Also available in English
رغم الصخب الذي رافق العملية العسكرية التي شنتها واشنطن وتل أبيب على طهران منذ فبراير الماضي، إلا أن أعظم نتائجها جاءت بهدوء وحذر، فقد أعادت ترتيب أولويات الشرق الأوسط، وأنبأت بتغيرات جذرية في حساباته الجيوسياسية.
وكان للحرب أثر مدمر على ممالك الخليج ودول المنطقة، وكشفت عجز واشنطن وعدم رغبتها في توفير الحماية لها كما كانت تأمل. وقد جاءت اتفاقية مكة للدفاع المشترك، الموقعة في آب المنصرم بين تركيا والسعودية وباكستان، درّة المساعي الرامية إلى الحفاظ على أمن دول المنطقة ومصالحها.
فكيف نظرت واشنطن إلى هذا التحالف الوليد؟ وما الرسائل التي حملها؟ وكيف تنوي إدارة ترامب التعامل معه؟ هل يمهّد لإعادة تشكيل المنطقة بمعزل عن واشنطن، أم أنه ردّ فعل محدود ويائس على تقاعسها عن حماية دول المنطقة من إيران؟ يلقي هذا المقال الضوء على هذه الأسئلة وغيرها.
حدود الممكن والمستبعد
حمل السابع من آب الماضي خطوة قوية لتشكيل تحالف بين أكبر دول المنطقة؛ حيث وقّع الأمير السعودي محمد بن سلمان ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز الشريف والرئيس التركي رجب طيب أردوغان إتفاقية مكة للدفاع المشترك، في خطوة قرّبت القوى التي تتمتع بعلاقات دبلوماسية وصناعية وعسكرية واسعة النطاق في العالم الإسلامي، وتوجت أعواماً من العلاقات والتحالفات الثنائية في المنطقة.
ورغم حساسية التوقيت، إلا أن التحالف المكلل بإتفاق مكة ليس وليد اللحظة؛ فقد جرى التحضير له منذ مدة وجاء تتويجاً لعلاقات استراتيجية لافتة بين أنقرة وإسلام آباد والرياض. وهو لا يعتبر تكتلاً أيديولوجياً صرفاً بقدر ما هو تقارب استراتيجي مدفوع بأهداف مشتركة تمليها ظروف وحسابات متباينة لتقليل الاعتماد على أي قوة خارجية منفردة تثقل كاهل هذه الدول وفي الوقت عينه تجنّب التقوقع الكلي في ظل اختلال موازين القوى العالمية.
فقد جمع كل من إسلام آباد والرياض اتفاق الدفاع المتبادل الإستراتيجي SMDA الموقع في السابع عشر من سبتمبر 2025 وشكّل باكورة ما يُعرف رمزياً بمصطلح “المحور السني” في المنطقة في إشارة لوقوفه على الطرف المقابل للمحور الإيراني الشيعي في أغلبيته والذي تدير طهران من خلاله نفوذها في المنطقة.
يرى محللون أن الحلف السني الجديد في المنطقة يحمل دلالات مهمة؛ فرغم أن البعض ينظر لهذا الحلف بكونه هيكلًا شكليًا مفتقرًا للقوة لعدم اندماج جيوشه تحت قيادة عسكرية موحدة على غرار حلف الناتو؛ إلا أن دول الحلف لا تسعى لإيجاد قوة عسكرية موحدة بقدر حاجتها لتغطية نقص لديها وتحقيق أهداف محددة من خلال الحلف الذي يجمع المال السعودي والصناعة التركية إلى الترسانة النووية والمنظومة العسكرية الباكستانية.
إذ يقدم الاتفاق ضمانات دفاعية إضافية للدول الأطراف تزيد من ثقلها العسكري والاستراتيجي في إقليم مأزوم أثبتت فيه واشنطن ضعف فاعليتها الدفاعية؛ فبينما ترغب الرياض في دفع الخطر الإيراني وتحدي الطموح الإماراتي دون أن تضحي بعلاقاتها الإقتصادية والاستراتيجية مع واشنطن، يبدو أن أنقرة تبحث عن قوة دفاع إضافية إلى جانب الناتو تدفع عنها خطر كل من طهران وتل أبيب، وفي المقابل تبحث باكستان عن قوتين إقليميتين نافذتين كمظلة حماية في ظل صراعها الممتد مع الهند.
إضافة لذلك، يحمل انضمام أنقرة بالذات بعداً استراتيجياً ذا أهمية قصوى بصفتها عضواً في الناتو. ويشير هذا الانضمام التركي البارز للاتفاقية إلى رغبة أنقرة بلعب دور أبرز في المنطقة قد يسعى لمنافسة نفوذ طهران في وقت تعاني الأخيرة من ارتخاء قبضتها وزعزعة نفوذها وسط الضربات الأمريكية-الإسرائيلية المتتالية سواء على المستوى العسكري المباشر أو على مستوى الحصار الإقتصادي الخانق.
ورغم البداية المبشّرة بين الدول الأطراف، إلا أن الواقع الإقليمي المعقد قد يحول دون بروز تحالف عسكري مباشر تخوض فيه أطراف الاتفاق صراعات عسكرية تعارض مصالحها وعلاقاتها الراسخة مع دول أخرى؛ إذ يبدو من المستبعد أن تنخرط تركيا في صدام مباشر مع الهند حال تعرضت باكستان لهجوم هندي.
وبالمثل قد لا ترغب باكستان بالاصطدام بالإمارات بشكل مباشر في اليمن أو غيرها دعماً للسعودية، خاصة إذا ما أخذنا بعين الإعتبار العلاقات التجارية والدبلوماسية المؤثرة بين تلك الدول وأطراف الاتفاق التي لا تجمعها بها خصومة مباشرة.
ففي أبريل من العام الجاري قامت أبو ظبي بسحب ودائع بقيمة 3.5 مليار دولار أمريكي من البنك الباكستاني المركزي في رسالة واضحة لإسلام آباد أن تقاربها من الرياض قد يكلّفها الكثير.
كما لا تبدو أي من باكستان أو تركيا معنيتان بصدام عسكري مع طهران في الوقت الحالي. وعليه فإن الاتفاق ينطوي على درجة من الغموض سواء على مستوى مآلاته المستقبلية أو مدى فاعليته العسكرية خاصة وأن الأنظمة الدفاعية التي يسعى لتأطيرها تبقى مستقلة ومنفصلة وذات أولويات متباينة.
موقف واشنطن: آمالها ومخاوفها
لعب تذبذب إدارة ترامب وارتجاليتها وفقدان الثقة بإلتزامها اتجاه حلفائها دوراً مهماً في بحث حلفائها التقليديين عن تحالفات امنية بديلة ومساندة في وقت يكتنف العلاقات الدولية ومستقبل النظام العالمي نوعاً من الغموض والتغيير المتسارع.
وقد شهدت قمة الناتو المنعقدة في لاهاي حزيران 2025 جواً متوتراً بعد أن تزايدت ضغوطات ترامب على أعضاء الحلف لمضاعفة إنفاقهم الدفاعي من 2% لـ5% بحلول عام 2035، إضافة إلى إعلانه عن ترتيبات جديدة تتعلق بشرق وجنوب شرق آسيا تتقاسم فيها الدول المضيفة للقواعد العسكرية والقوات الأمريكية كاليابان وكوريا الجنوبية أعباء حمايتها مع واشنطن بصورة أكبر وأكثر فاعلية.
وعليه، لم تكن هذه التحالفات حكراً على منطقة الشرق الأوسط التي تشهد فترة حرجة وساخنة من تاريخها المعاصر؛ إذ وقعت فرنسا وبولندا “معاهدة نانسي” عام 2025، لتعزيز حزمة من الالتزامات الدفاعية الجديدة، رغم كونهما عضوين في حلف الناتو وتخضعان لحمايته.
كما أضافت بريطانيا وألمانيا طبقة أخرى من التعاون الدفاعي المتبادل بما في ذلك العسكري عبر “معاهدة كنسينغتون”. ثم وقعت بريطانيا مرة أخرى “معاهدة شراكة أمنية ودفاعية” جديدة مع بولندا في أيار عام 2026، للتعاون في مجالات الصواريخ والدفاع الجوي والتنسيق العملياتي العسكري وغيرها من مجالات التعاون.
وما إن رُفِع الستار عن الاتفاق حتى سارع دونالد ترامب لتهنئة الدول الأطراف على تحملها أخيراً مسؤولية أمنها الإقليمي معتبراً أن الاتفاق شكّل حركة جريئة وبداية كبيرة لقادة المنطقة؛ وهو موقف يتماشى مع سياسته التي تلوم الحلفاء على اعتمادهم المفرط على واشنطن واستنزاف مقدراتها للدفاع عن أمنهم الذاتي.
إلا أن واشنطن الرسمية التزمت الصمت والهدوء الحذر قبل أن تعقّب على الاتفاق لموازنة أثره على مصالحها ونفوذها في المنطقة؛ إذ بدا أن واشنطن باتت على شفا خسارة دورها القيادي دون أن تخسر حلفاءها بالمعنى الحرفي الفظ.
يهدئ من روع واشنطن التصريحات المتتالية لقادة الدول أطراف الاتفاق لعدم رغبتهم بالدخول في سباقات تسلح ونفوذ بالمنطقة واكتفائهم بضمانات دفاعية إضافية تضمن استقرار وأمن المنطقة.
بينما ترى صحيفة ميجازين من منظور آخر أن الحلف الوليد قادر على المدى الطويل على توحيد استراتيجيات ورؤى متباينة كانت حتى وقت قريب متوازية ولا تتقاطع في حسابات أكبر القوى العسكرية والإقتصادية في العالم الإسلامي، وهنا يكمن خطره على واشنطن. ورغم أن آلية التنفيذ ما تزال غير مكتملة وقد لا تحمل تدخلاً عسكرياً مباشراً في المدى المنظور إلا أن تبعاتها الدبلوماسية والسياسية على الدول الأطراف ليست أقل أهمية.
في المقابل، ترى صحيفة ذا هيل أن الاتفاق يحمل إشارات متناقضة لواشنطن؛ فمن ناحية يبدو أن دول المنطقة تسعى بجدية لتخفيف اتكائها على واشنطن من الناحية العسكرية والبحث عن بديل أكثر نجاعةً وإنخراطاً في هموم المنطقة ما يعني أن واشنطن قد لا تستطيع أن تملي شروطها الكاملة منذ اللحظة ولا أن تتحكم بمصائر تلك الدول كما كانت تفعل من قبل.
ومن ناحية أخرى ترى ذا هيل أن دول المنطقة لا تستطيع بعدُ الاستغناء عن واشنطن بصورة كلية؛ إذ ما زالت الحاجة قائمة للتكنولوجيا الامريكية والخدمات الاستخباراتية والثقل العسكري والدبلوماسي الذي تتقدم به واشنطن على المستوى العالمي. ما يعني أن واشنطن بإمكانها بعد هذا الاتفاق أن تتنفس الصعداء وتلقي ببعض حملها في هذا الملف على دول تعتبر من اقرب حلفائها في الشرق الأوسط دون أن تخشى جانبها على مصالحها في المنطقة خاصة وأن إدارة ترامب لطالما اشتكت من الاعتماد المجاني لهذه الدول في حماية أمنها على مقدرات واشنطن.
يذهب مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي أبعد من ذلك، فيرى ستيف كوك، خبير السياسات الامريكية في الشرق الأوسط ومؤلف كتاب “نهاية الطموح: ماضي أمريكا وحاضرها ومستقبلها في الشرق الأوسط” أن الاتفاق خير دليل على انتهاء النظام الإقليمي في الشرق الاوسط ؛ إذ يشير بوضوح إلى تآكل النفوذ الامريكي في المنطقة وفقدان الثقة المتراكمة بواشنطن.
يبين كوك أنه على الرغم من الشك المشروع حول نجاعة الضمانات الأمنية التي يقدمها الاتفاق ومدى استعداد الدول الأطراف للانخراط بصراعات عسكرية إقليمية تخص بعضها دون البعض الآخر؛ إلا أن ميزة الاتفاق لا تتعلق بهذه الجزئية على أهميتها بل تتجه صوب التحول الإقليمي المتسارع في الشرق الأوسط وتقليص الدور القيادي الذي لطالما لعبته واشنطن في دول تعدّ من حلفائها وجوهر مصالحها في بلاد النفط وبطبيعة الحال السوار المحيط بمحظيتها إسرائيل.
ويعزو نجاح الولايات المتحدة في تحقيق أهدافها في منطقة الشرق الاوسط بحريّةِ تدفقِ النفط وضمان أمن إسرائيل إلى حد بعيد إلى التعاون الذي قدّمته دول الإقليم والتي لولاها لكانت تلك الأهداف تطلبت موارد أكبر بكثير من قدرة واشنطن على إبقاء الحال على ما هو عليه وفقاً لكوك.
وعليه، يشير براهما تشيلاني، الصحفي الأمريكي المخضرم، إلى أن عصر هيمنة واشنطن وتفردها الأمني في العالم الإسلامي بات آيلاً للزوال؛ وأن الحكمة وفقاً له تقتضي أن لا تقاوم واشنطن هذا التحوّل المحتوم بل أن تسعى لصياغته وتوجيهه لتحقيق استفادة قصوى من آثاره.
إشارات ورسائل: حلفاء واشنطن وخصومها
يحمل الاتفاق معانٍ متباينة لواشنطن بخصوص نفوذ بكين في المنطقة؛ فبينما تتراخى قبضة واشنطن عن عنق العالم الإسلامي بالتدريج، لا يبدو أن دوله مستعدة لتسليم عنانها لبكين بديلاً عن واشنطن وهو ما يعدّ للأخيرة أهون الشرين.
وقد أشار محللون ومعلقون صينيون إلى أن التحالف لا يبدو بديلاً عن واشنطن بمكان؛ إذ ما زالت دول المنطقة بعيدة عن التحلل من قبضة واشنطن حيث أن التظاهر بالاستقلال الإستراتيجي أسهل بكثير من تحقيقه.
إلا أنّ الأثر السلبي طويل الأمد على واشنطن ما يزال يلقي بظلاله؛ في ظل عدم رغبة بكين ابتداءً بخلافتها في أمن المنطقة لما يعني ذلك من التزامات دفاعية وقواعد عسكرية وإمكانية إنجرار لصراعات مكلفة ولا تخدم مصالحها.
وفي الوقت عينه قدرة بكين على الإستفادة المثلى من تراخي قبضة واشنطن الأمنية؛ إذ يحمل المستقبل القريب إمكانية تصدير الصناعات الدفاعية والعسكرية وتعزيز التعاون التكنولوجي والاستخباراتي مع دول المنطقة دون دفع أثمان باهظة وغير مستدامة ودون أن تضحي في الوقت عينه بعلاقتها مع طهران، ناهيك عن إمكانية تعزيز التعاون في الصناعات الدفاعية بين الدول الأطراف نفسها وتوجيه المال السعودي لدعم الصناعات الدفاعية التركية والباكستانية.
كما يحمل الاتفاق رسالة اخرى من أنقرة لحلف الناتو؛ فالسياسة الأمريكية الإسرائيلية التي حكمت حربها مع واشنطن وتركت ممالك الخليج في مهب الريح في الوقت الذي نشرت فيه منظومات دفاعية متقدمة دفاعاً عن تل أبيب ومصالح واشنطن الذاتية سرّعت في ظهور هذا التحالف، ودفعت بأنقرة للاحتياط ومواجهة خيانة مماثلة محتملة من حلف الناتو الذي ترسل له انقرة بهذا الاتفاق رسالة عدم إكتفاء.
ورغم هذه الرغبة التركية الملفتة ترى واشنطن أن الاستقلال الإستراتيجي الذي يحمله التحالف الوليد ما زال يدور في فلك التحالفات التي تقودها واشنطن ولا يتعدى حدود منظومتها في المنطقة حتى اللحظة.
ويلقي عدم انضمام مصر في اللحظة الأخيرة للاتفاق رغم انخراطها الدؤوب في مناقشاته بعداً آخر لدى واشنطن؛ فمصر التي احتلت لنصف قرن تقريباً المرتبة الثانية في قائمة متلقي المساعدات الأمريكية بعد إسرائيل وازنت على ما يبدو بين رغبتها بالانضمام لحلف دفاعي إقليمي وبين أزمتها الإقتصادية الحادة التي قد يدفع بها امتعاض واشنطن لحدودها القصوى. بينما تملك الدول الأعضاء في التحالف السني هامشاً اقتصادياً أوسع يمكنها من التحلل من ارتباطها الوثيق بواشنطن.
هناك أيضاً إسرائيل؛ اللاعب الخفي الذي لا يمكن إنكار أثره في تحالفات المنطقة؛ إذ ترتبط مصر بمعاهدة سلام عام 1979 بإسرائيل وتخشى أن تنظر تل أبيب ومن ورائها واشنطن للإتفاقية الإقليمية الجديدة كخرق لالتزام تاريخي للقاهرة.
بينما يبدو ان أنقرة والرياض وإسلام آباد ما فتأت تنجرف بعيداً عن إطار التطبيع مع إسرائيل وتشكّل تحدياً إقليمياً لنفوذها في المنطقة. ويعكس ذلك قلق تل أبيب التي رأت في هوية الدول الأطراف أمراً متعمداً وليس وليد الصدفة وما يستدعيه ذلك من تعزيز العلاقات الإسرائيلية مع نيودلهي لتشكيل حلف مضاد.
إذ يملك الحلف دلالة خاصة لإدارة ترامب بخصوص مساعيها التي كانت لوقت قريب تحتل سلم اولوياتها الدولية وكان من شأنها أن تغير شكل الخارطة السياسية للشرق الأوسط ألا وهي تتويج اتفاقات ابراهام بإنضمام الرياض.
وترى غاليا ليندرشتراوس، خبيرة العلاقات التركية-الإسرائيلية في معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب، أن الاتفاق يهدف إلى إيصال رسالة إلى كل من إيران وإسرائيل، وربما الإمارات أيضاً. وعليه فإن ضمّ المملكة لاتفاقات أبراهام بات وفقاً لليندرشتراوس أملاً بعيد المنال وهو ما يشكّل تحدياً لحكومة نتنياهو وإدارة ترامب اللتين كانتا تريان في المسألة أولوية إقليمية.
بينما يرى كوك أن اتفاق مكة سيقف على طرف النقيض مع اتفاقات أبراهام حيث بدأ الأتراك والسعوديون بإسقاط إسرائيل من حسابات المنطقة حتى قبل توقيع الاتفاق وخير دليل على ذلك المشاورات بين الرياض وأنقرة لتحويل خط سكة الحديد IMEC التي كان من المفترض أن تمر من السعودية إلى الأردن ثم إسرائيل لتصل أوروبا عبر قبرص واليونان. والآن بات المقترح أن تمتد من السعودية إلى الاردن فسوريا فتركيا وصولاً إلى بقية اوروبا. وهو تحوّل لافت في مسار العلاقات الإقتصادية والتحالفات الإقليمية الحاضرة والمستقبلية في المنطقة برمّتها.
ويعزز من هذه الفرضية إشارة “التضامن الإسلامي” التي تضمنها الاتفاق واختيار مكة المكرمة مهداً لانطلاقه ما يحمل رفضاً وتحدياً ضمنياً لإسرائيل ورعونة الغرب الداعمة لها أكثر منه تحدياً لإيران وحدها؛ والتي خرجت بتأييد علني للاتفاق وإلباسه بحسب وزير خارجيتها عباس عراقجي لباس الوحدة الإسلامية.
خاصة وأن دول المنطقة التي دفعت الفاتورة الأبهظ لرعونة واشنطن واستهتارها قد تحولت من سياسة الاحتواء الصارم المدعوم أمريكياً لطهران إلى محاولات التوصل إلى أرضية مشتركة مع الأخيرة بحثاً عن إنفراجة معتدلة تضمن للمنطقة استقراراً يبدو انه لا يعني واشنطن كثيراً.
ورغم هذا يأتي البند الأبرز في الاتفاق باعتبار أي هجوم مسلح على أي من الدول الأطراف هجوماً عليها جميعاً وهي صياغة مستوحاة من البند الخامس لحلف الناتو، في رسالة ردع واضحة لطهران التي اختارت ضبط النفس كضرورة استراتيجية تحول دون خسارتها لأنقرة وإسلام آباد اللتين تحولتا لقنوات دبلوماسية فاعلة في علاقتها المتوترة بواشنطن.