ترجمة وتحرير: نون بوست
غابت شمس الهيمنة الأمريكية عن الشرق الأوسط إذ لم تكن الحرب على إيران مجرد مواجهة عسكرية، بل كانت رصاصة الرحمة على معادلة النفوذ الإقليمي التي استقرت لثلاثة عقود منذ عام 1991. وقد أثبت الفشل الأمريكي والإسرائيلي في إزاحة النظام الحاكم في طهران إفلاس عقود من العقوبات والعنف. كما أن عجز الولايات المتحدة عن حماية حلفائها في الخليج من الهجمات الإيرانية، أو عن إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً، قوّض بشكل قاتل جوهر التفاهم الأمني الذي برّر شبكة القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة. أما النهج الإسرائيلي المتزايد في التهديد، وتخليه عن أي تظاهر بالاهتمام بالتوصل إلى تسوية مع الفلسطينيين، فقد أنهيا مهمة واشنطن الممتدة لعقود، والمتمثلة في جمع حلفائها العرب وإسرائيل ضمن شراكة أمنية دائمة.
كان الهدف الرئيسي للولايات المتحدة على مدى ثلاثة عقود ونصف هو إحكام ربط حلفائها المتباينين ضمن نظام يقوم على حماية إسرائيل، مع احتواء إيران والعراق في البداية، ثم إيران وحلفائها من غير الدول في مرحلة لاحقة. ولم تكن حرب الرئيس دونالد ترامب خروجاً عن هذه الاستراتيجية، بل دفعت بها إلى مآلها المنطقي، إذ سعت إلى إزالة التهديد الإيراني بالقوة دفعة واحدة.
وكما فعل القادة الأمريكيون قبل غزو العراق عام 2003، وكما فعلت إسرائيل في حروبها ضد حزب الله وحماس، بالغ مهندسو هذه الحرب إلى حد كبير في تقدير ما يمكن للقوة العسكرية أن تحققه، وقللوا من قدرة خصومهم على التكيف، وافترضوا أن الحلفاء سينصاعون لمواقفهم، وتجاهلوا بلا اكتراث أرواح الناس العاديين. ولم تكن مغامرة واشنطن في الشرق الأوسط مجرد انحراف عابر عن نهجها، بقدر ما كانت التعبير الأقصى عن الخلل المتأصل في استراتيجيتها تجاه الشرق الأوسط.
في البداية، قد لا يبدو أن الحرب أحدثت تأثيراً كبيراً في التحالفات التي يقوم عليها النظام الأمريكي. فدول الخليج، في مواجهة حرب لم تُحسم وفي ظل إيران أكثر قوة، قد تزيد مشترياتها من الأسلحة وتكثف مطالبها بالحصول على ضمانات أمنية متجددة، بما يخلق وهماً باستمرار الوضع القائم. لكن النظام القديم يفسح المجال بالفعل أمام نظام جديد.
تُذكر أزمة السويس عام 1956 اليوم باعتبارها النفس الأخير للقوة الإمبراطورية البريطانية والفرنسية في الشرق الأوسط، لكن الأمر استغرق سنوات قبل الوصول إلى تلك النهاية الحتمية. ولن تختفي الهيمنة الأمريكية فوراً هي الأخرى، غير أن الشكوك المتراكمة منذ سنوات طويلة بشأن القوة الأمريكية وغاياتها تجاوزت بالفعل نقطة التحول. وقد أدت الحقائق التي كشفت عنها الحرب على إيران، وكذلك الحرب الإسرائيلية على غزة التي سبقتها، إلى تغيير حسابات حلفاء الولايات المتحدة وخصومها على حد سواء. ولن تتمكن جولة جديدة من القتال أو انتخاب رئيس أمريكي مختلف من إصلاح هذا الشرخ.
وتنذر السنوات المقبلة بمزيد من الخلافات والاضطرابات. فإسرائيل وإيران لديهما مصلحة مشتركة في إبقاء الشرق الأوسط في حالة من انعدام القانون والعنف، ولا تمتلك الولايات المتحدة سوى وسائل محدودة لكبح أي منهما. وتأمل إسرائيل في توسيع حدودها الفعلية، بما في ذلك ضم أكبر قدر ممكن من فلسطين التاريخية، وفرض إرادتها بالقوة على مساحات شاسعة من المنطقة. وبافتراض أن النظام الإيراني لن ينهار في المستقبل القريب — وهو أمر يبدو مستبعداً للغاية — فإن طهران، وقد ازدادت جرأة، ستسعى إلى الدفاع عن نفوذها الإقليمي وتوسيعه، من خلال إغراق واشنطن في أنماط الصراعات الممتدة بلا نهاية، والتي لا تعترف بحدود واضحة، أو ما يُعرف بصراعات «المنطقة الرمادية»، وهي الصراعات التي لطالما ازدهرت فيها.
ومع ذلك، إذا كانت الولايات المتحدة مستعدة أخيراً للتخلي عن استراتيجيتها الفاشلة، فإن انهيار نظام قائم قد يتيح فرصة لبناء نظام جديد وأفضل. ولا شك أن الظروف بعيدة كل البعد عن المثالية. فعلى الرغم من أن معظم قادة المنطقة وشعوبها يتوقون بشدة إلى فترة من الهدوء بعيداً عن الضربات العسكرية والاضطرابات الاقتصادية، فإنهم يشعرون أيضاً باستياء عميق تجاه واشنطن بسبب جرّهم إلى هذه الكارثة. لكن التخلي عن سياسة دعم الحكام المستبدين، ومنح الحلفاء حصانة من المحاسبة، واحتواء الخصوم عسكرياً، قد يتيح للولايات المتحدة الانخراط مع المنطقة بطريقة أكثر صحة وتوازناً؛ وهي مقاربة يمكن أن تفضي في نهاية المطاف إلى الاستقرار المستدام الذي لطالما ادعت واشنطن أنها تسعى إليه.
تصدعات في الأساس
على مدى عقود طويلة، بعد الحرب العالمية الثانية، كانت طموحات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط تحددها منافستها العالمية مع الاتحاد السوفيتي، وهو ما منح واشنطن اهتماماً يفوق حجمها بالسياسة الإقليمية، لكنه جعلها في الوقت نفسه حذرة من التدخل العسكري المباشر. أما النظام القائم في الشرق الأوسط، والذي أرساه حكم إدارة جورج بوش الأب بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وتحرير الكويت من الاحتلال العراقي خلال حرب الخليج عامي 1990 و1991، فقد قام على الهيمنة الأمريكية. وأمام فرصة تاريخية لإحكام سيطرة بلا منازع على منطقة لطالما كانت موضع تنافس، جعلت واشنطن نفسها طرفاً لا غنى عنه، من خلال إقامة قواعد عسكرية وترتيبات أمنية لاحتواء العراق وإيران. وقد أسهم دعمها العسكري والسياسي في بقاء جميع أنظمة المنطقة تقريباً.
ولتضفي الشرعية على دورها بوصفه أكثر من مجرد هيمنة افتراسية، أطلقت واشنطن عملية السلام العربية الإسرائيلية أملاً في دمج حلفائها العرب وإسرائيل ضمن إطار أمني مشترك. وكانت النتيجة منطقة منقسمة بين محور تقوده الولايات المتحدة ويضم إسرائيل وتركيا وجميع الدول العربية تقريباً، ومحور آخر أقل رسمية يضم إيران وسوريا في ظل حكم عائلة الأسد، إلى جانب جهات من غير الدول مثل حماس وحزب الله والحوثيين. وظل هذا الهيكل على حاله بصورة لافتة على مدى ثلاثة عقود، رغم التحولات الهائلة التي شهدتها السياسة العالمية والإقليمية والأمريكية.
وبحسب الرواية الأمريكية، أتاح هذا النظام قدراً من الاستقرار، مع حماية المصالح الأمريكية الأساسية، مثل تجارة النفط وأمن إسرائيل ومكافحة الإرهاب. وفي جوانب كثيرة، كان ذلك صحيحاً بالفعل. فلم تواجه إسرائيل تهديداً من دولة أخرى أو تخض حرباً ضد قوة ندّ لها منذ عام 1973، وربما دفعها ذلك إلى التقليل من حجم التحدي الذي ينطوي عليه مهاجمة إيران. كما تعاونت الدول العربية مع إسرائيل ضد أعدائهما المشتركين، رغم غياب حل عادل للصراع الإسرائيلي الفلسطيني. وبوجه عام، ظل النفط يتدفق بصورة منتظمة وبأسعار معقولة. ولم تتحدَّ أي قوة عظمى منافسة الهيمنة الأمريكية بشكل جدي، ولا حتى الصين، التي اكتفت بالابتعاد عن المواجهة والاستفادة من الفرص الاقتصادية التي أتاحها توفير الولايات المتحدة للأمن.
بالنسبة إلى معظم الناس، لم يكن النظام الأمريكي يعني سوى العنف والحرمان.
أما بالنسبة إلى واشنطن، فقد بدت المكاسب الاستراتيجية الناجمة عن هذا النظام مبرراً لتحمل تكاليف الحروب اللازمة للحفاظ عليه. لكن الثمن كان أعلى بكثير بالنسبة إلى أولئك الذين يعيشون في المنطقة. فقد شهدت السنوات الخمس والثلاثون الماضية خوض إسرائيل العديد من الحروب الأصغر ضد جيرانها الأضعف بكثير، وانهيار عملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية بالكامل، وشن حماس هجوماً على إسرائيل في 7 أكتوبر، ثم شروع إسرائيل لاحقاً في تدمير غزة. وفي العراق، فرضت الولايات المتحدة على مدى اثني عشر عاماً عقوبات قاسية، ونفذت عمليات قصف متقطعة، وخاضت محاولات فاشلة لتغيير النظام ومنع الانتشار النووي، أعقبتها عملية الغزو والاحتلال الكارثية عام 2003، وكل ذلك بتكلفة بشرية هائلة. وتحت الرعاية الأمريكية، مزقت حروب كارثية كلاً من لبنان وليبيا والسودان وسوريا واليمن.
استند النظام الإقليمي إلى ضمانات أمنية أمريكية لم تقتصر على الدول العربية، بل شملت، على نحو بالغ الأهمية، الحكام المستبدين الذين كانوا يتربعون على رأسها. وكان إبقاء التطلعات الديمقراطية تحت السيطرة جزءاً حيوياً من هذا التفاهم، لا يقل أهمية عن الحماية من أي هجوم عسكري إيراني. وللحظة وجيزة خلال الانتفاضات العربية عامي 2010 و2011، بدا أن حركة التغيير لا يمكن إيقافها، لكن الترتيب القائم ظل يعمل بخلاف ذلك. فقد تمكنت جميع الأنظمة تقريباً المنضوية ضمن منظومة التحالف الأمريكي من الحفاظ على بقائها في السلطة، بل إن معظمها أحكم قبضته عليها في أعقاب الاحتجاجات.
وشجع الدعم الأمريكي للإصلاحات الاقتصادية النيوليبرالية تلك الأنظمة على تبني برامج للخصخصة أدت إلى تفشي فساد النخب بصورة هائلة، في الوقت الذي زادت فيه إفقار غالبية السكان. كما شجعت حملة واشنطن ضد الإرهاب حلفاءها على تبني أشكال موسعة ومتغلغلة من المراقبة، وقمع أي معارضة محتملة تحت ذريعة الأمن. ورغم أن دول الخليج النفطية الغنية وشرائح محدودة من النخب العربية ازدهرت في ظل هذا النظام، فإن النظام الأمريكي، بالنسبة إلى معظم الناس، لم يكن يعني سوى العنف واليأس والحرمان. وبحسب جميع المؤشرات الاقتصادية والسياسية والتنموية تقريباً، كان أداء الشرق الأوسط في ظل الهيمنة الأمريكية أسوأ بكثير من أي منطقة أخرى.
ومن المفارقات أن الضمانات الأمنية الأمريكية شجعت الحلفاء على تجاهل مصالح واشنطن وسياساتها. فقد شعر معظمهم بالأمان من أي غزو أو هجوم خارجي، ما أوجد نوعاً من «المخاطر الأخلاقية»؛ إذ أصبح بإمكانهم المضي في مشاريعهم الأيديولوجية والسياسية الخاصة من دون الخشية من عواقب حقيقية وذات أثر. كما أن انشغال واشنطن بسياستها الداخلية، وعدم اكتراثها بتفاصيل المنطقة وتعقيداتها، ومبالغتها في المخاوف من تنامي النفوذ الصيني والروسي، كلها عوامل جعلت الولايات المتحدة هدفاً سهلاً للقوى المحلية القادرة على التلاعب بها.
ونتيجة لذلك، أخفقت واشنطن مراراً، على مدى عقود، في كبح إسرائيل بصورة مؤثرة، أو في منع حلفائها العرب من تبني سياسات تقوض الأهداف الأمريكية المعلنة. فقد تجاهل أولئك الحلفاء المزعومون انتقادات واشنطن لتدخلاتهم المدمرة في ليبيا والسودان وسوريا واليمن. كما عارض جميعهم تقريباً بنشاط الاتفاق النووي مع إيران المبرم عام 2015، والذي كانت إدارة أوباما تأمل أن يسهم في تحقيق قدر أكبر من الاستقرار في المنطقة. وفي عام 2017، أدى الحصار الذي قادته الإمارات العربية المتحدة والسعودية على قطر إلى تقويض الجبهة الموحدة ضد إيران، وهي الجبهة التي كانت حملة ترامب المعروفة باسم «الضغط الأقصى» تتطلبها بشدة.
دفعت انتفاضتي 2010 و2011 الحكومات العربية إلى تبني أشكال جديدة من التدخل، ويرجع ذلك جزئياً إلى فقدانها الثقة بقدرة الولايات المتحدة واستعدادها للتعامل مع ما كانت تعتبره تهديدات ملحّة. فالحلفاء المستبدون الذين كانوا يخشون أصلاً من احتمال وقوع انقلابات أو اندلاع انتفاضات شعبية، باتوا يرون هذه المخاوف تهديدات وشيكة، في ظل مواجهتهم تحديات من جماعات شيعية مدعومة من إيران، وحركات إسلامية وجهادية، ونشطاء ليبراليين وديمقراطيين من الشباب.
ومع مشاهدتهم الانتشار السريع للغاية للاحتجاجات، أدركت هذه الأنظمة أن التهديد الداخلي يمكن أن يبدأ من أي مكان، حتى من خارج حدودها. وعندما شاهدت سقوط نظام الرئيس المصري حسني مبارك عام 2011، خلصت إلى أنها لا تستطيع الاعتماد على الولايات المتحدة لإنقاذها من التحديات الداخلية. وإذا أرادت ضمان بقائها، فعليها أن تتحرك بنفسها لاحتواء الخطر.
غير أن تدخلاتها أفضت مراراً إلى نتائج مدمرة، وأسهمت في نهاية المطاف في وقوع انقلاب عسكري في مصر واندلاع عدة حروب أهلية.
شجّع هذا النظام إيران وإسرائيل أيضاً على اتباع سياسات مزعزعة للاستقرار، وإن كان كل منهما قد فعل ذلك بطرق مختلفة. فقد تعامل النظام الإيراني مع العداء الخارجي باعتباره أمراً مفروغاً منه، وصاغ استراتيجيته للبقاء على هذا الأساس. ولم تبدُ الحكومة الإيرانية مكترثة إلى حد كبير بالعقوبات الأمريكية والدولية التي أفقرت عامة السكان، في حين عززت نفوذ المقربين من النظام الذين كانوا يسيطرون على الأسواق السوداء. وعلى مدى عقود، بنت إيران شبكة من الحلفاء من غير الدول وسلحتها، وقد ازدهرت هذه الشبكة وسط الأنقاض التي خلفتها الحروب الأمريكية والإسرائيلية والسعودية. ومع انقطاع وصولها إلى التكنولوجيا العسكرية الأمريكية والأوروبية، استثمرت إيران في الإنتاج منخفض التكلفة، وطورت طائرات مسيّرة وصواريخ باليستية رخيصة يمكنها مواجهة أنظمة خصومها المتطورة تكنولوجياً والباهظة التكلفة للغاية. وكحال معظم الأطراف الأخرى في المنطقة، سارعت القيادة الإيرانية إلى قمع الاحتجاجات، خشية أن تكون وراء ما كان في الواقع انفجارات حقيقية للسخط الشعبي يد خفية لقوة أجنبية.
أما إسرائيل، فتمتعت بأكثر ضمانات الأمن الأمريكية رسوخاً. وعلى الرغم من كونها دولة ديمقراطية، على الأقل بالنسبة إلى المواطنين اليهود، فإن رؤساء حكوماتها وقعوا في كثير من الأحيان في فخ يشبه ذلك الذي وقع فيه حلفاء الولايات المتحدة المستبدون. فقد أتاحت التفوق العسكري الإسرائيلي والثقة بالدعم الأمريكي لقادة البلاد إعطاء الأولوية للحفاظ على ائتلافاتهم الحاكمة وصد التهديدات السياسية الداخلية، بدلاً من التعامل بجدية مع القضية الفلسطينية أو العمل على تخفيف حالة عدم الاستقرار الإقليمي. لكن عندما حطمت هجمات 7 أكتوبر هذا الشعور بالاطمئنان، اختارت إسرائيل التصعيد العسكري إلى أقصى حد. وأظهرت قدراً متزايداً من الإفراط في استخدام القوة في مختلف أنحاء المنطقة، ورسخت احتلالها العسكري في قطاع غزة والضفة الغربية، بل وحتى في أجزاء من لبنان وسوريا.
كان أحد أسباب استمرار النظام الأمريكي طوال هذه المدة أن التفاهمات الأمنية التي قام عليها لم تخضع قط لاختبار حقيقي. فقد ظل قادة المنطقة يشتكون بلا توقف من شعورهم بأن الولايات المتحدة تخلت عنهم، لكنهم لم يتصرفوا يوماً كما لو أن التخلي عنهم احتمال حقيقي يستوجب الاستعداد له. ولسنوات طويلة، لم تكن الحرب بين الدول تمثل تهديداً بارزاً على نحو خاص أيضاً. فقد قصفت إسرائيل غزة ولبنان بصورة متكررة إلى حد ما، لكن أياً من الدول العربية المتحالفة مع الولايات المتحدة لم يكن يشعر بقلق بالغ من احتمال تعرضه لهجوم إسرائيلي. وكانت إيران حاضرة بقوة أكبر في حسابات هذه الدول، لكن حتى احتمال شن هجوم إيراني مباشر كان يبدو مستبعداً للغاية. أما الهجمات غير المباشرة التي نفذها وكلاء إيران، فلم تؤدِّ إلا إلى ترسيخ الاعتقاد الأساسي بأن التفوق العسكري الأمريكي كان واضحاً وكاسحاً إلى درجة تجعل من غير الوارد أن تتحدى إيران هذا التفوق.
وبدأ هذا اليقين يتزعزع عام 2019، عندما لم ترد الولايات المتحدة على هجوم استهدف منشآت نفطية سعودية ونُسب إلى إيران، ثم مرة أخرى عندما استهدفت هجمات بطائرات مسيّرة شنها الحوثيون دولة الإمارات عام 2022. وظلت البنية الأمنية الإقليمية قائمة، لكن بدأت تظهر فيها التصدعات.
وفي الوقت نفسه، كانت الولايات المتحدة تحاول ترسيخ نظامها في الشرق الأوسط من خلال التوسط لإقامة تعاون عسكري وسياسي علني بين حلفائها العرب وإسرائيل. ولم يكن الهدف جديداً؛ فقد كان تشكيل تحالف مناهض لإيران بقيادة أمريكية هدفاً لكل إدارة أمريكية منذ عام 1991. لكن ترامب اختلف عن أسلافه في دفع هذا المشروع قدماً من دون ربط خطوات التطبيع العربي الإسرائيلي بإحراز تقدم في القضية الفلسطينية. ففي عام 2020، توسطت إدارته لإبرام اتفاقيات أبراهام بين إسرائيل، في البداية، وكل من البحرين والإمارات العربية المتحدة. وانضم المغرب بعد ذلك بوقت قصير، كما وقّع السودان اتفاقاً أولياً لم يُضفَ عليه الطابع الرسمي.
لكن عندما حاولت إدارة بايدن إقناع السعودية بالانضمام إلى هذه الاتفاقيات، أخطأت في تقدير أهمية القضية الفلسطينية لدى الرأي العام السعودي، وكذلك تصاعد التنافس بين الرياض وأبوظبي. كما أنها لم تدرك تنامي الرفض الشعبي للتطبيع، ولم تتوقع الكارثة التي كانت تلوح في الأفق في غزة.
ضربة مزدوجة
سبق أن تعرض النظام الإقليمي الذي تقوده الولايات المتحدة لاضطرابات من قبل، بما في ذلك خلال الغزو الكارثي للعراق عام 2003 والانتفاضات الشعبية عام 2011، لكنه كان يعيد تشكيل نفسه في كل مرة. وكان صانعو السياسة في الولايات المتحدة أسرى للبنية التي صمموها بقدر ما كانت القوى الإقليمية المنخرطة فيها أسيرة لها. فمنذ عهد بيل كلينتون، تولى كل رئيس أمريكي منصبه متعهداً بالحد من انخراط الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، لكن كل رئيس وجد نفسه في نهاية المطاف منجرّاً مجدداً إلى السياسات والحروب ذاتها.
وقد تبدو الأزمة المزدوجة المتمثلة في تدمير إسرائيل لغزة والحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران مجرد حلقة أخرى في هذه الدائرة. لكن الحقيقة أن هذين الحدثين، مجتمعين، وجّها ضربة قاضية إلى النظام الأمريكي في الشرق الأوسط. فقد أطاح الدعم الأمريكي للهجوم الإسرائيلي على غزة، ولا سيما في عهد الرئيس جو بايدن، بما تبقى من شرعية أخلاقية كان بإمكان الولايات المتحدة أن تدّعيها. أما إخفاق ترامب في إيران، فقد حطم وهم التفوق العسكري الأمريكي المطلق. وأظهر الحدثان للدول العربية أنها لا تتمتع بنفوذ فعلي ذي شأن داخل النظام الإقليمي، وأن العائد المتحقق من الضمانات الأمنية الأمريكية آخذ في التراجع.
ولم يدرك المسؤولون الأمريكيون في عهدي بايدن وترامب التأثيرات الزلزالية للحرب الإسرائيلية على غزة. فقد اشتركوا في رؤية مفادها أن آراء قادة المنطقة هي وحدها التي تهم، وأن هؤلاء القادة نسوا الفلسطينيين منذ زمن طويل، وأنهم يتطلعون إلى إقامة علاقات أوثق مع إسرائيل القادرة، وإلى الحصول على ضمانات أمنية أقوى تقدمها الولايات المتحدة كحوافز. ولعل القليل من الأمور جسّد هذا القصور في الرؤية بصورة أوضح من مساعي بايدن الطموحة للتوسط في تطبيع العلاقات بين إسرائيل والسعودية، حتى بعد أن جعل ارتفاع حصيلة القتلى في غزة هذا التعاون موضع رفض سياسي واسع بين الشعوب العربية التي كانت الرياض تطمح إلى قيادة المنطقة.
ستستغرق الآثار الكاملة للكارثة في إيران وقتاً حتى تتضح.
وقد أدى إصرار واشنطن المتواصل على دفع الدول العربية إلى التعاون مع إسرائيل إلى خلق انقسامات إضافية. فالإمارات العربية المتحدة، باعتبارها إحدى الدولتين الأوليين اللتين وقعتا اتفاقيات أبراهام، واصلت تعاونها مع إسرائيل خلال الحملة الإسرائيلية على غزة، ومع شن إسرائيل ضربات عسكرية في العراق ولبنان وسوريا واليمن، بل وحتى في قطر. ووفقاً لصحيفة وول ستريت جورنال، نسّقت الإمارات خلال الحرب مع إيران مع إسرائيل والولايات المتحدة لتنفيذ ضربات استهدفت مواقع إيرانية.
أما السعودية، فكانت تراقب التقارب الإماراتي الإسرائيلي بقلق. وكانت الرياض وأبوظبي على خلاف بالفعل بشأن سوريا، حيث دعمت السعودية النظام الذي تولى السلطة بعد الأسد، في حين شاركت الإمارات إسرائيل موقفها المعادي له، وكذلك بشأن اليمن، حيث كانت السعودية قد أخرجت للتو وكلاء الإمارات من المشهد. واشتكت السعودية من أن الإمارات تدعم حركات انفصالية تقوض الاستقرار الإقليمي، وكانت ترى عموماً أن الشراكة بين إسرائيل والإمارات تمثل تهديداً لقيادتها الإقليمية. وقد أدى هذا الانقسام إلى تعقيد فرص واشنطن بدرجة كبيرة في حشد القوى الإقليمية الرئيسية خلف حملتها لهزيمة إيران.
وإذا كانت الحرب في غزة قد تركت مستقبل القيادة الإقليمية الأمريكية موضع شك، فإن الحرب مع إيران جاءت لتؤكد نهاية هذا النظام. فقد كان قادة الخليج غاضبين من أن الولايات المتحدة وإسرائيل بدأتا الحرب من دون التشاور معهم، رغم علمهما بمعارضتهم لها، وفي خضم مفاوضات مع إيران كانت سلطنة عُمان تتوسط فيها. وقد عرّضتهم حرب لم يكن لهم أي دور في تقريرها لانتقام إيراني مباشر. ورغم أن أنظمة الدفاع الصاروخي الأمريكية حمت الخليج من أسوأ موجات القصف، فإن عدداً كافياً من الضربات الإيرانية تمكن من اختراقها، فألحق أضراراً كبيرة وأخلّ بمظهر الاستقرار الذي قام عليه النموذج الاجتماعي والاقتصادي للمنطقة.
واستهدفت إيران جميع دول الخليج، بما فيها الدول الأكثر صداقة لها مثل عُمان وقطر، لكنها ركزت نيرانها على الدول التي وقعت اتفاقيات أبراهام: البحرين، وبدرجة أكبر الإمارات. وخلال بضعة أسابيع، تمكنت إيران من إلحاق أضرار بأجزاء كبيرة من أرخبيل القواعد العسكرية الذي كان يشكل الأساس للهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط، أو تدميرها، أو جعلها عديمة الجدوى.
تراجعت ثقة حلفاء الخليج بواشنطن أكثر عندما أثبتت الحملة الأمريكية الإسرائيلية عجزها عن الإطاحة بالنظام الإيراني. فعلى مدى عقود، جادل أنصار قصف إيران بأن مثل هذا الهجوم قد يكون فوضوياً ومكلفاً، لكنه سيؤدي في نهاية المطاف إلى إزالة التهديد الإيراني. إلا أن الولايات المتحدة وإسرائيل، بكل ما تملكانه من قوة عسكرية، فشلتا ببساطة في تحقيق ذلك. وفوق هذا كله، وقفت الولايات المتحدة عاجزة وهي تشاهد إيران تغلق مضيق هرمز، مما عرّض اقتصاد الخليج بأكمله للخطر.
ومرة أخرى، صُدم قادة الخليج ليس فقط بتجاهل الولايات المتحدة لمواقفهم ومصالحهم، بل أيضاً بانكشاف عجزها. وتحولت صدمتهم إلى غضب عندما قصفت الولايات المتحدة منشآت لتخزين المياه في إيران، واستهدفت إسرائيل مستودعات للنفط الإيراني. فقد كانت واشنطن تراهن بمستقبل شركائها؛ فلو ردت طهران باستهداف منشآت المياه الخليجية أو مواقع الطاقة النووية، لكان التصعيد المتبادل الناتج عن ذلك قد انتهى إلى كارثة اقتصادية لدول الخليج، وإلى دمار بيئي واسع بالقدر الذي يجعلها غير صالحة للسكن.
وما خلص إليه حلفاء الخليج من كل ذلك هو أن الضمانات الأمنية الأمريكية، التي تشكل جوهر التفاهم الإقليمي، لم تعد موثوقة. وكانت المنطقة قد أدركت بالفعل عام 2011 أن واشنطن عاجزة عن حمايتها من التهديدات الداخلية. فإذا لم يعد بالإمكان حتى التعويل على واشنطن للتشاور مع حلفائها، أو هزيمة خصومها، أو حماية شركائها من تداعيات مغامراتها الإقليمية، فما قيمة الوعود التي تقدمها؟ لقد انهار التفاهم الأساسي الذي عرضته الولايات المتحدة، ولن يكون من السهل إعادة بنائه.
هذه المرة مختلفة
بات من الدارج تشبيه الحرب على إيران بـ «لحظة السويس» بالنسبة لواشنطن، في إشارة إلى بداية انحسار نفوذها العالمي. وبالفعل، ثمة أوجه تشابه بين كارثة اليوم والمخطط البريطاني الفرنسي الإسرائيلي الفاشل للسيطرة على قناة السويس وانتزاعها من مصر عام 1956، والذي منح الرئيس المصري جمال عبد الناصر نصراً سياسياً مدوياً. وأصبحت «السويس» اختصاراً للدلالة على أفول الإمبراطوريات الأوروبية والانتقال من عالم متعدد الأقطاب إلى نظام ثنائي القطبية خلال حقبة الحرب الباردة.
لكن أزمة السويس لم تُنهِ الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية في الشرق الأوسط على الفور. فقد واصلت فرنسا حربها للحفاظ على سيطرتها على الجزائر ست سنوات أخرى، بينما ظلت المملكة المتحدة القوة المهيمنة في الخليج لمدة خمسة عشر عاماً أخرى، وخاضت عمليات لمكافحة التمرد في عُمان واليمن الحالي قبل أن تنسحب من المنطقة نهائياً عام 1971. فالأحداث تحتاج إلى وقت حتى تتكشف تداعياتها بالكامل.
ستستغرق الآثار الكاملة للكارثة الأمريكية في إيران، على نحو مماثل، وقتاً حتى تتضح. وعلى المدى القصير، لن يختفي النظام الإقليمي الذي تقوده الولايات المتحدة. فقد تنسحب الولايات المتحدة من القواعد العسكرية التي دمرتها إيران، لكنها ستظل تؤدي دوراً رئيسياً في الدفاع عن المنطقة. ومن غير المرجح أن تنفصل دول الخليج عن واشنطن على الفور. بل إن خوفها على مستقبلها، وعدم رؤيتها بدائل واضحة، قد يدفعها حتى إلى تعزيز علاقاتها بها، كما حاولت السعودية أن تفعل من خلال إتمام اتفاق نووي طال انتظاره، قبل أن يغيّر ترامب شروطه في اليوم التالي، تاركاً الاتفاق في حالة من التعليق.
ومن غير المرجح أيضاً أن تشكل هذه الدول أي تهديد عسكري لإسرائيل، أو أن تقترب من إيران أكثر مما تقتضيه الضرورة. أما الخلاف بين الولايات المتحدة وإسرائيل، فعلى الرغم من كونه حقيقياً ومن المرجح أن تكون آثاره ممتدة إلى جيل كامل، فلن يؤدي في وقت قريب إلى تفكك ذلك التحالف. كما ستواصل الدول العربية علاقاتها العملية مع إسرائيل، وستستمر في الاستفادة من التكنولوجيا العسكرية وتقنيات المراقبة الإسرائيلية.
وقد لا تبدو التعديلات المحدودة التي ستبدأ الأطراف الإقليمية في إدخالها ذات أهمية كبيرة في البداية أيضاً. فلطالما سعت الدول إلى تحقيق أجنداتها الخاصة، حتى في ذروة الهيمنة الأمريكية. وحتى أكثر حلفاء الولايات المتحدة اعتماداً عليها أتقنوا فنون المماطلة، والتحلل من القيود، والضغط على واشنطن. وسيواصل هؤلاء الانخراط في صراعاتهم المحلية، وإعطاء الأولوية لبقاء أنظمتهم، ومحاولة ضمان أمنهم. وفي بعض الأحيان، سيعني ذلك التعاون مع واشنطن؛ وفي أحيان أخرى، لن يعني ذلك.
ومع ذلك، لا ينبغي الخلط بين ما يبدو استمرارية على المدى القصير وبين القدرة على الاستمرار على المدى الطويل. فعندما اندلعت أزمة السويس، كان تفكك الإمبراطوريات الأوروبية قد أصبح أمراً حتمياً، لا بسبب إخفاق سياسي واحد، وإنما نتيجة صعود القومية والحركات المناهضة للاستعمار، إلى جانب الإنهاك الاقتصادي والسياسي الذي أصاب النموذج الإمبراطوري الأوروبي. وكذلك كان النظام الأمريكي في الشرق الأوسط يتآكل منذ سنوات، مع تراكم الإخفاقات السياسية والعملية، وصولاً إلى فقدان الهدف المشترك وانكشاف العجز العسكري الذي أظهرته الأزمات الأخيرة.
وستميل واشنطن إلى التمسك بالسياسات التي حددت نهجها تجاه الشرق الأوسط لعقود، والاعتماد على علاقاتها مع القادة القساة والقلقين والقمعيين الذين يملؤون المشهد الذي صممته. وإذا تمسك القادة الأمريكيون بالمسار نفسه، فعليهم أن يتوقعوا النتيجة نفسها: منطقة تعاني من عدم استقرار دائم، وإخفاقات اقتصادية وسياسية، واندلاع متكرر لصراعات عنيفة. وقد لا تستدعي هذه الصراعات في كثير من الأحيان تدخل القوات العسكرية الأمريكية، لكن الفوضى ستفرض على واشنطن بصورة مستمرة تخصيص اهتمامها واستنزاف مواردها بلا جدوى. وستستمر الحروب التي لا تنتهي.
قد تبدو هذه النتيجة مقبولة لصانعي السياسات الأمريكيين الذين اعتادوا إدارة الصراعات والحفاظ على علاقات مع أطراف سيئة السلوك. لكن واشنطن لا تستطيع الحيلولة دون الانتقال إلى نظام إقليمي جديد بمجرد التظاهر بأن شيئاً لم يتغير. فالحلفاء العرب الذين فقدوا ثقتهم بالولايات المتحدة سيمارسون استقلالية أكبر على نحو متزايد. وقد يعني ذلك في بعض الأحيان السعي إلى الدبلوماسية مع إيران وتوسيع العلاقات مع الصين وروسيا خلافاً لرغبات الولايات المتحدة. وفي أحيان أخرى، قد يعني التدخل في ليبيا والسودان والقرن الأفريقي، أو إشعال صراعات عنيفة من جديد في العراق ولبنان وسوريا واليمن.
وستسهم قوى تتجاوز إلى حد كبير قدرة الولايات المتحدة على التحكم بها في تشكيل هذا النظام الناشئ. فمن جهة، تصر إسرائيل على مواصلة نهجها التدخلي العسكري بغض النظر عن المواقف الأمريكية. فقد واصلت حربها مع حزب الله في تحدٍّ لمذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية التي تم التوصل إليها في يونيو/حزيران، ولم تبدِ أي استعداد لسحب قواتها العسكرية من جنوب لبنان. كما يؤكد مسؤولون إسرائيليون أن بلادهم ستبقي على وجود عسكري لها في سوريا أيضاً. ومع غياب ضغوط داخلية جدية تدفع نحو تبني سياسات أكثر ميلاً إلى التهدئة، لا يبدو أن هناك ما يعرقل ضم إسرائيل للضفة الغربية وتدميرها الكامل لغزة.
أما إيران، شأنها شأن إسرائيل، فلديها كل الحوافز لاتباع سياسات تُبقي حالة عدم الاستقرار مستمرة. فالصراع المتواصل يساعد النظام على تحميل الآخرين مسؤولية الأوضاع الصعبة، وتبرير استراتيجية المقاومة أمام الشعب الإيراني. كما احتفظت إيران بقدرتها على إشعال العنف. وعلى الرغم من أن الحرب ألحقت بالبلاد أضراراً جسيمة، فإن النظام لا يزال قائماً، كما أن نفوذه الإقليمي قد ازداد. وقد أظهرت إيران قدرتها على فرض سيطرة فعالة على مضيق هرمز، وعلى استهداف حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، ومن غير المرجح أن تؤدي الانتكاسات التي تعرض لها حلفاء مثل حزب الله إلى إنهاء قدرة طهران بصورة دائمة على إسقاط قوتها عبر وكلائها. وقد يؤدي الضغط الأمريكي على الحكومات الضعيفة في العراق ولبنان لنزع سلاح الميليشيات الموالية لإيران إلى اندلاع صراعات إضافية، تكون فيها الكفة راجحة لصالح حلفاء إيران.
تتحطم الأوهام الأمريكية بشأن تشكيل جبهة موحدة ضد إيران؛ إذ تتجه التوازنات الإقليمية نحو مسارٍ معاكس تماماً لما يتصوره صناع القرار في واشنطن. وبدلاً من الاعتماد على الحماية الأمريكية، قد تسعى العديد من دول الخليج إلى إبرام تفاهمات جانبية مع إيران لضمان عدم إدراجها على قائمة أهداف طهران. وبدلاً من اتباع قيادة واشنطن، من المرجح أن تدور السياسة الإقليمية حول تنافس متزايد على النفوذ والصدارة بين الإماراتيين والسعوديين. وقبل اندلاع الحرب مع إيران في نهاية فبراير/شباط، كانت الرياض قد بدأت في حشد تحالف يضم مصر وباكستان وقطر وتركيا لمواجهة التحالف الإماراتي الإسرائيلي المدعوم من الولايات المتحدة. وسيستأنف هذا التنافس بعد أن تهدأ حدة القتال، ومن المرجح أن يؤدي إلى زعزعة استقرار دول تعاني أصلاً من أزمات متفاقمة، وأن يمتد إلى أنحاء أوسع من المنطقة، وأن يفرز أزمات جديدة لا تنتهي، ستكافح واشنطن المنهمكة في ملفات أخرى من أجل التعامل معها.
وأخيراً، ستواجه معظم الأنظمة ضغوطاً متزايدة من الداخل، مع امتداد تداعيات الحرب مع إيران إلى اقتصادات المنطقة المتعثرة. ولن تقتصر هذه الآثار على الدول التي تضررت بنيتها التحتية جراء الضربات الإيرانية. ففي مصر، على سبيل المثال، تتفاقم الأزمات المالية وأزمة البطالة القائمة بفعل الارتفاع الحاد في أسعار الوقود والغذاء، والخسائر الهائلة في إيرادات قناة السويس نتيجة اضطراب حركة الملاحة العالمية بسبب الحرب. وقد تفقد دول كثيرة تضررت بالفعل من خفض المساعدات الأمريكية مصدراً آخر بالغ الأهمية للاستثمارات الخارجية، في الوقت الذي تكافح فيه دول الخليج الغنية مشكلاتها الاقتصادية الخاصة. وتشكل المظالم الداخلية والغضب إزاء غزة مزيجاً شديد التأثير، وقد تلوح في الأفق مجدداً موجة من الاحتجاجات تشبه الانتفاضات التي اندلعت قبل 15 عاماً.
الفرصة الأخيرة
قد يؤدي الانهيار العنيف للنظام الإقليمي القديم إلى عرقلة أي محاولة لإقامة نظام إقليمي جديد وفعّال، أو حتى إفشالها بالكامل. لكن هذه اللحظة قد تمثل أيضاً فرصة أمام الولايات المتحدة لإعادة صياغة التفاهمات الأساسية التي أفضت إلى هذه النتائج المدمرة.
ويتطلب وضع سياسة أمريكية جديدة تجاه الشرق الأوسط إعادة النظر في قرار إعطاء الأولوية للعلاقات مع حلفاء استبداديين وخارجين عن القانون بذريعة الواقعية السياسية. فعلى مدى عقود، افترضت واشنطن أنها لا تحتاج إلى القلق كثيراً بشأن الرأي العام العربي، لأنها تستطيع الاعتماد على الحكام العرب لقمع أي معارضة.
وعلى النحو ذاته، قامت الحسابات الأمريكية على فرضية خاطئة مفادها أن الاستمرار في تكرار التصريحات الفارغة عن حل الدولتين كفيل بالحفاظ على التحالف مع الدول العربية، حتى في ظل المتوالية الإسرائيلية لضم الأراضي والالتفاف على السلام.
وهذا يعني أن الولايات المتحدة لم تفكر يوماً في تبني سياسات تحظى بقبول شعوب المنطقة، أو حتى بدعمها. كما يعني أن واشنطن لم تكن قادرة على الانخراط بجدية في تعزيز الديمقراطية أو الدفاع عن حقوق الإنسان، لأن استراتيجيتها كانت تقوم أساساً على غيابهما.
إن إدارة ترامب، التي تتعامل باستخفاف مع الديمقراطية وسيادة القانون في الداخل والخارج، لن تغيّر هذا النهج. ومن الصعب تصور أن ترامب، الذي يتنقل بشكل متقلب بين الاستراتيجيات، سيتمكن من تصميم نظام إقليمي جديد من أي نوع. لكن خلفه سيحظى بفرصة حقيقية للقطيعة مع الوضع القائم، وصياغة استراتيجية أكثر اتساقاً وفاعلية تجاه الشرق الأوسط.
ويبدأ ذلك بالتخلي عن استخدام التدخل العسكري كخيار أول، وإنهاء ممارسة إدارة الدبلوماسية عبر الضربات الجوية. وينبغي أن تكون أولوية واشنطن هي الدفاع، لا الهجوم. ومن الطرق التي يمكن من خلالها توضيح هذه النية، الامتناع عن إعادة بناء القواعد العسكرية الأمريكية التي تضررت أو دُمّرت في أنحاء الخليج، والتركيز بدلاً من ذلك على الاستثمار في تبادل المعلومات الاستخباراتية، وأنظمة الدفاع الصاروخي للشركاء الخليجيين، والحفاظ على حرية الملاحة عبر مضيق هرمز.
ويتعين على الولايات المتحدة السعي إلى تحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط من خلال الدبلوماسية والدفاع الجماعي، وليس عبر الاحتواء العسكري. فقد كشفت كارثة إيران بشكل واضح عن هشاشة الدعوات المتشددة إلى الحرب والوعود باتخاذ إجراءات حاسمة. وحان الوقت لأن تلتزم واشنطن بمسار دبلوماسي يمكن أن يدمج إيران في منظومة الأمن الإقليمي بوصفها شريكاً له مصلحة في استقرارها.
وقد تكون دول الخليج منفتحة على هذا النهج رغم غضبها من الهجمات الإيرانية الأخيرة ففي نهاية المطاف، توصلت السعودية وإيران إلى تقارب في عام 2023، بعد جولة سابقة من التصعيد الإيراني. وكانت إدارة أوباما قد طرحت رؤية مماثلة عندما كانت تتفاوض على الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015، وحتى نائب الرئيس جي دي فانس تحدث عن استعداد لـ«إحداث تحول جذري» في علاقة الولايات المتحدة بإيران عقب التوصل إلى اتفاق جديد.
إن الطموح إلى ذلك موجود، لكن على الإدارة الجديدة أن تثبت بسرعة وحسم أنها تعتزم المضي في هذا المسار حتى النهاية.
تجد واشنطن صعوبة في تصور شرق أوسط لا تكون هي القوة المهيمنة فيه.
ويجب أن تشمل إعادة ضبط السياسة الأمريكية أيضاً الطريقة التي تتعامل بها واشنطن مع حلفائها، ومن بينهم إسرائيل. وتبدو الظروف مواتية لإعادة التفكير في طبيعة العلاقة الأمريكية الإسرائيلية؛ فوفقاً لاستطلاع أجرته جامعة كوينيبياك ونُشرت نتائجه في يونيو/حزيران، يرى 66 بالمئة من الديمقراطيين و55 بالمئة من المستقلين أن الولايات المتحدة تقدم دعماً أكبر من اللازم لإسرائيل. وفي منتصف يوليو/تموز، صوّت أكثر من نصف الديمقراطيين في مجلس النواب لصالح مشروع قانون يقضي بوقف المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل.
وينبغي للإدارة المقبلة أن تستفيد من هذا الزخم لممارسة نوع الضغط على إسرائيل الذي لطالما أحجمت الحكومات الأمريكية عن ممارسته. ولا يتعين على واشنطن التخلي عن حليفتها، لكنها ينبغي أن تطالب إسرائيل باحترام حقوق الإنسان في جميع الأراضي الخاضعة لسيطرتها، ووقف عملية الضم التدريجي للضفة الغربية، وإنهاء تدخلاتها المزعزعة للاستقرار في لبنان وسوريا.
وعلى نطاق أوسع، يتطلب الاستقرار على المستوى الإقليمي أن تعيد الولايات المتحدة التزامها بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان، وأن تعارض الحركات الانفصالية في دول مثل سوريا واليمن، وأن تردع التدخلات العسكرية لحلفائها وحروبهم بالوكالة في أماكن مثل السودان وليبيا، وأن تتوقف عن حث الحكومتين العراقية واللبنانية على نزع سلاح الميليشيات العراقية وحزب الله قبل أن تكونا مستعدتين تماماً لذلك.
أما الاستقرار على المستوى الداخلي، فيتطلب تغييراً ديمقراطياً. وبالنسبة إلى الولايات المتحدة، يعني ذلك تشجيع الإصلاح، بما في ذلك توفير ضمانات لحماية حقوق الإنسان، والتراجع عن الصفقة التي سمحت لحلفائها المستبدين بالإفلات من تبعات قمعهم الشديد.
ولن تلقى هذه الرسالة ترحيباً في القاهرة أو الرياض، بل وربما في العديد من العواصم الأخرى أيضاً. لكن لن يكون من الممكن إحداث تحول حقيقي في النظام الإقليمي من دون معالجة أوجه الخلل المتجذرة في أنظمة الحكم فيه.
لن تؤدي السياسات الأمريكية الجديدة إلى قيام شرق أوسط مستقر وسلمي بين عشية وضحاها. ففي البداية، لن تحظى هذه السياسات على الأرجح بقدر كبير من الترحيب الشعبي في منطقة اعتادت على النفاق الأمريكي وممارساته التعسفية. ومع مرور الوقت، قد يتسبب صعود حكومات أكثر استجابة لإرادة شعوبها في المنطقة في صداع كبير لواشنطن، مع تنافس سياسيين طموحين على انتقاد الولايات المتحدة وإدانتها.
لكن على المدى الطويل، قد يكون الشرق الأوسط الذي تحكمه أنظمة أقل استعداداً لاتباع نهج واشنطن في السياسات غير الشعبية، أو لقمع المعارضة الداخلية، أكثر استقراراً من المنطقة التي نراها اليوم.
وتجد واشنطن صعوبة في تصور شرق أوسط لا تهيمن عليه، كما تجد صعوبة في تصور بدائل حقيقية للنظام الإقليمي القائم، مهما كان فشله واضحاً. لكن ذلك النظام آخذ في الانتهاء، وقد تكون هذه الفرصة الأخيرة أمام القادة الأمريكيين لتغيير المسار.
وإذا لم يتمكنوا من ذلك، فسوف يشاهدون تلاشي النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط، تماماً كما تلاشت الإمبراطوريات الأوروبية التي سبقتهم.
المصدر: فورين أفيرز