تحولت القاهرة خلال الأيام القليلة الماضية إلى مركز لحراك سياسي وأمني مكثف، ومحطة لزيارات ذات طابع استراتيجي من جانب عدد من حلفائها الإقليميين والدوليين، في توقيت بالغ الحساسية تتقاطع فيه عدة ملفات ساخنة، على رأسها التصعيد السعودي–الحوثي في ظل تداعيات التوتر الأمريكي–الإيراني، وما يرتبط بذلك من انعكاسات مباشرة على أمن البحر الأحمر، وحركة الملاحة الدولية، وأسواق الطاقة العالمية، وسلاسل الإمداد.
في هذا السياق، استقبلت القاهرة في 20 سبتمبر/أيلول الجاري مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية جون راتكليف، حيث أجرى مباحثات مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، بحضور مدير جهاز الاستخبارات العامة المصرية، تناولت عددًا من القضايا الإقليمية، وفي مقدمتها تطورات الملف اليمني، والتصعيد الحوثي، وأمن الملاحة في البحر الأحمر.
تكتسب هذه الزيارة أهمية خاصة بالنظر إلى توقيتها، إذ جاءت بعد خمسة أيام فقط من زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى القاهرة، والتي تصدرت خلالها التطورات اليمنية والهجمات الحوثية المتكررة ضد أهداف ومصالح سعودية حساسة أجندة المباحثات، في ظل انتقال تداعيات تلك الهجمات من نطاق التهديد الأمني المباشر إلى التأثير على أمن الطاقة والاستقرار الاقتصادي وحركة التجارة الإقليمية.
كما سبقت زيارة ولي العهد السعودي إلى القاهرة بساعات قليلة مباحثات جمعته في الرياض بقائد القيادة المركزية الأمريكية الأدميرال براد كوبر، في مشهد يعكس حراكًا سعوديًا مكثفًا لتوسيع دوائر التنسيق الإقليمي والدولي، وبحث ترتيبات أكثر فاعلية للتعامل مع التهديدات الحوثية المتصاعدة وتداعياتها الأمنية والاستراتيجية.
هذا التزامن بين التحركات السعودية والأمريكية في القاهرة، والتي لا يمكن فصلها عن بعضها البعض، فتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول طبيعة الدور المصري المتوقع في المرحلة المقبلة، خاصة مع تصاعد النقاشات بشأن إمكانية انخراط القاهرة بصورة أكبر في مواجهة الحوثيين، ووصول بعض الطروحات إلى حد الحديث عن احتمال التدخل العسكري المصري المباشر في اليمن.
خاصة مع التداعيات التي خلفها التصعيد الحوثي على حركة الملاحة وقناة السويس والمصالح الاقتصادية المرتبطة بها.. فهل يمثل الرهان على انخراط عسكري مصري مباشر في المشهد اليمني رهانًا واقعيًا في ضوء التجارب التاريخية وأبجديات المقاربة المصرية إزاء هذا الملف تحديدًا؟
حسابات الرياض وواشنطن
تواجه السعودية منذ اندلاع الحرب الأمريكية–الإيرانية في فبراير/شباط الماضي وضعًا إقليميًا بالغ التعقيد، حيث تتقاطع التهديدات الأمنية المباشرة مع المخاطر الاقتصادية والاستراتيجية، فمن ناحية، تواجه الرياض تحديات تمس أمنها القومي بفعل الهجمات الحوثية، ومن ناحية أخرى تتعرض مصالحها الاقتصادية والطاقوية لضغوط متزايدة، خاصة مع استهداف منشآت نفطية حيوية ومكونات مرتبطة بالبنية التحتية لشركة أرامكو.
تزداد صعوبة المشهد بالنسبة للرياض مع تهديد وتعطل أهم ممرين بحريين يرتبط بهما تصدير الطاقة؛ إذ يمثل مضيق هرمز ورقة ضغط مرتبطة بالنفوذ الإيراني، بينما يشكل باب المندب ساحة نفوذ حوثية مؤثرة على حركة الملاحة في البحر الأحمر، بما يجعل أمن الصادرات والطاقة جزءًا من معادلة أمنية أوسع تتجاوز الحدود السعودية.
أما أمريكا، فعلى الرغم من حرصها على حماية حرية الملاحة الدولية، وتأمين تدفقات الطاقة، والحفاظ على استقرار سلاسل الإمداد في الشرق الأوسط، فإنها في الوقت ذاته تبدو حريصة على تجنب الانخراط العسكري المباشر في الساحة اليمنية، وهو ما كشفت عنه “نيويورك تايمز” حين أشارت إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رفض طلبا سعوديا بالانخراط عسكريا في اليمن في الوقت الذي يفتح معها قنوات اتصال دبلوماسية عبر مسقط.
في ظل هاتين المقاربتين، تجد السعودية نفسها بحاجة إلى شبكة دعم إقليمية ودولية تمنع تحول المواجهة مع الحوثيين إلى عبء منفرد، بينما تسعى واشنطن إلى مقاربة تحقق أهدافها الأمنية بأقل تكلفة ممكنة، عبر أدوات الضغط السياسي والدعم الاستخباراتي والترتيبات الأمنية، دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة.
وفي المساحة الفاصلة بين الحسابات السعودية والأمريكية، تبرز القاهرة كمحطة رئيسية للتشاور السياسي والأمني؛ فهي من جهة حليف استراتيجي تاريخي لواشنطن، ومن جهة أخرى شريك وثيق للرياض، فضلًا عن امتلاكها موقعًا جيوسياسيًا يجعلها طرفًا محوريًا في معادلة أمن البحر الأحمر وشرق المتوسط.
كما أن إشراف مصر على قناة السويس، أحد أهم ممرات التجارة والملاحة الدولية، يمنحها مصلحة مباشرة في استقرار البحر الأحمر، ويؤهلها للقيام بدور مؤثر في إدارة تداعيات الأزمة، سواء عبر التنسيق الأمني والاستخباراتي، أو دعم المسارات الدبلوماسية، أو المساهمة في ترتيبات حماية الملاحة، دون أن يعني ذلك بالضرورة انتقالها إلى خيار الانخراط العسكري المباشر.
الخيار العسكري في المقاربة المصرية
تستند المقاربة المصرية تجاه الملف اليمني على مدار سنوات طويلة إلى مجموعة من الثوابت الاستراتيجية، في مقدمتها الحفاظ على وحدة الدولة اليمنية وسيادتها وسلامة أراضيها، ورفض أي ترتيبات قد تقود إلى تكريس الانقسام الجغرافي أو تحويل اليمن إلى ساحات نفوذ متنافسة بين قوى مسلحة متعددة.
وعليه تواصل القاهرة دعم مؤسسات الدولة اليمنية والحكومة المعترف بها دوليًا، مع التأكيد في الوقت ذاته على أن الأزمة اليمنية لا يمكن اختزالها في مواجهة عسكرية مع الحوثيين، انطلاقًا من رؤية تعتبر أن تعقيدات المشهد اليمني تتجاوز البعد العسكري، وأن أي تسوية مستقرة تتطلب معالجة سياسية شاملة لأبعاد الصراع الداخلية والإقليمية.
ومن هذا المنطلق، تميل الرؤية المصرية إلى اعتبار المسار السياسي الخيار الأكثر واقعية لإنهاء الأزمة، بعيدًا عن الرهان على الحلول العسكرية وحدها، كما تحرص القاهرة على الفصل بين مسار التسوية السياسية داخل اليمن وبين ملف أمن البحر الأحمر، باعتبار أن حرية الملاحة في هذا الممر الحيوي تمثل مصلحة استراتيجية مشتركة تتجاوز أطراف الصراع المحلي، ولا ينبغي أن تتحول إلى ورقة ضغط أو أداة تفاوضية مرتبطة بتوازنات الحرب.
غير أن هذه المقاربة تواجه اختبارًا أكثر تعقيدًا في ظل التحولات الأخيرة في البيئة الإقليمية، إذ لم تعد تداعيات الأزمة اليمنية محصورة داخل حدودها، بل امتدت لتؤثر بصورة مباشرة على أمن البحر الأحمر وباب المندب، وعلى مصالح الدول الأكثر ارتباطًا بهذا المجال الحيوي، في مقدمتها مصر والسعودية.
ومن هنا تبرز تساؤلات متزايدة حول طبيعة الدور المصري المحتمل في المرحلة المقبلة، خاصة في ضوء الحراك السياسي والأمني المتصاعد من جانب حلفاء القاهرة في الرياض وواشنطن، فبينما ظل الدور المصري تاريخيًا قائمًا على الأدوات الدبلوماسية والسياسية، مدعومًا بالتنسيق الأمني والاستخباراتي، يطرح تصاعد التهديدات تساؤلات حول ما إذا كانت التطورات الحالية قد تدفع نحو إعادة تقييم حدود هذا الدور، أو الانتقال إلى مستويات أكثر انخراطًا في المشهد اليمني على رأسها التدخل العسكري المباشر.
التاريخ يقول كلمته
يحمل تاريخ الانخراط العسكري المصري في اليمن تجارب شديدة القسوة، حيث اصطدمت محاولات التدخل عبر مراحل مختلفة بتعقيدات الجغرافيا اليمنية، وتشابكات البنية القبلية، وصعوبة تحويل التفوق العسكري إلى نتائج سياسية مستقرة، ولهذا ظلت التجربة اليمنية حاضرة في الذاكرة المصرية، وتعود إلى الواجهة كلما أُثير النقاش حول احتمالات مشاركة عسكرية مصرية جديدة في هذا البلد.
ولا تبدأ هذه التجارب من الحقبة الناصرية فقط كما يذهب كثيرون، بل تمتد إلى محاولات أقدم بكثير؛ إذ شهد عهد الإمبراطور الروماني أكتافيوس (27 ق.م – 14 م) أولى المحاولات الكبرى عندما قاد والي مصر إيليوس جالوس حملة رومانية باتجاه جنوب الجزيرة العربية، انتهت بالفشل أمام صعوبة التضاريس اليمنية وقسوة البيئة العملياتية التي أرهقت القوات المشاركة.
لكن تبقى تجربة ستينيات القرن العشرين هي الأكثر حضورًا وتأثيرًا في الحسابات المصرية الحديثة، عندما تدخلت القاهرة عسكريًا عقب ثورة 1962 في اليمن لدعم النظام الجمهوري، ومع امتداد العمليات، تحولت المهمة إلى حرب استنزاف طويلة واجهت خلالها القوات المصرية بيئة معقدة، وتكبدت خسائر بشرية ومادية كبيرة، قبل أن تنعكس تداعيات هذا الاستنزاف على قدرة الجيش المصري في مواجهة تحدياته الاستراتيجية الكبرى وصولًا إلى حرب يونيو/حزيران 1967.
منذ ذلك الحين، أصبحت التجربة اليمنية أحد أبرز العوامل المؤثرة في تطور التفكير العسكري المصري، ورسخت قناعة بأهمية تجنب الانخراط في حروب مفتوحة خارج الحدود إلا ضمن حسابات دقيقة ومحددة، ولذلك اتجهت العقيدة العسكرية المصرية إلى إعطاء الأولوية لحماية الأمن القومي المباشر، مع تفضيل أدوات الردع والتنسيق الأمني والعمليات النوعية المحدودة بدل الدخول في صراعات طويلة ذات تكلفة مرتفعة وغير مضمونة النتائج.
هل يختلف يمن اليوم عن الستينيات؟
تذهب بعض القراءات إلى أن اليمن اليوم يختلف بصورة كبيرة عن اليمن في ستينيات القرن الماضي، وأن أي انخراط مصري محتمل في المرحلة الراهنة سيكون قائمًا على خبرات الماضي، بما يقلل احتمالات تكرار الأخطاء التي صاحبت التجربة السابقة، فاختلاف طبيعة الصراع، وتطور أدوات الحرب، وتغير البيئة الإقليمية قد يمنح أي تحرك جديد حسابات مختلفة عن تلك التي حكمت تجربة الستينيات.
غير أن هذه الرؤية تصطدم بطبيعة الواقع اليمني شديد التعقيد، الذي لا يبدو أقل صعوبة مما كان عليه في الماضي، بل ربما أصبح أكثر تشابكًا، فالجغرافيا اليمنية تظل العامل الأكثر تحديًا أمام أي قوة خارجية، بما تتضمنه من مساحات واسعة، وتضاريس جبلية وعرة، وتعدد لمراكز القوى المحلية، وهي عوامل تجعل أي تدخل بري أو محاولة فرض سيطرة عسكرية عملية بالغة الصعوبة ومرتفعة التكلفة.
كما أن طبيعة جماعة الحوثيين تضيف بعدًا آخر إلى معادلة المواجهة، فهم ليسوا جيشًا نظاميًا تقليديًا يمكن حسم المعركة معه عبر التفوق في التسليح أو السيطرة على مواقع عسكرية، وإنما حركة مسلحة تمتلك خبرة طويلة في نمط القتال غير النظامي، وتعرف كيفية العمل داخل البيئة الجبلية المعقدة، إلى جانب امتلاكها قدرات صاروخية وطائرات مسيرة تتناسب مع طبيعة الصراع وتمنحها أدوات ضغط تتجاوز حجمها العسكري التقليدي.
ولا يمكن فصل أي انخراط عسكري محتمل في اليمن عن البعد الإقليمي الأوسع، فالمواجهة لن تُقرأ باعتبارها عملية عسكرية ضد الحوثيين فقط، وإنما قد تتداخل مع شبكة أكبر من التوازنات والصراعات المرتبطة بإيران، وأمن البحر الأحمر، وحماية الممرات البحرية الحيوية، ومن ثم فإن أي قرار مصري بالانخراط المباشر سيظل مرتبطًا ليس فقط بحسابات الميدان اليمني، وإنما أيضًا بتقدير أوسع لتداعياته الإقليمية والاستراتيجية.
هل تغير التهديدات حسابات القاهرة؟
في ضوء هذه المعطيات، يبدو خيار الانخراط العسكري المصري المباشر في اليمن مسارًا بالغ الصعوبة وفق الحسابات الراهنة، إلا أن ذلك لا يعني استبعاده بصورة مطلقة. فهناك من يرى أن تصاعد الهجمات الحوثية على الملاحة والمنشآت الحيوية في المنطقة، وما تحمله من تداعيات على الأمن المصري والإقليمي، قد يدفع القاهرة إلى إعادة تقييم مستوى انخراطها إذا تجاوزت التهديدات حدودها الحالية.
لكن الحسابات المصرية لا تُبنى فقط على حجم الخطر القائم، وإنما تنطلق من سؤال أكثر تعقيدًا يتعلق بمآلات أي تدخل عسكري محتمل؛ فالمعيار الأساسي ليس القدرة على الدخول إلى ساحة الصراع، وإنما مدى قدرة هذا التدخل على خفض مستوى التهديد أو احتمالية تحوله إلى انخراط طويل الأمد في مواجهة مفتوحة ذات كلفة سياسية وعسكرية واقتصادية مرتفعة.
وفي ظل الضغوط الاقتصادية الراهنة، واعتبارات الأمن القومي، وحسابات تكلفة الحروب الممتدة، تبدو القاهرة أكثر ميلًا إلى توظيف أدوات بديلة تحقق أهدافها دون الدخول في مواجهة مباشرة، من خلال تعزيز التعاون الاستخباراتي وتبادل المعلومات مع الشركاء الإقليميين والدوليين، ودعم أمن البحر الأحمر، إلى جانب استخدام أدواتها الدبلوماسية والسياسية بحكم علاقاتها المتوازنة مع مختلف الأطراف الفاعلة في الأزمة.
ومن ثم، فإن الرهان على انخراط عسكري مصري مباشر في اليمن خلال المرحلة الراهنة يبدو رهانًا يفتقر إلى قراءة كاملة لطبيعة الحسابات المصرية والدروس التاريخية المستفادة من التجارب السابقة، ومع ذلك، فإن استبعاده بشكل نهائي يبقى غير دقيق؛ إذ قد تعيد القاهرة حساباتها إذا تغيرت المعادلة وأصبحت كلفة عدم التدخل أكبر من كلفة الانخراط.
وفي المحصلة يبقى السؤال الأهم أمام صانع القرار المصري ليس مجرد إمكانية إرسال قوات إلى اليمن، وإنما ما الهدف السياسي والعسكري من هذا التدخل، وما الإطار الزمني لإنهائه، وكيف يمكن ضمان عدم تحول المهمة إلى استنزاف طويل يعيد مرارة تجربة الستينات مرة أخرى.