ترجمة وتحرير: نون بوست
بالتزامن مع دوره كمفاوض رئيسي في ملف الحرب على غزة، كانت شركة الاستثمار الخاص التابعة لجاريد كوشنر، “أفينيتي بارتنرز”، تمتلك أكبر حصة في شركة إسرائيلية تدعم مؤسسات تجارية مشاركة في الحملات العسكرية الإسرائيلية، وفقًا لتحقيق أجرته شبكة “سي إن إن”.
وقد تجنب كوشنر الخضوع لرقابة أعمق بشأن تضارب المصالح المحتمل هذا من خلال عمله كمبعوث متطوع، بدلاً من قبول منصب حكومي رسمي يلزمه بالإفصاح عن ذمته المالية.
وبذلك، رسم كوشنر لنفسه دورًا مزدوجًا غير مسبوق في إدارة ترامب يجمع بين صفقات تجارية مربحة وسياسات رفيعة المستوى في خضم حرب مدمرة.
واستندت “سي إن إن” إلى قوانين الشفافية المالية الإسرائيلية لتقفي أثر استثمارات مرتبطة بالجيش لشركة “فينيكس المالية”، وهي مجموعة مقرها تل أبيب ضاعفت شركة كوشنر الاستثمارية حصتها فيها العام الماضي، قبل أيام قليلة من عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض. ووصف كوشنر شركة “فينيكس” لاحقًا بأنها “أفضل استثمار” لشركته.
وتكشف هذه السجلات، التي لا تمثل سوى جزء بسيط من محفظة “فينيكس”، أن الشركة استثمرت مئات الملايين من الدولارات في أكبر شركة لصناعة الأسلحة في إسرائيل، “إلبيت سيستمز”. كما تمتلك “فينيكس” حصصًا في ثماني شركات أخرى على الأقل تمد الجيش الإسرائيلي بمعدات عسكرية تتنوع بين طائرات مسيّرة وسفن حربية وآليات هدم، بحسب تحقيق “سي إن إن”.
وسجلت جميع الشركات التسع التي حددها التحقيق ارتفاعًا في أسهمها العام الماضي، حيث ربط العديد منها هذا الارتفاع بازدياد الطلب الناتج عن الحرب في غزة.
ولا تمتلك “أفينيتي” حصصًا مباشرة في تلك الشركات التسع، إلا أنها تحصد المكاسب والأرباح عندما تحقق “فينيكس” عوائد مالية.
ومنذ ربيع عام 2025، برز كوشنر كأحد أهم الأصوات المؤثرة في سياسة الإدارة الأمريكية بالشرق الأوسط، حيث قدم المشورة لترامب وقام بجولات جابت العالم للتفاوض مع القادة، بمن فيهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بل وكشف عن خطط لإعادة إعمار قطاع غزة وتحويله إلى مركز سياحي عالمي.
وكان كوشنر أحد المهندسين رئيسيين لاتفاق وقف إطلاق النار في غزة المبرم بين إسرائيل وحماس في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، ورغم ذلك الاتفاق، تواصل إسرائيل شن ضربات على القطاع بشكل شبه يومي.
ولم تجد “سي إن إن” أي مؤشرات تدل على أن جهود كوشنر الدبلوماسية أثرت بشكل مباشر على الاستثمارات التي جرى فحصها. ومع ذلك، حققت شركته عوائد ضخمة من استثمارها في “فينيكس”، حيث قامت بتسييل ربع حصتها في يوليو/ تموز مقابل أكثر من 340 مليون دولار، وهو عائد يتجاوز أربعة أضعاف قيمة الشراء الأصلية للأسهم. وتظل “أفينيتي”، المملوكة بالكامل لكوشنر، كبرى المساهمين في “فينيكس” بحصة تبلغ 7.4 بالمئة وقيمة تتجاوز مليار دولار حتى شهر يوليو/ تموز
وتحدث كوشنر بصراحة عن استثماره في “فينيكس” ودوره كوسيط للسلام، معتبرًا أن الأرباح والمصالح الاقتصادية هي المسار الأنجع لتحقيق سلام دائم.
وقال كوشنر في بودكاست “نو برايرز” في سبتمبر/أيلول من العام الماضي: “عندما تجمع بين مستثمر عربي وآخر إسرائيلي ويبدآن في مناقشة فرصة تجارية، فإنهما يتجاوزان كل شيء آخر ويدركان حجم المصالح المشتركة بينهم”.
وأضاف: “المستثمرون الذين أتعامل معهم من الشرق الأوسط باتوا ينظرون إلى إسرائيل الآن ويقولون: ‘انتظر لحظة، ربما هناك فائدة حقيقية من إنهاء هذه الحروب'”.
غير أن الناقدين يرون أن التداخل بين المصالح المالية لكوشنر ودوره غير الرسمي كمبعوث نافذ للبيت الأبيض في منطقة تضربها الحرب يطرح تساؤلات جادة حول ما إذا كان يعمل لخدمة دافعي الضرائب أم لتحقيق مصالحه الاستثمارية الخاصة.
وقالت سينثيا براون، كبيرة مستشاري الأخلاقيات في منظمة “مواطنون من أجل المسؤولية والأخلاق في واشنطن”: “هناك دائمًا من يستفيد مالياً من الحروب أو السياسات الحكومية. لكن الفارق الجوهري هو أنه لا ينبغي لمن يجني الأرباح أن يكون هو نفسه من يصنع القرارات والسياسات. وهذا هو بؤرة الخلل هنا.”
وقال محامٍ عن كوشنر لشبكة “سي إن إن” إن كوشنر “لم يشارك قط في القرارات الاستثمارية لشركة فينيكس ولم يوجّهها”، مضيفًا أنه “لم يكن له أي دور في قرارات شراء أو حيازة أو بيع أيّ من الشركات التسع” التي سلطت “سي إن إن” الضوء عليها، كما أنه لم يشغل عضوية مجلس إدارة “فينيكس” في أي وقت. وأضاف فريق الدفاع أن “أي تلميح بأن العمل الدبلوماسي لجاريد قد أثر على استثمارات فينيكس في الشركات المذكورة، أو العكس، هو أمر جافى الحقيقة”.
ومع ذلك، كان كوشنر قد صرّح لمجلة “فوربس” في سبتمبر/أيلول الماضي بأنه يحافظ على “حوارٍ نشط للغاية” مع المجموعة المالية، ويلتقي بقيادتها كل بضعة أسابيع.
وأكد محاموه لشبكة “سي إن إن” أن هذا التصريح كان دقيقًا في حينه، مشيرين إلى أن كوشنر “كان يجري محادثات منتظمة مع إدارة فينيكس حول أداء الشركة، والاتجاهات العامة للسوق، والفرص الاستراتيجية المحتملة”.
لكنهم لفتوا إلى أن تواصل كوشنر مع إدارة “فينيكس” تراجع بشكل ملحوظ منذ أن أصبح “أكثر انخراطًا في الجهود الدبلوماسية والخدمة العامة التطوعية”.
تعود ملكية بعض حصص “فينيكس” في الشركات المرتبطة بالجيش الإسرائيلي إلى ما قبل استحواذ شركة كوشنر على أكبر حصة فيها. غير أن حصصًا أخرى جاءت لاحقًا، من بينها الاستثمار في شركة تنتج صمامات إلكترونية للقذائف المستخدمة في غزة، وأخرى تصنّع قطع غيار للدبابات الإسرائيلية.
ورفضت شركة “فينيكس” التعليق على ما بدا أنه تناقضات في تصنيف بعض تقاريرها المتاحة للعلن. وفي المقابل، راجع محاسبان قانونيان في إسرائيل السجلات بشكل مستقل، وخلصا إلى أنه، رغم تلك التناقضات، فإن البيانات التي حللتها “سي إن إن” تعبر بدقة عن حيازات “فينيكس”، بما فيها الاستثمارات التي حددها التحقيق في الشركات المرتبطة بالجيش.
وأكد المحاسبان أن الوثائق تعرض تفاصيل جزء واحد فقط من محفظة “فينيكس”، ولا تشمل الأصول في حسابات التقاعد أو الحصص المملوكة للشركات عبر صناديق الاستثمار المشتركة وسندات الشركات والأوراق المالية الأخرى.
ورغم امتناع “فينيكس” عن التعليق على نتائج تحقيق “سي إن إن”، أشار متحدث باسمها إلى أن الشركة “خاضعة للرقابة التنظيمية”، وأن “قيمة أرباح المساهمين تتأتى بشكل أساسي من الأداء التشغيلي لا من عوائد الاستثمار”.
وباعتبارها شركة خاصة، لا تُطالب “أفينيتي”، وشأنها في ذلك شأن كوشنر، بموجب القانون الأمريكي بالإفصاح عن مجالات استثماراتها. وكان كوشنر قد كشف في مارس/ آذار الماضي عن تنفيذ “أفينيتي” لـ 28 استثمارًا حتى الآن، غير أن حجم حصتها في “فينيكس” مقارنة بقيمة باقي حيازاتها لا يزال غير واضح.
من جانبه، قلل متحدث باسم البيت الأبيض من المخاوف بشأن تضارب المصالح المحتمل بين دور كوشنر كمتطوع ورجل أعمال، واصفًا إياها بأنها “ذريعة مستهلكة يواصل الديمقراطيون الترويج لها ضد الرئيس ترامب وعائلته وإدارته منذ عقد من الزمن”.
وقالت آنا كيلي، النائبة الرئيسية للمتحدث الصحفي باسم البيت الأبيض بأن: “الأنشطة التجارية الشخصية لجاريد كوشنر لا علاقة لها بجهوده الدبلوماسية التي يمارسها بصفة تطوعية بناءً على طلب الرئيس”. واستشهدت بـ “سجل نجاحاته” في المبادرات الدبلوماسية السابقة، ومنها المساهمة في التوصل إلى “اتفاقيات إبراهيم” للتطبيع بين إسرائيل وعدة دول عربية خلال ولاية ترامب الأولى.
مع ذلك، يسعى الديمقراطيون للبدء في تحقيقات جديدة بشأن أنشطة كوشنر بالمنطقة، وهي تحقيقات قد تتصاعد حدتها حال استعادتهم السيطرة على مجلس النواب في انتخابات منتصف المدة. وفي رسالة أُرسلت إلى كوشنر في أبريل/ نيسان تعلن عن تحقيق مرتقب من قبل لجنة القضاء بمجلس النواب، وصف النائب الديمقراطي جيمي راسكين أدواره المزدوجة بأنها “قرار غير أخلاقي ويتناقض تمامًا مع الأعراف”، مشيرًا إلى أن هذا الملف “ظل يلقي بظلاله على السياسة الخارجية الأمريكية منذ عودة الرئيس ترامب إلى واشنطن في عام 2025”.
“الرئيس طلب مني المشاركة بشكل أكبر”
أسس كوشنر شركته التي حولها لاحقًا إلى “أفينيتي بارتنرز” ومقرها ميامي في 21 يناير/ كانون الثاني 2021، بعد يوم واحد فقط من انتهاء ولاية ترامب الأولى. وبعد ستة أشهر، حصلت الشركة على ضخ استثماري بقيمة ملياري دولار من صندوق الاستثمارات العامة السعودي، صندوق الثروة السيادية برئاسة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، الذي جمعته بكوشنر علاقة وثيقة خلال فترة ترامب الأولى بالبيت الأبيض. وآنذاك، تجاوز مجلس إدارة الصندوق توصيات فريق من المستشارين حذروا من الاستثمار لعدة أسباب، منها “قلة خبرة إدارة صندوق أفينيتي”، بحسب ما أوردته صحيفة “نيويورك تايمز”.
وتلت ذلك تدفقات رؤوس أموال من قطر والإمارات العربية المتحدة، إلى جانب سلسلة من الاستثمارات الشاملة لحصص في شركة “زامب” المدعومة من أبوظبي والتي تدير مطاعم للوجبات السريعة في البرازيل، وشركة التكنولوجيا الرياضية الذكية “إيجيم “ومقرها ألمانيا.
في عام 2023، وافقت “أفينيتي” على ضخ أول استثمار لها في إسرائيل، بشراء حصة قدرها 15 بالمئة في قطاع تأجير السيارات والخدمات الائتمانية التابع لمجموعة “شلومو” مقابل 150 مليون دولار.
وفي العام التالي، استحوذت “أفينيتي” على حصة بنسبة 4.95 بالمئة في “فينيكس المالية” مقابل 128.5 مليون دولار. وتُعد “فينيكس” واحدة من أكبر المجموعات المالية في إسرائيل، وتوفر خدمات تشمل التأمين والمعاشات التقاعدية وإدارة الأصول. وفي وقت لاحق، ضاعفت “أفينيتي” حصتها في “فينيكس” تقريبًا قبل خمسة أيام فقط من أداء ترامب اليمين الدستورية وعودته إلى البيت الأبيض، لتصبح بذلك أكبر المساهمين في الشركة.
ووصف كوشنر هذا الاستثمار بأنه رهان على قوة الاقتصاد الإسرائيلي.
وقال كوشنر لشبكة “بلومبرغ” عقب حصوله على موافقة الجهات التنظيمية لمضاعفة حصته: “كان قرار الاستثمار في فينيكس في يوليو/ تموز 2024 نابعًا من إيماني بقدرة إسرائيل على التعافي والركائز الأساسية لقطاع الأعمال في الشركة”.
وجاء رهان “أفينيتي” المتجدد على “فينيكس” في أتون التصعيد العسكري الإسرائيلي في غزة، والذي بدأ رداً على هجمات حماس في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، والتي أسفرت عن مقتل أكثر من 1200 إسرائيلي. وأدت الحملة العسكرية الإسرائيلية، التي أكد مسؤولون إسرائيليون أنها ضرورية لحماية الأمن القومي، إلى مقتل أكثر من 74 ألف شخص، وفقًا لبيانات وزارة الصحة الفلسطينية، وهو ما وصفه ناقدون بأنه رد غير متناسب. وخلص تحقيق مستقل أجرته الأمم المتحدة إلى أن الأعمال العسكرية الإسرائيلية في غزة ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية، وهو توصيف رفضته إسرائيل مرارًا وتكرارًا.
وسرعان ما اضطلع كوشنر بدور محوري في جهود الوساطة لإدارة الصراع. ولكن بخلاف الولاية الأولى لترامب، عندما شغل منصب كبير مستشاري البيت الأبيض وساهم في صياغة اتفاقات رئيسية مثل “اتفاقيات أبراهام”، تجنب كوشنر هذه المرة تولي أي منصب رسمي.
وبدلاً من ذلك، بدأ العمل كمستشار غير رسمي لوالد زوجته اعتبارًا من مايو 2025، بالتزامن مع بلوغ الحرب مرحلة شديدة التعقيد.
وفي ذلك الوقت، صرّح مسؤولون إقليميون لشبكة “سي إن إن” بأنهم رحبوا بدخول كوشنر على خط المفاوضات، لكونه يعرف نتنياهو منذ مراهقته ونجح في بناء علاقات وثيقة مع أطراف إقليمية فاعلة خلال إدارة ترامب الأولى. وذكر المسؤولون أنهم وجدوا كوشنر أكثر قدرة وبراعة من مبعوث ترامب الخاص إلى الشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، في إدارة الملفات التفاوضية المعقدة.
وقال كوشنر لاحقًا: “لقد بدأت مشاركتي الفعالة حقًا مع ملف غزة… قضيت وقتًا طويلاً في تقديم الدعم لستيف بعيدًا عن الأضواء. وعندما احتدمت الأوضاع في غزة، طلب مني ستيف والرئيس الانخراط بشكل أكبر في الجوانب التنفيذية”.
وفي سبتمبر/أيلول2025، حضر كوشنر في المكتب البيضاوي أثناء إجراء نتنياهو مكالمة هاتفية مع رئيس وزراء قطر، في أعقاب ضربة إسرائيلية استهدفت قادة لحركة حماس في الدوحة. وفي وقت لاحق من ذلك اليوم، عقد كوشنر اجتماعًا مع نتنياهو ووفده لبحث إطار عمل لاتفاق وقف إطلاق النار في غزة.
وفي أكتوبر/ تشرين الأول من العام الماضي، أوفد ترامب صهره إلى شرم الشيخ في مصر لإبرام الاتفاق النهائي. وقال ترامب حينها: “لدي جاريد… ابحثوا لي عن أي شخص آخر أكثر منه كفاءة”. وبعد أيام، ظهر كوشنر في “ساحة الرهائن” بتل أبيب محتفلًا بوقف إطلاق النار الذي ساهم في التوصل إليه.
وفي خضم هذه المناورات الدبلوماسية، لم يتردد كوشنر في الحديث بصراحة عن المصالح التجارية لشركته في المنطقة. ففي يناير/ كانون الثاني، كشف عن “المخطط الشامل” لإعادة إعمار غزة خلال أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي في داڤوس، والذي تضمن إنشاء منطقة “سياحة ساحلية” تتسع لـ 180 ناطحة سحاب، ومطارًا بديلاً للمطار الذي دُمر في ضربات إسرائيلية قبل أكثر من عقدين.
وأكد كوشنر أن “غزة الجديدة” ستتحول إلى مركز صناعي بارز، داعيًا القطاع الخاص إلى الاستثمار ومؤكدًا وجود “فرص استثمارية استثنائية” تنتظرهم هناك.
وبعد أسابيع، وتحديدًا في فبراير/ شباط، وخلال الاجتماع الافتتاحي لـ “مجلس السلام” الذي شكله ترامب للإشراف على أمن غزة وإعادة إعمارها، صرّح كوشنر، بصفته عضوًا تنفيذيًا في المجلس، قائلاً: “كثير من هؤلاء المشاركين متطوعون؛ وهم لا يقومون بهذا العمل لتحقيق مكاسب شخصية، وليس هناك من يتربح مالياً من هذا الجهد”.
وصف كلٌّ من كوشنر ونظيره المبعوث ويتكوف نهجهما الدبلوماسي بأنه يُشبه أسلوب رجال الأعمال إذ يتلخص في تحديد رغبات كل طرف، وتذليل العقبات، وعقد الصفقات. وقد حَطّ كوشنر من قدر المخاوف المُثارة حول هذا التداخل حيث صرّح في مقابلة مع برنامج “60 دقيقة أفرتايم” في أكتوبر/ تشرين الأول 2025 قائلاً: “ما يَعُدُّه الناس تضاربًا في المصالح، نراه أنا وستيف خبرةً وعلاقاتٍ موثوقة”.
وفيما يتعلق بحصة شركة “أفينيتي” في مجموعة “فينيكس”، يتقاطع نشاط كوشنر الدبلوماسي المعلن مع أرباحه الخاصة بشكل جليّ.
ورغم أن كوشنر غير مُلزم بالإفصاح عن أصوله وممتلكاته بحكم عمله كمتطوع، فإن اللوائح المالية الإسرائيلية تُتيح نافذة نادرة للاطلاع على إحدى الشركات التي استثمرت فيها “أفينيتي”. فبصفتها شركة عامة، تلتزَم “فينيكس” بنشر بعض بياناتها الماليّة للجهات التنظيمية الإسرائيلية في نهاية كل ربع سنة. وتكشف تلك الوثائق عن ضخ “فينيكس” رؤوس أموال طائلة في شركات أبرمت صفقات مع الجيش الإسرائيلي أثناء شنّه الحرب على غزة ولبنان وإيران.
وتستحوذ شركة “إلبيت سيستمز”، أ كبر مُصنِّع للأسلحة في إسرائيل، على الحصة الأكبر من تلك الاستثمارات، بقيمة لا تقل عن 265 مليون دولار. وخلال العام الماضي، فازت الشركة بعقود تُقدَّر بمئات الملايين من الدولارات من وزارة الدفاع الإسرائيلية، شملت نحو 200 مليون دولار للذخائر الجوية المتطورة، و48 مليون دولار لآلاف قذائف المدفعية من عيار 155 ملم، إضافة إلى 210 ملايين دولار لتحديث الدبابات القتالية التابعة للجيش.
وكانت إسرائيل السوق الأكبر لشركة “إلبيت” في عام 2025، حيث استأثرت بـ 32 بالمئة من إجمالي إيراداتها. وتستثمر شركة “فينيكس”، التي تمتلك حصة لا تقل عن 0.6 بالمئة في الشركة وفقًا لبيانات بورصة تل أبيب، في “إلبيت” منذ أكثر من عقد من الزمان.
وأفادت “إلبيت” بأنها شهدت “ارتفاعًا ملحوظًا” في حجم الطلب على منتجاتها من قبل وزارة الدفاع الإسرائيلية مقارنة بمستويات ما قبل الحرب في غزة. ومنذ اندلاع النزاع، قفز سعر سهم “إلبيت” بأكثر من 165 بالمئة، بحسب أرقام بورصة تل أبيب.
ورُصدت منتجات الشركة المتخصصة في إلكترونيات الدفاع والتسليح، بما فيها قذائف الدبابات شديدة الانفجار وقنابل زنة 500 رطل، في مواقع ضربات إسرائيلية متفرقة أسفرت عن سقوط مدنيين، وفقًا لتحليلات أجرتها شبكة “سي إن إن” ومجموعات حقوقية.
وتستثمر “فينيكس” حصة كبيرة أخرى تتجاوز قيمتها 68 مليون دولار في شركة “نيكست فيجن”، وهي شركة متخصصة في تصنيع الكاميرات المخصصة للطائرات المسيرة العسكرية، وتبيع منتجاتها لشركات متعاقدة من بينها “إلبيت” و”صناعات الفضاء الإسرائيلية”. ورغم أن “نيكست فيجن” سجلت زيادة في الطلبيات من العملاء الإسرائيليين منذ بداية الحرب على غزة، إلا أن 12 بالمئة فقط من مبيعاتها في عام 2025 جاءت من داخل إسرائيل.
كما استثمرت “فينيكس” ما لا يقل عن 40 مليون دولار في شركة “ريشيف تكنولوجيز”، التي تنتج الصمامات الإلكترونية لقذائف المدفعية. وتفيد التقارير أن الشركة تلقت طلبيات بقيمة 165 مليون دولار من وزارة الدفاع الإسرائيلية منذ اندلاع الحرب في غزة.
وبالإضافة إلى ذلك، تمتلك “فينيكس” حصة أصغر بكثير تبلغ قيمتها 524,524 دولارًا في شركة “أحواض السفن الإسرائيلية”، وهي شركة لتصنيع الزوارق الهجومية السريعة المباعة للبحريّة الإسرائيلية. ووفقًا للجيش الإسرائيلي، فقد استخدمت الزوارق التي تنتجها الشركة في الحرب على غزة لإطلاق الصواريخ على القطاع. وأشارت الشركة في تقرير صادر عام 2026 إلى أن الحرب كان لها “آثار إيجابية على أعمالها التجارية”، وهو ما تجلّى في الطلبيات التي تلقتها لزوارقها العسكرية، بما في ذلك طلبات من وزارة الدفاع الإسرائيلية. وكان المجلس قد وقّع عام 2024 عقدًا بقيمة 780 مليون دولار مع شركة “أحواض السفن الإسرائيلية” لبناء خمسة زوارق، ومن المتوقع تسليم الدفعة الأولى منها بحلول عام 2031 تقريبًا.
ومن بين الشركات الأخرى التي لاحظت ارتفاعًا في الطلب على منتجاتها خلال الحرب على غزة شركة “أشوت أشكلون”، التي تبيع للجيش الإسرائيلي قطع غيار تشمل علب التروس وأجهزة نقل الحركة للدبابات والمدرعات المستخدمة في ميدان المعركة. وتتجاوز حصة “فينيكس” في هذه الشركة 10 بالمئة.
وتمتلك “فينيكس” أيضًا استثمارات صغيرة في شركتين أمريكيتين عملاقتين، هما “بوينغ” و”كاتربيلر”، وكلاهما تبيعان منتجات تستخدمها المؤسسة العسكرية الإسرائيلية.
وتستثمر “فينيكس” 4 ملايين دولار في شركة “بوينغ”، التي تشمل منتجاتها الطائرات المروحية والمقاتلة، بالإضافة إلى القنابل صغيرة القطر وحزم التوجيه المستخدمة لتحويل القنابل زنة 2000 رطل إلى ذخيرات دقيقة التوجيه.
وتبيع “بوينغ” منتجاتها لإسرائيل سواء بشكل مباشر أو عبر برنامج المبيعات العسكرية الخارجية الأمريكي، الذي تعمل فيه الحكومة الأمريكية كوسيط لتدبير المعدات من الشركة لصالح إسرائيل. ورغم أن أعمال الشركة مع إسرائيل تشكّل جزءًا ضئيلًا من إجمالي محفظتها الاستثمارية، إلا أنها جلبَت عليها إدانات دولية متكررة بعد العثور على ذخيرتها في مواقع هجمات أدت إلى مقتل مدنيين على يد القوات الإسرائيلية، في حين صرّحت إسرائيل بأنها اتخذت خطوات لتقليل الخسائر في صفوف المدنيين في غزة.
وتملك “فينيكس” حصة أصغر في شركة “كاتربيلر” تُقدر بـ 2.5 مليون دولار. وعن طريق برنامج المبيعات العسكرية الخارجية، زودت الشركةُ المتخصصة في صناعة الجرافات الجيشَ الإسرائيلي بمعدات تُستخدم في تسوية أحياء سكنية بالكامل في لبنان وغزة بالأرض، وفقًا للأمم المتحدة التي حثت الشركة على وقف تعاملاتها التجارية مع إسرائيل، محذرة من أنها قد تكون شريكة في انتهاكات حقوق الإنسان.
وامتنعت شركة “بوينغ” عن التعليق على هذا التقرير، بينما لم ترد “كاتربيلر” ولا أيّ من الشركات الأخرى التي استثمرت فيها “فينيكس” على أسئلة شبكة “سي إن إن”.
من جانبها، صرّحت شركة “أفينيتي” لـ “سي إن إن” بأن كوشنر ليس له تدخل مباشر في قرارات الشركة بشأن الأعمال والمشاريع التي تدعمها.
غير أن كوشنر وصف في مقابلات صحفية اهتمامه العميق بنشاط كل شركة يقدم لها الدعم حيث قال في بودكاست “نو برايرز” في سبتمبر/أيلول الماضي: “في عملي، أحاول التعاون مع مؤسسين أكنّ لهم الإعجاب، وفي شركات أتحمس لها، وضمن مَهمات أعتقد أنها قد تكون منتجة”.
كما تحدث كوشنر بوضوح عن استخدام شركة “أفينيتي” وحصتها في “فينيكس” للدمج بين الطموحات التجارية والسياسية في الشرق الأوسط.
وتطرق في البودكاست ذاته إلى التدقيق الذي واجهه من مستثمريه في الخليج بشأن خطوة “أفينيتي” الأولى للاستثمار في “فينيكس”، قائلاً: “عندما اتخذنا القرار، أثِرنا نقاشات حادة داخل لجنة الاستثمار لدينا، حيث قالوا: ‘انظر، هناك حرب وشيكة على وشك اندلاعها في البلاد’، وهو ما كنا نتوقع حدوثه نوعًا ما، وأضافوا: ‘كيف سنشرح هذا للمستثمرين إذا آلت الأمور إلى الفشل؟’ فقلت: ‘أولاً، ليس أمرًا سيئًا أن نجلعهم أكثر انخراطًا واستثمارًا في الاقتصاد الإسرائيلي الآن'”.
ثم ألمح كوشنر إلى أن هذه العلاقة يمكن أن تعمل في الاتجاهين بحيث تستثمر “فينيكس” بدورها في السعودية والإمارات، مضيفًا: “المرحلة التالية تتمثل في أن ‘فينيكس’، وهي شركة عملاقة، تتطلع الآن إلى الاستثمار في السعودية والإمارات، وتفكر أساسًا في كيفية البدء بضخ أموالها الهائلة في مشاريع البنية التحتية بالمنطقة المجاورة لها. وهو ما سيؤدي مجددًا إلى التقريب بين الشعوب”.
وفي الختام، أكد كوشنر أن استثمارات “أفينيتي” تتركز على “الاتجاهات الكبرى التي نعتقد أنها تغير العالم”، مضيفًا: “أعتقد أن الأمر يتعلق بدرجة كبيرة بالشراكة والوقوف خلف الشركات الصحيحة”.
المصدر: سي إن إن