منذ عام 2015، تعج الساحة اليمنية بخريطة متخمة بالتشكيلات العسكرية والأمنية متعددة الولاءات والمرجعيات؛ بعضها ينضوي رسميًا تحت مظلة الجيش اليمني، فيما تعمل الغالبية بهياكل وقيادات شبه مستقلة، مستندة إلى شبكات من التمويل والتسليح والدعم الخارجي.
وفي قلب هذه الخريطة، برزت الإمارات بوصفها الداعم الأكثر حضورًا وتأثيرًا في تأسيس عدد من تلك التشكيلات وتحديد مناطق انتشارها وأدوارها، فيما جاءت السعودية لاعبًا رئيسيًا آخر، وإن كانت بأدوات ومسارات مختلفة.
ومع الانسحاب الإماراتي – الشكلي- من اليمن، في أعقاب تصاعد الخلاف مع السعودية أواخر عام 2025 وما أعقبه من تفكيك المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من أبوظبي، تعرضت هذه الخريطة لهزة عنيفة أعادت رسم مواقع العديد من القوى والتشكيلات المسلحة.
ورغم التحولات التي طرأت على هياكل بعضها ومصادر تمويلها ومرجعياتها العملياتية، ظلت قطاعات منها تحتفظ بدرجات متفاوتة من الارتباط بأبوظبي، بحكم سنوات طويلة من الدعم والتمويل والتسليح وبناء شبكات الولاء والنفوذ.
غير أن التصعيد العسكري الأخير، الذي تشهده الساحة اليمنية منذ سبتمبر/أيلول الماضي، دفع بهذه الخريطة إلى مرحلة جديدة من إعادة التموضع، فعدد من التشكيلات التي أنشأتها أبوظبي أو أسهمت في تمويلها وتسليحها انتقل إلى المشاركة في عمليات عسكرية تجري تحت المظلة السعودية، بينما احتفظت تشكيلات أخرى بقياداتها السابقة وشبكات نفوذها وعلاقاتها التي تشكلت خلال سنوات الرعاية الإماراتية.
– شنّت القوات الجوية غارات مكثفة استهدفت مواقع عسكرية ومخازن أسلحة تابعة للحوثيين في صنعاء وتعز والجوف.
– استعادت القوات الحكومية مواقع في ريف تعز وأسقطت طائرة مسيّرة حوثية خلال مواجهات عنيفة في جبهات الأقروض والمسراخ والضباب.
– فرضت القوات المشتركة حصاراً خانقاً على مقاتلي الحوثي في معسكر العرضي وجزيرة ميون بالممر الدولي في باب المندب.
– نفّذ الجيش اليمني 1732 عملية استهداف دقيقة أدت -وفق بيانه- إلى تحييد 900 عنصر حوثي وتدمير 287 آلية عسكرية.
– استهدف الحوثيون مطارَي الملك خالد بالرياض والملك فهد بالدمام ومنشآت لشركة أرامكو، ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى وأضرار مادية.
— نون بوست (@NoonPost) October 12, 2026
وهكذا، تبدو خريطة القوى المناهضة للحوثيين اليوم أمام عملية إعادة تدوير للنفوذ أكثر منها عملية تفكيك كاملة للبنية العسكرية التي نشأت خلال سنوات الحرب؛ إذ تتغير مظلات القيادة والتمويل، فيما تبقى هياكل عسكرية وشبكات مصالح وولاءات تشكلت على مدار عقد كامل حاضرة في المشهد.
واليوم، وبعد قرابة عقد على نشأة معظم هذه التشكيلات، ومع اشتعال التصعيد مع الحوثي مجددًا، يعود السؤال الأكثر إلحاحًا: من يقود معركة الساحل الغربي فعليًا؟ وإلى أي مدى تغيرت خريطة النفوذ الإماراتي والسعودي داخل منظومة التشكيلات العسكرية اليمنية؟ وهل يعني انتقال بعض القوات للعمل تحت المظلة السعودية تراجعًا حقيقيًا لنفوذ أبوظبي، أم مجرد تحول في أدوات ممارسته؟ والأهم: كيف سينعكس استمرار الخلاف السعودي-الإماراتي على مستقبل هذه الكيانات المسلحة، وعلى خريطة القوة والنفوذ في اليمن خلال المرحلة المقبلة.
تنافس إماراتي–سعودي.. خريطة التشكيلات العسكرية في اليمن
منذ انطلاق عمليات التحالف في اليمن قبل نحو 11 عامًا، حرصت كل من الإمارات والسعودية على تعزيز حضورهما ونفوذهما داخل المشهد اليمني عبر بناء شبكات من التشكيلات العسكرية والأمنية المحلية الموالية لهما، حيث اتخذ هذا المسار أشكالًا متعددة، تراوحت بين استقطاب قوى وتشكيلات قائمة بالفعل وإعادة تأهيلها، وبين إنشاء كيانات عسكرية جديدة من الصفر، مع توفير التمويل والتدريب والتسليح والغطاء السياسي واللوجستي لها.
ومع مرور الوقت، أفضت هذه السياسة إلى ظهور خريطة عسكرية موازية للمؤسسات النظامية، باتت فيها بعض التشكيلات أكثر ارتباطًا بالجهة الخارجية التي تتولى تمويلها وتسليحها من ارتباطها بمؤسسات الدولة اليمنية، فيما تحول التنافس السعودي–الإماراتي على النفوذ إلى أحد العوامل الرئيسية التي أسهمت في رسم حدود انتشار تلك القوات وتحديد أدوارها ومناطق نفوذها.
أولًا: التشكيلات المدعومة إماراتيًا
يمكن رصد خمسة تشكيلات عسكرية وأمنية رئيسية تأسست بدعم إماراتي أو نجحت أبوظبي في استقطابها وإعادة تشكيلها خلال سنوات الحرب:
ألوية العمالقة الجنوبية.. القوة الضاربة لأبوظبي
تُعد ألوية العمالقة الجنوبية واحدة من أكبر وأبرز القوى العسكرية التي استثمرت فيها الإمارات خلال الحرب اليمنية، سواء على مستوى التدريب أو التمويل والتسليح والدعم اللوجستي، وبرزت الألوية بصورة رسمية منذ عام 2016، ويقودها عبدالرحمن أبو زرعة المحرمي، عضو مجلس القيادة الرئاسي.
وتتكون بصورة أساسية من مقاتلين جنوبيين يغلب على قطاعات منهم التوجه السلفي، ونجحت في تقديم أوراق اعتمادها ميدانيًا خلال معارك الساحل الغربي، ولا سيما الهجوم الواسع الذي وصل إلى أطراف مدينة الحديدة عام 2018، قبل أن تعود إلى واجهة العمليات خلال معارك شبوة ومأرب مطلع عام 2022، عندما نجحت في استعادة عدد من المديريات التي كان الحوثيون قد سيطروا عليها.
المقاومة الوطنية – حراس الجمهورية.. ذراع الساحل الغربي
تمثل المقاومة الوطنية، المعروفة عسكريًا بـ«حراس الجمهورية»، أحد أهم التشكيلات التي حظيت برعاية إماراتية على الساحل الغربي، وتشكلت نواتها الرئيسية عقب مقتل الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح في ديسمبر/كانون الأول 2017، ويقودها العميد طارق محمد عبدالله صالح.
وضمت في بداياتها ضباطًا وجنودًا سابقين في الحرس الجمهوري والقوات الخاصة، قبل أن تتوسع تدريجيًا وتتحول إلى قوة عسكرية تتمتع بدرجة كبيرة من الاستقلال التنظيمي.
وقدمت أبوظبي لهذه القوات التمويل والتدريب والتسليح والدعم اللوجستي، فيما تحولت مدينة المخا ومناطق الساحل الغربي إلى مركز الثقل العسكري والسياسي لمشروع طارق صالح، وتضع بعض التقديرات قوامها عند نحو 20 ألف مقاتل، فضلًا عن امتلاكها مستوى ملحوظًا من التسليح مقارنة بحجمها.
ويكمن أحد أبرز أوجه اختلافها عن عدد من القوى الأخرى التي دعمتها الإمارات في موقفها من القضية الجنوبية؛ إذ لا تتبنى المقاومة الوطنية مشروع انفصال الجنوب، بينما يقدم طارق صالح نفسه باعتباره جزءًا من المعسكر الجمهوري المؤيد لوحدة اليمن والمناهض للحوثيين.
ما خلفية الصراع بين السعودية والإمارات، وكيف أشعلت اليمن شرارته؟ https://t.co/a9WSZwp4ka
— نون بوست (@NoonPost) December 30, 2025
قوات دفاع شبوة.. ذراع أبوظبي في المحافظة النفطية
تمثل قوات دفاع شبوة إحدى أبرز القوى التي دعمتها الإمارات في المحافظة، وتعود جذورها إلى تشكيلات مرتبطة بـ«النخبة الشبوانية»، التي اضطلعت بمهام أمنية وعسكرية شملت تأمين مناطق داخل المحافظة ومواجهة الحوثيين والجماعات المسلحة.
وتولت أبوظبي على مدار سنوات جانبًا رئيسيًا من تمويل هذه القوات ودفع رواتب عناصرها وتدريبها وتسليحها، ما جعلها إحدى أهم أدوات النفوذ الإماراتي في شبوة، بما تمثله المحافظة من أهمية استراتيجية واقتصادية، وموقع يربط جنوب اليمن بشرقه ومناطقه النفطية.
النخبة الحضرمية.. قوة نوعية على ساحل حضرموت
ظهرت النخبة الحضرمية كقوة محلية منظمة أواخر عام 2015، في إطار الترتيبات الأمنية والعسكرية التي دعمتها الإمارات في حضرموت، وتولت أبوظبي تدريب عناصرها وتسليحهم وتأهيلهم، قبل أن تلعب القوة دورًا بارزًا في عملية إخراج تنظيم القاعدة من مدينة المكلا عام 2016.
وبعد ذلك تحولت إلى أحد الأعمدة الرئيسية للمنظومة الأمنية في ساحل حضرموت، واكتسبت سمعة باعتبارها من التشكيلات المحلية الأكثر تدريبًا، خصوصًا في العمليات الأمنية ومكافحة التنظيمات المسلحة، ما منحها وزنًا يتجاوز حجمها العددي داخل معادلة النفوذ في المحافظة.
قوات الحزام الأمني.. الذراع الأمنية للمجلس الانتقالي
مثلت قوات الحزام الأمني لسنوات الذراع الأمنية الأبرز للمجلس الانتقالي الجنوبي في عدن ولحج وأبين والضالع، كما شكلت جزءًا أساسيًا من شبكة القوات التي بنتها ودعمتها الإمارات في المحافظات الجنوبية، واحتفظت هذه القوات بعلاقات وثيقة مع أبوظبي، التي وفرت لها أشكالًا مختلفة من التدريب والتسليح والدعم، وأصبح الحزام الأمني أحد أهم مكونات النفوذ العسكري والأمني للمجلس الانتقالي، كما شاركت وحداته في عدد من جبهات القتال ضد الحوثيين في جنوب اليمن.
ثانيًا: التشكيلات المدعومة سعوديًا
على الضفة الأخرى، كانت السعودية حاضرة بقوة في خريطة التشكيلات العسكرية اليمنية، سواء عبر دعم المؤسسة العسكرية الحكومية أو تأسيس وتمويل قوى جديدة ترتبط بها بصورة مباشرة، وازداد هذا المسار أهمية مع تصاعد التنافس على النفوذ بين الرياض وأبوظبي، خصوصًا في المحافظات الجنوبية والشرقية؛ إذ عملت السعودية على بناء شبكة من القوى القادرة على موازنة التشكيلات التي حظيت بالدعم الإماراتي، وحماية مناطق نفوذها ومصالحها الاستراتيجية داخل اليمن.
قوات درع الوطن.. القوة السعودية الموازية
تُعد قوات درع الوطن النموذج الأكثر وضوحًا لقوة عسكرية حظيت برعاية سعودية مباشرة، وجرى إشهارها رسميًا عام 2023 بقرار من رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، ووُضعت تحت قيادة القائد الأعلى للقوات المسلحة مباشرة بدلًا من إدراجها ضمن الهيكل التقليدي لوزارة الدفاع.
وتضم القوات عددًا كبيرًا من المقاتلين الجنوبيين، ويغلب الطابع السلفي على قطاعات منها. وانتشرت وحداتها في عدد من المحافظات الجنوبية والشرقية، فيما وظفتها الرياض لتعزيز حضور الحكومة وموازنة نفوذ القوى المرتبطة بالمجلس الانتقالي، خصوصًا في حضرموت ومناطق أخرى شهدت تنافسًا سعوديًا–إماراتيًا متصاعدًا، وبذلك أصبحت «درع الوطن» واحدة من أهم الأدوات العسكرية التي تعتمد عليها الرياض في إعادة رسم توازن القوى داخل المعسكر المناهض للحوثيين.
قوات درع الوطن تعثر على أسلحة ومتفجرات وذخائر داخل مبنى الهلال الأحمر الإماراتي في حضرموت في اليمن https://t.co/brW3grpplc
— نون بوست (@NoonPost) January 6, 2026
قوات الطوارئ اليمنية.. احتياطي الرياض العسكري
تمثل قوات الطوارئ اليمنية مكونًا رئيسيًا آخر داخل شبكة القوى العسكرية المرتبطة بالسعودية، وتنتشر وحدات منها في مناطق قريبة من الحدود السعودية، إضافة إلى صعدة والجوف وجبهات أخرى، وتصنف باعتبارها إحدى ركائز الشبكة العسكرية المدعومة من الرياض، فيما تضع بعض التقديرات حجمها في نطاق يتراوح بين 30 و40 ألف عنصر، وإن ظلت الأرقام المتعلقة بأعداد أفراد معظم التشكيلات اليمنية تقريبية في ظل غياب إحصاءات رسمية مستقلة يمكن التحقق منها.
قوات حماية حضرموت.. الورقة القبلية في صراع النفوذ
تختلف قوات حماية حضرموت نسبيًا عن التشكيلات التي أنشئت بصورة مباشرة برعاية خارجية؛ إذ تعود جذورها إلى بيئة قبلية حضرمية محلية، غير أن السعودية عززت علاقتها بهذه القوات ووسعت نطاق دعمها لها بصورة ملحوظة منذ عام 2025.
ومع تصاعد الصراع على حضرموت، تحول هذا التشكيل إلى أحد المكونات المحلية التي استفادت منها الرياض في موازنة تمدد المجلس الانتقالي والقوى المدعومة إماراتيًا، قبل أن تبدأ محاولات لإعادة تنظيمه وربطه بصورة أكبر بالمنظومة الأمنية والعسكرية التابعة للحكومة.
الجيش الوطني والقوات الحكومية في مأرب
يمثل الجيش الوطني حالة مختلفة عن بقية التشكيلات السابقة؛ فهو يتبع رسميًا وزارة الدفاع اليمنية، ومن ثم لا يمكن توصيفه باعتباره تشكيلًا عسكريًا سعوديًا بالمعنى المباشر، لكن السعودية ظلت الداعم الخارجي الرئيسي للمؤسسة العسكرية الحكومية خلال سنوات الحرب، سواء من خلال الدعم المالي أو التسليح والتدريب والإسناد العسكري، خصوصًا بالنسبة للقوات المتمركزة في مأرب والجوف والمناطق الشرقية.
وتحولت مأرب على وجه الخصوص إلى مركز ثقل رئيسي للقوات الحكومية المناهضة للحوثيين في شمال وشرق اليمن، كما شكلت القوات المنتشرة فيها، إلى جانب المقاومة القبلية المحلية، أحد أهم مكونات النفوذ السعودي داخل المعسكر الحكومي.
ثالثًا: تشكيلات خارج الاستقطاب السعودي–الإماراتي
وبعيدًا عن ثنائية النفوذ السعودي–الإماراتي، تضم الخريطة العسكرية اليمنية عددًا من التشكيلات والقوى التي تتمتع بدرجات متفاوتة من الاستقلالية، ما يجعل تصنيفها بصورة مباشرة ضمن المعسكر المحسوب على الرياض أو ذلك المرتبط بأبوظبي أمرًا غير دقيق.
وتبرز في مقدمة هذه القوى المقاومة الشعبية والقبلية، وقوات محور تعز، إلى جانب بعض وحدات الجيش النظامي والتشكيلات المحلية التي نشأت في الأساس استجابةً لظروف ميدانية وسياسية خاصة بكل محافظة، وليس باعتبارها امتدادًا مباشرًا لمشروع نفوذ خارجي.
وينطبق الأمر بصورة أوضح على تشكيلات المقاومة القبلية في مأرب والجوف والبيضاء وغيرها من المحافظات، والتي أفرزتها بالأساس الديناميات القبلية والمحلية المرتبطة بمواجهة الحوثيين والدفاع عن مناطقها.
ورغم حصول بعض هذه القوى لاحقًا على دعم مالي أو عسكري من الحكومة اليمنية أو السعودية، فإن ذلك لا يعني بالضرورة اندراجها بصورة كاملة ضمن شبكة القوى الموالية للرياض، إذ ظل جانب معتبر منها محتفظًا بمرجعيته المحلية والقبلية وبقدر من الاستقلال في بنيته وقيادته وحركته الميدانية.
ومن ثم، تكشف هذه التشكيلات عن بُعد ثالث في الخريطة العسكرية اليمنية يتجاوز الاستقطاب بين الرياض وأبوظبي، ويؤكد أن المشهد المسلح في البلاد لا تحكمه الرعاية الخارجية وحدها، وإنما تتداخل في تشكيله أيضًا الحسابات القبلية والمناطقية والمصالح المحلية وضرورات المواجهة مع الحوثيين.
إعادة تدوير القوة.. من أبوظبي إلى المظلة السعودية
بعد الانسحاب الإماراتي من اليمن مطلع العام الجاري، وجدت العديد من التشكيلات المسلحة التي ارتبطت لسنوات بالدعم الإماراتي نفسها أمام اختبار وجودي؛ إذ تراجعت المظلة السياسية والمالية التي وفرتها أبوظبي، في وقت كانت فيه تلك القوات بحاجة إلى الحفاظ على هياكلها ومصادر تمويلها وتسليحها ومكتسباتها الميدانية، عند هذه النقطة تحديدًا، تلاقت المصالح السعودية مع مصالح عدد من تلك التشكيلات، فالرياض تبحث عن قوة عسكرية جاهزة وذات خبرة، وهذه التشكيلات تبحث عن مظلة جديدة تضمن استمرارها وتمويلها.
ومع اتجاه السعودية إلى الانخراط بصورة أكبر في المواجهة العسكرية الراهنة مع الحوثيين، برزت أمامها حقيقة فرضتها سنوات الحرب، وهي أن عددًا من التشكيلات غير النظامية أو الموازية للمؤسسة العسكرية الرسمية بات يمتلك خبرات قتالية وحضورًا ميدانيًا يفوق، في بعض الجبهات، قدرات وحدات الجيش اليمني التقليدي، ومن ثم، أصبح الاعتماد على هذه القوى خيارًا عمليًا بالنسبة للرياض، رغم أن جزءًا معتبرًا منها تأسس وترعرع لسنوات تحت مظلة الدعم الإماراتي.
ومن هنا، تبنت المملكة ما يمكن وصفه باستراتيجية “إعادة تدوير القوة”؛ فبدلًا من تفكيك البنية العسكرية التي أنفقت الإمارات سنوات في بنائها وتدريبها وتسليحها، اتجهت الرياض إلى استيعاب قطاعات منها وإعادة توظيفها داخل منظومة النفوذ الجديدة، وذلك عبر توفير التمويل ودفع الرواتب والدعم والتسليح، بالتوازي مع إعادة ترتيب هياكل بعض تلك القوات وربطها تدريجيًا بالمؤسسات العسكرية والأمنية الرسمية، وفي مقدمتها وزارتا الدفاع والداخلية.
مقطع فيديو يظهر قوات الشرعية في اليمن تحكم سيطرتها على مضيق باب المندب بعد معارك عنيفة مع ميليشيا الحوثي https://t.co/3dVslTz9tP
— نون بوست (@NoonPost) October 6, 2026
وتبرز ألوية العمالقة الجنوبية وقوات دفاع شبوة والنخبة الحضرمية ومكونات من الحزام الأمني السابق ضمن أهم التشكيلات إماراتية المنشأ التي دخلت بدرجات متفاوتة في ترتيبات عسكرية وأمنية جديدة تحت المظلة السعودية، وهي قوات استثمرت أبوظبي لسنوات في بنائها وتمويلها وتأهيلها، قبل أن تبدأ الرياض في استيعاب أجزاء منها، وإعادة ربطها بمؤسسات الدولة وإدخالها ضمن خريطة عمليات أكثر ارتباطًا بالقيادة السعودية.
وبذلك تغيرت معادلة النفوذ داخل خريطة التشكيلات العسكرية اليمنية، فلم يعد السؤال الحاسم يتعلق فقط بـمن أنشأ هذه القوات في البداية؟ وإنما بمن يدفع رواتبها اليوم، ومن يوفر لها السلاح والتمويل، ومن يمتلك القدرة على تعيين قياداتها أو إعادة ترتيبها، والأهم: من يصدر أمر التحرك والقتال؟
وتكتسب هذه المتغيرات أهمية خاصة عند محاولة تحديد الطرف الذي يدير معركة الساحل الغربي حاليًا، فإذا كانت أبوظبي قد أسهمت في بناء وتأهيل عدد من أبرز القوى الموجودة على الأرض، فإن انتقال جانب من مفاتيح التمويل والقيادة والتوجيه العملياتي إلى الرياض يعيد رسم موازين النفوذ داخل المعسكر المناهض للحوثيين، ووفق هذه المعادلة، تبدو الكلمة السعودية أكثر حضورًا في إدارة المرحلة الحالية، حتى عندما يجري تنفيذ العمليات بأذرع وتشكيلات يعود جانب مهم من نشأتها وبنيتها العسكرية إلى سنوات الرعاية الإماراتية.
مستقبل التشكيلات المسلحة.. ثلاثة سيناريوهات لصراع النفوذ
كشفت التحولات الأخيرة التي طرأت على خريطة التشكيلات المسلحة العاملة خارج الأطر التقليدية للمؤسسة العسكرية اليمنية عن عمق الخلاف بين الرياض وأبوظبي، وأظهرت أن جوهره يتجاوز، إلى حد بعيد، مجرد التباين بشأن المجلس الانتقالي الجنوبي، كما ذهبت بعض القراءات، فالصراع في أحد أبعاده الرئيسية يتعلق بشكل الدولة اليمنية مستقبلًا، وبكيفية توزيع القوة العسكرية والأمنية داخلها، وبالطرف الذي يمتلك مفاتيح التأثير في مراكزها الاستراتيجية.
وتلقي هذه الخلافات بقدر كبير من الضبابية على مستقبل التشكيلات المسلحة التي نشأت وتوسعت خلال سنوات الحرب، خصوصًا إذا استمر التنافس السعودي–الإماراتي على النفوذ، فالغياب العسكري الإماراتي المباشر عن المشهد لا يعني بالضرورة انتهاء نفوذ أبوظبي؛ إذ لا تزال سنوات طويلة من التمويل والتدريب والتسليح وبناء العلاقات مع القيادات المحلية تترك بصمتها داخل عدد من هذه التشكيلات، بما يسمح باستمرار أشكال من النفوذ غير المباشر حتى مع تراجع الحضور الإماراتي المعلن.
وفي ضوء ذلك، يبدو مستقبل هذه الكيانات العسكرية محكومًا بثلاثة مسارات رئيسية:
المسار الأول: السعودة التدريجية للتشكيلات المسلحة.. ويقوم هذا السيناريو على انتقال هذه الكيانات تدريجيًا من دائرة النفوذ الإماراتي إلى المظلة السعودية، وصولًا إلى إعادة تشكيل ولاءاتها بصورة أكثر ارتباطًا بالرياض، ولن يتحدد هذا التحول بالشعارات أو المواقف السياسية بقدر ما ستحسمه السيطرة على مفاتيح القوة الفعلية: من يمول، ومن يدفع الرواتب، ومن يوفر السلاح، ومن يعيد ترتيب القيادات، ومن يمتلك في النهاية قرار التحريك والانتشار والقتال، وكلما نجحت الرياض في احتكار هذه الأدوات، تراجعت قدرة أبوظبي على التأثير المباشر داخل التشكيلات التي ساهمت أصلًا في بنائها، وتحولت تلك القوات تدريجيًا من أصول عسكرية إماراتية المنشأ إلى مكونات تعمل داخل منظومة النفوذ السعودي.
المسار الثاني: الولاء المزدوج.. يفترض هذا المسار نجاح السعودية في التحول إلى المظلة العسكرية والمالية الرئيسية لمعظم هذه التشكيلات، وقيادتها للعمليات الكبرى وتوفير جانب أساسي من احتياجاتها، من دون أن يؤدي ذلك بالضرورة إلى قطع روابطها القديمة بأبوظبي.
فقد تحتفظ الإمارات بعلاقاتها مع بعض القيادات والشبكات العسكرية والسياسية التي بنت معها شراكات ممتدة خلال سنوات الحرب، بما يخلق حالة من ازدواج الولاء: قيادة عملياتية وتمويلية سعودية من جهة، وروابط سياسية وشخصية ومصلحية إماراتية من جهة أخرى، وقد يمثل استمرار هذه الشبكات نوعًا من الاحتياطي الاستراتيجي لأبوظبي، يمكن استثماره مستقبلًا إذا قررت إعادة تنشيط حضورها في الملف اليمني أو إذا تغيرت موازين القوى والعلاقة مع الرياض.
المسار الثالث: تقاسم النفوذ وإعادة توزيعه جغرافيًا.. ويقوم هذا السيناريو على التوصل بصورة معلنة أو ضمنية إلى صيغة لإعادة توزيع مناطق النفوذ بين الرياض وأبوظبي، بما يقلل فرص الصدام المباشر بين شبكاتهما المحلية، ووفق هذا التصور، قد تتحول مناطق الساحل الغربي وباب المندب إلى مساحة للتنسيق أو النفوذ المشترك، بالنظر إلى حضور تشكيلات ذات روابط تاريخية بالإمارات وأهمية المنطقة الاستراتيجية لأبوظبي، في مقابل ترسيخ السعودية نفوذها بصورة أكبر في عدن وحضرموت والمهرة ومناطق أخرى تمثل أهمية مباشرة لحساباتها الأمنية والجيوسياسية.
غير أن نجاح هذا السيناريو يظل مرهونًا بعدة اعتبارات، في مقدمتها قدرة الرياض على المحافظة على مستويات التمويل، وضمان استمرار ولاء القيادات المحلية، وإدارة التناقضات بين التشكيلات المختلفة، فضلًا عن طبيعة العلاقة المستقبلية مع أبوظبي نفسها.
وفي المحصلة، فإن مستقبل هذه التشكيلات لن يتحدد فقط وفق هوية الدولة التي أسهمت في إنشائها، وإنما وفق الطرف القادر على الاحتفاظ بمفاتيح القوة على المدى الطويل، ومن ثم، فإن الصراع السعودي–الإماراتي على اليمن قد ينتقل من مرحلة “بناء التشكيلات” إلى مرحلة أكثر تعقيدًا عنوانها “إعادة توزيع الولاءات”؛ وهي معركة قد تكون أقل ظهورًا من المواجهات العسكرية المباشرة، لكنها ستكون أكثر تأثيرًا في تحديد شكل الدولة اليمنية وموازين القوة داخلها خلال المرحلة المقبلة.