• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

ألبانيا بوابة البلقان الرقمية.. كيف تتموضع “إسرائيل” في اقتصادها الجديد؟

خالد أصلان٢١ أكتوبر ٢٠٢٦

خلال أقل من أربع سنوات، اتسع الحضور الإسرائيلي داخل الاقتصاد الرقمي الألباني من تعاون حكومي في الأمن السيبراني إلى شركات تعمل في التدريب والحلول التقنية، ثم مشروع مركز بيانات تقدر كلفته بنحو 100 مليون يورو، وصولًا إلى مساهمين إسرائيليين داخل هيكل ملكية أول بنك في البلاد يستهدف العمل بالكامل عبر الإنترنت.

جاء هذا التوسع في وقت تدفع فيه حكومة رئيس الوزراء إيدي راما نحو رقمنة الدولة وجذب الاستثمارات التكنولوجية، فيما وجدت الشركات الأجنبية في ألبانيا سوقًا رقمية آخذة في التوسع، داخل دولة عضو في حلف شمال الأطلسي “الناتو” تسعى للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، مع حوافز استثمارية وطاقة تعتمد بدرجة كبيرة على المصادر المتجددة.

وتكشف سجلات الشركات أن بعض رجال الأعمال الموجودين اليوم خلف مشروع مركز البيانات بدأوا نشاطهم في ألبانيا منذ أواخر 2022 عبر شركات ومراكز تعمل في الأمن السيبراني والتدريب، ثم انتقلت الدائرة نفسها إلى مشروع أوسع لتخزين البيانات ومعالجتها، فيما ظهر في مسار منفصل خلال 2026 رأس مال إسرائيلي داخل الشركة الهولندية المالكة لـ”جيت بنك” Jet Bank.

وتعمل هذه الاستثمارات ضمن هياكل قانونية وتجارية مختلفة، لكن تراكمها وضع رأس المال والخبرة الإسرائيلية داخل قطاعات تمتد من حماية الشبكات إلى مراكز البيانات والخدمات المصرفية الرقمية، بالتوازي مع علاقات حكومية توسعت في الأمن والدفاع والتكنولوجيا.

ينشر “نون بوست” هذا التقرير ضمن ملف “الممر الإسرائيلي في البلقان”، الذي يتتبع تمدد “تل أبيب” في غرب البلقان عبر السلاح والتكنولوجيا والمال والطاقة والسياحة والعلاقات السياسية، وكيف تتحول هذه القطاعات إلى شبكة مصالح تربط “إسرائيل” بدول المنطقة.

من العلاقات السياسية إلى شراكة السايبر

تعود العلاقات الدبلوماسية الحديثة بين ألبانيا و”إسرائيل” إلى أغسطس/آب 1991، بعدما كانت قد أقيمت عقب قيام دولة الاحتلال عام 1949 ثم انقطعت خلال الحقبة الشيوعية، قبل أن تتوسع لاحقًا عبر اتفاقات سياسية واقتصادية وافتتاح سفارتي الجانبين.

من استعادة العلاقات إلى شراكة السايبر.. هكذا تسارع الحضور الإسرائيلي في ألبانيا بين السياسة والأمن والتكنولوجيا

استند الخطاب الرسمي للطرفين بصورة مستمرة إلى تاريخ حماية ألبان لليهود خلال الحرب العالمية الثانية، فيما أخذ الأمن والتكنولوجيا موقعًا أكبر خلال زيارة راما إلى “إسرائيل” في ديسمبر/كانون الأول 2015.

إذ ناقش مع نظيره الإسرائيلي آنذاك بنيامين نتنياهو توسيع العلاقات الاقتصادية والأمنية، ووقع الطرفان “إعلان صداقة” شمل التعاون في الأمن وأمن الطاقة ومكافحة الإرهاب والجريمة السيبرانية إلى جانب التجارة والزراعة والسياحة والتعليم.

تقدم التعاون الدفاعي خطوة أخرى في مايو/أيار 2018، عندما أجرت وزيرة الدفاع الألبانية وقتها أولتا جاتشكا أول زيارة لوزير دفاع ألباني إلى “إسرائيل”، والتقت وزير جيش الاحتلال آنذاك أفيغدور ليبرمان ومسؤولين في مديرية التعاون الدفاعي الدولي “سيبات” ومجلس الأمن القومي.

كانت قضايا الأمن السيبراني والصناعات العسكرية والتعليم والتدريب العسكري ضمن الملفات الرئيسية للمحادثات، فيما قالت جاتشكا إن تيرانا مستعدة لوضع مذكرة تعاون أوسع في الأمن والدفاع.

جاء التحول الأكبر في يوليو/تموز 2022، عندما تعرضت ألبانيا لهجوم سيبراني واسع استهدف البنية الرقمية الحكومية وعطل مواقع وخدمات عامة، قبل أن يعلن رئيس الوزراء إيدي راما في 7 سبتمبر/أيلول أن التحقيق خلص إلى مسؤولية إيران، لتقرر حكومته قطع العلاقات الدبلوماسية معها.

في اليوم التالي، نشرت شركة “مايكروسوفت” الأمريكية نتائج تحقيق فريقها الأمني، وربطت بثقة عالية العملية بجهات ترعاها الدولة الإيرانية، موضحة أن الهجوم سبقته عمليات اختراق وسحب للبيانات قبل الانتقال إلى تشفير الأنظمة وتدميرها وتسريب معلومات مسروقة.

جاء الهجوم على خلفية توتر متراكم بين تيرانا وطهران بسبب استضافة ألبانيا منظمة “مجاهدي خلق” الإيرانية المعارضة، التي بدأت استقبال أعضائها من العراق عام 2013، ثم استقبلت أعدادًا أكبر خلال السنوات التالية قبل أن يقيموا معسكرًا في محافظة دوريس.

تعد طهران المنظمة خصمًا يسعى إلى إسقاط النظام، فيما وصل التوتر مع تيرانا في ديسمبر/كانون الأول 2018 إلى طرد السفير الإيراني ودبلوماسي آخر على خلفية اتهامات بأنشطة تهدد أمن البلاد، ثم أعلنت الشرطة الألبانية في 2019 كشف شبكة قالت إنها مرتبطة بإيران وتستهدف معارضين إيرانيين على أراضيها.

ربط تحقيق “مايكروسوفت” هجوم يوليو/تموز بهذا الصراع، إذ خلص إلى أن توقيته والرسائل التي نشرها المهاجمون تشير إلى دافع انتقامي مرتبط باستضافة “مجاهدي خلق”، خصوصًا أن العملية وقعت قبل أيام من قمة كانت المنظمة تستعد لعقدها في ألبانيا.

في أعقاب الأزمة، اتجهت تيرانا إلى توسيع علاقاتها مع شركائها في المجال، وفي مطلع فبراير/شباط 2023 وقعت مديرية السايبر الإسرائيلية والهيئة الوطنية الألبانية للتوثيق الإلكتروني والأمن السيبراني مذكرة تعاون أدرجتها سفارة “إسرائيل” ضمن الاتفاقات الرسمية بين الجانبين.

قال غابي بورتنوي، المدير العام لمديرية السايبر الإسرائيلية، في 16 فبراير/شباط إن التعاون يشمل التكنولوجيا والمنهجيات والعمليات والتنظيم، وتحدث عن بناء “قبة سيبرانية” ألبانية وربطها بالمنظومة الإسرائيلية.

اتسع الإطار في 26 يونيو/حزيران 2023، عندما وقع وزير الدفاع الألباني آنذاك نيكو بيليشي ووزير جيش الاحتلال وقتها يوآف غالانت مذكرة تفاهم جديدة في الأمن والدفاع.

قالت وزارة الدفاع الألبانية إن المذكرة أرست أساسًا قانونيًا للتعاون في الأمن والتكنولوجيا العسكرية والتدريب وتبادل المعلومات، فيما أكد بيليشي رغبة حكومته في توسيع التعاون مع “إسرائيل” خصوصًا في الأمن السيبراني والصناعات الدفاعية وتبادل المعلومات.

ويكشف إيغلي تافا، المدير العام للهيئة الوطنية للأمن السيبراني الألبانية، مستوى أعمق من أثر هذه الشراكة، إذ قال خلال ورشة عمل ألبانية–إسرائيلية إن الخبرة الإسرائيلية أسهمت في صياغة الاستراتيجيات وبناء القدرات التشغيلية.

ووصف التعاون بأنه جزء من العمل على بناء منظومة سيبرانية ألبانية متكاملة ومستدامة، فيما شارك في الورشة ممثلون عن مؤسسات شملت وزارة الدفاع والشرطة والنيابة العامة والبرلمان وهيئات قضائية ومالية.

بالتوازي مع المسار الحكومي، بدأت شركات إسرائيلية بناء وجود تجاري وتدريبي في ألبانيا، إذ تأسست شركة “أليس إنيشيتيفز” ALIS Initiatives بتيرانا في 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2022 للعمل في الشبكات وتكنولوجيا المعلومات والأمن السيبراني والتدريب.

تملك “أليس إنيشيتيفز” شركة “إتش إيه بي آي أدفانسد تكنولوجيز” H.A.P.I Advanced Technologies المسجلة في “إسرائيل”، فيما تظهر سجلات المستفيدين الفعليين أسماء رجال الأعمال الإسرائيليين شلومي أفني وروي شابوشنيك ونوام فرانك.

وبعد نحو أسبوعين، تأسس “مركز التميز التكنولوجي” Technology Center of Excellence في تيرانا بشراكة بين H.A.P.I وجامعة “ويسترن بالكانز” Western Balkans University الألبانية.

تحول المركز خلال الأشهر التالية إلى منصة للقاء خبراء وشركات إسرائيلية بمؤسسات وشركات محلية، ونظم في فبراير/شباط 2023 ندوة في الأمن السيبراني حضرها ممثلون عن وزارة الداخلية ومصرف ألبانيا وشركات اتصالات ومصارف ومؤسسات تكنولوجية.

توسع الحضور التجاري بالتوازي مع هذا التقارب الحكومي، إذ قالت السفيرة الإسرائيلية السابقة لدى ألبانيا غاليت بيليغ في يوليو/تموز 2023 إن السفارة أعادت تنشيط قسمها الاقتصادي لرصد الفرص المتاحة في السوق الألبانية وإيصالها إلى المستثمرين الإسرائيليين.

وأشارت إلى زيارة وفد ضم عشرات الشركات التكنولوجية الإسرائيلية إلى البلاد، فيما قالت عند انتهاء مهمتها في أكتوبر/تشرين الأول 2026 إن عدد الشركات والاستثمارات الإسرائيلية في ألبانيا تضاعف خلال السنوات الأربع التي قضتها في تيرانا.

وصل هذا المسار في 12 مايو/أيار 2026 إلى قمة مشتركة في تيرانا بمشاركة نحو 40 شركة إسرائيلية ركزت أعمالها على الأمن السيبراني والتكنولوجيا والابتكار، وقال راما خلالها إن بلاده تبني رؤيتها التنموية على التكنولوجيا والرقمنة، بينما قدمت الحكومة اللقاء باعتباره منصة لتوسيع الشراكات في الأمن السيبراني والاقتصاد الرقمي داخل ألبانيا والمنطقة.

وهكذا لم يبق أثر شراكة السايبر محصورًا في اتفاق بين مؤسستين حكوميتين، إذ نشأت إلى جانبه قنوات تربط الشركات الإسرائيلية بأجهزة الدولة والمصارف والقطاع الخاص، وهو المسار الذي سيظهر بصورة أوضح عندما انتقلت بعض الأسماء التي بدأت نشاطها في التدريب والحلول السيبرانية إلى مشروع بنية تحتية أوسع مخصص للبيانات والحوسبة.

من شركات السايبر إلى مراكز البيانات

في 28 فبراير/شباط 2025، وقعت بلدية تيرانا وشركتا “تيدا تيرانا” TEDA Tirana وH.A.P.I الإسرائيلية اتفاقًا لإنشاء مركز بيانات داخل المنطقة الاقتصادية والتكنولوجية غرب العاصمة، وقالت الحكومة الألبانية إن المشروع يستهدف تعزيز موقع البلاد مركزًا إقليميًا لتخزين البيانات وإدارتها وتحسين بنيتها الرقمية.

وبعد توقيع الاتفاق مع H.A.P.I، بدأت تتضح البنية الاستثمارية التي تقف خلف المشروع الذي يحمل اسم “ألبانيا داتا سنتر” Albania Data Center.

إذ كشفت صحيفة “غلوبس” الاقتصادية الإسرائيلية في 3 فبراير/شباط 2026 أن مركز البيانات الذي تقدر كلفته بنحو 100 مليون يورو سيقام عبر تحالف تملك فيه “هابي تكنولوجيز” Happy Technologies نسبة 80%، وهي شركة مرتبطة بروي شابوشنيك ونوام فرانك وشلومي أفني وإيتاي ميلخيور، فيما تعود نسبة 20% إلى شركة “دي آي تي” DIT المتخصصة في استشارات مراكز البيانات.

يعيد هذا الهيكل إلى الواجهة أسماء دخلت السوق الألبانية قبل أكثر من عامين عبر التدريب والأمن السيبراني، ثم انتقلت إلى مشروع يستهدف بنية الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي وتخزين البيانات، بما يجعل مركز البيانات أوضح حلقة تربط التوسع التجاري الجديد بالنشاط الإسرائيلي الذي بدأ بعد 2022 داخل قطاع السايبر.

يستفيد المشروع من موقعه داخل TEDA، التي تعرض للمستثمرين إعفاءً من ضريبة البنية التحتية وضريبة العقارات لمدة خمس سنوات، وخفضًا بنسبة 50% لضريبة أرباح الشركات للفترة نفسها، إلى جانب إعفاءات جمركية وحوافز مرتبطة بالبحث والتطوير والتدريب، كما تقع المنطقة على مسافة قصيرة من مطار تيرانا وميناء دوريس وممرات النقل الرئيسية.

وأشار تقرير “غلوبس” إلى تخصيص نحو 4.5 أفدنة للمشروع، أي ما يقارب 1.8 هكتار، مع خيار لإضافة 3.25 أفدنة أخرى، وتحدث عن بنية كهرباء واتصالات معدة للموقع ومحطة كهرباء فرعية مخصصة وطاقة كهرومائية، إضافة إلى خط ائتمان من البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية “EBRD” يغطي قرابة 75% من كلفة الاستثمار.

ويستهدف المشروع في مرحلته الأولى قدرة تشغيلية تتجاوز 20 ميغاوات، مع خطط لتوسعتها مستقبلًا إلى أكثر من 100 ميغاوات، بما يؤهله لاستضافة أحمال كبيرة للحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي، فيما حدد الربع الأول من 2029 موعدًا متوقعًا لتشغيل المرحلة الأولى.

وتبقى هوية العملاء من أكثر جوانب المشروع حساسية، إذ تحدثت “غلوبس” عن ثلاثة زبائن مبكرين، بينهم شركة “إنفوسوفت” Infosoft الألبانية العاملة في تكنولوجيا المعلومات، وشركة تخزين ألمانية لم تسمها، إضافة إلى جهة حكومية ألبانية بقي اسمها سريًا، من دون إعلان طبيعة البيانات أو الخدمات التي ستستخدم المركز من أجلها.

وعند توقيع الاتفاق عام 2025، تحدث رجل الأعمال روي شابوشنيك عن بناء مركز تكنولوجي إقليمي وتوفير وظائف وتدريب جيل جديد من الخبراء الرقميين والسيبرانيين، وهو امتداد للمسار الذي بدأه مع شركائه عبر الشركات ومراكز التدريب التي أنشئت منذ 2022، لتنتقل الدائرة التجارية نفسها خلال سنوات قليلة من التدريب والخدمات السيبرانية إلى مشروع بنية تحتية قادر على استضافة البيانات والحوسبة على نطاق أوسع.

من السايبر إلى البيانات.. شبكة أعمال إسرائيلية انتقلت خلال سنوات قليلة إلى مشروع بنية رقمية بقيمة 100 مليون يورو

تضع الباحثة الألبانية أوليانا سولا، من جامعة ألكسندر مويسيو في مدينة دوريس، هذا النوع من الاستثمار داخل تحد أوسع يواجه دول غرب البلقان.

إذ ربطت خلال مؤتمر “POINT” الإقليمي للسياسات الرقمية في يونيو/حزيران 2026 السيادة الرقمية بقدرة الدول على تطوير المؤسسات والبنية والمهارات المحلية بالتوازي مع استيراد التكنولوجيا، وحذرت من أن ضعف هذه القدرات يزيد اعتماد الدول الصغيرة على التكنولوجيا التي تنتج وتدار في الخارج.

تحصل ألبانيا عبر المشروع على استثمار كبير في قطاع يحتاج إلى رأس مال وبنية كهربائية واتصالات وخبرة متخصصة، بينما يدخل المستثمرون سوقًا يوفر لهم منطقة اقتصادية بحوافز ضريبية وطاقة متجددة وقربًا من أسواق الاتحاد الأوروبي، داخل دولة عضو في “الناتو” تربط حكومتها التحول الرقمي بمسارها الاقتصادي والأوروبي.

لماذا ألبانيا.. وما حدود الاعتماد الرقمي؟

يوضح خطاب الحكومة والسفارة الإسرائيلية أن التقاء الطرفين يقوم على حاجتين متبادلتين، إذ ترى تيرانا في التكنولوجيا طريقًا أسرع لتحديث اقتصادها وتعويض محدودية السوق والموارد، بينما تنظر الشركات الإسرائيلية إلى ألبانيا كسوق صغيرة سريعة النمو وقريبة من أوروبا وتحتاج إلى حلول في مجالات تملك فيها خبرة متقدمة.

لا ينفصل التوسع الإسرائيلي في ألبانيا عن تحرك أوسع في غرب البلقان، إذ يرى فوك فوكسانوفيتش، المحاضر في السياسة الخارجية والاستراتيجية الكبرى بقسم دراسات الحرب في “كينغز كوليدج لندن”، أن “إسرائيل” تسعى إلى توسيع دائرة شراكاتها الدبلوماسية والأمنية في المنطقة، مستفيدة من وجود دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي وأخرى مرشحة للانضمام إليه، بما يمنح هذه العلاقات وزنًا يتجاوز حدود البلقان نفسها.

تحمل ألبانيا ضمن هذا المسار قيمة خاصة، إذ يعتقد ديميتريس دالاكوجلو، أستاذ الأنثروبولوجيا الاجتماعية ودراسات التنمية في جامعة أمستردام الحرة، أن العلاقة بين الطرفين انتقلت إلى “شراكة استراتيجية”، موضحًا أن التعاون مع دولة ذات غالبية مسلمة وعضو في حلف “الناتو” وشديدة الارتباط بالغرب يمنح “إسرائيل” قيمة دبلوماسية إضافية، خصوصًا في ظل الضغوط التي تواجهها بسبب حربها على غزة.

أما من جهة تيرانا، فيرى الصحفي والمحلل روفشان محمدلي أن التقارب مع “إسرائيل” يرتبط أيضًا بحسابات ألبانيا تجاه واشنطن ورغبتها في تثبيت صورتها كشريك غربي موثوق، وهي قراءة تتقاطع مع خطاب راما الذي قدم التكنولوجيا الإسرائيلية في مايو/أيار 2026 باعتبارها نموذجًا يمكن أن يساعد بلاده على تحقيق قفزة أسرع في مسار التحول الاقتصادي والرقمي.

في هذا السياق ظهر “جيت بنك” Jet Bank، الذي حصل في 25 مارس/آذار 2026 على الترخيص النهائي لمزاولة الأنشطة المصرفية والمالية، ليصبح أول بنك ألباني يستهدف العمل بصورة رقمية كاملة. وتأسس الكيان في يوليو/تموز 2025 باسم “JET ALBANIA”، قبل أن تنتقل ملكيته في يناير/كانون الثاني 2026 إلى شركة “جيت هولدنغز بي في” Jet Holdings B.V المسجلة في هولندا.

وتظهر سجلات المركز الوطني للأعمال الألباني أن رجل الأعمال الإسرائيلي إيدان أفيشاي هو المستفيد النهائي من 71.52% من رأس المال عبر شركة “كونستادور” Constador Ltd القبرصية، فيما تضم Jet Holdings خمس شركات مسجلة في “إسرائيل” تملك مجتمعة 28.5% من رأس المال، لتدخل بذلك كتلة من المستثمرين الإسرائيليين مباشرة إلى الشركة المالكة لأول بنك رقمي بالكامل في البلاد.

أما البنية التقنية فتقوم على موردين من دول مختلفة، إذ اختار البنك منصة شركة “باكبيس” Backbase الهولندية لإدارة تجربة العملاء وربط الخدمات المصرفية الأساسية والبطاقات ومزودي الخدمات الخارجيين داخل بيئة استضافة مُدارة، وتشارك شركة “فاسيليزيشن” Facilization الألبانية في تنفيذ النظام وربطه.

وتمنح سياسة الخصوصية لـJet البنك صفة المتحكم القانوني في بيانات العملاء بموجب القانون الألباني، وتسمح بمعالجة البيانات لدى مزودي التكنولوجيا ونقلها داخل ألبانيا وخارجها عند الحاجة للخدمات أو الالتزامات القانونية، بينما بقي موقع الخوادم التي تستضيف النواة المصرفية وقواعد البيانات الأساسية غير محدد.

تأتي هذه البنية في وقت بدأ فيه مصرف ألبانيا نفسه التعامل مع الاعتماد المتزايد على التكنولوجيا الخارجية بوصفه مسألة تنظيمية وأمنية، إذ قال محافظه جنت سيكو خلال قمة ألبانيا–”إسرائيل” للأمن السيبراني في مايو/أيار 2026 إن الرقمنة السريعة للقطاع المالي توسع التعرض للمخاطر السيبرانية، وربط أمن الفضاء الرقمي بالاستقرار المالي والأمن القومي والثقة في النظام المصرفي.

وفي يوليو/تموز من العام نفسه، أقر مصرف ألبانيا لائحة بشأن “المرونة التشغيلية الرقمية” إلى جانب تعديلات على قواعد استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في المؤسسات المالية، مع توسع الخدمات الإلكترونية واعتماد القطاع على الأنظمة والموردين الخارجيين، فيما وضعت استراتيجية المصرف للأعوام 2026–2028 المخاطر المرتبطة بالأطراف الثالثة ومزودي التكنولوجيا ضمن الملفات التي تستدعي رقابة أكبر.

يمتد السؤال نفسه إلى حماية البيانات خارج القطاع المصرفي، إذ قال مفوض حماية البيانات والمعلومات الألباني بسنيك ديرفيشي في يونيو/حزيران 2026 إن ألبانيا تقدمت في مواءمة تشريعاتها مع قواعد الاتحاد الأوروبي، لكنها ما زالت بحاجة إلى تطوير القدرة المؤسسية المطلوبة لتطبيق هذه القواعد مع توسع تدفق البيانات والخدمات الرقمية.

ترى الباحثة في السياسات الرقمية ألبا برويكا أن الطموح الألباني في الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي يتحرك بوتيرة أسرع من الاستعداد القانوني والتقني والمؤسسي، وهي قراءة تلتقي مع ما تطرحه سولا بشأن الحاجة إلى بناء المهارات والمؤسسات المحلية بالتوازي مع شراء التكنولوجيا واستقدام رأس المال والخبرة من الخارج.

وعند جمع هذه القراءات مع مسار السايبر ومركز البيانات والبنك، تظهر مصلحة إسرائيلية أوسع من مجرد بيع الخدمات، إذ يمنح التوسع في ألبانيا “تل أبيب” شريكًا أمنيًا في بلد تتقاطع معه في الخصومة مع طهران، وحضورًا تقنيًا واقتصاديًا داخل دولة مرشحة للاتحاد الأوروبي، وعلاقة وثيقة مع بلد أوروبي ذي غالبية مسلمة، إلى جانب سوق لشركات التكنولوجيا والأمن السيبراني.

في الاتجاه المقابل، تستخدم حكومة راما هذه العلاقة لتسريع الرقمنة وجذب رأس المال والخبرة وتعزيز موقعها داخل المعسكر الغربي، لكن توسع الموردين والشركات الأجنبية داخل القطاعات الحساسة جعل مؤسسات ألبانيا نفسها تضع الاعتماد التكنولوجي وحماية البيانات والقدرة على تشغيل الأنظمة ضمن المخاطر التي تحتاج إلى تنظيم أكبر.

وهكذا يصبح السؤال حول الحضور الإسرائيلي في ألبانيا مرتبطًا بمدى تحوله من شراكات توفر التكنولوجيا والاستثمار إلى نفوذ طويل الأمد داخل القطاعات التي تبني عليها الدولة اقتصادها الرقمي، وهو مسار يزداد وزنه كلما انتقلت العلاقة من بيع الحلول وتدريب الكوادر إلى الاستثمار في مراكز البيانات والمال والخدمات التي تمر عبرها معلومات الدولة والمواطنين.

علاماتألبانيا ، الألبانيون ، الأمن السيبراني ، الحروب السيبرانية ، الهجمات السيبرانية
مواضيعالاحتلال الإسرائيلي ، الممر الإسرائيلي في البلقان

قد يعجبك ايضا

سياسة

رابع أكبر مستورد عالمي له.. هل تستطيع قطر إنتاج سلاحها محليًا؟

نون إنسايت٢١ أكتوبر ٢٠٢٦
سياسة

لماذا قد لا تكفي خسارة نتنياهو لإنهاء حكمه؟

أحمد الطناني٢١ أكتوبر ٢٠٢٦
سياسة

هجوم على أحدها اعتداء على الجميع.. تفاصيل اتفاقية الدفاع بين تركيا والسعودية وباكستان

راغب صويلو٢٠ أكتوبر ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑