لم يدر في خلد كثير من المراقبين أن يكون من نتائج السابع من أكتوبر تلك التغييرات الواسعة التي ضربت الشرق الأوسط، واستهدفت أول ما استهدفت شبكة نفوذ إقليمية بنتها إيران على مدار أربعة عقود، بدأت في لبنان، ثم غزة، وتمددت إلى العراق فسوريا وصولًا إلى اليمن، شبكة ظن كثيرون أنها لن تتصدع بسهولة، خاصة أن الاستثمار الإيراني فيها وصل إلى مديات كبيرة، بعد أن تحولت في كثير من مراكز نفوذها إلى قوة “حاكمة”، إن صح التعبير.
عبر مقاتلو حماس يوم 7 أكتوبر 2023 الجدار الفاصل بين غزة ودولة الاحتلال الإسرائيلي، ولكنه كان عبورًا أبعد بكثير من غزة وفلسطين، فلقد شكل في وعي الحكومة اليمينية المتطرفة في تل أبيب فرصة مواتية للعبور صوب تلك التحصينات الإقليمية التي صنعتها طهران طيلة عقود، وكأن 7 أكتوبر شكّل فرصة مواتية طال انتظارها، فأين وصلت حدود معركة النفوذ الإيراني؟ وما الذي تغير بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023؟
أمضت إيران سنوات طويلة في بناء شبكة واسعة من الحلفاء والجماعات المسلحة، تمتد من العراق إلى سوريا ولبنان، ومن غزة إلى اليمن، ولم تكن هذه الشبكة مجرد مجموعة من التنظيمات التي تتلقى السلاح والمال من طهران، كما تبدو في التوصيفات المبسطة، بل منظومة أكثر تعقيدًا تشترك فيها السياسة والسلاح والاقتصاد والمجتمع والجغرافيا، وتتحرك داخل الدول نفسها بقدر ما تتحرك عبر الحدود.
وكان “حزب الله” يمثل قلب هذه المنظومة وأهم أدوات الردع الإيرانية خارج أراضيها، فوجود قوة عسكرية كبيرة على الحدود الشمالية للاحتلال الإسرائيلي، ووجود سوريا كجسر جغرافي بين إيران ولبنان، إلى جانب نفوذ الفصائل العراقية والحوثيين في اليمن، أعطى طهران ما يمكن تسميته بالدفاع المتقدم، أي إبقاء المعركة بعيدًا عن الأراضي الإيرانية قدر الإمكان، ونقل كلفة المواجهة إلى ساحات أخرى.
لكن ما حدث بعد 7 أكتوبر لم يكن مجرد مواجهة بين الاحتلال الإسرائيلي وحماس، ثم بين الاحتلال الإسرائيلي و”حزب الله” وإيران. كان، في جانب منه، عملية تفكيك تدريجية للبيئة التي سمحت لإيران ببناء نفوذها الإقليمي طوال عقدين.
وبعد ثلاثة أعوام على 7 أكتوبر، تبدو إيران أقل قدرة على إدارة شبكة إقليمية متماسكة كما كانت قبل الحرب، لكنها في الوقت نفسه لم تفقد نفوذها الإقليمي، بل إن الشبكة التي أصيبت بضربات قاسية أعادت ترتيب نفسها، وانتقلت من نموذج يقوم على محور متصل جغرافيًا إلى نموذج أكثر سيولة، تتقدم فيه ساحات مثل العراق واليمن، بينما تراجعت أهمية سوريا ولبنان عما كانت عليه، أو هكذا يبدو حتى الآن، فنحن لا نزال في خضم المعركة التي لم تضع أوزارها بين نفوذ إيران الذي تمدد ثم انحسر، وبين مشروع صهيوني رأى في 7 أكتوبر فرصة لتحجيم عدو طالما شكل هاجس قلق لهذا الكيان.
منح هذا الامتداد الجغرافي إيران عمقًا استراتيجيًا في أكثر من اتجاه، وجعل “حزب الله” الحلقة الأهم فيه، فإيران لم تكن تحتاج إلى خوض حرب مباشرة، يكفي أن تحرك الأدوات وتتلاعب بإعدادات الجغرافيا عبر النفوذ، يكفي أن تسلح وتدرب وتمول الموالين، والباقي هم يتكفلون به، كانت لعبة بناء نفوذ طويلة، استنزفت الكثير من الموارد الإيرانية، المالية والبشرية.
استراتيجية الدفاع المتقدم
رأت دراسة منشورة لمكتبة مجلس العموم البريطاني، أن إيران بنت جانبًا مهمًا من استراتيجيتها الإقليمية على دعم جماعات مسلحة في الشرق الأوسط، بهدف الضغط على خصومها ومنافسيها، والتأثير في حكومات المنطقة، ونقل جزء من المواجهة بعيدًا عن الأراضي الإيرانية.
وقد استفادت طهران، وفق الدراسة، من هشاشة بعض دول المنطقة ومن قدرتها على بناء شبكات مستقلة نسبيًا عن الدولة الإيرانية نفسها، لكن هذه الخريطة لم تعد موجودة اليوم بالشكل نفسه.
وتقدم دراسة “المحور المتحوّل للمقاومة” التي نشرها تشاتام هاوس قراءة مهمة لهذا التحول، فالمركز يرى أن الضربات التي تعرض لها حلفاء إيران خلال 2024، ولا سيما “حزب الله”، وسقوط نظام بشار الأسد، لم تؤد إلى انهيار الشبكة، وإنما دفعت طهران إلى الاعتماد بصورة أكبر على العراق واليمن، وإلى إعادة تشكيل علاقاتها على أساس شبكات اقتصادية وسياسية وأمنية أكثر مرونة.
وهنا يجب إعادة قراءة طبيعة النفوذ الإيراني عقب الضربات التي تلقاها “حزب الله” وانهيار نظام بشار الأسد في سوريا، بطريقة أكثر منطقية، فمن الخطأ قراءة النفوذ الإيراني وكأنه جسد واحد، كما أن إيران تعلمت بالتجربة أنها يجب أن تستغل الظروف حتى تلك التي تأتي في بعض الأحيان بخلاف اتجاهات سفنها.
صحيح أن محور إيران تلقى ضربات كبيرة بسقوط نظام الأسد والخسارة التي تكبدها “حزب الله” في لبنان بدءًا من اغتيال أمينه العام حسن نصر الله وأهم قياداته، لكن ذلك لم يمنع إيران من التفكير في تطوير شبكة نفوذها، والاعتماد بشكل أكبر على أدوات أخرى ما زالت فاعلة، في اليمن والعراق.
وربما هذا واحد من تداعيات 7 أكتوبر وما بعده، فقوة النفوذ الإيراني لم تعد في امتلاك قوة عسكرية كبيرة في موقع متقدم، وإنما في القدرة على المناورة في نقل ساحة الثقل من جغرافيا إلى أخرى.
لبنان.. من رأس الحربة إلى معركة البقاء
إذا كان ثمة مكان يمكن من خلاله قياس حجم التغيير الذي أصاب النفوذ الإيراني، فهو لبنان، قبل الحرب، كان “حزب الله” يمثل النموذج الأكثر اكتمالًا للمشروع الإيراني في المنطقة، فهو تنظيم عسكري شديد القوة، يمتلك ترسانة صاروخية كبيرة، وله حضور سياسي ومؤسسات اجتماعية واقتصادية، ويملك في الوقت نفسه قدرة على التأثير في القرار اللبناني وعلى التحرك خارج لبنان.
كان الحزب، بهذا المعنى، أكثر من حليف لإيران، كان جزءًا من منظومة الردع الإيرانية نفسها، لكن الحرب غيّرت هذه المعادلة.
فقد خسر “حزب الله” جزءًا كبيرًا من قادته وقدراته العسكرية، وتعرضت بنيته التنظيمية والعسكرية لضربات عميقة، فيما فقد الطريق السوري الذي كان يمثل أحد أهم خطوط الإمداد الإيرانية إليه بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024.
ولهذا لم تعد المسألة بالنسبة إلى طهران هي المحافظة على “حزب الله” بوصفه قوة مهيمنة كما كان، وإنما مساعدته على البقاء وإعادة بناء قدراته.
تقول دراسة حديثة نشرها “مشروع التهديدات الحرجة” (Critical Threats Project) التابع لمعهد “أمريكان إنتربرايز”، في الأول من أكتوبر/تشرين الأول 2026، إن “حزب الله” يحاول إعادة بناء قدراته العسكرية بعد الخسائر التي تعرض لها في جنوب لبنان، في وقت يفتقر فيه إلى عدد من القادة ذوي الخبرة، ويعتمد بصورة متزايدة على التوجيه الإيراني. وترى الدراسة أن زيارة وفد إيراني رفيع إلى جنوب لبنان في اليوم نفسه قد تكون مرتبطة بجهود إعادة بناء قدرات الحزب.
التقرير أشار أيضًا إلى زيارة نادرة قام بها وفد مقرب من المرشد الإيراني مجتبى خامنئي إلى جنوب لبنان، وضم هذا الوفد شخصيات رفيعة من بينها العميد حسين يكتا، أحد الجنرالات الذين اتُّهموا باستخدام العنف المفرط ضد المتظاهرين الإيرانيين في الاحتجاجات الشعبية التي اندلعت مطلع العام 2026 في إيران.
بموازاة ذلك، ورغم النفي الرسمي السوري والتركي، فإنه تجدر الإشارة إلى ما نقلته وسائل إعلام غربية عن لقاءات جمعت مسؤولين سوريين وممثلين من “حزب الله” في لقاء هو الأول من نوعه عُقد في تركيا بين الجانبين، ما يشير إلى أن إيران تدفع باتجاه إعادة تموضع حتى في المناطق التي بدا للوهلة الأولى أنها باتت خارج نطاق نفوذها الإقليمي.
سورية.. خسارة لا تعوض
ربما كانت خسارة سوريا أكبر ضربة استراتيجية تلقاها النفوذ الإيراني منذ سنوات، فالعلاقة بين طهران ودمشق لم تكن علاقة تحالف عادي، فلقد كانت سوريا بالنسبة إلى إيران جزءًا أساسيًا من الجغرافيا التي تربطها بلبنان، ومن خلالها بـ”حزب الله”.
ولذلك لم يكن سقوط الأسد مجرد فقدان حليف سياسي، بل فقدان دولة كانت تؤدي وظيفة استراتيجية داخل الشبكة الإيرانية، وهنا تختلف سوريا عن العراق واليمن.
في العراق، تستطيع إيران العمل عبر قوى سياسية ومسلحة متجذرة داخل الدولة والمجتمع، وفي اليمن، يملك الحوثيون قاعدة اجتماعية وجغرافية مستقلة عن إيران، أما سوريا، فقد كان جزء مهم من النفوذ الإيراني مرتبطًا بعلاقة مباشرة مع النظام نفسه، وبوجود عسكري وأمني وشبكات محلية بنتها طهران خلال سنوات الحرب.
ولهذا فإن إعادة بناء النفوذ الإيراني في سوريا ستكون أكثر تعقيدًا، وهو ما تدركه إيران جيدًا، وتعرف أن خسارتها في سوريا ستحتاج إلى زمن يطول أو يقصر، ذلك أمر يرتبط بما ستؤول إليه تداعيات ما جرى عقب السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وفي دراسة نشرها “منتدى الشرق الأوسط” في أبريل/نيسان 2026، بعنوان “الخروج من دون مغادرة: ما الذي بقي من نفوذ إيران وشبكاتها في سوريا؟”، يرى الباحث أيمن جواد التميمي أن سقوط نظام بشار الأسد جرّد إيران من معظم أصولها المباشرة في سوريا، بعد انسحاب الإيرانيين وحلفائهم الأجانب سريعًا من البلاد، لكنه لم يؤدِ إلى اختفاء جميع الشبكات التي بنتها طهران خلال سنوات وجودها هناك، إذ بقيت روابط دينية واجتماعية وأمنية يمكن، وفق الدراسة، إعادة تفعيلها في ظروف مختلفة. وهذا يقود إلى قاعدة تبدو مهمة لفهم المرحلة المقبلة:
إيران قد لا تعود إلى سوريا بالطريقة التي خرجت منها، إذا عادت، فمن المرجح أن يكون ذلك عبر شبكات محلية، أو علاقات اقتصادية، أو مجموعات مسلحة، أو شخصيات سياسية وأمنية، لا من خلال استعادة التحالف القديم مع دولة سورية موالية بالكامل لطهران.
بمعنى آخر، انتقلت إيران في سوريا من النفوذ عبر الدولة إلى محاولة الاحتفاظ بنفوذ داخل الدولة والمجتمع.
العراق.. قلب النفوذ الجديد
وإذا كانت سوريا قد خرجت إلى حد كبير من الخريطة الإيرانية القديمة، فإن العراق يبدو اليوم أكثر أهمية من أي وقت مضى.
فالعراق ليس مجرد دولة مجاورة لإيران، إنه دولة ترتبط بطهران بعلاقات سياسية واقتصادية واجتماعية ودينية وأمنية عميقة، وتوجد فيها قوى مسلحة مرتبطة بإيران، بعضها أصبح جزءًا من مؤسسات الدولة نفسها، ولا يمكن التعامل معه ببساطة باعتباره قوة خارج النظام السياسي.
ولهذا فإن تراجع النفوذ الإيراني في لبنان وسوريا جعل العراق أكثر أهمية، وليس أقل، وتزداد أهمية العراق بعد إتمام الولايات المتحدة انسحاب قواتها من البلاد في نهاية سبتمبر/أيلول 2026.
وقد فتح الانسحاب الأمريكي من العراق الباب أمام أسئلة جديدة بشأن مستقبل النفوذ الإيراني في البلاد.
ووفق تقرير لرويترز، فإن غياب الوجود العسكري الأمريكي، الذي مثّل لسنوات موازنًا للنفوذ الإيراني، قد يمنح الفصائل المسلحة المتحالفة مع طهران مساحة أكبر لتوسيع دورها في صياغة السياسات وتعزيز حضورها داخل مؤسسات الدولة. كما حذّر محللون ومسؤولون أمنيون عراقيون من أن الانسحاب قد يخلق ثغرات أمنية يمكن أن تستفيد منها الفصائل المسلحة أو خلايا تنظيم “الدولة”.
لكن، مع ذلك، فإنه سيكون من الخطأ أيضًا قراءة العراق باعتباره أصبح إيرانيًا لمجرد خروج القوات الأمريكية.
فالعراق ساحة صراع وتوازنات متعددة، وإيران واحدة من القوى المؤثرة فيه، لكنها ليست القوة الوحيدة، كما أن الدولة العراقية نفسها تحاول، بدرجات متفاوتة، استعادة احتكار القرار الأمني، والدليل أن الحكومة العراقية دخلت في مفاوضات مع الفصائل المسلحة بشأن مستقبل سلاحها.
بل إن هذا الملف دخل مرحلة جديدة في أكتوبر/تشرين الأول الحالي، بعدما أعلنت الحكومة العراقية عن مسار زمني جديد لنزع سلاح الفصائل المرتبطة بإيران، مع تحديد يونيو/حزيران 2027 موعدًا مستهدفًا لهذه العملية.
انسحاب القوات الأمريكية من العراق يلقي على الحكومة العراقية تبعات جديدة، فهي مطالبة أكثر من أي وقت مضى بإعادة ضبط العلاقة بين السلاح والسياسة، فما كان مسموحًا به قبل الانسحاب الأمريكي من العراق لن يكون كذلك بعده، وواشنطن تلوح بين الفينة والأخرى بأدواتها التي بقيت حاضرة في العراق من أجل إعادة ضبط تلك العلاقة، وهو ما تدركه بغداد جيدًا.
لكن نجاح هذا المسار لن يتوقف على رغبة الحكومة وحدها، بل على قدرتها على تحويل الفصائل المسلحة من قوى تملك قرار الحرب والسلم إلى قوى تعمل داخل القرار الوطني.
ولهذا سيبقى العراق، في السنوات المقبلة، أهم اختبار حقيقي لمعرفة ما إذا كانت إيران قد خسرت نفوذها أم أنها فقط أعادت توزيعه.
اليمن.. الحليف الذي ارتفعت قيمته
في المقابل، ارتفعت قيمة اليمن داخل الحسابات الإيرانية، فالواقع الجديد جعل الحوثيين أكثر أهمية بالنسبة إلى طهران مما كانوا عليه قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول.
لم يعد الحوثيون قوة محلية تقاتل داخل اليمن فقط، وإنما أصبح موقعهم الجغرافي، قرب باب المندب والبحر الأحمر، يمنحهم قدرة على التأثير في التجارة الدولية وأمن الملاحة وحسابات السعودية والولايات المتحدة.
وهذا لا يعني أن الحوثيين مجرد أداة إيرانية، بل إن استقلال قرارهم في بعض الملفات حقيقة لا يمكن تجاهلها.
لكن إيران استطاعت أن تجعل من العلاقة مع الحوثيين جزءًا من منظومة ردع إقليمية أوسع، تمتد من الخليج إلى البحر الأحمر.
تظهر ملامح إعادة ترتيب واضحة في شبكة حلفاء إيران، فبعد سقوط نظام بشار الأسد وتراجع قدرات “حزب الله” في لبنان، بدأت طهران تعيد تنظيم ثقلها الإقليمي حول الفصائل العراقية والحوثيين في اليمن، باعتبارهما نقطتي ارتكاز أكثر أهمية في المرحلة الجديدة.
العراق واليمن باتا يوفران لطهران مساحات للتحرك تمتد من الخليج إلى البحر الأحمر، في وقت تراجعت فيه أهمية سوريا ولبنان مقارنة بما كانتا عليه قبل 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وهذا ما يفسر ارتفاع قيمة جماعة الحوثي في اليمن لدى صانع السياسة وشبكة النفوذ الخارجي في طهران، فبعد أن فقدت إيران قدرتها ونفوذها في سوريا، وبعد أن تراجعت قدرات “حزب الله” في لبنان، كان لا بد من تمتين العلاقة مع شبكة الحوثي والاعتماد عليها، وظهر ذلك جليًا في المعارك الأخيرة التي خاضتها الجماعة ضد القوات الحكومية المعترف بها دوليًا، فلقد تحدثت تقارير عن مشاركة ضباط في الحرس الثوري الإيراني في تلك المعارك، فضلًا عن استخدام أسلحة حديثة ومتطورة لدى الحوثيين يُعتقد أن مصدرها إيران.
حرب إيران.. وليس الوكلاء فقط
يبقى التحول الأهم ربما لا يتعلق بوكلاء إيران أصلًا، إنه يتعلق بإيران نفسها، فالحرب التي بدأت في غزة كشفت تدريجيًا حدود استراتيجية “الحرب بالوكالة”، ففي السابق كانت طهران تستطيع أن تدير جزءًا كبيرًا من المواجهة من خلف حلفائها، بينما تبقى الأراضي الإيرانية بعيدة عن خط النار.
لكن التطورات اللاحقة دفعت إيران والاحتلال الإسرائيلي إلى مواجهة مباشرة بالصواريخ والطائرات المسيّرة، قبل أن تتطور المواجهة إلى حرب مباشرة في 2026، ما يعني أن المعادلة القديمة تغيرت.
لم يعد بإمكان إيران الاعتماد على “حزب الله” أو الفصائل العراقية أو الحوثيين وحدهم لإيصال رسائل الردع، أصبح عليها أن تستخدم قوتها العسكرية المباشرة.
لقد انتقلت طهران، جزئيًا، من ردع الخصوم عبر الحلفاء إلى ردعهم بقدراتها الذاتية، مع الاحتفاظ بالحلفاء كورقة إضافية.
وهذا تغيير استراتيجي كبير، يدفعنا إلى إعادة طرح التساؤل الأهم ربما، وهو: هل انتهى محور المقاومة الذي بنته إيران طيلة عقود؟
ربما من المبكر الجزم بالإجابة، فأنت أمام شبكة نفوذ معقدة، وليس مجرد حلفاء يعتمدون على طهران في التمويل والتسليح، شبكة ما زالت تمتلك الكثير من أدوات النفوذ والتمويه والتمويل حتى، ولديها القدرة على إعادة التموضع تبعًا لمتغيرات الواقع.
قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول، كان هناك تصور لمحور يمتلك مركز ثقل واضحًا في لبنان، وعمقًا جغرافيًا في سوريا والعراق، وأذرعًا في غزة واليمن، اليوم، هذا البناء لم يعد قائمًا بالطريقة نفسها.
“حزب الله” يخوض معركة الدفاع عن وجوده في ظل الضغوط الإقليمية والمحلية، وحركة حماس تعيش هي الأخرى تفاصيل مشروعها الذي ليس بالضرورة مرتبطًا بإيران بالكلية، في حين تعاني الفصائل العراقية من ضغط داخلي وآخر خارجي، يماثله وضع الحوثيين في اليمن، بينما تحولت سوريا إلى دولة عدوة لهذا المحور في ظل نظامها الجديد.
لكن في المقابل، فإن العراق أصبح أكثر أهمية، والحوثيين أصبحوا أكثر أهمية، والقدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة الإيرانية أصبحت أكثر مركزية، والشبكات الاقتصادية والسياسية التي بنتها إيران طوال عقود لم تختفِ.
وهو ما يخلص إليه تقرير تشاتام هاوس: الشبكة الإيرانية لا تعتمد على السلاح وحده، وإنما على شبكات اقتصادية واجتماعية وسياسية عابرة للحدود، تجعل تفكيكها أكثر تعقيدًا من استهداف قياداتها العسكرية، وهذا تحديدًا ما يفسر قدرة إيران على إعادة ترتيب أوراقها بعد الضربات الكبرى التي تعرضت لها.
مستقبل النفوذ الإيراني
لا يمكن الجزم الآن بالشكل الذي سيستقر عليه النفوذ الإيراني خلال السنوات المقبلة. لكن يمكن رصد ثلاثة مسارات محتملة.
المسار الأول هو إعادة بناء المحور القديم، قد تحاول إيران إعادة تأهيل “حزب الله”، واستعادة جزء من نفوذها في سوريا، والإبقاء على نفوذها الواسع في العراق، وتعزيز علاقتها بالحوثيين، لكن هذا المسار سيصطدم بواقع إقليمي مختلف تمامًا عن الواقع الذي سبق السابع من أكتوبر/تشرين الأول.
المسار الثاني هو الانتقال من المحور إلى الشبكة، وهذا، ربما، هو التطور الأكثر أهمية، بدلًا من وجود خط جغرافي متصل من إيران إلى لبنان، قد تصبح طهران أكثر اعتمادًا على مجموعة من العقد المنفصلة: العراق، اليمن، لبنان، وربما شبكات أصغر في سوريا وأماكن أخرى.
في هذا النموذج لا تكون خسارة دولة أو تنظيم نهاية للنفوذ، لأن الشبكة قادرة على نقل مركز الثقل إلى مكان آخر.
والمسار الثالث هو تقليص الانكشاف الإقليمي مع الاحتفاظ بأدوات الردع، قد تدرك طهران أن الاحتفاظ بشبكة عسكرية ضخمة في كل مكان أصبح مكلفًا، وأن الأولوية يجب أن تكون للقدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة والقدرات البحرية، إلى جانب النفوذ السياسي والاقتصادي.
أي أن إيران قد لا تحتاج مستقبلًا إلى أن تكون صاحبة الكلمة الأولى في بيروت أو دمشق إذا كانت قادرة على التأثير في حسابات بغداد وصنعاء، وعلى إبقاء ترسانتها العسكرية قادرة على ردع خصومها.
تريد إيران الثورة أن تبقى محتفظة، حتى ولو بالحد الأدنى، بقدراتها الخارجية وشبكة نفوذها، ولكن قبل هذا وذاك، هي ستعمل من أجل الخروج من هذه الأزمة الوجودية التي تواجه نظام الجمهورية الإسلامية، والتي تعد الأخطر منذ العام 1979، يوم أن وصل الخميني إلى طهران إثر الانقلاب على نظام الشاه.
شبكة النفوذ الإقليمي التي بنتها طهران طيلة العقود الأربعة الماضية لم تختفِ بالكامل، نعم تزعزعت وضعفت، لكنها ما زالت تمسك ببقايا خيوط حتى في تلك الحواضن التي يُعتقد أنها باتت خارج الحسابات.
المناورة الإيرانية بورقة الحوثيين ومثلها بورقة الفصائل العراقية، يمكن أن تؤتي ثمارها ليس بالحفاظ عليها فقط، وإنما بتقديمها ورقة مساومة في لحظة فارقة من عمر النظام الإيراني نفسه، وهو ما تجسد مؤخرًا من خلال تقديم إيران مقترحًا لباكستان يتعلق بملف الحوثيين.
المنطقة، وليس إيران وحدها، هي من تغيرت بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول، بالتالي فإن ما خسرته إيران من شبكة نفوذ إقليمي قد لا يكون هو الخسارة الأكبر لها حتى الآن، فما يتردد عن نية واشنطن استئناف العمليات القتالية عقب انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، يمكن أن يعيد خرائط النفوذ بطريقة أخرى، تبعًا لما يمكن أن تؤول إليه أي مواجهة مرتقبة.
لتبقى إيران حتى اللحظة على الأقل، تمسك ببعض تلابيب نفوذها التي يمكن أن تطرحها كأوراق تفاوض أو أوراق تصعيد بحسب ما قد تكون عليه تداعيات المرحلة المقبلة، لكن المؤكد أن لا شيء بقي على حاله منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 وحتى اليوم، ولا يبدو أن هناك شيئًا سيبقى على حاله في حال قررت واشنطن ومن خلفها تل أبيب المضي قدمًا بما عُرف بمشروع الشرق الأوسط الجديد، القديم الذي أعلنت عنه ذات يوم وزيرة خارجية أمريكا كونداليزا رايس.