• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

“الإطاحة بالأسد ملحمة تعيد سوريا إلى سياقها التاريخي”.. حوار مع د. بشير نافع

رغد الشماط١٧ سبتمبر ٢٠٢٦

كانت لحظة تحرير دمشق لحظة استثنائية على مختلف الأصعدة، الشخصية منها وما يتعلق أيضًا بما أحدثته من تحولات متسارعة في منطقتنا، وشعرت أننا إذا أردنا أن ندرك عمق هذا الحدث فلا بد أن نقرأه ضمن سياقه التاريخي. لهذا السبب اتجهت لفتح باب الحوار مع المؤرخ الدكتور بشير نافع. من أجل فهم موقع تحرير سوريا واختلاف هذا النصر عن “انتصارات” صغيرة عاشتها أجيال سابقة أو ما بدا أنه خروج للمنطقة من النفق المظلم قبل أن يتضح أنها مجرد أوهام.

أمضى الدكتور بشير نافع سنوات في دراسة تاريخ المشرق وتشكّل دوله، وعاش، مثل كثير من أبناء جيله، سلسلة من الهزائم العربية المتلاحقة. وهو من مواليد مخيم رفح، لأسرة فلسطينية مهجرة من الفالوجة. درّس التاريخ الإسلامي وتاريخ الشرق الأوسط في كلية بيركبيك بجامعة لندن، وعمل باحثًا أول في مركز الجزيرة للدراسات. تتركز أبحاثه في تاريخ المشرق الحديث والقومية العربية والقضية الفلسطينية والحركات الإسلامية، وله مؤلفات بارزة في هذه المجالات.

في هذا الحوار، نناقش معه جذور الاختلاف بين مساري الدولة في تركيا والمشرق العربي، وإمكانية تجاوز النظام الإقليمي الذي رسخته الحرب العالمية الأولى. كما نتوقف عند فرص بناء الدولة في سوريا واستعادة تماسك المجتمع السوري، وموقع دمشق في ميزان القوة الجديد أمام الاحتلال الإسرائيلي وطهران.

أحب أن أبدأ معكم دكتور نافع من تحرير سوريا، ما هي الخواطر والأفكار التي تراودك عند رؤية دمشق اليوم، بعد سنوات طويلة من دراسة تاريخ بلاد الشام ومتابعة التطورات والأحداث المفصلية التي مرت بها بلاد المشرق؟

رغد، أنا مسكون بدمشق منذ زمن طويل؛ وكمؤرخ، أشعر كلما اتجهت للبحث في، أو الكتابة عن مسألة ما تتعلق بدمشق، أو بلاد الشام على العموم، أنني بحاجة إلى مجاهدة شاقة مع النفس لأحافظ على موضوعيتي، ومقاربتي للأمور والأحداث والشخصيات بالقدر الذي يتطلبه الحياد الضروري لعمل المؤرخ. ولكن دعيني أحاول أن أشرح بأقل درجة من التفصيل كيف أرى ما حدث في سوريا في العامين الماضيين.

إطاحة نظام الأسدين كانت بالدرجة الأولى انتصارًا للشعب السوري، وتوكيدًا لما حسبته على الدوام من أن اندلاع حركة الثورة العربية في 2011 مثّل بداية النهاية لحقبة كاملة من تاريخ المشرق، وبداية الانتقال إلى حقبة أخرى، وأنّ تعثّر حركة الثورة العربية منذ 2013 لم يعمل سوى على تأجيل عملية التغيير التاريخي، وليس توقفها. في المستوى الآخر، يمكن أن نقرأ حركة التحرير من النظام السابق باعتبارها خطوة ملحمية لإعادة سوريا إلى سياقها التاريخي الصحيح.

هذا الانتصار الكبير للشعب السوري، لإرادة نضاله المرير طوال ما يقارب العقد ونصف العقد، أصلح الانحراف باهظ التكاليف في تاريخ سوريا، الانحراف الذي أسلمها لعقود طويلة إلى حكم أقلية فاشية، معادية لموروث الشعب السوري وقيمه.

هناك سؤال يدور في ذهني كثيرًا بعد سنوات هجرتي في تركيا، ما هي العوامل التي جعلت مآلات الجمهورية التركية تختلف بشكل كبير عن مآلات واتجاهات الدول العربية، التي كانت أيضًا جزءًا من السلطنة العثمانية، سيما فيما يتعلق بطبيعة أنظمة الحكم. عاشت تركيا فترة انقلابات، ولم تولد بشكلها الحالي إلا بعد سنوات طويلة من المعاناة، لكن الدولة حتى في أشد حالاتها قسوة وسطوة لم تكن دولة فاشية بوليسية كما هي أغلب دولنا العربية؛ ولم يتطلب الانتقال إلى الديمقراطية في تركيا ثورات دموية وحروبًا أهلية.

أنا مثلك طالما لفتت انتباهي هذه المفارقة، وربما كان فشل المحاولة الانقلابية في تركيا في 2016 اللحظة التي دفعتني لمحاولة الإجابة على هذا السؤال بالغ التعقيد.

ما أحسبه أن تركيا الحديثة لم تشهد قطيعة حاسمة بين النظام العثماني والدولة الجمهورية، بينما خضعت الدول العربية المشرقية كلها تقريبًا للاستعمار الأجنبي، وجهاز الدولة فيها كان في الحقيقة صنيعة النظام الاستعماري. وهذا ما جعل البيروقراطية المدنية والعسكرية التركية أكثر عقلانية نسبيًا من نظيرتها العربية.

مؤرخو تركيا الحديثة يغفلون عن أن قرار الانتقال من حكم الحزب الواحد إلى التعددية الحزبية أُخذ بالفعل من قبل مصطفى كمال وقيادة الحزب الجمهوري في 1938، قبل شهور قليلة من وفاة مصطفى كمال. كان الرئيس التركي قد قام بجولة على عدة ولايات تركية، وعاد من جولته مغتمًا مما عاينه من أحوال المواطنين، ومن فشل الدولة الجمهورية في تحسين أحوال البلاد والنهوض بالمجتمع.

وفي اجتماع لقيادة الحزب الحاكم، توصل قادة الحزب والنظام إلى أن سبب تخلف الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية كان ثقل وطأة الدولة، الذي أحبط قدرات المجتمع على المبادرة والإبداع؛ ورأوا أن الحل لابد أن يبدأ بوضع نهاية لنظام الحزب الواحد وإقرار التعددية الحزبية.

ولكن وفاة مصطفى كمال، واندلاع الحرب الثانية، أجل عملية الانتقال إلى نهاية الحرب. وعلى الرغم من أن تركيا شهدت هي الأخرى سلسلة من الانقلابات العسكرية في الحقبة بين 1960 ومنتصف التسعينات، السافرة أو غير المباشرة، والتي وقعت في معظمها في ظل سنوات الحرب الباردة، إلا أن كافة الانقلابات انتهت سريعًا إلى العودة للحكم المدني والتعددية الحزبية.

الدولة التركية الجمهورية سعت هي الأخرى، كما نظيرتها العربية، للسيطرة والتحكم في المجتمع. ولكن التوازن بين سلطة الدولة وقوى المجتمع ظل دائمًا أكثر اعتدالًا من الوضع في معظم الدول العربية، التي شهدت، سيما بعد الاستقلال من الاستعمار المباشر، سعيًا فاحشًا لتقويض قوى المجتمع العربي، التقليدية والحديثة على السواء. الدولة التركية، مثلًا، لم تستطع إلغاء الوقف سوى لعامين أو ثلاثة في أواخر عشرينات القرن الماضي، ثم اضطرت تحت ضغط قوى المجتمع إلى العودة عن قرارها، بينما عملت معظم الدول العربية في المقابل على السيطرة على قطاع الوقف، بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

السبب الثاني، على ما أظن، أن الدولة التركية الجمهورية ولدت مسلحة بشعور عميق من الثقة بالنفس، ليس فقط لحجمها وموقعها وثقلها السكاني، ولكن أيضًا لأنها نجت من السيطرة الأجنبية، وترسب في وعيها الجمعي كونها وريثة إمبراطورية القرون الستة. الدول العربية في الجانب الآخر، وحتى بعد الاستقلال، كانت أقل ثقة بالنفس، رسمت حدودها بإرادة القوى الأجنبية، وخيم على طبقاتها الحاكمة من البداية، سواء لأسباب جيوسياسية أو اقتصادية أو ديمغرافية، الشعور بالضعف والتهديد.

أما السبب الثالث، فكان بالتأكيد زراعة دولة إسرائيل في قلب المشرق العربي، ومناخ التهديد والخطر المديد، الذي صنعته النزعة الإسرائيلية التوسعية.

تحدثت مرة عن حلب، وقلت إنها هُمّشت، وحُرمت من أسواقها في الأناضول والعراق، وأصبحت مجرد مدينة غير مركزية في جمهورية صغيرة نسبيًا، وأنها فقدت مكانتها الصناعية والاقتصادية. اليوم، هناك تعاون تركي – سوري، وآمال عريضة بإقامة مناطق صناعية على جانبي الحدود، إضافة للاتفاق التركي – السوري لإحياء خط الحجاز. هل ستغير هذه التوجهات من منطقتنا أم أنها مجرد أمنيات مضخمة وأن الحدود السياسية ستبقى عائقًا جذريًا؟

أنا اعتقدت دائمًا، وأود أن أكرر اليوم، أن نظام ما بعد الحرب العالمية الأولى الإقليمي كان أكبر كارثة حلت بشعوب المشرق وبلدانه منذ الفتوحات الإسلامية. ثمة تاريخ طويل من الهجرات العشائرية والانزياحات السكانية، من التزاوج والترابط والتحالف، من التجارة وانتقال أعمال الحرف والصناعات، من حركة العلماء والمذاهب والمتصوفة والحجيج، التي صنعت معًا هذا المشرق الممتد من البحر الأسود إلى خليج عدن ومن أصفهان إلى القاهرة.

وخلف ذلك كله، نحن جميعًا أبناء مواريث إمبراطورية إسلامية، تراكمت طبقة منها وراء الأخرى، منذ ما يزيد عن ألف وأربعمائة عام. بسقوط النظام العثماني، وصناعة الدول القومية الحديثة، ورسم حدود عشوائية فاصلة بين هذه الدول، فرض علينا جميعًا التخلي عن المواريث الإمبراطورية التي بنت تاريخنا واقتصادنا وأنماط اجتماعنا، ورؤيتنا لأنفسنا وللعالم.

بعد ما يزيد عن القرن من الحياة تحت وطأة نظام ما بعد الحرب الأولى الإقليمي، ثمة وعي متزايد، بين العرب والأتراك والأكراد، وربما حتى بين الإيرانيين، بأنه ليس ثمة مخرج من حالة فقدان الاستقرار والتدافعات البينية المستمرة والعجز عن تحقيق أهداف النهوض الاقتصادي والاجتماعي، بدون محاولة تجاوز العواقب الثقيلة لنظام ما بعد الحرب الأولى.

وهذا في ظني ما يدفع اليوم إلى عودة مشاريع طرق التجارة من ساحل الخليج إلى الساحل السوري، وخطوط سكك الحديد من إسطنبول إلى جدة، ومن البصرة إلى ساحل تركيا على المتوسط، وتوجهات إحياء خطوط أنابيب النفط بين العراق وتركيا، وبين العراق وسوريا، وربما حتى التفكير بخط نقل الغاز بين قطر وسوريا.

وهذا كله يجري في ظل حالة حرب مستمرة منذ ثلاث سنوات، طالت كافة دول المشرق، بصورة أو أخرى. بمعنى، أننا نعيش صراعًا محتدمًا بين القوى التي تعمل على إبقاء نظام التجزئة والتدافعات البينية، والقوى التي تسعى إلى تجاوز كارثة المئة عام الأخيرة. وما أنا على يقين منه، أن القوى الأخيرة هي من ستفرض إرادتها في النهاية.

 هل ترى أن التغيير في دمشق اليوم هو فعلًا خطوة متقدمة نحو ازدهار المجتمع السوري، أم سيكون مجرد مرحلة أخرى من سياق متكرر لتغيير في شكل السلطة؟ ما الذي يجعل التحول هذه المرة مختلفًا عن الوضع بعد الاستقلال مثلًا؟

نعم، أنا اعتقد أن منعطف التغيير الكبير الذي تحقق في ديسمبر/ كانون أول 2024 يفتتح مرحلة من الحرية والازدهار والنهوض، على كافة الأصعدة، سياسيًا وثقافيًا واقتصاديًا واجتماعيًا. ليس من الواضح بعد طبيعة النظام السياسي الذي يمكن أن ينشأ في سوريا الجديدة، وليس ثمة مؤشرات على أن حوارًا قد انطلق فعلًا حول الدستور والنظام السياسي.

ولكني اعتقد أن مثل هذا الحوار لن يتأخر كثيرًا، وأن السوريين سيهتدون في النهاية إلى التصور المناسب للدولة، لنظام الحكم، ولكل ما يتبع ذلك من أنظمة اقتصاد وعدالة وقانون وتعليم، وعلاقات خارجية.

ما تشيرين إليه من أن سوريا منذ ما بعد الاستقلال عانت طويلًا من الاضطراب وفقدان البوصلة والانتقالات القسرية من مرحلة إلى أخرى، هو صحيح بالتأكيد. ولكن المؤكد، أيضًا، أن سوريا الجديدة على وعي بدروس هذا التاريخ. كما أن حجم النخبة السورية، قد اتسع إلى حد غير مسبوق؛ وبفعل سنوات الثورة الطويلة والهجرات واللجوء، راكمت هذه النخبة من التجارب الغنية، ومن المقدرات الثقافية والسياسية والاقتصادية. وهذا كله سيصب في طريق النهوض بالبلاد. لم يعد ممكنًا العودة بسوريا إلى ما كانت عليه.

عند النظر لبنية المجتمع السوري خلال الخمسة عشر عامًا الأخيرة سنرى مشهدين متناقضين، يؤشر التركيز على كل منهما إلى طريق مختلف نحو المستقبل: يتعلق المشهد الأول بحالة تفكك المجتمع وتشتته وانقساماته، ويتعلق الثاني بآلاف السوريين الذين مروا بتجارب جديدة وتعلموا واكتسبوا خبرات. أيهما، من وجهة نظرك، سيكون الأكثر تأثيرًا في مستقبل البلاد؟

الثاني بالتأكيد. التفكك والانقسام هو ظاهرة، أو مرحلة عابرة. وكان بدرجة كبيرة، وليد الدولة الحصرية الفاشية ذات البعد الواحد، ووليد أنظمة القمع والسيطرة التي قادت الدولة، سيما في الحقبة منذ أوائل الستينات. بسقوط النظام السابق، وتحرك البلاد نحو حل قضايا الأقليات، وإفساح المجال العام لأصوات متنوعة، وتغيير طبيعة العلاقة بين الدولة وجماعات المجتمع السوري، سيبدأ المجتمع في استعادة وشائجه وتماسكه.

ولكن هذا لن يحدث بين يوم وليلة، وسيظل مشروطًا بمقدار تحقق الإجماع السوري حول مستقبل البلاد السياسي، وتقدم مساعي بناء السلم الأهلي، وعودة الاقتصاد السوري إلى النهوض، واستقرار علاقات سوريا مع جوارها العربي والإسلامي.

هل يمكن أن نقول إن سوريا تجاوزت المرحلة الأخطر من اختبار السلم الأهلي بنجاح؟ وهل ترى أن “مجتمع المنتصرين” تعامل مع الإرث الثقيل من المجازر والانتهاكات والطائفية بمنطق الدولة، ومن منطلق القوة والسيادة، أم إنه لم يدرك موقعه بعد كتيار رئيسي ولم يزل يتصرف بمنطق طائفي ضيق؟

نعم، سوريا تجاوزت المرحلة الأخطر في إعادة بناء السلم الأهلي. أحداث الشهور الستة الأولى من العام الماضي في منطقة العلويين والسويداء كانت بلا شك أحداثًا مؤلمة، بالغة الألم. ولكن إن نظرنا إليها من زاوية السياق التاريخي الأطول، فربما يمكن أن ترى باعتبارها مظهرًا لتسوية حسابات اجتماعية، مؤلمة هي الأخرى، ترسبت بفعل عقود من القمع والاضطهاد وتدمير النسيج الاجتماعي.

وربما يمكن قراءة العقلانية الفائقة التي جرى بها التعامل مع الإدارة الذاتية في الجزيرة وشمال شرقي البلاد باعتبارها مؤشرًا واضحًا على النضج السريع لنظام الحكم الجديد. ولكن أحدًا لا يمكنه الآن توقع الخيارات التي ستذهب إليها سوريا لبناء الدولة وطبيعة نظام الحكم. هذه رحلة طويلة نسبيًا، ولابد أن تنطلق من حوار سوري واسع النطاق، حوار تشارك فيه الأغلبية السورية، أغلبية الجماعات وأغلبية القوى السياسية.

قلتَ مرة إن “إسرائيل” خسرت سوريا بعد التحرير، بينما نرى أن “إسرائيل” منذ أحداث 7 أكتوبر/ تشرين أول تسعى بفائض القوة التي تملكها لرسم واقع مختلف في الإقليم؛ كما تتردد تكهنات بأن القيادة الحالية في سوريا تعلم أن الحرب قادمة لا محالة. كيف ترى هذا الأمر؟ هل يمكن أن تكون هناك اتفاقية أمنية قابلة للحياة بين سوريا الجديدة و”إسرائيل”؟

قلتُ إنّ “إسرائيل” خسرت سوريا، ليس لأني اتهم النظام السابق بالعمالة لـ”إسرائيل”. لا، لم يكن كذلك. ولكن النظام السابق، ككافّة أنظمة الحكم الديكتاتورية العربية، أنظمة حكم الأقليات، الطائفية أو السياسية أو الاجتماعية، كان يتعامل مع إسرائيل من منطلق مصلحة النظام نفسه، متطلبات بقائه واستمراره. عندما يعود الحكم والقرار إلى عموم الشعب، سواء في سوريا أو في غيرها من الدول العربية، تخسر “إسرائيل” بالتأكيد.

أما على مستوى مستقبل العلاقة بين سوريا و”إسرائيل”، فينبغي أن نحاول تلمس هذا المستقبل من خلال التجربة التاريخية، أولًا، ومن خلال أثار حرب الثلاثة أعوام، المستمرة منذ أكتوبر/ تشرين أول 2023، التي هي أطول الحروب التي شهدها المشرق منذ الحرب الأولى.

تاريخيًا، إسرائيل هي دولة طارئة على المشرق العربي – الإسلامي، غريبة على مواريثه وقيمه، وهي دولة توسعية بطبيعتها. والواضح، أن حربًا مع إسرائيل في هذه المرحلة، ولأسباب لا تخفى، لن تكون لمصلحة سوريا. ربما يمكن بالفعل التوصل إلى اتفاقية أمنية بين الدولتين، قد تستمر لعام أو عدة أعوام، ولكن طبيعة “إسرائيل” التوسعية ستؤدي في النهاية إلى سقوط هذه الاتفاقية، والدخول من ثم إلى مرحلة جديدة من التدافع والصراع.

والمؤكد، على أية حال، أن “إسرائيل”، وبالرغم من فائض القوة الذي تتمتع به، أخفقت في تحقيق أهدافها الرئيسة من حرب الأعوام الثلاثة؛ بمعنى، أنها أخفقت في إحداث التغيير الذي تسعى إليه في محيطها العربي – الإسلامي. على العكس من ذلك، ثمة ميزان قوى يتشكل في الإقليم، ببطء وحذر وشيء من التردد، ليس لمصلحة “إسرائيل”. وسوريا هي إحدى الحلقات الضرورية لميزان القوة الجديد.

يعتقد مراقبون عرب أن مستقبل بلاد المشرق لابد أن يرتكز إلى تحالف عربي تركي فارسي. فهل ترى أن النظام الإيراني يستطيع بالفعل تجاوز طبيعته الطائفية، ويذهب إلى تحالف مع العرب والأتراك بناء على أهداف استراتيجية مشتركة، وشراكات متوازنة؟

أنا أتمنى أن يتجاوز النظام الإيراني طبيعته الطائفية، وعزلته الطويلة، الممتدة منذ أوائل العهد الصفوي، عن جواره العربي – الإسلامي. والمؤكد أن استقرارًا شاملًا ومديدًا في المشرق العربي – الإسلامي، سيصعب تحقيقه بدون بناء نظام أمني إقليمي يضم إيران، أيضًا. والمقصود هنا المعنى الشامل للأمن. ولكن هل يبدو هذا ممكنًا، أو متوقعًا في المدى المنظور؟

الحقيقة، أنني لا أعرف. ما أعرفه، أن من الضروري أن تبادر النخب العربية والتركية إلى إقامة صلات بنظيراتها الإيرانية، وأن تحاول دفع إيران إلى التحقق من أن مصالحها لا يمكن فصلها عن مصالح شعوب ودول الإقليم الأخرى، وأن مصيرها لا يمكن أن ينفصل عن مصير شعوب ودول الإقليم. وحتى هذا، ربما لن يكون كافيًا قبل إقناع إيران، بطريقة أو أخرى، أن مشروع التوسع الإقليمي قد أخفق، وأخفق بصورة قاطعة.

علاماتأهداف الثورة السورية ، الثورة السورية ، الدكتور بشير نافع ، الشأن السوري ، المشرق
مواضيعالشأن السوري ، حوارات نون بوست ، سوريا ، سوريا حرة

قد يعجبك ايضا

سياسة

حرب بصور مزيفة.. كيف يغزو الذكاء الاصطناعي الانتخابات الإسرائيلية؟

خالد أصلان١٧ سبتمبر ٢٠٢٦
سياسة

جرف الصخر.. صندوق أسرار العراق أم إيران؟

إياد الدليمي١٧ سبتمبر ٢٠٢٦
سياسة

من الظهران إلى “كوينسي”: القصة التي جلبت أمريكا إلى الشرق الأوسط

مصطفى علي١٦ سبتمبر ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑