بعد أكثر من ثلاثة عقود على الانقسام، أنهى إقليم كردستان العراق الوضع المستقل للقوتين 70 و80، المرتبطتين تاريخيًا بالاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني، وأدخلهما ضمن هيكل وزارة شؤون البيشمركة.
وفي 21 سبتمبر/أيلول 2026 أعلن رئيس الإقليم والقائد العام للبيشمركة نيجيرفان بارزاني بدء عمل القيادتين الأولى والثانية، مؤكدًا أن جميع تشكيلات البيشمركة أصبحت داخل الوزارة، بعدما أعيد تنظيم القوات في تسلسل يضم القيادتين والفرق والألوية والكتائب.
وقال بارزاني خلال إن المرحلة المقبلة يجب أن يظهر فيها التوحيد داخل القيادة والقرار والأوامر والتدريب والترقيات والعقيدة والانضباط، وربط نجاح العملية بأن تصبح الوزارة والقيادة العسكرية مرجعية المقاتل بعيدًا عن الانتماء الحزبي أو الجغرافي.
وبذلك انتقلت عملية الإصلاح من دمج الوحدات إلى اختبار السلطة داخل المؤسسة الجديدة، وكيف ستدار المناصب والموارد والأوامر بعد عقود تشكلت خلالها شبكات عسكرية ومالية مرتبطة بالحزبين.
يأتي اكتمال الدمج في نهاية مسار إصلاح طويل بلغ ذروته مع مذكرة تفاهم وقعتها وزارة شؤون البيشمركة ووزارة الدفاع الأمريكية في 21 سبتمبر/أيلول 2022 لمدة 4 سنوات، وربطت المساعدة الأمريكية بإجراءات محددة لإعادة تنظيم القوات وتوحيد الإدارة والرواتب وبناء مؤسسات الوزارة.
ومع انتهاء المذكرة وبرنامج المخصصات الأمريكية المباشرة في سبتمبر/أيلول 2026، دخلت البيشمركة مرحلة سيحدد فيها توزيع الصلاحيات داخل الهيكل الجديد واستمرار النفوذ الحزبي وطريقة تمويل القوة مستقبلًا مدى عمق التحول الذي أُعلن في أربيل
كيف أصبحت البيشمركة بعد التوحيد؟
كان الانقسام العسكري في الإقليم يقوم على وجود تشكيلات تتبع وزارة شؤون البيشمركة إلى جانب قوتين كبيرتين تعملان بسلاسل قيادة وإدارة وميزانيات منفصلة، هما القوة 80 المرتبطة بالحزب الديمقراطي الكردستاني والقوة 70 المرتبطة بالاتحاد الوطني الكردستاني.
يعود هذا الانقسام بصورته الحالية إلى مرحلة ما بعد “انتفاضة كردستان” عام 1991، حين خرجت مناطق الإقليم من سيطرة بغداد، ثم تقاسم الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني السلطة بعد انتخابات 1992، مع احتفاظ كل طرف بقواته.
وترسخ الانقسام خلال الحرب الأهلية بين الحزبين في التسعينيات، قبل أن تبدأ محاولات متعاقبة لجمع البيشمركة تحت وزارة واحدة.
وفي مايو/أيار 2026، قال الأمين العام لوزارة شؤون البيشمركة الفريق بختيار محمد صديق إن نحو 100 ألف عنصر كانوا يخدمون ضمن القوتين، موضحًا أن قيادة القوة 80 فُككت ونُقل أفرادها وأسلحتها الثقيلة إلى الوزارة، فيما كان استكمال انتقال القوة 70 ينتظر الإجراءات النهائية.
تسارعت العملية خلال الأشهر التالية، إلى أن أعلن وزير شؤون البيشمركة شورش إسماعيل في 10 سبتمبر/أيلول إعادة تنظيم القوتين داخل نظام موحد للقيادة والسيطرة، قبل أن تعلن رئاسة الإقليم في 21 من نفس الشهر تشغيل القيادتين الإقليميتين رسميًا.
ويتكون الهيكل الجديد من 11 فرقة، فيما أشارت منصة “The National Context” المتختصة بتحليل الشؤون العراقية والكردية، إلى وجود 33 لواء و99 كتيبة موزعة بين القيادتين.
تتولى القيادة الأولى بصورة أساسية أربيل ودهوك ويقودها الفريق نجات علي صالح، الذي كان يقود القوة 80، بينما تتولى القيادة الثانية السليمانية وحلبجة بقيادة الفريق عمر صالح حسن، القائد السابق للقوة 70.
وبقي قدر واسع من الامتداد التنظيمي للقوتين داخل الهيكل الجديد، إذ تضم القيادة الأولى أساسًا تشكيلات منحدرة من القوة 80، فيما تضم الثانية تشكيلات القوة 70، وانتقلت الوحدات وقياداتها إلى الهيكل الجديد مع احتفاظها بقدر كبير من بنيتها التنظيمية السابقة.
ويعد رئيس إقليم كردستان، القائد العام للبيشمركة ويملك صلاحية منح الرتب العسكرية ودورًا في تعيين وعزل أصحاب الدرجات الخاصة، ضمن إجراءات تبدأ بترشيح الوزير وتتطلب موافقة مجلس الوزراء، فيما تتولى وزارة شؤون البيشمركة إدارة المؤسسة وميزانيتها وسجلات أفرادها.
أما القيادتان الإقليميتان فحصلتا على صلاحيات واسعة في الإدارة العسكرية اليومية، وبحسب قراءة تفصيلية نشرتها “The National Context”، تستطيع كل قيادة تعيين قادة الفرق ونوابهم ورؤساء أركانها ومديري المديريات وقادة الألوية وإدارة جوانب أخرى من نقل الضباط والانضباط والإنفاق.
ويمنح توزيع الصلاحيات القيادتين وزنًا كبيرًا داخل الجيش الجديد، لأن السيطرة على اختيار قادة الفرق والألوية والمسار الوظيفي للضباط والإنفاق اليومي تمس مباشرة مراكز النفوذ التي تشكلت خلال مرحلة الانقسام.
في ملف الترقيات، يمنح قانون رئاسة الإقليم الرئيس سلطة منح الرتب العسكرية، بينما وضع بارزاني نفسه توحيد آليات الترقية ضمن مهام المرحلة التالية، ما يعني أن طريقة إدارة الترقيات بعد سبتمبر/أيلول ستكون من أول الاختبارات العملية للنظام الجديد.
ماليًا، يفرض قانون الإصلاح في الرواتب والمخصصات والمنح والامتيازات والتقاعد رقم 2 لسنة 2020 إدخال حسابات تشكيلات البيشمركة ضمن المديرية العامة للموازنة والبرامج في الوزارة وإخضاعها للرقابة المالية. وقال بختيار صديق في مايو/أيار 2026 إن القوتين 70 و80 والوزارة كانت تعمل تاريخيًا بميزانيات منفصلة.
وبين أن النظام الجديد يقوم على تجميع ميزانيتي القيادتين داخل الإدارة المالية للوزارة، بحيث ترفع كل قيادة احتياجاتها وتتولى هذه الجهة الحكومية توزيع الأموال وتجميع الحسابات لرفعها إلى وزارة المالية.
في المقابل، تحتفظ كل قيادة بمديرية حسابات وحساب فرعي وصلاحيات في الإنفاق على الوقود والإعاشة والصيانة والمهمات والإيجارات ضمن سقوف محددة، وهو نموذج يجمع مركزية الموازنة في الوزارة مع إدارة يومية واسعة داخل القيادتين.
أما صلاحية نقل تشكيل كامل من قيادة إلى أخرى، وتوزيع الذخيرة من المخازن والتحكم ببعض الأسلحة الثقيلة، فلم تُحسم فيها الجهة صاحبة القرار النهائي بشكل واضح. وتبرز أهمية هاتين الصلاحيتين عند أي تحرك للقوات بين أربيل ودهوك من جهة، والسليمانية وحلبجة من جهة أخرى، وهي المناطق التي ارتبطت لعقود بنفوذ الحزبين.
ماذا بقي من نفوذ الحزبين داخل البيشمركة؟
انتقلت القوتان 70 و80 إلى الوزارة ومعهما معظم البنية البشرية والتنظيمية التي تشكلت خلال عقود الانقسام، ما أبقى عددًا كبيرًا من الضباط والقيادات والوحدات السابقة داخل الجيش الجديد.
وتظهر الاستمرارية في قيادة المنطقتين وتوزيع الفرق والألوية وأيضًا في الألوية المشتركة التي أُنشئت خلال مراحل سابقة من الإصلاح، إذ تضم 12 لواءً كتائب من أصول مرتبطة بالحزب الديمقراطي وأخرى بالاتحاد الوطني، مع تقاسم قيادة هذه الألوية واستخدام صيغة القائد والنائب بين الطرفين.
ويجعل ذلك طريقة إدارة الضباط أكثر حساسية من تغيير أسماء الوحدات، وهو ما ركزت عليه الباحثة نور عمر في دراسة نشرتها منصة “Innov8” الكردية للبحوث والسياسات، معتبرة أن دمج القيادة يحتاج إلى توحيد فعلي لمسارات الضباط والرواتب واللوجستيات والسلطة العملياتية.
واستندت عمر إلى مقابلة مع بختيار صديق، قال فيها إن قانون الإصلاح المالي الصادر عام 2020 بقي غير مكتمل التطبيق بعد 6 سنوات، وإن نظام الرواتب الإلكترونية اقترب من الاكتمالداخل الوزارة.
وتضع عمر الرواتب واللوجستيات في قلب اختبار التوحيد، لأن إخضاعهما للوزارة يحد من قدرة أي شبكة موازية على إدارة الأفراد والموارد خارجها.
ويقدم الفريق المتقاعد سروار شيخ قادر تقديرًا مختلفًا، إذ قال في تصريحات أعقبت إعلان سبتمبر/أيلول إن وجود قيادتين جغرافيتين لا يخلق مشكلة عسكرية عندما تعملان داخل وزارة واحدة وتخضعان لسلسلة أوامر مشتركة.
وفي تحليل نشره الباحث الكردي بشتيوان فرج، ربط استكمال التوحيد بقدرة المؤسسة الجديدة على الفصل بين السلطة السياسية والقيادة العسكرية، بحيث تصبح الوزارة وتراتبية القوات المرجع الفعلي للضباط والوحدات، بدل استمرار تأثير الشبكات التي تشكلت خلال سنوات الانقسام.
أما الباحث في الشؤون الكردية سيروان كاجو فقدم قراءة أكثر تشككًا، ورأى أن الإصلاح نقل قدرًا واسعًا من هياكل القوتين إلى قيادتين تحملان تسميات جديدة.
ولفت كاجو إلى أن الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني يملكان مصلحة سياسية في الاحتفاظ بالشبكات العسكرية التي تعزز نفوذهما داخل الإقليم.
حتى الآن، لم يظهر ما يثبت أن قيادة حزبية ما أصدرت بعد التوحيد أمرًا عملياتيًا مباشرًا إلى لواء أو فرقة، فيما أبقت البنية الجديدة عددًا كبيرًا من القادة والتشكيلات ومسارات الإدارة التي نشأت داخل القوتين السابقتين.
لذلك يتركز الاختبار على قدرة الوزارة على تعيين القادة ونقلهم وترقية الضباط، وتحريك الوحدات وإعادة توزيع الموارد من دون أن تخضع هذه القرارات لمساومات بين الحزبين، وهو المعيار الذي وضعه نيجيرفان بارزاني حين جعل “القرار والأوامر والترقيات” جزءًا من المرحلة التالية للإصلاح.
لماذا نجح التوحيد الآن وهل يصمد؟
دخل مسار التوحيد مرحلته الحاسمة في 2026 مع اقتراب انتهاء المهلة المحددة في مذكرة التفاهم الأمريكية في سبتمبر/أيلول، وهو الموعد الذي وصفه بختيار صديق في مايو/أيار بأنه نهائي لإدخال جميع القوات تحت الوزارة.
ومنح التمويل الأمريكي هذا الجدول وزنًا إضافيًا، إذ تظهر وثائق موازنة وزارة الدفاع الأمريكية انخفاض مخصصات قوات أمن كردستان من 135 مليون دولار في السنة المالية 2024 إلى 60 مليونًا في طلب 2025، ثم توقف هذا البند في 2026 مع انتهاء برنامج المخصصات المباشرة للبيشمركة.
في الوقت نفسه، خصص طلب موازنة 2026 نحو 61 مليون دولار لتدريب وتجهيز فرق وزارة البيشمركة، إضافة إلى نحو 16.25 مليون دولار للإدامة والإعاشة والوقود والزيوت، ما وجه جانبًا متزايدًا من المساعدة نحو وحدات الوزارة وقدراتها المؤسسية.
ويرى حمزة حداد، زميل برنامج أمن الشرق الأوسط في مركز الأمن الأمريكي الجديد “CNAS”، أن تراجع المساعدة الأمريكية قد يدفع حكومة الإقليم إلى التعامل بجدية أكبر مع إصلاح القطاع الأمني.
كما يفرض في الوقت نفسه تنسيقًا أوسع مع بغداد، بما ينقل جزءًا من الضغط على عملية الإصلاح من الدعم الأمريكي المباشر إلى قدرة الإقليم على إدارة قواته وتمويلها ضمن علاقته بالحكومة الاتحادية.
وقال بختيار صديق إن ميزانية البيشمركة ورواتبها تبقى في الأساس ضمن ميزانية حكومة الإقليم، وإن انتهاء مذكرة سبتمبر/أيلول 2026 يفرض البحث عن صيغة جديدة للدعم بالتنسيق مع بغداد.
كما أوضح أن البيشمركة تحتاج إلى موافقة المؤسسات الاتحادية العراقية للحصول على بعض أنواع التسليح ومنها الطائرات المسيّرة، ما يجعل العلاقة بين أربيل والحكومة الاتحادية جزءًا مباشرًا من مستقبل الجيش الجديد وتمويله وتسليحه.
ويحذر عمر النداوي، الباحث البارز في المجلس الأطلسي، من أن تراجع المساعدة الأمريكية بالتزامن مع خفض الوجود العسكري يزيد حاجة الإقليم إلى قدرات دفاعية يصعب توفيرها بصورة منفردة، وفي مقدمتها الدفاع الجوي، ما يعزز ارتباط مستقبل البيشمركة الموحدة بالتنسيق الأمني مع واشنطن وبغداد.
وترافق الضغط المالي الأمريكي مع قرار سياسي داخلي حسم ملف القوتين في 2026، إذ أصدرت حكومة الإقليم ترتيبات القيادتين في فبراير/شباط ثم اكتمل انتقال القوة 70 في سبتمبر/أيلول.
وخلال مراسم التوحيد شكر نيجيرفان بارزاني الولايات المتحدة والتحالف الدولي وبريطانيا وألمانيا وهولندا وإيطاليا وفرنسا على دعم الإصلاح، وأشار في الوقت نفسه إلى دور الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني في اتخاذ القرار السياسي الذي سمح بإنهاء البنية العسكرية المستقلة للقوتين.
ويرفع انتهاء المخصصات الأمريكية أهمية النظام المالي الداخلي، لأن قدرة الوزارة على توحيد الرواتب والسجلات والحسابات واللوجستيات ستحدد مقدار السلطة التي تستطيع ممارستها على القيادتين.
ويمنح قانون 2020 الوزارة أساسًا قانونيًا لذلك، فيما تحتفظ القيادتان بصلاحيات إدارية ومالية واسعة وبشبكات ضباط انتقلت إليهما من القوتين السابقتين، وهي تركيبة تجعل التطبيق أهم من الشكل التنظيمي وحده.
وسيظهر أثر التوحيد حين تضطر الوزارة إلى اتخاذ قرارات تمس التوازنات التي حكمت القوات لسنوات، سواء في اختيار القيادات أو حركة الوحدات أو توزيع الموارد بين المنطقتين.
فإذا نُفذت هذه القرارات داخل سلسلة عسكرية واحدة وبالمعيار نفسه في أربيل ودهوك والسليمانية وحلبجة، سيكون ذلك المؤشر الأوضح على انتقال البيشمركة من إرث القوتين 70 و80 إلى مؤسسة عسكرية موحدة.