• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

“أبو عبد الرحمن الزربة”.. من هندسة اقتصاد “الهيئة” إلى الرقابة المالية

حسن إبراهيم١٠ أكتوبر ٢٠٢٦

رئيس الجهاز المركزي للرقابة المالية محمد عمر قديد

“بنينا مدينة صناعية كبيرة وأحياء سكنية، وشيدنا طرقات ومولات وأسواقًا وأشياء كثيرة في ظل الحرب، وتنشّطت الحركة التجارية، واستطعنا تأمين وظائف للعاطلين عن العمل، وكل ذلك بجهد ذاتي ومحلي”، هكذا وصف الرئيس السوري أحمد الشرع تجربة الإدارة والمؤسسات في إدلب، متحدثًا عن اقتصاد تشكل في ظروف الحرب وتمكّن، رغم محدودية الموارد والتحديات، من بناء قطاعات ومؤسسات وأنشطة اقتصادية.

إدارة ذلك الاقتصاد ارتكزت على رجال وشخصيات تولت ملفاته المختلفة، وشكل بعضهم في الوقت نفسه جزءًا من الدائرة القريبة من أحمد الشرع، وكان محمد عمر قديد، المعروف باسم “أبو عبد الرحمن الزربة”، أحد أبرز الأسماء في هذا المشهد، إذ امتد نشاطه بين المعابر والمحروقات والاستثمار والعقارات والتعاملات المالية والنقل، وتوزع حضوره بين شركات وكيانات اقتصادية ظهرت واختفت خلال تلك السنوات.

هذا الحضور المتزايد لقديد لم يخلُ من اتهامات تتعلق بـ”الاحتكار، وإنشاء شركات متداخلة، وافتعال أزمات لتحقيق مكاسب مالية، وتوسيع النفوذ الاقتصادي، وإدارة معابر ومنافذ، إضافة إلى اتهامات باختلاس أموال”، وردت في تقارير إعلامية وبحثية استند بعضها إلى شهادات محلية وأخرى إلى شهادات منشقين عن “تحرير الشام”، دون أن تُؤكَد أو تُحسم هذه الاتهامات قضائيًا، وشكّلت جانبًا من الجدل الذي رافق دور قديد ونفوذه.

بعد سقوط نظام الأسد وتولي أحمد الشرع إدارة البلاد، بات “أبو عبد الرحمن الزربة” منذ آذار/مارس 2025 يرأس الجهاز المركزي للرقابة المالية في سوريا، في محطة تعكس اتساع المسار الذي قطعه الرجل، من بداياته في قطاع الأفران والمعجنات، ثم ارتباطه بهيئة تحرير الشام وتوسع حضوره في المحروقات والمال والاستثمار، وصولًا إلى أحد المواقع الرسمية في الإدارة السورية الجديدة.

رحلة النفوذ الاقتصادي

وُلد محمد عمر قديد عام 1981 في بلدة دركوش بريف إدلب، وبدأ حياته المهنية خبازًا، قبل أن يكون من المؤسسين الأوائل لـ”جبهة النصرة” في إدلب عام 2011، حيث عمل في بداياته سائقًا للشرعي عبد الرحيم عطون، الذي يرأس حاليًا المكتب الاستشاري للشؤون الدينية لدى رئاسة الجمهورية السورية، ورافق لاحقًا تحولات الجماعة من “جبهة النصرة” إلى “جبهة فتح الشام” ثم “هيئة تحرير الشام”، وتعزّز حضوره تدريجيًا في الملفات الاقتصادية.

أسس قديد شركة للصرافة والتحويلات المالية حملت اسم “الوسيط”، برأس مال قيل إنه تجاوز 30 مليون دولار أمريكي، جُمع معظمه، بحسب تقارير، من الإتاوات المفروضة على العاملين في قطاع الصرافة بإدلب، كما ارتبط اسمه بالسيطرة على عدد من المباني الرسمية والممتلكات العامة.

ومع تأسيس “حكومة الإنقاذ”، أُنشأت “المؤسسة العامة للنقد” بتوجيه من قديد، وهي كيان تابع لـ”تحرير الشام”، وترأسها منذ تأسيسها في 11 أيار/مايو 2017، فيما حوّل شركة “الوسيط” إلى “بنك الشام” عام 2018، لتتسع بذلك أدواره في إدارة القطاع المالي والاقتصادي، وعُرف باسم “أبو عبد الرحمن الزربة”، وكان يرد اسمه بصيغتي محمد عمر قديد ومصطفى قديد.

امتد نفوذه بين المحروقات والعقارات والتجارة والاستثمار، وتحول اسمه إلى نقطة التقاء بين عدد من الكيانات التي شكلت ركائز النشاط الاقتصادي في إدلب، عبر توليه إدارة مؤسسات اقتصادية خاصة رديفة للهيئة، فترأس مجلس إدارة “صندوق نماء للاستثمار” منذ تأسيسه في نيسان/أبريل 2019، وأدار كذلك “صندوق الخير للاستثمار” و”صندوق البركة للاستثمار”، إلى جانب شركات “وتد للمحروقات” و”ريادة للتطوير العقاري” و”ألفا للأجهزة الكهربائية”.

ولعب قديد دورًا مركزيًا في ملف المعابر التي سيطرت عليها “جبهة النصرة” وتحولاتها، وشكلت هذه المعابر، الداخلية منها والحدودية، أحد أبرز مواردها المالية، فيما تحولت السيطرة عليها خلال سنوات التوسع العسكري للفصيل إلى محور للصراع والاشتباكات، ومن أبرزها معبر مورك على طريق حلب-دمشق، وقلعة المضيق وأبو دالي بريف إدلب الجنوبي، والعيس والمنصورة بريف حلب، وميزناز بريف إدلب الشرقي، ودير بلوط ودارة عزة بريف حلب الغربي.

الرابط الأبرز بين هذه الكيانات والمسميات كان قديد، الذي وصفه تقرير معهد الشرق الأوسط بأنه “العقل المدبر” لاقتصاد “تحرير الشام”، فيما شكلت الكيانات التي أدارها شبكة مترابطة من أبرز أعمدة ذلك الاقتصاد.

رئيس الجهاز المركزي للرقابة المالية محمد عمر قديد (الجزيرة)

اتهامات وشبهات

رافق توسع “تحرير الشام” الاقتصادي اتهامات بالسيطرة على قطاعات حيوية واحتكار بعض السلع والأسواق، ومن أبرزها المحروقات، حيث تأسست شركة “وتد للمحروقات” عام 2018، وسرعان ما أصبحت الجهة الوحيدة لاستيراد المحروقات إلى مناطق نفوذ “حكومة الإنقاذ”، بإدارة قديد.

وامتد التحكم إلى حركة السلع عبر المعابر، إذ أغلقت “تحرير الشام” معبري دارة عزة-الغزاوية ودير بلوط-أطمة أمام شحنات المحروقات القادمة من مناطق سيطرة “الجيش الوطني السوري”، كما منعت دخول بعض المنتجات الزراعية، ما انعكس على الأسعار وحركة الأسواق، وبررت هذه الإجراءات بحماية الإنتاج المحلي.

وفي أزمة نقص مادة السكر التي شهدتها إدلب في شباط/فبراير عام 2022، وصلت الاتهامات إلى حد افتعال النقص لرفع الأسعار وتحقيق مكاسب مالية، لتصبح إدارة الأسواق والأزمات أحد أبرز الملفات التي ارتبط بها قديد خلال تلك المرحلة.

خلال عامي 2023 و2024، حين عصفت الخلافات بـ”تحرير الشام” على خلفية ملف “العمالة والاختراق”، بقيت اللجنة الاقتصادية قائمة ومرتبطة مباشرة بأحمد الشرع، ولم يتوقف أعضاؤها عن العمل، وكان “أبو عبد الرحمن الزربة”، من الداعمين لها وأهم أعضائها والمسؤولين عن إدارة موارد الهيئة بعد قتيبة بدوي “المغيرة بنّش”، ما عكس موقعه المتقدم في الملف الاقتصادي خلال أحلك الظروف.

وفي خضم تلك الخلافات، ظهرت روايات عن هروب قديد إلى الخارج وبحوزته مبالغ مالية تراوحت، بحسب ما نُشر حينها، بين 14 و31 مليون دولار، لكن الإعلام المحسوب على “تحرير الشام” نفى أخبار هروبه.

شركات رسمت اقتصاد إدلب تتمدد في سوريا

بالعودة إلى الشركات التي نشأت في إدلب وأدارها قديد، كانت “وتد” أبرزها في قطاع المحروقات، إذ أصبحت المستورد الحصري للمادة، إلى جانب “كاف” و”الشهباء” اللتين بقي حضورهما محدودًا مع ارتباط غير معلن بـ”وتد”، التي واجهت احتجاجات شعبية ووُصفت بـ”دراكولا المحرر”، قبل أن تتوقف عن العمل في تشرين الأول/أكتوبر 2022 بعد نحو خمس سنوات على تأسيسها.

سرعان ما برزت “طيبة للمحروقات”، رغم أنها تأسست عام 2019 وبدأت نشاطها بافتتاح أربع محطات وقود داخل مدينة إدلب، ثم امتد عملها إلى عدد من القرى والبلدات، قبل أن تستحوذ على “وتد” وتصبح صاحبة الحصة الأكبر من مناقصات المحروقات في المحافظة، وتقول “طيبة” إنها إحدى شركات “نماء للاستثمار” وذراعها الرئيسية في قطاع الطاقة والمشتقات النفطية.

وحصلت “طيبة” على موافقات لاستثمار محطات وقود تابعة للإدارة العامة للنفط، إلى جانب امتياز استثمار عشرات المحطات العسكرية التابعة للنظام السابق، من دون طرح مناقصات مفتوحة أو مزايدات علنية، وفق تقارير إعلامية.

أما شركة “زاجل للنقل”، فبدأت نشاطها في تشرين الأول/أكتوبر 2020، بعد موافقة مديرية النقل على استثمار خط النقل الداخلي في مدينة إدلب، ورغم نفي ارتباطها بـ”تحرير الشام” و”حكومة الإنقاذ”، إلا أنها كانت تُدار من قبل قديد، وظهرت خلال أزمة السكر عبر تزويد السوق المحلية بالمادة وإنشاء خط لاستيرادها من تركيا مقابل رسوم جمركية كبيرة.

وزير الزراعة باسل السويدان  مع رئيس الجهاز المركزي للرقابة المالية محمد عمر قديد، 19 آب 2026 (وزارة الزراعة)

وبعد الإطاحة بنظام الأسد، امتد نشاط “زاجل” إلى محافظات سورية أخرى، وأصبحت حافلاتها منتشرة في عدد منها، وفي حزيران/يونيو 2025، غيّرت الشركة صورة صفحتها على “فيسبوك” إلى صورة “المؤسسة العامة للنقل”.

في عام 2018، حُوّلت شركة “الوسيط” للحوالات المالية، التي أسسها قديد، إلى بنك “شام”، الذي أصبح المصدر الرئيسي للعملة التركية المتداولة في إدلب، ولعب دورًا أساسيًا في تحديد شروط عمل الصرافة والتحويلات المالية في المنطقة.

وفي تموز/يوليو 2024، بدأ تطبيق “شام كاش” العمل في إدلب كوسيط للدفع الإلكتروني ومحفظة تتيح للمستخدمين إرسال التحويلات النقدية واستلامها، وهو تابع لبنك “شام”، الذي كان ضامنًا لعدم إغلاقه. وبعد سقوط النظام، اعتمدته وزارة المالية وسيلة لصرف رواتب العاملين في القطاع العام، كما اعتمدته مؤسسة الحبوب لتسديد أثمان القمح للمزارعين.

الرجل الذي كان جزءًا أساسيًا من هندسة اقتصاد “تحرير الشام”، وظل قبل سقوط الأسد شخصية بعيدة عن الأضواء، لا تُعرف عنه سوى معلومات محدودة وصور قليلة، صار رئيسًا للجهاز المركزي للرقابة المالية في سوريا، من دون إعلان رسمي عن تعيينه، وبات يتعامل مع ملفات الفساد المالي.

وأعلن الجهاز عن مخالفات بلغت خلال 2025 نحو 679.5 مليار ليرة و3.41 مليارات دولار، وقال مطلع 2026 إنه حقق في 268 قضية فساد مثبتة منذ سقوط النظام، بقيمة نحو 527 مليار ليرة و3.385 مليارات دولار.

وتكشف حالة محمد عمر قديد وأدواره المتشعبة نمط عملٍ جمع فيه “أبو عبد الرحمن” بين إدارة الكيانات التجارية في قطاعات المحروقات والنقل والصرافة، وبين ترؤس أجهزة تنظيمية مثل “المؤسسة العامة للنقد”، بما منحه حضورًا في إدارة قطاعات اقتصادية وتدفق الموارد ضمن هيكلية مركزية مرتبطة بالرئيس أحمد الشرع، واستمرت حتى بعد سقوط الأسد، حيث كشفت رويترز عن هيكلة سرية لاقتصاد البلاد شكّل قديد أحد أبرز رجالات الظل فيها.

علاماتالاقتصاد السوري ، الشأن السوري ، العدالة في سوريا ، الفساد في سوريا ، سوريا.. صفحة جديدة
مواضيعالأزمة السورية ، الاقتصاد السوري ، الشأن السوري ، الفساد ، بروفايل

قد يعجبك ايضا

اقتصاد

من البصرة إلى بانياس.. كيف يعيد العراق رسم منافذ طاقته؟

نون إنسايت٢٧ سبتمبر ٢٠٢٦
اقتصاد

بعد تسوية سامر فوز.. إلى أين وصل مسار الأصول المستردة؟

زينب مصري٢٦ سبتمبر ٢٠٢٦
اقتصاد

150 مليار دولار في أفريقيا.. ماذا تبني الإمارات وراء الموانئ والمناجم؟

فريق التحرير٢٢ سبتمبر ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑