير مهاجمته من اليمين.
ويبقى إخفاق 7 أكتوبر/تشرين الأول نقطة الضغط الأعمق على نتنياهو، فقد قال أموتس عسا-إيل، المحلل السياسي في معهد شالوم هارتمان للأبحاث في القدس المحتلة، إن رئيس الحكومة يواجه وضعًا غير مسبوق في مسيرته وإن الإسرائيليين يعيشون أزمة تاريخية يرتبط اسمه بها.
وتحذر تمار هيرمان، أستاذة العلوم السياسية والزميلة الكبيرة في معهد الديمقراطية الإسرائيلي والمتخصصة في الرأي العام، من استنتاج نهاية مسيرة نتنياهو من وضعه الحالي، مستندة إلى قدرته المتكررة على إعادة تجميع معسكره والخروج من أزمات سياسية شديدة الخطورة.
وتعكس الاستطلاعات الأخيرة حجم المنافسة، فقد أظهر استطلاع أجرته صحيفة “معاريف” الإسرائيلية ومؤسسة لازار لاستطلاعات الرأي، يومي 7 و8 سبتمبر/أيلول، حصول “ياشار” بقيادة آيزنكوت على 25 مقعدًا مقابل 20 لليكود و13 لحزب بينيت.
فيما أعطى استطلاع للقناة 12 الإسرائيلية في 7 سبتمبر/أيلول “ياشار” 25 مقعدًا والليكود 21 وبينيت 13، كما تقدم آيزنكوت على نتنياهو في سؤال الأنسب لرئاسة الحكومة بنسبة 42% مقابل 35%.
وفي المقابل، منحت القناة 14 الإسرائيلية الليكود 30 مقعدًا في 7 سبتمبر/أيلول ثم 31 بعدها بيومين، مقابل 22 لآيزنكوت، مع تحسن الأخير في المواجهة الثنائية على رئاسة الحكومة من 44 إلى 47% وتراجع نتنياهو من 56 إلى 53%.
ومن هنا، تقترب الانتخابات وقد أصبحت هوية الحكومة المقبلة جزءًا من حسابات إقليمية ودولية ترتبط بغزة والضفة والتطبيع والعلاقة مع واشنطن. ومع تقدم آيزنكوت في عدد من الاستطلاعات، يتعامل الخارج بصورة متزايدة مع احتمال انتهاء عهد نتنياهو كخيار سياسي قائم يمكن البناء عليه.
أما نتنياهو فيخوض الأسابيع الأخيرة بمحاولة تحويل هذا المناخ إلى معركة على السيادة واليمين، مستثمرًا الأمن والاستيطان والخصوم الخارجيين في حشد قاعدته.
وبذلك يتوقف أثر الخارج في الانتخابات على قدرة كل معسكر على فرض روايته، بين من يحمل نتنياهو مسؤولية الإخفاق والعزلة، ومن يراه الزعيم الذي يتعرض للضغط لأنه يرفض التراجع.