لم يتوقف الجدل المرتبط بتحويل مطار المزة العسكري إلى مطار مدني، لما يحمله من إرث الانتهاكات التي شهدها الموقع، وحقوق الضحايا والمفقودين، وملف ملكية الأراضي، حتى تجدد حول الجهة التي تشارك في استثماره، رغم عدم الإعلان عنها رسميًا حتى الآن، واقتصر ما أعلنته الجهات السورية على جهود محلية في تنفيذ الأعمال الأولية، التي تشمل إزالة الركام وتأهيل بعض مكونات البنية التحتية المرتبطة بالملاحة الجوية.
بحسب ما أورده موقع “زمان الوصل” المحلي، فإن شركة “SyriaJet”، التي تأسست في سوريا عام 2025 ويملكها عادل مارديني، تشارك في استثمار مطار المزة، وهي تابعة للشركة الأم “Jetex” التي تأسست في الإمارات عام 2005 وهي مجموعة لها نشاط تجاري معلن في إسرائيل، بعدما فازت في مايو/أيار 2025، بالشراكة مع شركة “Layam” الإسرائيلية، بمناقصة لتشغيل صالات كبار المسافرين في مبنى الركاب الثالث بمطار بن غوريون، لمدة ست سنوات قابلة للتمديد 36 شهرًا.
حاول “نون بوست” الحصول على توضيحات من الهيئة العامة للطيران المدني السوري بشأن صحة المعلومات المتعلقة بمشاركة “SyriaJet” في تأهيل مطار المزة واستثماره، وطبيعة العقد أو الاتفاق المبرم معها في حال ثبوت مشاركتها، لكنه لم يتلقَّ ردًا حتى لحظة نشر التقرير. كما تواصل مع الشركة نفسها للاستفسار عن مشاركتها في المشروع، من دون أن يتلقى ردًا حتى موعد النشر.
في الظروف المعتادة، لا يُعدّ عمل شركة دولية في أسواق متعددة أمرًا استثنائيًا، وقد يكون جزءًا من توسعها التجاري، لكن وجود مجموعة “Jetex” في السوق الإسرائيلية، بالتوازي مع مشاركة شركة مرتبطة بها في مشروع سوري، يمنح الخطوة بعدًا يتجاوز الحساب التجاري البحت، إلى احتمالية انفتاح وتطبيع اقتصادي في وقت تتعثر فيه مفاوضات الوصول إلى اتفاق أمني.
فمنذ منتصف عام 2025، دخلت سوريا و”إسرائيل” في مسار مفاوضات بوساطة أمريكية، تركزت على الملفات الأمنية وترتيبات الحدود والاحتلال الإسرائيلي للأراضي السورية، وتمسك دمشق باتفاق فض الاشتباك لعام 1974، دون أن تسفر هذه المفاوضات، حتى الآن، عن اتفاق أمني نهائي، إذ قال الرئيس السوري أحمد الشرع، إن المفاوضات كانت تصل إلى 90% من التوصل إلى اتفاق، لكن “إسرائيل” تنسحب من الاتفاق لأسباب وذرائع مختلفة.
الرئيس السوري أحمد الشرع: وصلنا تقريبًا إلى 90% من التوصل إلى اتفاق مع “إسرائيل”، لكنها انسحبت من الاتفاق لأسباب وذرائع مختلفة. https://t.co/pqLrDxBTFd
— نون سوريا (@NoonPostSY) September 23, 2026
خلال السنوات الماضية، ارتبط مفهوم التطبيع العربي مع “إسرائيل” بالاتفاقات السياسية والعلاقات الدبلوماسية وفتح السفارات، لكن المصالح الاقتصادية والتجارية قد تتحرك في مسارات موازية للسياسة وحتى قبلها أحيانًا، حيث ظهر هذا البعد بصورة أوضح خلال الجولة الخامسة من المفاوضات السورية ـ الإسرائيلية، في يناير/كانون الثاني 2026، حين برز الحديث لأول مرة عن “فرص تجارية” و”تعاون اقتصادي” إلى جانب الملفات الأمنية، ترافق حينها مع تقارير إعلامية إسرائيلية عن إمكانية بدء محادثات في مجالات مدنية، بينها الطب والطاقة والزراعة.
يبحث التقرير احتمالية التطبيع الاقتصادي بين سوريا و”إسرائيل”، دون افتراض أن دمشق بدأت مسارًا رسميًا في هذا الاتجاه، إذ لا تتوفر معلومات كافية للقول إن تأهيل مطار المزة جزء من اتفاق سياسي سوري ـ إسرائيلي، فضلًا عن أن القوانين السورية تحظر هذا النوع من العلاقات مع العدو التاريخي الذي يواصل انتهاكاته في الجنوب السوري.
شركات عابرة للحدود.. بوابة محتملة للتقارب الاقتصادي؟
تتعامل القوانين السورية مع العلاقات التجارية والاقتصادية والاستثمارية مع إسرائيل على أنها من الأفعال المحظورة التي تندرج ضمن جرائم التهريب الكبرى الماسة بالأمن القومي، فيما عزّز المرسوم رقم 109 لعام 2026، المتضمن قانونًا جديدًا للجمارك، هذه القيود، إذ حظر إدخال البضائع ذات المنشأ الإسرائيلي إلى سوريا، سواء كانت موجهة إلى الأسواق الداخلية أو المناطق الحرة، كما يشمل الحظر دخول حاملي الجنسية الإسرائيلية إلى الأراضي السورية.
في المقابل، تسعى “إسرائيل” إلى إقامة علاقات اقتصادية مع سوريا ضمن مسار المفاوضات الجارية بينهما، وهو ما كشفه مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في جولة باريس (التي عُقدت في 6 يناير/كانون الثاني 2026)، دون أن يرافق هذا التصور إعلان عن مشاريع أو اتفاقات تجارية محددة.
كما تضمن البيان المشترك، الصادر عقب اجتماع باريس عن الولايات المتحدة وسوريا و”إسرائيل”، الاتفاق على إنشاء آلية تنسيق مشتركة بإشراف واشنطن، لتسهيل التنسيق المستمر بشأن تبادل المعلومات الاستخباراتية وخفض التصعيد العسكري والانخراط الدبلوماسي، إلى جانب “الفرص التجارية”، دون إعلان عن خطوات أو علاقات أو تعاون في هذا الصدد.
وفي ظل العداء التاريخي بين سوريا و”إسرائيل”، قد تكتسب الروابط التجارية غير المباشرة دلالة تتجاوز المصالح التجارية للشركات، خصوصًا عندما تجمع بين أطراف تعمل في أسواق لا تربطها علاقات رسمية.
فهذه الشبكات قد تخلق تقاطعات في المصالح، وتتيح أشكالًا من التواصل الاقتصادي قبل أي تحول معلن في الموقف السياسي. لكن تحديد ما إذا كانت هذه الروابط تمهّد فعلًا لتقارب أوسع يتطلب توفر معلومات عن طبيعة الشراكات، وحجمها، ومدى ارتباطها بمشاريع داخل سوريا، بدل الاكتفاء بوجود نشاط تجاري لإحدى الشركات في “إسرائيل”.

رغم عدم تأكيد الأخبار المتداولة بشأن مشاركة “سيريا جيت” في مشروع استثمار مطار المزة من مصدر رسمي أو مستقل، يقول أيمن الدسوقي، الباحث في الاقتصاد السياسي والإدارة المحلية، إن صحة هذه المعلومات تفتح الباب أمام ثلاثة تفسيرات محتملة، أولها محدودية فاعلية آليات المقاطعة المعتمدة في سوريا، أو وجود ثغرات في تطبيقها على الشركات ذات العلاقات التجارية غير المباشرة مع “إسرائيل”.
ويضيف الدسوقي لـ”نون بوست” أن التفسير الثاني يتمثل في تغليب الاعتبارات الاقتصادية والحاجة إلى جذب الاستثمارات الأجنبية على بعض القيود السياسية المرتبطة بالمقاطعة، فيما يتمثل الثالث في احتمال أن تشكل العلاقات التجارية العابرة للحدود مدخلًا لاتصالات غير رسمية بين أطراف سورية وإسرائيلية.
ويكتسب الاحتمال الثالث أهمية بالنظر للأدوار التي يمكن أن يضطلع بها رجال الأعمال في البيئات والأزمات التي تفتقر إلى قنوات اتصال رسمية مستقرة أو لا تنجح فيها تلك القنوات بتحقيق اختراقات لدفع المسار التفاوضي.
إذ تتيح شبكات رجال الأعمال الاقتصادية المتعددة فرصًا لنقل الرسائل واستكشاف المصالح المشتركة وطرح مبادرات محدودة لبناء الثقة، بعيدًا عن الالتزامات السياسية التي تفرضها المفاوضات الرسمية، وفق الباحث.
وفي هذا السياق، يشير الدسوقي إلى تجربة عادل مارديني السابقة في المشاركة بمبادرة “الضمير” عام 2013، التي سعت إلى طرح “تسوية سياسية للأزمة السورية”، بوصفها مؤشرًا على انخراطه السابق في مبادرات ذات طابع سياسي، من دون أن يشكل ذلك دليلًا على اضطلاعه بدور ما بين سوريا و”إسرائيل”.
وفق هذا المنظور، يمكن النظر إلى رجال الأعمال ذوي العلاقات العابرة للحدود بوصفهم فاعلين محتملين في إعادة تشكيل العلاقات السورية–الإسرائيلية، من باب اختبار فرص التعاون وتحديد المصالح المشتركة وطرح مبادرات لبناء الثقة، بحسب الباحث.
