• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

40 مليار يورو.. ما الذي تراه أبوظبي في مصانع ألمانيا المتعثرة؟

نون إنسايت١٣ سبتمبر ٢٠٢٦

محمد بن زايد خلال زيارته إلى ألمانيا في سبتمبر/أيلول 2026، التي شهدت الإعلان عن حزمة استثمارات إماراتية بقيمة 40 مليار يورو

تتحرك الإمارات نحو ألمانيا في وقت تمر فيه الصناعة الألمانية بمرحلة إعادة تشكيل واسعة، فقاعدة الصناعة الأكبر في أوروبا ما تزال تملك شركات عالمية وهندسة متقدمة وبراءات وخبرات بحثية وشبكات عملاء راكمتها عبر عقود.

وتعاني قطاعات أساسية في ألمانيا كالكيميائيات والسيارات والهندسة الميكانيكية والصناعات كثيفة استهلاك الطاقة، من ضعف الاستثمار وارتفاع كلفة الطاقة وتراجع القدرة التنافسية أمام الصين، وهي ظروف توسع المجال أمام رأس المال الخارجي للدخول إلى أصول يصعب بناؤها من الصفر.

وفي سبتمبر/أيلول 2026، أعلن رئيس الإمارات محمد بن زايد آل نهيان والمستشار الألماني فريدريش ميرتس حزمة استثمارات إماراتية بقيمة 40 مليار يورو خلال السنوات المقبلة، بالتوازي مع توقيع 29 مذكرة واتفاقًا تجاريًا تجاوزت قيمتها 9.356 مليارات يورو.

وشهدت زيارة بن زايد إلى ألمانيا أيضًا إطلاق حوار استراتيجي بين البلدين وإنشاء مجلس استثمار ألماني إماراتي، ما منح التفاهمات إطارًا مؤسسيًا يتجاوز الصفقات المنفردة ويفتح الباب أمام استثمارات جديدة في الصناعة والتكنولوجيا والطاقة والبنية الرقمية.

ويكشف اتجاه الأموال جانبًا مهمًا من الرهان الإماراتي، إذ تتجه أبوظبي إلى قطاعات تمنحها خبرة صناعية وتقنية تحتاجها في مشروعها لبناء اقتصاد أكثر اعتمادًا على التصنيع والتكنولوجيا.

ويتزامن التحرك مع تصاعد منافسة خليجية على الشركات والتكنولوجيا الغربية، فقد بنت قطر خلال سنوات حصصًا مؤثرة داخل شركات ألمانية كبرى، فيما توسع السعودية استثماراتها الأوروبية وتضغط على الشركات العالمية لنقل مزيد من مقارها وقدراتها إلى المملكة.

وفي هذه البيئة تصبح العلاقة مع الصناعة الألمانية مهمة لأبوظبي أيضًا في حماية الموقع الذي بنته الإمارات بوصفها مركزًا إقليميًا للأعمال والتكنولوجيا، وهو موقع بات يواجه منافسة سعودية أكثر حدة.

أين تضع الإمارات أموالها في ألمانيا؟

تكشف الاتفاقات الأخيرة بوضوح اتجاه الاستثمارات الإماراتية نحو الصناعة والتكنولوجيا والطاقة والبنية الرقمية، فقد خُصصت 10 مليارات يورو لولاية بافاريا في جنوب ألمانيا، وعاصمتها ميونيخ، وهي من أبرز المراكز الصناعية والتكنولوجية في البلاد، بالتوازي مع توقيع 29 مذكرة واتفاقًا تجاريًا تجاوزت قيمتها 9.356 مليارات يورو، إلى جانب خطط لإنشاء مراكز بيانات بطاقة إجمالية تقارب 1 غيغاواط.

وتقدم “كوفيسترو”، الشركة الألمانية المتخصصة في المواد والكيماويات المتقدمة أوضح نموذج لنوعية الأصول التي تستهدفها أبوظبي، فقد استحوذت عليها شركة “إكس آر جي”، التابعة لشركة بترول أبوظبي الوطنية “أدنوك”، نهاية العام 2025 في صفقة قُدرت بنحو 15.9 مليار يورو شاملة الدين، رافقتها زيادة في رأس المال بنحو 1.17 مليار يورو.

وتملك كوفيسترو شبكة إنتاج عالمية وخبرات في المواد المتخصصة والبولي كربونات ومكونات البولي يوريثان، إلى جانب البحث والتطوير وتقنيات العمليات الصناعية التي تراكمت داخل الشركة عبر سنوات طويلة.

وفي مقابلة نشرتها صحيفة “هاندلسبلات” الاقتصادية الألمانية في ديسمبر/كانون الأول 2025، قال راينر زيله، الذي كان يقود أعمال الكيماويات العالمية في إكس آر جي، إن كوفيسترو جلبت إلى محفظة المجموعة “الريادة التكنولوجية”.

كما وصفت صحيفة “فايننشال تايمز” الشركة خلال مسار الاستحواذ بأنها أصل استراتيجي يجمع البحث والتطوير بمواد متقدمة يتوقع استمرار الطلب عليها، ما يضع الخبرة والتكنولوجيا في صلب قيمة الصفقة بالنسبة إلى المشتري الإماراتي.

ويتوسع الحضور نفسه في الطاقة عبر أدنوك وإكس آر جي وشركة أبوظبي لطاقة المستقبل “مصدر”، التي عمقت تعاونها مع “آر دبليو إي”، إحدى أكبر مجموعات الطاقة الألمانية، و”سيفي”، شركة تجارة الطاقة المملوكة للدولة الألمانية.

وتمتد التفاهمات من الغاز الطبيعي المسال والأمونيا منخفضة الكربون إلى الرياح البحرية وتخزين الكهرباء، فيما قدرت أدنوك أن الاتفاقات المرتبطة بالطاقة والصناعة يمكن أن تفتح استثمارات تتجاوز خمسة مليارات يورو.

وتمنح هذه الاستثمارات أبوظبي موضعًا داخل التحول الذي تعيد برلين من خلاله بناء منظومة الطاقة بعد صدمة الغاز الروسي، إذ يرتبط الحضور الإماراتي بإمدادات تحتاجها الصناعة حاليًا وبأصول ستغذي المصانع ومراكز البيانات مستقبلًا.

الإمارات تضع 40 مليار يورو في قلب الصناعة والطاقة والبنية الرقمية الألمانية

ومع انتقال ألمانيا تدريجيًا إلى مزيج أكبر من الكهرباء والطاقة منخفضة الكربون، تسعى الإمارات إلى الاحتفاظ بموقع داخل سوق صناعية كبرى عبر الاستثمار في البنية الجديدة نفسها.

وتشمل الحزمة كذلك مراكز بيانات بطاقة تقارب 1 غيغاواط وتعاونًا في الذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة والبحث والتطوير واستضافة البيانات، بالتوازي مع شراكات مع “سيمنس”، المجموعة الألمانية الكبرى للصناعة والتكنولوجيا، و”بوش”، المجموعة الألمانية للهندسة والتكنولوجيا.

ويقرب هذا المسار أبوظبي من تقنيات الأتمتة وأنظمة الطاقة والتحكم والذكاء الاصطناعي الصناعي التي أصبحت جزءًا من تشغيل المصانع الحديثة ورفع كفاءتها.

ويضيف تخصيص 10 مليارات يورو لبافاريا بعدًا آخر إلى الاختيار الإماراتي، فالولاية تضم تجمعات كبيرة في السيارات والطيران والهندسة والبرمجيات والطاقة. وربط الإعلان الإماراتي الأموال المخصصة لها بالتكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات وأمن الطاقة وتبادل المعرفة.

ويضع هذا التركيز رأس المال الإماراتي داخل منظومة تجمع البحث والتطوير بالمصانع والموردين والشركات القادرة على الدخول في مشروعات جديدة داخل أوروبا والخليج.

لماذا تتحرك أبوظبي الآن؟

يأتي الاندفاع الإماراتي بينما تعاني الصناعة الألمانية ضغوطًا ممتدة في الاستثمار والطاقة والتنافسية، فقد أظهرت بيانات مكتب الإحصاء الاتحادي الألماني أن القيمة المضافة الحقيقية للصناعة التحويلية انخفضت في 2025 للعام الثالث على التوالي، فيما أصبح إنتاج الصناعات كثيفة استهلاك الطاقة أقل بنحو 17.8% من مستواه في 2021.

وفي قطاع الكيميائيات الذي تعمل فيه كوفيسترو، قال اتحاد الصناعات الكيميائية الألماني إن الإنتاج تراجع 3.3% خلال 2025، وبلغ متوسط استخدام الطاقة الإنتاجية للمصانع 72.5% وسط ضغط تكاليف الإنتاج والمنافسة والواردات.

ووصف أوليفر فالك، رئيس مركز اقتصاديات الابتكار والتحول الرقمي في معهد “إيفو” الألماني للبحوث الاقتصادية، ضعف الاستثمار بأنه مشكلة هيكلية داخل الصناعة، مشيرًا في تقدير نشره في 24 يوليو/تموز 2026 إلى أن تراجع الاستثمار في السيارات والهندسة الميكانيكية يفوق التوسع المسجل في الأدوية وأشباه الموصلات، فيما ظلت نوايا الاستثمار الصناعي محدودة خلال 2026.

وتمنح هذه البيئة المستثمر القادر على ضخ رأس مال كبير لفترات طويلة فرصة أكبر للدخول إلى مشروعات وأصول تحتاج تمويلًا يصعب على الشركات المحلية توفيره بالسرعة المطلوبة.

وتظهر الفجوة نفسها في التحول الأخضر، فقد أظهرت أبحاث بنك التنمية الألماني أن استثمارات الشركات الموجهة للمناخ انخفضت بنحو 8% إلى 80 مليار يورو في 2024، ووصل التراجع لدى الشركات الكبرى إلى 18.5% وسط ضغوط التمويل وطول إجراءات الترخيص والمنافسة الدولية.

في الوقت نفسه زادت أزمة الطاقة منذ 2022 كلفة تشغيل الصناعات كثيفة الاستهلاك، ما جعل المال الإماراتي أكثر جاذبية لاقتصاد يحاول تحديث مصانعه وتوسيع شبكات الطاقة وبناء قدرات جديدة في البيانات والذكاء الاصطناعي.

وتضغط الصين من جهة أخرى على النموذج الصناعي الألماني، فقد استعادت في 2025 موقعها كأكبر شريك تجاري لألمانيا وظلت في الصدارة خلال النصف الأول من 2026، فيما اتسع فائضها التجاري في العلاقة الثنائية.

ويربط البنك المركزي الألماني جانبًا من تراجع الحصة الألمانية في الأسواق الخارجية بصعود القدرة التنافسية للمصنعين الصينيين، وهو ما يزيد حاجة الشركات الألمانية إلى أسواق نمو وشركاء قادرين على فتح أبواب خارج أوروبا، فيما تقدم الإمارات نفسها منصة تربط الخليج بالهند وآسيا وإفريقيا.

ضعف الصناعة الألمانية يتزامن مع سباق خليجي متصاعد على الشركات والتكنولوجيا الأوروبية

وتلتقي هذه الحاجة الألمانية مع سباق خليجي متصاعد على الأصول نفسها التي تمنح التكنولوجيا والخبرة والوصول إلى الأسواق.

وفي دراسة نشرها في فبراير/شباط 2026، قال شتيفان رول، الباحث البارز في مؤسسة العلوم والسياسة الألمانية إن صناديق السعودية والإمارات وقطر توسع قدرة دولها على الحركة من خلال الاستثمار في الصناعة والتكنولوجيا والدفاع والعلاقات الاقتصادية، وأشار إلى أن مصالح الدول الثلاث مختلفة وأن المنافسة بينها يمكن أن تظهر بوضوح داخل نشاطها الاستثماري.

وسبقت قطر منافسيها إلى بناء حضور طويل الأجل داخل شركات ألمانية كبيرة، إذ يملك جهاز قطر للاستثمار، الصندوق السيادي للدولة، نحو 17% من حقوق التصويت في “فولكسفاغن”، أكبر مجموعة ألمانية لصناعة السيارات، ونحو 3% في سيمنس، إلى جانب استثمارات أخرى في التكنولوجيا والصناعة والمال.

في المقابل يتوسع صندوق الاستثمارات العامة السعودي، داخل النقل والصناعة والتكنولوجيا الأوروبية، بحصص في “هاباغ لويد” للشحن البحري و”تيسنكروب نوسيرا” للهيدروجين و”تي كيه إليفيتور” للمصاعد وشركات أخرى مرتبطة بالتنقل والتكنولوجيا.

وقال محافظ صندوق الاستثمارات العامة السعودي ياسر الرميان في يونيو/حزيران 2026 إن الصندوق ضخ 98 مليار يورو في الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة بين 2017 و2025، مع أكثر من 10.4 مليارات يورو من الفرص الأوروبية المتوقعة حتى 2030.

وتضع هذه الأرقام الحزمة الإماراتية داخل سباق أوسع على المواقع المؤثرة في الشركات والصناعة الأوروبية، حيث تسعى كل دولة خليجية إلى بناء شبكة تمنحها التكنولوجيا والأسواق والعلاقات التي تحتاجها خططها الاقتصادية الداخلية.

وتأخذ المنافسة السعودية الإماراتية بعدًا أكثر مباشرة، فقد رأت سينزيا بيانكو، الباحثة الزائرة في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، أن العلاقة بين الرياض وأبوظبي تطورت إلى منافسة تشمل الموارد الاقتصادية والتكنولوجيا الحاسمة مثل الذكاء الاصطناعي.

وتعمل السعودية منذ 2024 على جذب الشركات متعددة الجنسيات عبر ربط جزء من العقود الحكومية بوجود مقر إقليمي داخل المملكة، وهي سياسة تضغط على نموذج جعل دبي وأبوظبي مركزين رئيسيين لإدارة أعمال الشركات العالمية في المنطقة.

وتقول وزارة الخارجية الإماراتية إن نحو ألفي شركة ألمانية لديها مكاتب في الإمارات، ويستخدم كثير منها الدولة منصة لخدمة الشرق الأوسط وإفريقيا وآسيا، لذلك تحمل العلاقات الألمانية قيمة إضافية في المنافسة مع الرياض على مركز الأعمال الإقليمي.

وكلما تعمقت الملكية والاستثمارات والمشروعات المشتركة بين الشركات الألمانية والإماراتية، زادت الروابط التي تربط تلك الشركات بالسوق والمنصة الإماراتيتين، وهو ما يدعم قدرة أبوظبي على الاحتفاظ بالموقع الذي تحاول السعودية انتزاع جزء منه.

وتقدم الدوحة نموذجًا قريبًا لطريقة تحويل الاستثمار الخارجي إلى مكاسب داخلية، فقد رفع جهاز قطر للاستثمار في فبراير/شباط 2026 برنامجه للاستثمار في صناديق رأس المال الجريء إلى ثلاثة مليارات دولار.

وقال رئيسه التنفيذي محمد السويدي إن عددًا من مديري الصناديق المشاركين يشجعون شركات محافظهم على إقامة مقار إقليمية في الدوحة. وتكشف هذه التجربة أن قيمة الاستثمار السيادي تمتد إلى ما يستطيع جذبه معه من شركات ومهارات وتقنيات ومراكز قرار إلى الاقتصاد المحلي.

كيف تنقل الاستثمار من ألمانيا إلى الخليج؟

تظهر القيمة الأبعد للاستحواذات الإماراتية عند النظر إلى المكان الذي قد يذهب إليه الاستثمار الصناعي التالي، وقد جاء أبرز مثال من كوفيسترو بعد أشهر من انتقال ملكيتها.

ففي 30 يونيو/حزيران 2026 قال الرئيس التنفيذي للشركة ماركوس شتايلمان إن كوفيسترو تخطط لتوسيع أعمالها في آسيا والخليج، وبدأت دراسة جدوى لإنشاء مصنع عالمي الحجم لمادة ثنائي إيزوسيانات الميثيلين بالرويس، المنطقة الصناعية الساحلية الواقعة غرب مدينة أبوظبي، مستفيدة من البنية الصناعية وتوافر المواد الخام والطاقة الأقل كلفة، وهي عوامل أوضح أنها قد تجعل المنشأة من أكثر مصانع هذا المنتج تنافسية عالميًا.

وتدرس كوفيسترو استثمارات جديدة قد تصل إلى نحو أربعة مليارات يورو موزعة بين الصين والإمارات، فيما تعتمد المنشأة المقترحة في الرويس على خبرات وتقنيات تشغيلية طورتها الشركة داخل شبكتها الصناعية العالمية.

وهنا تظهر القيمة العملية للملكية الإماراتية، إذ تستطيع الخبرة الهندسية وتصميمات المصانع وشبكات العملاء المتراكمة داخل شركة ألمانية أن تدخل في بناء قدرة إنتاجية جديدة داخل الإمارات تستفيد من الطاقة والمواد الخام والموانئ وتتوجه إلى أسواق عالمية.

ويتوافق هذا المسار مع استراتيجية “مشروع 300 مليار” الإماراتية، التي تستهدف رفع مساهمة القطاع الصناعي في الاقتصاد إلى 300 مليار درهم بحلول 2031، حيث تمنح ملكية شركة ذات تكنولوجيا وأسواق ومنتجات قائمة أبوظبي طريقًا أسرع إلى الصناعات عالية القيمة.

ويصبح استثمار كوفيسترو المحتمل في الرويس نموذجًا لما يمكن أن تحققه أبوظبي من شراء موقع داخل الصناعة الأوروبية ثم ربط النمو الجديد للشركة بقاعدتها الصناعية وأسواقها الخارجية.

مجمع “تعزيز” الصناعي في الرويس بأبوظبي، حيث تدرس كوفيسترو إنشاء مصنع جديد ضمن توسعها الصناعي في الخليج

ويتصل هذا الرهان بمحاولة أوسع لتنويع مصادر التكنولوجيا، فقد رأى المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية في تحليل نشر خلال 2026 أن أوروبا ودول الخليج تستطيعان استخدام التعاون بينهما لتقليل التعرض للضغوط الناتجة عن الصراع التكنولوجي بين الولايات المتحدة والصين.

وتحافظ الإمارات على علاقاتها التكنولوجية والاقتصادية مع واشنطن وبكين، فيما تمنحها أوروبا مصدرًا إضافيًا للهندسة والملكية الفكرية والشركات الصناعية والقواعد التنظيمية، لتصبح العلاقة الأوروبية ضلعًا ثالثًا يزيد قدرة أبوظبي على المناورة بين الكتل التكنولوجية الكبرى.

ويظهر النموذج بصورة أكثر صراحة في الصناعات الدفاعية، إذ رصد ألبرت فيدال ريبيه، الباحث في صناعات الدفاع والمشتريات بالمعهد البريطاني الدولي للدراسات الاستراتيجية، انتقال العلاقات الخليجية الأوروبية من شراء المنتجات الجاهزة إلى الاستثمار والشراكات والإنتاج المحلي.

وفي مشروع مشترك بين مجموعتي إيدج الإماراتية وليوناردو الإيطالية للصناعات الدفاعية، ستُنقل عمليات تصميم وتطوير وإنتاج وتدريب إلى الإمارات لخدمة السوق المحلية وأسواق تصدير مختارة، في نموذج يوضح كيف يمكن للعلاقة مع شركة أوروبية أن تتحول إلى بناء قدرة صناعية داخل الخليج.

وتصبح المنافسة في هذه الحالة مرتبطة بمكان بناء القدرة الصناعية الجديدة، من خطوط الإنتاج وفرق الهندسة إلى تدريب الكفاءات وحقوق الوصول إلى أسواق آسيا وإفريقيا.

ويعطي استحواذ كوفيسترو لهذه المسألة وزنًا خاصًا لأن الإمارات أصبحت بعد انتقال الملكية بفترة قصيرة موقعًا مرشحًا لأحد استثمارات النمو الكبرى المقبلة للشركة، بما يفتح الباب أمام انتقال جزء من التوسع الصناعي المستقبلي إلى الخليج مع بقاء الأصل والشبكة الصناعية الألمانية قائمين.

وتسعى أبوظبي إلى تحويل هذه الحركة إلى مسار دائم عبر مجلس الاستثمار الألماني الإماراتي، الذي أُنشئ لربط الحكومتين والقطاع الخاص وتحديد المشروعات القابلة للتنفيذ وإزالة العقبات أمامها، بالتوازي مع قناة استثمار مباشرة مع حكومة بافاريا.

ويمنح هذا الإطار الشركات الإماراتية طريقًا منتظمًا إلى فرص جديدة في الصناعة والطاقة والتكنولوجيا بدل بقاء التوسع مرهونًا بصفقات منفردة تظهر من وقت إلى آخر.

في المقابل تشدد أوروبا الرقابة على الآثار التي يمكن أن ترافق دخول رأس المال المدعوم من الدول إلى القطاعات الاستراتيجية، فقد كتب شتيفان رول في فبراير/شباط 2026 أن الملكية المباشرة للشركات والوصول إلى التكنولوجيا والبنية الاقتصادية والعلاقات مع الفاعلين المؤثرين تزيد هامش الحركة المتاح للدول المالكة لرأس المال.

ظهرت هذه الحساسية في صفقة كوفيسترو، إذ خلصت المفوضية الأوروبية، إلى أن ضمانًا حكوميًا غير محدود ومزايا مرتبطة بأدنوك أثرت في شروط الاستحواذ والمنافسة.

وانتهت المراجعة إلى تعديل ترتيبات الضمان وفرض التزامات تخص ترخيص مجموعة من براءات كوفيسترو المرتبطة بالاستدامة بشروط السوق، وقالت نائبة رئيس المفوضية تيريزا ريبيرا إن الإجراءات استهدفت إعادة التوازن إلى المنافسة داخل السوق الأوروبية الموحدة.

وتضع هذه التطورات حزمة الأربعين مليار يورو في سياق أوسع من شراء أصول ألمانية أو البحث عن عائد مالي، فأبوظبي تدخل إلى صناعة أوروبية تحتاج إلى رأس المال في وقت تحتدم فيه المنافسة الخليجية على الشركات والتكنولوجيا ومراكز الأعمال، ثم تعمل على ربط ما تحصل عليه من معرفة وشبكات صناعية بمشروعها المحلي وأسواقها الإقليمية.

علاماتاقتصاد الإمارات ، الاستثمارات الخليجية ، الاقتصاد الإماراتي ، الاقتصاد الخليجي ، التنافس العربي
مواضيعاقتصاد ، اقتصاد الإمارات ، الاقتصاد الأوروبي ، السياسات الأوروبية ، الشأن الإماراتي

قد يعجبك ايضا

اقتصاد

النفط أمريكي والغاز روسي.. كيف تعيد تركيا توزيع اعتمادها على الطاقة؟

نون إنسايت٩ سبتمبر ٢٠٢٦
اقتصاد

كيف نُقلت أطنان الخردة من المدن السورية المدمرة إلى معامل حمشو؟

فريق التحرير٧ سبتمبر ٢٠٢٦
اقتصاد

نفط إلى الصين وذهب في تركيا.. كيف تحرّك إيران أموالها بعيدًا عن العقوبات؟

خالد أصلان٦ سبتمبر ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑