تبحث واشنطن عن صيغة جديدة لحضورها في منطقة الساحل بعد أن خسرت خلال سنوات قليلة جزءًا مهمًا من أدواتها العسكرية والأمنية هناك، وكان أبرزها انسحاب القوات الأمريكية من النيجر.
في موازاة ذلك، انحسر الوجود الفرنسي في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، فيما وسعت روسيا حضورها العسكري واستمرت الجماعات المسلحة في تصعيد عملياتها.
وفي هذه البيئة، بدأت الجزائر خلال 2026 ترميم علاقاتها مع دول الساحل بعد أزمة حادة مع مالي وجيرانها، فعاد دورها على الحدود الشمالية للمنطقة إلى واجهة الحسابات الإقليمية.
ضمن هذا السياق جاءت الزيارة الثالثة لمسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية، إلى الجزائر منذ صيف 2025، في مسار شهد توقيع مذكرة تعاون عسكري، وتكثيف الاتصالات مع القيادة الأمريكية في أفريقيا “أفريكوم”، وفتح ملفات الطاقة والغاز والمعادن والاستثمارات أمام تعاون أوسع.
وخلال زيارته في سبتمبر/أيلول 2026، وصف بولس الجزائر بأنها “شريك مهم” للولايات المتحدة في تعزيز الأمن الإقليمي، ما يعكس الوزن الذي تمنحه واشنطن لدولة تجمع بين حدود مباشرة مع مالي والنيجر، وخبرة أمنية في الصحراء، وقنوات سياسية مع أطراف يصعب على العواصم الغربية الوصول إليها.
تجد الجزائر في هذا الانفتاح فرصة لجذب رأس المال والتكنولوجيا وتنويع خياراتها العسكرية وتوسيع الحوار السياسي مع واشنطن، فيما يظل التقارب محكومًا بمصالح وخلافات متداخلة، أبرزها صلات الجزائر بروسيا والصين، وتنافسها مع المغرب، ومواقفها من فلسطين والصحراء الغربية.
فراغ في الساحل.. لماذا ارتفعت قيمة الجزائر الآن؟
تغيرت البيئة الأمنية المحيطة بالجزائر بسرعة خلال السنوات الأخيرة، إذ أنهت فرنسا عملياتها العسكرية في مالي وبدأت منذ 2022 سحب نحو 2400 جندي، ثم غادرت قواتها بوركينا فاسو والنيجر بعد الانقلابات وتدهور العلاقات مع الحكومات العسكرية.
وجاءت الخسارة الأمريكية الأكبر في النيجر، حيث سحبت واشنطن عام 2024 نحو ألف عسكري وأخلت قاعدة الطائرات المسيّرة في أغاديز شمال وسط البلاد، والتي أنفقت عليها قرابة 100 مليون دولار وشكلت مركزًا مهمًا للمراقبة ومكافحة الجماعات المسلحة.
وفي مايو/أيار 2025، تحدث مايكل لانغلي، القائد السابق للقيادة الأمريكية في أفريقيا “أفريكوم”، عن تراجع النفوذ الأمني الأمريكي في غرب القارة والحاجة إلى إيجاد طرق أخرى للحفاظ على الانخراط في المنطقة.
تزامن هذا التراجع مع ارتفاع مستوى العنف، إذ قدّر مركز أفريقيا للدراسات الاستراتيجية، التابع لوزارة الدفاع الأمريكية في أغسطس/آب 2026، أن نحو 9928 شخصًا قتلوا في أحداث مرتبطة بالجماعات الإسلامية المسلحة في الساحل خلال السنة الماضية، بما يعادل 42% من إجمالي هذه الوفيات في أفريقيا.
ونسب المركز نحو 76% من وفيات الساحل إلى “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” وقرابة 19% إلى تنظيم الدولة، فيما بلغ مجموع الوفيات المرتبطة بهذه الجماعات منذ 2022 نحو 49 ألفًا.
وبالتوازي، استمرت قوات “أفريكا كوربس” التابعة لوزارة الدفاع الروسية في مالي بعد انتهاء وجود مجموعة فاغنر، ووسعت موسكو تعاونها العسكري مع باماكو إضافة إلى النيجر وبوركينا فاسو.
ورفعت هذه البيئة قيمة الجزائر الواقعة على الحافة الشمالية لمنطقة الأزمة، إذ تمتد حدودها نحو 1359 كيلومترًا مع مالي و951 كيلومترًا مع النيجر، إضافة إلى حدود طويلة مع ليبيا وموريتانيا، فيما راكمت أجهزتها الأمنية خبرة طويلة في التعامل مع الجماعات المسلحة وشبكات التهريب والحركات السياسية والعسكرية في شمال مالي.
وقادت الجزائر الوساطة التي انتهت إلى اتفاق السلام المالي عام 2015، واستضافت آليات إقليمية لمكافحة الإرهاب بينها لجنة الأركان العملياتية المشتركة، وحافظت على اتصالات مع فاعلين طوارق وعرب في شمال مالي تمنحها معرفة بالمنطقة تختلف عن معرفة كثير من الشركاء الخارجيين.
تعرض هذا النفوذ لضربة قاسية بين 2024 و2025، بعدما أنهت السلطات المالية اتفاق الجزائر في يناير/كانون الثاني 2024، ثم انفجرت أزمة أشد في أبريل/نيسان 2025 إثر إسقاط الجزائر طائرة مسيرة مالية قرب تينزاواتين.
واستدعت بوركينا فاسو ومالي والنيجر سفراءها من الجزائر، وانسحبت الأخيرتان من لجنة الأركان العملياتية المشتركة، فيما رفعت باماكو نزاعها مع الجزائر إلى محكمة العدل الدولية.
واعتبر معهد الدراسات الأمنية الأفريقي “ISS Africa” أن الأزمة أصابت بنية التعاون الأمني الإقليمي وأظهرت مقدار التراجع الذي لحق بنفوذ الجزائر داخل الساحل.
بدأ هذا المشهد يتحسن خلال 2026 مع إعادة السفراء بين مالي والجزائر، وفتح الأخيرة مجالها الجوي أمام الطائرات المالية مجددًا في يوليو/تموز، وتحسن العلاقات مع النيجر بعد زيارة قائد المجلس العسكري عبد الرحمن تياني إلى الجزائر في فبراير/شباط.
وفي تحليل نشره “ISS Africa” في مارس/آذار 2026، وصف المعهد الجزائر بأنها فاعل محوري بحكم الجغرافيا والتهديدات الأمنية المشتركة، مع استمرار الشك في باماكو تجاه اتصالاتها مع فصائل الشمال، معتبرًا أن الحدود والمصالح الأمنية تمنح الجزائر حضورًا يصعب تجاوزه داخل منطقة أصبحت مراكز النفوذ فيها أكثر تعددًا.
وقدمت صحيفة “لوموند” الفرنسية قراءة قريبة، إذ وصفت زيارة تياني إلى الجزائر بأنها نقطة تحول محتملة بعد سنوات من خسارة النفوذ، ورأت أن تطورات شمال مالي أعادت الجزائر إلى “اللعبة” بعد مرحلة همشتها فيها باماكو وروسيا.
وأشارت الصحيفة إلى أن العلاقات التاريخية مع الطوارق منحت الجزائر قدرة على التواصل مع أطراف بقيت خارج سيطرة الحكومة المالية، فيما يظل تحويل هذه القنوات إلى نتائج سياسية مرتبطًا بحسابات باماكو ومواقف القوى المحلية.
وبدورها، اعتبرت “مجموعة الأزمات الدولية” أن تحسن العلاقات يفتح المجال لإعادة ترتيب أمن الحدود ودفع مسار سياسي أوسع في شمال مالي، وربطت نجاح أي وساطة باستعداد باماكو للعودة إلى المسار السياسي بعد سنوات من الاعتماد على القوة العسكرية.
وفي أغسطس/آب 2026 برز مؤشر إضافي على تغير السلوك الجزائري عندما أرسلت الجزائر، عقب محاولة تمرد في النيجر، أربع مقاتلات “سو-30” وطائرة نقل “إيل-76” وطائرة للتزود بالوقود “إيل-78” إلى نيامي.
ونقلت “لوموند” عن الخبير الأمني الجزائري أكرم خريف وصفه الخطوة بأنها تحول في السلوك الجزائري وخروج من حالة “الاحتياط الاستراتيجي”، بما يشير إلى استعداد أكبر للتحرك عندما تعتبر الجزائر استقرار دولة مجاورة مرتبطًا مباشرة بأمنها.
وتمنح عودة الجزائر إلى هذا الدور واشنطن شريكًا يملك معلومات عن الحدود والصحراء وقنوات في شمال مالي، وعلاقة متجددة مع النيجر، وقدرة على المشاركة في إعادة بناء بعض ترتيبات الأمن الإقليمي التي ضعفت بعد الانقلابات وخروج القوات الغربية.
في الوقت نفسه، بدأت واشنطن فتح قنوات أكثر مباشرة مع أنظمة الساحل، بينما بنت الرباط علاقاتها الخاصة مع مالي والنيجر وبوركينا فاسو، وهو ما يجعل وزن الجزائر أكبر في الملفات التي ترتبط بشمال مالي والحدود الصحراوية، ضمن سياسة أمريكية تعتمد على أكثر من شريك في المنطقة.
تقاطع المصالح.. ماذا يريد الطرفان من بعضهما؟
تسارع التقارب بين واشنطن والجزائر منذ مطلع 2025، عندما وقعتا في يناير/كانون الثاني مذكرة تعاون عسكري خلال زيارة قائد “أفريكوم”، وأنشأ الاتفاق إطارًا للتواصل والتدريب والتعاون الدفاعي.
في الشهر نفسه وقعت شركة “شيفرون” الأمريكية للطاقة مع الوكالة الجزائرية لتثمين موارد المحروقات “ألنفط” اتفاقًا للتعاون في الاستكشاف البحري، ثم زار بولس الجزائر في يوليو/تموز 2025 وعاد في يناير/كانون الثاني 2026، قبل أن تتسع المحادثات في أبريل/نيسان إلى الغاز غير التقليدي والمعادن الحرجة ومكافحة الإرهاب وتنفيذ مذكرة التعاون العسكري.
وجاءت زيارته الثالثة في سبتمبر/أيلول لتثبيت هذا المسار، إذ بحث مع الرئيس عبد المجيد تبون ورئيس الوزراء سيفي غريب ووزير الخارجية أحمد عطاف الأمن الإقليمي والطاقة والتجارة وتطورات الساحل.
وكانت اتصالات بولس السابقة مع تبون قد تناولت تعميق التعاون الأمني وتوسيع الفرص أمام الشركات الأمريكية، ما يضع الأمن الساحلي والمصالح الاقتصادية في صلب التحرك الأمريكي الحالي.
في الجانب الأمني، تبحث واشنطن عن معلومات أوسع بشأن تحركات الجماعات المسلحة وشبكات العبور في الصحراء بعد خسارة وجودها المباشر في النيجر، كما تستفيد من معرفة الجزائر بشمال مالي واتصالاتها مع أطراف محلية، فيما توفر مذكرة التعاون العسكري واللجنة المشتركة إطارًا لتوسيع التدريب وتبادل المعلومات والتنسيق الدفاعي.
ودعا “ISS Africa” في يوليو/تموز 2026 إلى تنشيط التنسيق العسكري والاستخباراتي بين الجزائر ومالي وإحياء أطر إقليمية أوسع لمواجهة الأزمة الأمنية، وهي ملفات تنسجم مع بحث واشنطن عن أدوات محلية بعد تراجع نموذج الانتشار العسكري المباشر.
وتدخل المنافسة الجزائرية المغربية في المنطقة ضمن هذه الحسابات، بعدما أيدت مالي والنيجر وبوركينا فاسو في أبريل/نيسان 2025 المبادرة المغربية التي تتيح للدول المغلقة في الساحل الوصول إلى الموانئ الأطلسية، ثم وقع أعضاء المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا في يوليو/تموز 2026 اتفاقًا حكوميًا يدعم مشروع أنبوب الغاز بين نيجيريا والمغرب.
ويبلغ طول المشروع المقترح نحو 6900 كيلومتر، بطاقة تصل إلى 30 مليار متر مكعب سنويًا وكلفة تقديرية تقارب 25 مليار دولار، فيما تراهن الجزائر على خط الغاز العابر للصحراء عبر النيجر، إلى جانب توسيع استثماراتها في الطاقة والتعدين وعلاقاتها الأمنية مع دول الجوار.
ورأى تحليل لمركز كارنيغي للسلام الدولي أن المبادرة الأطلسية تمنح المغرب مجالًا لتوسيع نفوذه جنوبًا عبر الموانئ والاستثمار والقوة الناعمة، مع عقبات تتعلق بالتمويل والأمن والمسافات وموقف موريتانيا، فيما ربط “المجلس الأطلسي”، التحرك الجزائري بمحاولة استعادة موقعها في الساحل أمام التوسع المغربي.
وتقدم الدولتان لواشنطن مزايا مختلفة، إذ يرتبط المغرب بصورة أكبر بالمحيط الأطلسي وشبكات الاستثمار والتمويل، وتمتلك الجزائر الحدود المباشرة مع مالي والنيجر والخبرة الأمنية في الصحراء وشمال مالي.
وتفسر هذه الفوارق استمرار واشنطن في توسيع علاقتها مع الجزائر بالتوازي مع شراكتها الوثيقة مع الرباط، إذ بلغ إجمالي تجارة السلع والخدمات الأمريكية مع المغرب نحو 9.6 مليارات دولار في 2025، مقابل نحو 3.9 مليارات دولار مع الجزائر، كما ترتبط المملكة باتفاق تجارة حرة وتعاون دفاعي طويل مع الولايات المتحدة.
واقتصاديًا، تسعى واشنطن إلى توسيع حضور شركاتها في قطاعي الطاقة والمناجم، وقد فتح تعديل قانون التعدين الجزائري الذي دخل حيز التنفيذ في أغسطس/آب 2025 مجالًا أوسع للاستثمار الأجنبي، مع إمكانية وصول الملكية الأجنبية إلى 80% في بعض مشاريع الاستغلال ضمن الشراكات المطلوبة مع كيانات الدولة.
كما تناولت محادثات بولس في أبريل/نيسان 2026 موارد الغاز غير التقليدي وفرص الشركات الأمريكية في المعادن الحرجة، فيما أعطى اتفاق “شيفرون” للاستكشاف البحري مؤشرًا عمليًا على انتقال التعاون في الطاقة إلى مشاريع محددة.
أما الجزائر، فتبحث في العلاقة مع الولايات المتحدة عن رأس المال والتكنولوجيا وخيارات دفاعية إضافية وارتباط سياسي أوثق بدوائر القرار في واشنطن، إذ توفر مذكرة التعاون العسكري قناة للتدريب والتكنولوجيا والتجهيز في وقت ما تزال فيه المنظومات الروسية مكونًا رئيسيًا في قواتها المسلحة.
كما تمنح الاستثمارات الأمريكية الجزائر مصدرًا إضافيًا للتمويل والخبرة في الغاز والتعدين، فيما رفع تكرار زيارات بولس ووصول نائب وزير الخارجية الأمريكي وقائد “أفريكوم” إلى الجزائر في أبريل/نيسان 2026 مستوى الاتصال السياسي بين البلدين.
ويبقى الملف الليبي حاضرًا بوزن أقل داخل هذا التقارب، إذ ساعدت وساطة أمريكية استمرت أشهرا في الوصول خلال أبريل/نيسان 2026 إلى أول ميزانية ليبية موحدة منذ 2013 بقيمة 190 مليار دينار، ثم واصل بولس اتصالاته مع الأطراف الليبية وعواصم إقليمية بشأن توحيد المؤسسات وتقاسم السلطة.
وفي تحقيق نشرته “لوموند” في 13 سبتمبر/أيلول، برزت القاهرة وأنقرة والرياض وأبوظبي والدوحة في تحركات بولس المتعلقة بطرابلس، فيما تتركز أهمية الجزائر في أمن حدودها الطويلة مع البلاد وترابط جنوب ليبيا مع طرق السلاح والمقاتلين الممتدة نحو الساحل.
تقارب بلا اصطفاف.. إلى أين يمكن أن تصل العلاقة؟
تضع علاقة الجزائر بروسيا سقفًا واضحًا لأي توسع في التعاون مع واشنطن، إذ ظلت موسكو لعقود مصدرًا رئيسيًا للسلاح الجزائري وحافظ البلدان على شراكة سياسية ودفاعية واسعة، فيما أظهرت تطورات مالي في 2026 أن قنواتهما تتجاوز ملف التسليح.
فقد أفادت نشرة “أفريقيا إنتليجنس”، المتخصصة في الشؤون السياسية والاقتصادية الأفريقية، في 14 يوليو/تموز بأن الدبلوماسية الروسية عملت لنحو شهرين على إصلاح العلاقات بين الجزائر وباماكو، مستفيدة من اتصالات رفيعة المستوى ووساطات أفريقية لدفع مسار التطبيع.
وفي أبريل/نيسان، تحدثت “لوموند” عن أن الجزائر اقترحت على موسكو تسهيل انسحاب منظم لعناصر “أفريكا كوربس” بعد استعادة مقاتلي “جبهة تحرير أزواد” مدينة كيدال شمال مالي من الجيش المالي وحلفاؤه الروس، فيما تحدث مصدر غربي للصحيفة عن دور جزائري في تأمين الإجلاء مستفيدًا من العلاقات مع الطوارق.
وتظهر هذه الوقائع أن استعادة الجزائر جزءًا من نفوذها في مالي ترافقت مع تنسيق عملي مع روسيا، ما يمنح واشنطن شريكًا قادرًا على توسيع أدواتها في الساحل مع احتفاظه في الوقت نفسه بقنوات عمل مع موسكو.
وتحتفظ الصين بحضور اقتصادي أعمق من الحضور الأمريكي، إذ دخلت الجزائر وبكين الخطة الخمسية الثانية للتعاون الاستراتيجي الشامل بين 2022 و2026، وتشمل التجارة والطاقة والزراعة والعلوم والتكنولوجيا والفضاء والصحة.
وبلغ حجم التجارة الصينية الجزائرية 12.48 مليار دولار في 2024، منها 11.68 مليار دولار صادرات صينية، مقابل 3.9 مليارات دولار لإجمالي تجارة السلع والخدمات بين الولايات المتحدة والجزائر في 2025، وهو فارق يوضح حجم المساحة التي تسعى الشركات الأمريكية إلى دخولها في قطاعات الطاقة والمناجم والتكنولوجيا.
وتظل الصحراء الغربية أكثر ملفات الخلاف حساسية، إذ تتمسك الولايات المتحدة بدعم السيادة المغربية ومقترح الحكم الذاتي، بينما تدعم الجزائر حق تقرير المصير وجبهة البوليساريو.
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2025 منح قرار مجلس الأمن رقم 2797 المقترح المغربي وزنًا أكبر داخل الإطار التفاوضي، ثم قال نائب وزير الخارجية الأمريكي كريستوفر لانداو خلال زيارته الجزائر في أبريل/نيسان 2026 إن الجانبين يتطلعان إلى العمل معًا بشأن الملف، وهو ما يفرض على واشنطن إدارة علاقتها الاستراتيجية مع المغرب بالتوازي مع إبقاء الجزائر حاضرة في أي مسار تفاوضي بشأن النزاع.
كما تضع فلسطين حدًا سياسيًا أمام اتساع العلاقة، إذ تحافظ الجزائر على موقف رافض للتطبيع مع “إسرائيل” وتضع دعم القضية الفلسطينية في صلب سياستها الخارجية، بينما تواصل واشنطن شراكتها الاستراتيجية مع “إسرائيل”.
رغم ذلك، استمر التعاون العسكري والاقتصادي والاتصال السياسي بين واشنطن والجزائر خلال 2025 و2026، ما أبقى الخلاف حول فلسطين مؤثرًا في طبيعة العلاقة السياسية وحدود التقارب الإقليمي.
وترى دراسة نشرها “معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى” في يوليو/تموز 2025 أن مذكرة التعاون الدفاعي واللجنة العسكرية المشتركة توفران أساسًا لتوسيع تبادل المعلومات ومكافحة الإرهاب وفتح فرص أكبر أمام الشركات الأمريكية، مع حضور المنافسة الاقتصادية مع الصين في خلفية الانخراط الأمريكي.
وفي قراءة مختلفة نشرتها مجلة “منارة” التابعة لمنتدى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في جامعة كامبريدج في مارس/آذار 2026، اعتُبرت المسافة التي تحافظ عليها الجزائر عن واشنطن وابتعادها عن القواعد أو المظلات الأمنية الأمريكية مصدرًا لقيمتها لدى أطراف إقليمية لا تثق بالغرب.
تنسجم هذه القراءات مع مسار وسعت فيه الجزائر تعاونها مع الولايات المتحدة وأوروبا وتركيا والصين، وحافظت في الوقت نفسه على علاقتها بروسيا وعلى هامش واسع في إدارة الملفات الإقليمية.
وتبدو مجالات تبادل المعلومات وأمن الحدود والتدريب العسكري ومكافحة الإرهاب والأمن البحري واللجان الدفاعية المشتركة الأقرب إلى التوسع خلال المرحلة المقبلة، إلى جانب الاستثمارات الأمريكية في الطاقة والغاز والمناجم.
ويظل التحول السريع في بنية التسليح الجزائرية أو استضافة قواعد أمريكية بعيدًا عن السياسة التي اتبعتها الجزائر حتى الآن، فيما ما زال ملف المعادن في مرحلة الفرص والمباحثات مقارنة بالتقدم الأكثر وضوحًا في قطاع الطاقة.
وتختصر زيارة بولس الثالثة مسار العلاقة، إذ تتجه واشنطن إلى توسيع التعاون مع الجزائر في الأمن والطاقة والتجارة، فيما تستخدم الجزائر هذا الانفتاح لتنويع شراكاتها ومصادر الاستثمار والتكنولوجيا. وتبقى علاقاتها مع روسيا والصين، ومنافستها مع المغرب، ومواقفها في الصحراء الغربية وفلسطين، عوامل تحدد سقف هذا التقارب.