لا أحد يعرف ما يدور خلف تلك التلال الرملية التي صنعتها الميلشيات المسلحة التي استولت على جرف الصخر ما بين العاصمة بغداد جنوبًا ومحافظة بابل شمالًا، فكل شيء عبارة عن تكهنات أو تسريبات، فلقد ضربت تلك الميلشيات طوقًا حول المنطقة وحولتها إلى لغز يصعب التكهن بما فيه ومن فيه.
جرف الصخر.. من هنا مروا
لا يمكن أن تختزل حكاية جرف الصخر بما آلت إليه أوضاعها، فهي فصل من فصول العراق، مذ كان محط صراع الإمبراطوريتين العثمانية والفارسية، أو لاحقًا بعد أن وطأت أرضه أقدام الغزاة الجدد في العام 2003، يوم أن قررت أمريكا أن تجلب الديمقراطية لأرض الرافدين بطريقتها.
عقب الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، واندلاع المقاومة العراقية، كانت مناطق جنوب العاصمة بغداد يُطلق عليها في الأدبيات العسكرية الأمريكية اسم مثلث الموت لضراوة المقاومة هناك، خاصة وأنها كانت مناطق زراعية كثيفة مما كان يسهل على المقاومين تنفيذ عملياتهم والتخفي بين تلك الغابات الكثيفة من الزروع.
بالتزامن مع تلك العمليات، كانت تشيطن المقاومة العراقية من خلال إلصاق شتى التهم بها، ومنها طبعًا تهمة الطائفية، وعمليات استهدفت زورًا شيعة كانوا في طريق مرورهم من بغداد باتجاه مدينتي النجف وكربلاء، وهي عمليات وإن كانت قد وقعت؛ إلا أنها لم تكن بالحجم الذي صورّت به حينها.
وما إن حل العام 2014، وبدأت طلائع تنظيم داعش تقضم المدن العراقية والمحافظات بدءًا من الموصل، حتى بدأت قوى مسلحة وسياسية تنسج خيوط أكبر احتلال لمنطقة عراقية بتهمة الإرهاب، فكانت جرف الصخر، قصة لم تنته بانتهاء المعركة التي اختلفت من أجل السيطرة عليها، بل بدأت معها أكثر غموضًا من كل الفصول التي سبق وأن مرت بها المنطقة.
التهجير.. بذرة احتلال طويل
وجدت القوى السياسية التي تمتلك أذرعًا مسلحة في ما جرى عام 2014 فرصتها من أجل تغيير ديمغرافي طالما دارت حوله معارك دامية وخاصة خلال الفترة ما بين عامي 2006 و 2008، فبعد تفجيرات مرقد الإمامين علي الهادي والحسن العسكري في سامراء فبراير/شباط من عام 2006 بدأت عمليات ثأرية قامت بها الميلشيات الشيعية ضد المناطق السنية في بغداد ومحيطها الجنوبي، لكنها ظلت على ما يبدو دون طموح تلك القوى المسلحة التي كانت تسعى لتغيير ديمغرافية بغداد ومحيطها تحت ذرائع شتى، حتى وصل عدد النازحين العراقيين الذين وثقتهم المنظمات الإنسانية الدولية إلى نحو 2.8 مليون نازح في تلك الحقبة.
كانت داعش، فرصة انتظرتها تلك الميلشيات طويلًا، خاصة وأن هذا التنظيم المتطرف نجح في حشد تحالف دولي لم يسبق أن تشكل لمحاربة أي تنظيم سبقه، وهو ما منح تلك الميلشيات فرصة كبيرة لتحقيق ما عجزت عنه سابقًا، فكانت تعمل تحت شعار محاربة داعش لإفراغ مناطق كاملة من أهلها، وكانت البداية من جرف الصخر.
في أكتوبر/تشرين الأول 2014 أعلنت الحكومة العراقية والفصائل المنضوية تحت ما عرف لاحقًا بالحشد الشعبي، تطهير منطقة جرف الصخر من عناصر تنظيم داعش، بعد أن عملت على إفراغها من أهلها بحجة تطهير المنطقة من الذخائر، وأيضًا عقب إجراء مراجعة أمنية لملفات الأهالي والتدقيق حول توجهاتهم قبل إعادتهم، لكنهم لم يعودوا.
لماذا لم يعد السكان؟
الحجة كانت جاهزة دائمًا، يجب أن يكون هناك تدقيق أمني على العائلات، ويجب أولًا أن تتم عملية إزالة مخلفات الحرب، إلا أن أيا من هذا لم يتحقق حتى الآن، رغم مرور 12 عامًا، فالأمر لم يعد يتعلق بما تقوله تلك الجهات التي تمسك الأرض، بقدر تعلقه بما جرى خلال هذه السنوات من عمليات سيطرة محكمة على المكان من قبل الميلشيات.
عام 2019، نشرت المنظمة الدولية للهجرة دراسة عن المناطق التي لم تشهد عودة، واعتبرت جرف الصخر حالة استثنائية في محافظة بابل.
وصفت المنطقة بأنها جيب ذو غالبية عربية سنية، غير متاح للوصول والتقييم، ولم تُسجل فيه أي عودة، وخلصت إلى أن استمرار النزوح كان مرتبطًا بالوضع الأمني وتركيبة الجهات المسيطرة على الأرض، وأن معالجة الملف تتطلب عملية تفاوض مع مختلف الجهات الأمنية الفاعلة.
أما اليوم، فالمفارقة أكثر وضوحًا، ففي يونيو/حزيران 2026، قال محافظ بابل علي تركي الجمالي إن سكان جرف الصخر لا يمكنهم العودة في الوقت الحالي، وقدم تفسيرًا يقوم على انتهاء مدد العقود الزراعية التي كان بعض السكان يشغلون أراضيهم بموجبها، فيما قال إن كثيرًا منهم يعيشون في مناطق أخرى و”لم يعودوا في حالة نزوح بالمعنى التقليدي”، حسب وصفه.
لم تعد “التقية” في إبعاد أهل جرف الصخر حاضرة، فما يجري تجاوز مرحلة النوايا إلى أفعال تمارس على الأرض، ترجمها محافظ بابل بوضوح.
ماذا يوجد داخل المنطقة؟
بالتأكيد لا يمكن لأحد أن يجزم بماذا يوجد في هذه المنطقة، لكن إغلاقها ومنع عودة نحو 140 ألف نسمة من سكانها إليها بعد مضي 12 عامًا على “تحريرها” من داعش، يثير الاستغراب ويفتح الباب أمام طرح الفرضيات والنظريات، ولعل أكثرها ترديدًا أن المنطقة تحولت إلى مقر تابع للحرس الثوري الإيراني.
في مارس/آذار 2020، نفذت الولايات المتحدة ضربات على منشآت في جرف الصخر، قالت إنها استهدفت مواقع مرتبطة بتصنيع وتخزين واختبار ذخائر كتائب حزب الله، فالمنطقة ثبت بأنها كانت منطلقًا لعمليات استهداف دول جوار العراق عقب نشوب الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، ما يعزز فرضية أن المنطقة “محكومة” إيرانيًا.
في فبراير/شباط 2026، أكدت رويترز أن غارات جوية استهدفت مواقع لقوات الحشد الشعبي داخل جرف الصخر، وأسفرت، وفق متحدث في الحشد، عن مقتل اثنين وإصابة آخرين. وأكد التقرير أن الحشد يضم فصائل موالية لإيران.
كما قالت وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء في تقريرها عن العراق لعام 2025 إن جرف الصخر كانت تحت سيطرة كتائب حزب الله، مع وجود مقاتلين من حركة النجباء وكتائب سيد الشهداء ومقاتلين أجانب متحالفين معها، نقلًا عن مصادر أمنية وتقارير عراقية.
وفي تحقيق نشرته شبكة نيريج في أغسطس/آب 2026، جرى تحليل صور أقمار صناعية أرشيفية تعود إلى فترات بين 2014 و2025 و2026، ومقارنة خمسة قطاعات من المنطقة، وأظهرت المقارنة تراجع الكثافة العمرانية التي كانت تميز التجمع السكني قبل الحرب، مقابل ظهور مبانٍ منتظمة وشبكات طرق ومساحات مسوّاة وتجمعات إنشائية لم تكن موجودة بالشكل نفسه في 2014.
وتقول الشبكة إن اللقطات لا تكفي وحدها لإثبات هوية الجهة التي أنشأت المباني الجديدة أو الغرض الدقيق منها، وهذه نقطة شديدة الأهمية؛ فوجود مبانٍ تشبه المستودعات أو المنشآت العسكرية لا يسمح، وحده، بالقول إنها مخازن صواريخ أو مقرات للحرس الثوري.
لكن الصور تقدم حقيقة أخرى يصعب تجاهلها، فالمكان تغير بصورة عميقة خلال العقد الماضي، والنسيج السكني القديم تراجع، وظهرت شبكة طرق ومساحات إنشائية جديدة، بينما بقيت المنطقة مغلقة بدرجات مختلفة أمام السكان والصحافة.
وهنا تنتقل جرف الصخر من ملف أمني إلى ملف يتعلق بشكل الأرض ومن يملك حق استخدامها.
هذه المعطيات تؤكد أن جرف الصخر باتت منطقة عسكرية مغلقة ولا أحد يعرف ماذا يجري هناك أو كيف يجري، خاصة وأننا نتحدث عن تداخل كبير بين الدولة واللادولة، فقط علينا أن نتذكر أن من يرشح رئيس الحكومة هو الإطار التنسيقي، وأن هذا الكيان يجمع أعضاء لكتل وأحزاب سياسية لدى بعضهم ميلشيات مسلحة مصنفة على قوائم الإرهاب الأمريكية، ويقرّ قادتها علنًا بأنهم جزء من منظومة الردع الإيرانية.
من يسيطر على جرف الصخر؟
أبرز الفصائل التي تسيطر على جرف الصخر هي النجباء و”حزب الله” وكتائب سيد الشهداء، وهي فصائل عقائدية تعد نفسها وبشكل معلن جزءًا من ولاية الفقيه في إيران، وجندت نفسها بشكل صريح وواضح في بيانات لها للدفاع عن إيران في حربها الأخيرة.
فمنذ عام 2014، بعد تهجير أهل المنطقة وإغلاقها بشكل كامل أمام أي تواجد رسمي أو غير رسمي، وهي تشهد تحركات وإعادة انتشار للميلشيات فيها، بل إن بعض التقارير غير الرسمية أشارت إلى وجود عناصر أو مستشارين في الحرس الثوري الإيراني داخل المنطقة.
المؤكد، وفقًا للمعلن، أن هناك مصانع للسلاح داخل جرف الصخر، وهي مصانع تقع تحت سيطرة الميلشيات والفصائل المسلحة دون أن يكون للحكومة العراقية أي سلطة عليها.
بداية حل مشكلة السلاح، تبدأ من جرف الصخر، تدرك حكومة علي الزيدي ذلك، وهي التي وضعت تاريخًا للحملة التي كان يفترض أن تنتهي بحصر السلاح في 30 سبتمبر/أيلول 2026، قبل أن تتغير الأهداف تحت ضغط الميلشيات وإيران والتي سارعت حينها لإرسال أكثر من مسؤول إلى بغداد للتفاوض حول الموضوع وإيجاد صيغة للخروج من هذا الالتزام الذي أعلنته الحكومة دون أن يؤدي إلى مواجهات بين الحكومة وبين الفصائل.
حصر السلاح دون مواجهة، هذا ما تطمح إليه حكومة علي الزيدي، وجرف الصخر على رأس قائمة الأولويات، حيث بدأت قوات من جهاز مكافحة الإرهاب بالانتشار في محيط منطقة جرف الصخر وجرف النداف القريبة منها، انتشار دون فعالية حتى الآن، في ظل رفض تلك الميلشيات أي إخلاء لمقارها في المنطقة.
سيكون الاختبار الأهم أمام الحكومة العراقية في جرف الصخر، إما أن تنجح بالدخول والسيطرة على المنطقة المهمة وإعادة أهلها إليها بعد 12 عامًا من التهجير، أو أن تختار المواجهة، وبما أنها غير قادرة على الثانية، ولا يمكن للميلشيات أن تقبل بالأولى، فإن المرجح هو إيجاد مخرج “سينمائي” لهذه المعضلة، يتمثل بإعادة بعض من أهالي جرف الصخر مع انتشار جزئي محدود لقوات أمنية في مساحات تتخلى عنها الميلشيات لإيصال رسالة بأن الحكومة نجحت في المهمة التي فشل بها غيرها.