ترجمة وتحرير: نون بوست
ما مدى خطورة فيلم إسرائيلي يتناول جرائم الحرب وعمليات القتل الجماعي المدعومة بالذكاء الاصطناعي في غزة؟
اطرح هذا الفيلم خلال حملة انتخابية إسرائيلية، وسترى كيف تتسابق المؤسسة السياسية برمتها تقريبًا لتشويه سمعة صنّاعه وإذلالهم وتهديدهم، بينما تدافع عن الحملة الإسرائيلية في غزة باعتبارها نبيلة ومبررة وجديرة بالثناء.
يُفصّل الفيلم الوثائقي الجديد “نازا“، للمخرجين الإسرائيليين يوفال أبراهام وراشيل زور، الأساليب المعقدة التي صبّ من خلالها المخططون العسكريون الإسرائيليون جحيمهم على الفلسطينيين في غزة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، دون أدنى اكتراث باحتمال إلحاق الأذى بالمدنيين أو مقتلهم؛ بل كان الهدف إحداث حمام دم.
وقد وثّق الصحفيون الفلسطينيون في غزة هذا الدمار على نطاق واسع، في وقت يُقتل فيه الصحفيون هناك على يد الجيش الإسرائيلي بأعداد غير مسبوقة.
ويستند الفيلم إلى الجهود التي بذلها أبراهام في السنوات الأخيرة، كاشفًا بالتفصيل عن الأنظمة التي طورتها إسرائيل للعثور على أهداف جديدة في حملتها الانتقامية الإبادية.
ومن المحتم أن تبيع إسرائيل هذه الأدوات لدول أخرى تتوق إلى محاكاة ممارساتها في غزة، بدعم من شركات في وادي السيليكون مثل بالانتير وأمازون وغوغل، التي أصبحت من الداعمين الأساسيين لآلة الحرب الإسرائيلية.
لم يكن أحد الأهداف الإسرائيلية الرئيسية بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول تحديد عناصر حماس في غزة واستهدافهم، بل شن حملة قتل جماعي وتدمير واسع. ووفق هذا المعيار، تكون إسرائيل قد حققت أهدافها الحربية.
لا تسامح مع الانتقاد
أكدّت لي مصادري الإسرائيلية أنّ الحكومة والجيش وأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية شعروا بالإذلال بعد هجوم حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول، وعقدوا العزم على إحداث مجازر بحق جميع الفلسطينيين في غزة.
كان الهدف جعل الحياة الطبيعية مستحيلة في القطاع المحاصر. ولا تزال إسرائيل تتحدث عن الترحيل القسري لجميع الفلسطينيين من غزة.
لكن “نازا” كشف حقائق قاتمة عن المجتمع الإسرائيلي السائد، من اليمين المتطرف إلى الوسط واليسار اللذين يُفترض أنهما أكثر استنارة، إذ لا يُسمح بأي انتقاد للجيش الإسرائيلي. والواقع أنّ النزعة الإبادية في إسرائيل لا يمكن أن تُعزى إلى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وحده.
وعلى الرغم من أن منتقدي “نازا” تقريبًا لم يشاهدوا الفيلم أصلًا، ومع أن التشكيك في بعض جوانبه أمر مشروع تمامًا، لم أعد أستطيع إحصاء عدد المؤثرين، سواء المؤيدين لإسرائيل أو لفلسطين، الذين يسعون إلى مهاجمة أبراهام وزور لأسباب مختلفة تمامًا.
كتبت عن إسرائيل وفلسطين على مدى نحو 25 عامًا، لم أشهد قط فترة تُروَّج فيها الجرائم الإسرائيلية وتُتداول ويُحتفى بها بهذه الوقاحة بين أوساط الجمهور الإسرائيلي السائد
لكن ظهور “نازا” وسط حملة انتخابية إسرائيلية محتدمة، هي الأولى منذ هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول، حوّل الجدل الدائر حوله إلى شيء آخر: مرآة للمجتمع الإسرائيلي ولطريقة تعامله مع المعارضة والانتقاد. وبحسب ما تُظهره الوقائع، فإنه يفشل فشلًا ذريعًا.
ولا ينبغي أن يكون ذلك مفاجئًا. فمن المقبول تمامًا في إسرائيل شيطنة الأحزاب السياسية العربية واستبعادها. ويكفي عدم إعلان الولاء للصهيونية لإقصاء الأحزاب العربية.
وأعلن مؤخرًا حزب الليكود بزعامة نتنياهو، الذي لا تختلف أيديولوجيته كثيرًا عن نزعة التفوق اليهودي التي يتبناها حزب الوزير المتطرف إيتمار بن غفير، أنه يسعى إلى استبعاد جميع الأحزاب العربية من خوض الانتخابات، بحجة أنه “لا مكان في الكنيست لمن يؤذي الجنود الإسرائيليين”. وفي يوم الأربعاء، صوّتت لجنة الانتخابات المركزية الإسرائيلية لصالح استبعاد عدة أحزاب عربية، رغم أنّ المحكمة العليا قد تُبطل القرار.
وطبّق نتنياهو المنطق ذاته بعد عرض “نازا”، قائلًا إنه يأمل في تمرير تشريع يتيح سحب الجنسية من أي شخص يشهّر بالجيش الإسرائيلي. إنه احتمال مثير للقلق، وأقرب إلى نظام حكم ديني أو ديكتاتوري، ونتيجة مرجحة إذا فاز نتنياهو في انتخابات 27 أكتوبر/تشرين الأول.
الطاعة والصمت
ومع ذلك، فإنّ المشكلات العميقة في إسرائيل لم تكن وليدة تصرفات نتنياهو وحده. فهو ليس سوى عَرَض لعلّة أعمق بكثير، تتمثل في انغلاق يكافئ الطاعة والصمت.
ترتبط هوية إسرائيل بفكرة الولاء لتصور معين لليهودية لا يُبدي أي استعداد لتقبّل أصحاب المعتقدات المختلفة. ويكفي التشكيك علنًا في أخلاقيات الجيش الإسرائيلي، أو اتهام الدولة بارتكاب إبادة جماعية، للتعرض للنبذ وتهديدات بالقتل.
وفي حين يتهم جزء كبير من العالم، وبحق، الجيش الإسرائيلي بارتكاب جرائم حرب وتطهير عرقي في غزة و الضفة الغربية المحتلة، فقد شهدت شخصيًا ردّ الفعل السائد في إسرائيل خلال زيارة حديثة لي إلى هناك: إما إنكار صريح، أو شعور بالفخر. والإنكار أسهل للفهم، وإن لم يكن أكثر قبولًا.
بعد أن كتبت عن إسرائيل وفلسطين على مدى نحو 25 عامًا، لم أشهد قط فترة تُروَّج فيها الجرائم الإسرائيلية وتُتداول ويُحتفى بها بهذه الوقاحة بين أوساط الجمهور الإسرائيلي السائد، بدلًا من إخفائها أو اعتبارها أمرًا مخجلًا.
فمن التصفيق للجنود الإسرائيليين الذين يغتصبون الأسرى الفلسطينيين، إلى دعاة الحرب ممّن ينادون بسفك الدم الفلسطيني والموت والتهجير، يتفاقم المرض داخل المجتمع الإسرائيلي بفعل دولة نادرًا ما شعرت بأنها خاضعة للمساءلة عن أفعالها.
ولن تتغير على الأرجح ملامح هذا الواقع في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة؛ إذ يتنافس أبرز المرشحين الصهاينة على نيل لقب “الأكثر تطرفًا” في حديثهم عن الفلسطينيين القابعين تحت الاحتلال لا إليهم. ولا أحد يدعو إلى وقف التطهير العرقي، بل غالبًا ما يُطالب بالنقيض تمامًا: المزيد من القتل والممارسات الوحشية.
قد يكون رحيل نتنياهو عن المشهد موضع ترحيب، لكن الصهاينة الليبراليين في الغرب الذين يأملون في تحسين صورة إسرائيل سيصابون بخيبة أمل مريرة. فهذه هي إسرائيل، ولا يستطيع العالم أن يتجاهل السنوات الثلاث الأخيرة من انحطاطها في أنحاء الشرق الأوسط.
لم يعد سوى عدد قليل جدًا من الإسرائيليين أو الفلسطينيين يؤيدون حل الدولتين، وسط أمل بأن يُعجّل ذلك باندثاره من المشهد. كذلك، يعارض العديد من الأمريكيين اليوم الممارسات الإسرائيلية، في حين يحمّل كثير من اليهود الأمريكيين الفظائع الإسرائيلية مسؤولية الارتفاع في معاداة السامية.
وبرأيي، ينبغي الإشادة بالقلة من اليهود الإسرائيليين الذين يعارضون بشدة الجرائم الإسرائيلية وحمايتهم، بدءًا من كاتب العمود جدعون ليفي وصولًا إلى أبراهام وزور، لكنهم جميعًا سيقرون بأن الأولوية هي وقف الأنشطة الإسرائيلية والتراجع عنها في الضفة الغربية المحتلة وغزة ولبنان وإيران ومناطق أخرى.
تُعدّ الانتخابات أمرًا بالغ الأهمية في أي ديمقراطية فاعلة. لكن ماذا لو كان معظم الناخبين يطالبون بمزيد من إراقة الدماء والاستعمار، باسم أمن اليهود؟
المصدر: ميدل إيست آي