خلال العدوان على غزة، تحرك السلاح بين صربيا و”إسرائيل” في اتجاهين، إذ صدّرت المصانع الصربية ذخائر وقذائف إلى جيش الاحتلال الإسرائيلي، فيما حصلت بلغراد على صواريخ ومسيّرات وأنظمة حرب إلكترونية واستخبارات واتصالات إسرائيلية.
ومع اتساع هذا التبادل، انتقلت العلاقة إلى مستوى صناعي جديد في سبتمبر/أيلول 2026، عندما افتتحت قرب بلغراد منشأة لتجميع مسيّرات من تصميم “إلبيت سيستمز” إحدى أكبر شركات الصناعات العسكرية الإسرائيلية، لتدخل صربيا بذلك إلى سلسلة إنتاج السلاح الإسرائيلي بعدما كانت العلاقة تتركز أساسًا على الشراء والتوريد.
وخلال أقل من عامين، وقعت صربيا عقودًا مع “إلبيت” بقيمة تقارب ملياري دولار، فيما ارتفعت صادرات السلاح الصربية إلى “إسرائيل” من مستوى محدود في 2023 إلى نحو 114 مليون يورو في 2025.
وبين الشراء والتصدير وقع البلدان اتفاقًا لحماية المعلومات الدفاعية السرية، ودخلت مصانع صربية في سلسلة إنتاج المسيّرات، فيما أعلن ألكسندر فوتشيتش، الذي استقال من الرئاسة في سبتمبر/أيلول 2026 بعد أن قاد البلاد خلال معظم مراحل بناء هذه الشراكة، خططًا لمصانع أخرى وإنتاج موجه إلى جيوش أجنبية.
وجد هذا التحول أرضه في صناعة عسكرية صربية عمرها أطول من الدولة نفسها بصورتها الحالية، فقد ورثت مصانع ومهندسين وشبكات تصدير عن يوغوسلافيا، ثم أعادت بناء نفسها بعد الحروب والعقوبات وقصف حلف شمال الأطلسي “الناتو” عام 1999، لكنها بقيت تبحث عن التكنولوجيا التي تنقصها في المستشعرات والإلكترونيات والحرب الشبكية.
في الجهة الأخرى جاءت “إلبيت” وهي توسع قدرتها الإنتاجية خارج “إسرائيل” وسط طلب عالمي متصاعد على السلاح، ليتحول التقاء الحاجتين إلى شراكة تنقل صربيا من سوق للمنظومات الإسرائيلية إلى جزء من شبكتها الصناعية، فيما تحاول بلغراد القفز من صناعة الذخيرة والمنصات التقليدية إلى التكنولوجيا العسكرية الأعلى قيمة.
ينشر “نون بوست” هذا التقرير ضمن ملف “الممر الإسرائيلي في البلقان”، الذي يتتبع تمدد “تل أبيب” في غرب البلقان عبر السلاح والتكنولوجيا والمال والطاقة والسياحة والعلاقات السياسية، وكيف تتحول هذه القطاعات إلى شبكة نفوذ تربط “إسرائيل” بدول المنطقة.
من الترسانة اليوغوسلافية إلى “إلبيت سيستمز”
حين دخلت “إلبيت” إلى الصناعة الصربية وجدت أمامها قطاعًا يعود بناؤه إلى العهد اليوغوسلافي، إذ تعود جذور “يوغوإمبورت”، ذراع الدولة الصربية اليوم في تجارة السلاح والصناعات الدفاعية، إلى مؤسسة يوغوسلافية تأسست عام 1949 لتأمين المواد والمكونات التي تحتاجها الصناعات العسكرية المحلية، ثم بدأت التصدير عام 1953 بعدما تجاوز الإنتاج احتياجات الجيش.
وفي 1974 جرى تركيز تجارة السلاح والمعدات العسكرية ضمن إدارة اتحادية ضمتها إليها، قبل أن يعاد تنظيم الشركة بصيغتها الحالية عام 2006 لتتوسع لاحقًا في تطوير الأنظمة ونقل التكنولوجيا.
إلى جانب “يوغوإمبورت” بقيت شبكة من المصانع والمؤسسات التي ورثت جانبًا من البنية العسكرية اليوغوسلافية، بينها “كروشيك” في مدينة فالييفو غرب صربيا، وهو من أبرز مصانع الذخائر والمتفجرات والقذائف والصواريخ، و”UTVA” في بانشيفو قرب بلغراد، وهي شركة طيران صربية تعمل في تصميم وإنتاج الطائرات ومكونات الأنظمة الجوية، و”سلوبودا” في تشاتشاك، وهي من أهم مصانع الذخائر والمكونات العسكرية في البلاد.
تضم الشبكة أيضًا شركة “إي دي برو” الصربية المتخصصة في أنظمة الدفع والمحركات الصاروخية والجوية، إلى جانب المعهد العسكري التقني في بلغراد، وهو مؤسسة البحث والتطوير الرئيسية التابعة لوزارة الدفاع الصربية والمسؤولة عن تصميم واختبار جانب من الأسلحة والأنظمة المحلية، فضلًا عن مجموعة من الشركات العامة والخاصة التي تزود هذه المنظومة بالمكونات والهندسة والخدمات الصناعية.
وبحلول منتصف العقد الحالي كان قطاع الصناعات الدفاعية الصربي يوظف نحو 24 ألف شخص، ما وفر للبلاد قاعدة من المهندسين والعمال وخطوط الإنتاج والخبرة التصديرية لا تتوفر بالحجم نفسه في بقية دول غرب البلقان.
تعرضت هذه الصناعة خلال التسعينيات لضربات قاسية، فقد أغلقت العقوبات وانهيار يوغوسلافيا والحروب أسواقًا كانت تعتمد عليها المصانع، ثم جاءت حرب كوسوفا لتقود إلى مواجهة مباشرة مع حلف “الناتو”، الذي بدأ في مارس/آذار 1999 حملة جوية استمرت 78 يومًا بعد فشل المفاوضات مع بلغراد وتصاعد عمليات القوات الصربية ضد ألبان كوسوفا.
واستهدفت الغارات منشآت عسكرية وصناعية وبنى تحتية في صربيا وأضعفت أجزاء واسعة من قدرتها الإنتاجية، قبل أن تبدأ بعد 2000 مرحلة إعادة بناء سمحت للبلاد بالحفاظ على قاعدة صناعية أصغر من المجمع اليوغوسلافي، لكنها بقيت قادرة على إنتاج الذخائر والمدفعية والصواريخ والمركبات والطائرات والمسيّرات والعودة إلى الأسواق الخارجية.
غير أن إعادة البناء لم تحل الفجوة كلها، إذ بقيت الصناعة الصربية أقوى في مجالاتها التقليدية من المكون الإلكتروني الذي يمنح السلاح الحديث قدرته على الرصد والعمل الذاتي والتواصل مع بقية المنظومات، وهي الفجوة التي ستدخل منها الشركات الإسرائيلية لاحقًا.
العلاقة الدفاعية مع “إسرائيل” سبقت الصفقات الأخيرة بأكثر من عقد، فقد وقعت وزارتا الدفاع في يونيو/حزيران 2012 خطة تعاون ثنائية شملت تبادل الزيارات والتدريب والتعاون بين وحدات البلدين، فيما أجرى الوفد الإسرائيلي خلال الزيارة محادثات مع “يوغوإمبورت”، ثم تحولت الاتصالات إلى مشاورات دورية أكدت عام 2017 رغبة الطرفين في توسيع التعاون العسكري والاقتصادي والاتصال المباشر بين الجيشين.
وفي يوليو/تموز 2017 وقع البلدان مذكرة تفاهم بشأن التعاون العسكري والدفاعي والصناعات الدفاعية، وقال وزير الدفاع الصربي آنذاك ألكسندر فولين إن الاتفاق أنشأ إطارًا لتوسيع الشراكة، فيما شملت زيارته التعرف على حلول إسرائيلية في الأمن السيبراني، وهو ما يبين أن العلاقة التقنية والصناعية كانت تتشكل قبل سنوات من وصول “إلبيت” إلى موقعها الحالي.
أعطى اتفاق واشنطن في سبتمبر/أيلول 2020 دفعة سياسية جديدة لهذا المسار، إذ جمع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قادة صربيا وكوسوفا في البيت الأبيض على تفاهمات ركزت رسميًا على تطبيع العلاقات الاقتصادية بين بلغراد وبريشتينا، لكنها تضمنت أيضًا بنودًا مرتبطة بـ”تل أبيب”، من بينها تعهد صربيا بنقل سفارتها إلى القدس، واتفاق كوسوفا و”إسرائيل” على الاعتراف المتبادل.
ورغم أن بلغراد أبدت استياءها عندما أقامت “إسرائيل” علاقات دبلوماسية مع كوسوفا في فبراير/شباط 2021، لم يوقف الخلاف التقارب الأمني والتكنولوجي، الذي انتقل بعد سنوات قليلة إلى عقود تسليح بمليارات الدولارات ومشاريع إنتاج داخل صربيا.
جاءت القفزة في 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، حين أعلنت “إلبيت” عقدين بقيمة نحو 335 مليون دولار مع دولة أوروبية اتضح لاحقًا أنها صربيا، يشملان منظومة الصواريخ “بولس” ومسيّرات “هيرمس 900”.
ثم أضافت الشركة في أغسطس/آب 2025 عقدًا بقيمة 1.635 مليار دولار يضم صواريخ دقيقة بعيدة المدى ومسيّرات استطلاع وذخائر جوالة واستخبارات الإشارات والاتصالات والحرب الإلكترونية والمستشعرات الكهروبصرية وتحديث المركبات ورقمنة القوات وشبكات القيادة والسيطرة، ليرتفع مجموع العقدين إلى نحو 1.97 مليار دولار.
حملت حزمة أغسطس/آب العنصر الذي نقل العلاقة من شراء السلاح إلى بناء قدرة صناعية، إذ أرفقتها “إلبيت” بتعاون يستهدف تعزيز القدرات الصناعية للدولة المشترية، ثم جاء اتفاق حماية وتبادل المعلومات الدفاعية السرية في أبريل/نيسان 2026 ليمنح التعاون إطارًا قانونيًا للتعامل مع التكنولوجيا والمعلومات الحساسة.
يرى نيكولا لونيتش الضابط البحري الصربي المتقاعد والمحلل في قضايا الأمن والجيوسياسة أن الاتفاق ضروري عندما تدخل شركة دفاع بتكنولوجيا متقدمة إلى دولة أخرى، لأن حماية الأسرار والبحث والتطوير تصبح جزءًا من العلاقة الصناعية نفسها.
وبعد خمسة أشهر افتتحت في “ماكيش” ببلغراد منشأة يعمل فيها نحو مئة شخص، وبدأت بتجميع ثلاثة نماذج من المسيّرات التكتيكية الصغيرة التي تطورها “إلبيت”، هي “لانيوس إكس” المخصصة للاستطلاع والاشتباك في البيئات الحضرية والمغلقة، و”فايرفوكس إكس” الهجومية المصممة للعمل حتى في بيئات التشويش والحرب الإلكترونية، و”ماغني إكس” المخصصة للاستطلاع والمراقبة الميدانية.
ودخل مصنع “كروشيك” الصربي سلسلة التوريد لتوفير المتفجرات والرؤوس الحربية، بما جعل المشروع يجمع منذ مرحلته الأولى بين التكنولوجيا الإسرائيلية والإنتاج الصناعي الصربي.
وتحدث فوتشيتش عن الانتقال تدريجيًا إلى إنتاج أوسع وعن ثلاثة مصانع إضافية على الأقل، بعدما قال قبل أشهر إن الصرب “لا يعرفون صناعة المسيّرات كما تفعل إسرائيل”، وإن بلاده تريد تعليم كوادرها الوصول إلى هذه المعرفة.
تكشف تفاصيل المشروع حدود ما وصلت إليه صربيا حتى الآن، فـ”هيرمس 900″ نفسها لا تُصنع في ماكيش، كما لم تحدد العقود تصنيعًا صربيًا للمستشعرات أو الإلكترونيات أو المحركات أو البرمجيات والخوارزميات، وهي المكونات التي تحمل الجزء الأهم من القيمة التقنية، بينما ثبت التجميع داخل البلاد وتشغيل عمالة محلية ودخول “كروشيك” في سلسلة التوريد، مع خطط لتوسيع دور المهندسين والمصانع الصربية.
حتى ملكية المنشأة بقيت غامضة، إذ تحدثت وثائق كشفتها شبكة البلقان للصحافة الاستقصائية “BIRN” وصحيفة “هآرتس” الإسرائيلية في أبريل/نيسان عن مشروع تملك فيه “إلبيت” 51 بالمئة و”يوغوإمبورت” 49 بالمئة.
لكن بعد افتتاحها، وجد تحقيق آخر لذات الوسيلتين الإعلاميتين أن المنشأة تعمل تحت اسم “إس دي إس تكنولوجيز” المرتبطة بشركة بريطانية، فيما نفت “إلبيت” امتلاك حصة في مصنع للمسيّرات داخل صربيا، وهو ما أبقى البنية القانونية للمشروع غامضة، من دون أن يغيّر حقيقة دخول التكنولوجيا الإسرائيلية إلى قاعدة صناعية صربية قائمة أصلًا.
تكمن أهمية هذه القاعدة في الإرث اليوغوسلافي الذي ورثت منه صربيا المصانع والخبرة الهندسية وشبكات التصدير العسكري، ما أتاح لـ”إلبيت” الدخول إلى شريك لا يحتاج إلى بناء قدراته الصناعية من الصفر، فيما استخدمت بلغراد هذا التعاون لسد الفجوة التي بقيت أضعف في صناعتها التقليدية، متمثلة في التكنولوجيا التي تمنح السلاح الحديث قدرته على الرصد والعمل الذاتي والتواصل داخل شبكة قتالية واحدة.
ماذا غيّرت “إسرائيل” في الجيش الصربي؟
تكشف الصفقات الإسرائيلية عن تحول أعمق في طريقة بناء القوة الصربية، إذ تسعى بلغراد إلى تقليص المسافة بين رصد الهدف واتخاذ القرار بشأنه وضربه، وهي فجوة لا يحلها امتلاك صاروخ بعيد المدى أو مسيّرة متقدمة كل على حدة.
من هنا تأتي أهمية حزمة “إلبيت”، التي تسمح بجمع المعلومات من الميدان ونقلها ومعالجتها ثم إيصالها إلى الوحدات القادرة على تنفيذ الضربة، بما يقرب الجيش الصربي من نموذج القتال الشبكي الذي ترتبط فيه قدرات الاستطلاع بالنيران ضمن منظومة واحدة.
وشرح بيتار فوينوفيتش، خبير الطيران ورئيس تحرير موقع “تانغو سيكس” الصربي المتخصص، أن التكنولوجيا التي تدخل صربيا مع “إلبيت” تندرج ضمن خطة أوسع لما يسمى “الجيش الرقمي”.
إذ تجمع المستشعرات المعلومات بصورة مستمرة ثم تنقلها في الزمن الحقيقي إلى منصات أخرى قادرة على الاشتباك مع الهدف من دون اضطرارها إلى تشغيل راداراتها وكشف مواقعها، وهي قدرات وصفها بأنها مما كان الجيش الصربي قبل أعوام قليلة يستطيع “أن يحلم به” فقط.
في هذه السلسلة تؤدي “هيرمس 900” وظيفة الاستطلاع والمراقبة وتحديد الأهداف على مسافات بعيدة، فيما تجمع منظومات استخبارات الإشارات والاتصالات والحرب الإلكترونية معلومات عن البيئة العملياتية، ثم تتولى أنظمة القيادة والسيطرة توزيعها بين الوحدات، وعندما يصل الدور إلى النيران تمنح “بولس” صربيا قدرة صاروخية تصل إلى 300 كيلومتر بحسب نوع الذخيرة المستخدمة.
يرى المحلل العسكري الصربي فلاده رادولوفيتش أن دخول “بولس” يمثل أكبر قفزة شهدتها المدفعية الصربية حتى الآن، لأن الجيش لم يكن يمتلك قدرة على استهداف مواقع بالمدفعية في تلك الأعماق.
وأوضح أن “هيرمس 900” تستطيع جمع المعلومات وتتبع الأهداف ودعم منظومة “بولس” في تحديدها، وبذلك تصبح قيمة الصفقة مرتبطة بالجمع بين الرصد والنقل والقرار والنيران أكثر من ارتباطها بكل منظومة على حدة.
وجاء التطوير التقني متزامنًا مع تغيير تنظيمي داخل القوات المسلحة، فقد أمر فوتشيتش في أبريل/نيسان 2026 بإنشاء وحدات متخصصة في المسيّرات الهجومية، ووضع الرقمنة والمسيّرات وقابلية التشغيل البيني ضمن أولويات التحديث، ليمتد أثر التكنولوجيا الإسرائيلية إلى طريقة تنظيم القوة واستخدامها داخل الوحدات.
وتأتي هذه الشراكة ضمن إعادة تشكيل أوسع لمصادر التسليح الصربي، إذ تحتفظ بلغراد بأنظمة روسية وصينية، واشترت مقاتلات “رافال” الفرنسية وتتعامل مع شركات غربية أخرى.
ويرى رادولوفيتش أن التكنولوجيا الغربية باتت تأخذ مساحة أكبر داخل الجيش، وتمنح سياسة تعدد الموردين القيادة الصربية هامشًا للمناورة وتقلل تعرضها لتعطل الإمداد من جهة واحدة، مقابل تعقيد أكبر في تشغيل منظومات تنتمي إلى مدارس تقنية مختلفة.
وكانت تركيا مرشحة لأخذ موقع أكبر في هذا التحول بعدما أبدت بلغراد اهتمامًا بمسيّرات “بيرقدار تي بي 2″، لكن تسليم أنقرة هذه المسيّرات إلى كوسوفا عام 2023 أثر في الحسابات الصربية، مع استمرار الحوار بين البلدين حول التعاون العسكري والصناعي.
واستطاعت “إلبيت” خلال الفترة نفسها تقديم حزمة أوسع تربط المسيّرات وقدرات الضرب بالاستطلاع والشبكات العسكرية، وتضيف إليها تعاونًا صناعيًا محليًا، ما وضع الشركة داخل بنية التحديث العسكري الصربي نفسها.
وفي غرب البلقان، تمنح هذه القفزة صربيا وزنًا إضافيًا مع انتقال سباق التسلح من شراء المنظومات إلى بناء القدرة على إنتاجها، إذ اتجهت كوسوفا بدورها إلى تطوير قاعدة محلية للذخائر والطائرات المسيرة بدعم تركي، بالتزامن مع ارتفاع الإنفاق الدفاعي في المنطقة، ما يجعل القدرة على تعويض المخزونات وتصنيع جزء منها داخليًا عاملًا متزايد الأهمية في موازين القوة.
لماذا يحتاج كل طرف إلى الآخر؟
عبر هذه الشراكة، تريد بلغراد تجاوز حدود الصناعة التي ورثتها من يوغوسلافيا والوصول إلى التكنولوجيا الأعلى قيمة في السلاح الحديث، وهي نقلة يحتاج بناؤها محليًا إلى سنوات من الاستثمار والخبرة، فيما تمنحها “إلبيت” طريقًا أسرع إلى هذه المرحلة.
وتملك صربيا ما يجعلها شريكًا مختلفًا عن بقية غرب البلقان، فهي تجمع قاعدة صناعية عسكرية موروثة عن يوغوسلافيا مع عمالة هندسية وخبرة طويلة في تصدير السلاح، وفي الوقت نفسه تقف خارج الاتحاد الأوروبي وحلف “الناتو” من دون أن تكون معزولة عن السوق الأوروبية، وتحافظ على علاقات تمتد إلى روسيا والصين والشرق الأوسط.
وتمنح هذه التركيبة “إلبيت سيستمز” شريكًا قادرًا على استيعاب الإنتاج سريعًا والوصول منه إلى أسواق لا تصل إليها الشركة الإسرائيلية بالسهولة نفسها.
يضع الباحث الصربي فوك فوكسانوفيتش، المحاضر في قسم دراسات الحرب بجامعة “كينغز كوليدج لندن”، المشروع داخل طموح أكبر لدى بلغراد للحصول على التكنولوجيا والمعرفة والوصول إلى أسواق جديدة، ويرى أن “إسرائيل” تحصل في المقابل على سلسلة إمداد خارج محيطها الذي يعيش حالة توتر مستمرة.
ويضيف بعدًا سياسيًا آخر حين يصف “إسرائيل” في حسابات السلطة الصربية بأنها “اختصار إلى البيت الأبيض”، معتبرًا أن الولايات المتحدة تقع في قلب هذه العلاقة، وهو ما ينسجم مع سياسة بلغراد في توزيع شراكاتها بين قوى دولية متنافسة.
من زاوية إسرائيلية، يرى جوناثان سباير، الباحث المتخصص في شؤون الأمن والسياسة الإقليمية، أن الشراكة مع صربيا تعكس أيضًا رغبة إسرائيلية في تنويع مصادر الإمداد وتقليل الاعتماد الحصري على قوة كبرى واحدة، ويصف صربيا بأنها نقطة دخول من الشرق الأوسط إلى أوروبا وموقعًا طبيعيًا للتنافس بين القوى الإقليمية.
أخذ هذا الترابط معنى مختلفًا منذ الأيام الأولى للعدوان على غزة، فقد كشف فوتشيتش لصحيفة “جيروزالم بوست” العبرية في يونيو/حزيران 2025 أن مسؤولين إسرائيليين تواصلوا مع بلغراد مساء 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023 بطلب عاجل للذخيرة.
وبين فوتشيتش أن أجهزة الدولة الصربية استكملت التراخيص والموافقات خلال أربعة أيام، وهي سرعة قال إنها لم تتحقق سابقًا، قبل أن يعلن أنه الوحيد في أوروبا الذي كان يتاجر آنذاك بالذخيرة العسكرية مع “إسرائيل” رغم الانتقادات التي تلقاها من مسؤولين أوروبيين.
وبعد أشهر من بدء الإمدادات، منح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هذا التقارب توصيفًا سياسيًا مباشرًا، إذ وصف فوتشيتش في فبراير/شباط 2024 بأنه “صديق حقيقي لإسرائيل” وشكره على دعم صربيا الثابت “بالقول والفعل”، فيما كانت شحنات السلاح الصربية إلى “إسرائيل” ترتفع بالتوازي مع رحلات الطائرات العسكرية بين بلغراد وقاعدة نيفاتيم.
ويضيف التصدير دافعًا آخر لدى بلغراد، فقد عاشت الصناعة العسكرية الصربية لعقود على الأسواق الخارجية، ولذلك يدخل إنتاج المسيّرات الإسرائيلية إلى شبكة مبيعات قائمة أصلًا.
وعند افتتاح منشأة ماكيش قال فوتشيتش إن الإنتاج سيذهب إلى القوات المسلحة الصربية وقوات في دول أخرى، كما تحدث عن ثلاثة مصانع إضافية على الأقل.
وتحدث فوتشيتش عن استطاعة دولة شرق أوسطية لم يسمها شراء المنتج من صربيا بعد تعذر شرائه مباشرة من “إسرائيل”، وهو تصريح يكشف الدور التصديري الذي تريد بلغراد أن يؤديه المشروع، من دون أن تتضح حتى الآن هوية ذلك الزبون أو شروط إعادة التصدير.
أما “إلبيت”، فتأتي إلى صربيا وهي تواجه طلبًا قياسيًا، فقد بلغ رصيد العقود المتراكمة لدى الشركة 32 مليار دولار بنهاية يونيو/حزيران 2026، جاء نحو 73 بالمئة منها من زبائن خارج “إسرائيل”، وكانت أوروبا المحرك الرئيسي للزيادة خلال الربع الثاني.
وقال الرئيس التنفيذي للشركة بتسلئيل “بوتسي” ماخليس إن الاستثمارات المتزايدة في البنية الإنتاجية تهدف إلى رفع الطاقة الإنتاجية وتسريع تنفيذ العقود المتراكمة.
يشرح ديفيد ليفنسون، محلل الصناعات الدفاعية في وحدة الأبحاث التابعة لبنك هبوعليم الإسرائيلي، أن نموذج “إلبيت” يقوم على توزيع الإنتاج على أسواقها الخارجية، بما يسمح لخطوطها داخل “إسرائيل” بإعطاء الأولوية لاحتياجات جيش الاحتلال عند ارتفاع الطلب، فيما تتولى الشركات التابعة والمصانع الخارجية جزءًا من تنفيذ العقود الدولية.
تمنح صربيا هذا النموذج قاعدة صناعية جاهزة وشبكة تصدير راسخة، إلى جانب موقع سياسي يربطها بالسوق الأوروبية من خارج الاتحاد الأوروبي وحلف “الناتو”، ويحافظ لها في الوقت نفسه على قنوات مع روسيا والصين والشرق الأوسط، ما يجعلها مناسبة لخدمة الجيش المحلي وزيادة قدرة “إلبيت” على الإنتاج والوصول إلى أسواق إضافية.
ويظهر عمق الترابط عند النظر إلى الطريق المعاكس، فقد صدرت “يوغوإمبورت” وحدها إلى “إسرائيل” في 2024 أسلحة وذخائر بقيمة 42.3 مليون يورو مقابل نحو 1.4 مليون في 2023.
ورصد تحقيق لـ”BIRN” و”هآرتس” ما لا يقل عن 20 رحلة من صربيا إلى قاعدة نيفاتيم الإسرائيلية خلال العام، كما وثق قذائف مدفعية صربية من عيار 155 ملم مرتبطة بمصنعي “كروشيك” و”سلوبودا”، ثم واصلت الصادرات صعودها حتى بلغت قرابة 114 مليون يورو في 2025.
جرت هذه القفزة بينما كان جيش الاحتلال يواصل عدوانه على غزة، وسط دعوات أممية وحقوقية إلى وقف نقل الأسلحة إليه، فيما حجبت السلطات الصربية جانبًا كبيرًا من تفاصيل التراخيص والشحنات باعتبارها معلومات سرية، لتصبح الصناعة الصربية موردًا للذخيرة إلى “إسرائيل” في الوقت نفسه الذي كانت فيه بلغراد توقع أكبر عقودها للحصول على التكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية.
يظهر شكل الشراكة هنا بأوضح صورة، إذ توفر صربيا القاعدة الصناعية والعمالة وشبكة التصدير، بينما تحتفظ “إسرائيل” بالتكنولوجيا المتطورة في تصميم الأنظمة والتحكم بها، ليبقى حجم المكسب الصربي مرتبطًا بمدى انتقال هذه المعرفة نفسها إلى الداخل.
تفسر هذه التركيبة لماذا سبقت صربيا بقية غرب البلقان في العلاقة الصناعية العسكرية مع “إسرائيل”، فكوسوفا تبني جزءًا كبيرًا من تحديثها على الشراكة مع تركيا والولايات المتحدة، بينما لم تصل المشاريع الإسرائيلية في ألبانيا أو البوسنة والهرسك أو مقدونيا الشمالية أو الجبل الأسود إلى الجمع نفسه بين العقود الضخمة والإنتاج المحلي والموردين والهدف التصديري.
من هنا يأخذ مصنع “ماكيش” معناه الحقيقي، فهو حلقة جديدة في صناعة تعود جذورها إلى العهد اليوغوسلافي، دُمر جزء منها في التسعينيات ثم أعيد بناؤه، وتسعى بلغراد اليوم إلى نقلها من تصدير القذيفة إلى امتلاك التكنولوجيا التي توجهها وتربطها بالشبكة، فيما تعمل “إسرائيل” على إدخال الصناعة الصربية نفسها في منظومة إنتاج وإمداد وتصدير تتجاوز حدودها.