تحتل قطر المرتبة الرابعة عالميًا بين أكبر مستوردي السلاح، بعدما أنفقت مليارات الدولارات على تحديث قواتها المسلحة بمقاتلات وسفن حربية ومنظومات دفاع جوي وصاروخي غربية، في مقابل صناعة عسكرية محلية بدأت تتوسع خلال السنوات الأخيرة، لكنها لا تزال محدودة قياسًا بحجم الترسانة التي تمتلكها الدوحة.
أعادت الهجمات الإيرانية على دول الخليج خلال حرب عام 2026 طرح مسألة الاعتماد على الموردين الأجانب، خصوصًا مع تعرض منشآت الطاقة وحركة الملاحة لاضطرابات واسعة.
وفي 19 أكتوبر/تشرين الأول 2026، أعلن نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الدولة لشؤون الدفاع القطري الشيخ سعود بن عبد الرحمن آل ثاني استعداد بلاده للإعلان عن مركز للإنتاج الدفاعي المحلي، بالتعاون مع شريك إقليمي وشركات من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، مع التركيز على مواجهة الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والهجمات السيبرانية.
يأتي التوجه الجديد بعد سنوات من الاستثمارات القطرية في مصانع الذخائر والأسلحة الخفيفة والأنظمة العسكرية، وسط تساؤلات حول قدرة الدوحة على توسيع إنتاجها وتقليص احتياجاتها من السلاح الأجنبي، في ضوء تجربتي السعودية والإمارات اللتين حققتا تقدمًا في التصنيع الدفاعي، مع استمرار التحديات المتعلقة بنقل التكنولوجيا والكوادر وسلاسل التوريد.
من أين تحصل قطر على أسلحتها؟
احتلت قطر المرتبة الرابعة عالميًا في استيراد الأسلحة الرئيسية خلال الفترة 2021–2025، بحصة بلغت 6.4% من إجمالي الواردات العالمية، بعد أوكرانيا والهند والسعودية، وفق تقرير لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام صدر في مارس/آذار 2026.
سجلت واردات قطر ارتفاعًا بنسبة 106% مقارنة بالفترة 2016–2020، في وقت تراجعت فيه واردات الشرق الأوسط بنسبة 13%، بعدما تسلمت الدوحة كميات كبيرة من المقاتلات والسفن الحربية التي تعاقدت عليها خلال السنوات السابقة. وكانت الدوحة ثالث أكبر مستورد عالميًا خلال الفترة 2020–2024، قبل انتقالها إلى المرتبة الرابعة في التصنيف الأحدث.
استحوذت الولايات المتحدة على 48% من واردات قطر من الأسلحة الرئيسية خلال الفترة 2021–2025، تلتها إيطاليا بنسبة 21%، ثم بريطانيا بنسبة 17%، فيما شكلت فرنسا وألمانيا موردين مهمين لمنظومات أخرى.

خلال السنوات الخمس المذكورة، تسلمت قطر 100 طائرة قتالية، منها 48 أمريكية و33 بريطانية و13 فرنسية وست إيطالية، إضافة إلى خمس سفن حربية رئيسية من إيطاليا، فيما استحوذت على 7.4% من إجمالي صادرات الأسلحة الأمريكية عالميًا خلال الفترة نفسها.
تقوم القوة الجوية القطرية الحديثة على ثلاث عائلات رئيسية من المقاتلات، تشمل “إف-15 كيو إيه” التي تنتجها شركة “بوينغ” الأمريكية لصناعة الطائرات، و”رافال” التي تصنعها شركة “داسو للطيران” الفرنسية، و”تايفون” الأوروبية التي تشارك في إنتاجها شركة “بي إيه إي سيستمز” البريطانية للصناعات الدفاعية ضمن تحالف أوروبي.
وتعود إحدى أكبر صفقات التسليح القطري إلى نوفمبر/تشرين الثاني 2016، عندما وافقت وزارة الخارجية الأمريكية على بيع محتمل يصل إلى 72 مقاتلة من طراز “إف-15 كيو إيه”، مع أسلحتها ومعداتها وخدمات الدعم والتدريب، بتكلفة تقديرية بلغت 21.1 مليار دولار، وهو السقف التقديري للموافقة الأمريكية قبل تحديد القيمة النهائية للعقود المنفذة.
وفي مايو/أيار 2015، أبرمت قطر صفقة لشراء 24 مقاتلة “رافال” الفرنسية بنحو 6.3 مليارات يورو، شملت التسليح والتدريب، ثم فعّلت في ديسمبر/كانون الأول 2017 خيار شراء 12 طائرة إضافية، ليرتفع إجمالي طلباتها إلى 36 مقاتلة.
وأعلنت بريطانيا في سبتمبر/أيلول 2018 دخول عقد توريد 24 مقاتلة “تايفون” وتسع طائرات تدريب من طراز “هوك” حيز التنفيذ، بقيمة تقارب خمسة مليارات جنيه إسترليني، تشمل خدمات الدعم والتدريب.
امتدت المشتريات إلى القوات البحرية، إذ وقعت قطر في يونيو/حزيران 2016 عقدًا مع شركة “فينكانتيري” الإيطالية لبناء السفن، بقيمة تقارب أربعة مليارات يورو، يشمل سبع سفن حربية، منها أربع سفن قتالية من فئة “كورفيت”، وسفينة إنزال برمائية، وسفينتا دورية بحرية، مع خدمات دعم فني وصيانة داخل قطر.
شملت المشتريات البرية صفقة ألمانية بنحو 1.89 مليار يورو لتوريد 62 دبابة “ليوبارد 2 إيه 7” و24 مدفعًا ذاتي الحركة من طراز “بي زد إتش 2000″، فيما تعاقدت الدوحة في مجال الدفاع الجوي مع شركة “رايثيون” الأمريكية، التابعة لمجموعة “آر تي إكس” للصناعات الدفاعية، للحصول على منظومات “باتريوت” و”ناسامز”، وأعلنت الشركة في يوليو/تموز 2019 توقيع عقد بقيمة تقارب 1.8 مليار دولار لتوريد المنظومة الأخيرة.
استمرت المشتريات الأمريكية خلال السنوات الأخيرة، ففي 26 مارس/آذار 2025، أعلنت وكالة التعاون الأمني الدفاعي الأمريكية، الموافقة على بيع محتمل لثماني طائرات مسيّرة من طراز “إم كيو-9 بي”، مع أسلحتها وأجهزة الاستشعار والدعم الفني، بقيمة تقديرية تبلغ 1.96 مليار دولار، قبل توقيع خطاب العرض والقبول خلال زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الدوحة في مايو/أيار 2025.
وفي أحدث الصفقات، كشفت “رايثيون” في 13 أكتوبر/تشرين الأول 2026 عن حصولها على عقود بقيمة إجمالية بلغت 729 مليون دولار لتزويد الجيش الأمريكي وقطر والأردن بمكونات منظومة “ليدز” لمكافحة المسيّرات، تتضمن رادارات “كي يو آر إف إس” وصواريخ الاعتراض “كويوت”، دون تحديد القيمة الخاصة بالحصة القطرية.
تربط هذه المشتريات تشغيل القسم الأكبر من المقاتلات والدفاعات الجوية والسفن الحربية القطرية بسلاسل توريد أجنبية، تشمل قطع الغيار والذخائر والتدريب والتحديثات الفنية، خصوصًا مع امتلاك الدوحة منظومات متقدمة من عدة دول تختلف في متطلبات صيانتها وتسليحها.
إلى أين وصلت الصناعات العسكرية القطرية؟
بدأت قطر بناء إطار مؤسسي لصناعاتها الدفاعية بتأسيس شركة “برزان القابضة” عام 2016، بوصفها الذراع الاستثمارية والتجارية لوزارة الدفاع، قبل إطلاقها رسميًا خلال معرض ومؤتمر الدوحة الدولي للدفاع البحري “ديمدكس” في مارس/آذار 2018، لتتولى تطوير المشاريع الصناعية والشراكات الأجنبية ونقل التكنولوجيا العسكرية.
وخلال معرض 2018، أبرمت “برزان” اتفاقًا مع شركة “بيريتا القابضة” الإيطالية المتخصصة في الأسلحة الخفيفة، لإنشاء مشروع مشترك باسم “بندج”، تضمن خطة لتصنيع مسدسات وبنادق داخل منطقة برزان الصناعية في قطر.
في العام نفسه، تأسست شركة “بارق” بالشراكة مع “أسيلسان” التركية المتخصصة في الإلكترونيات الدفاعية، وشركة “إس إس تي إي كيه” التركية المعنية بتطوير الصناعات العسكرية، بحصص بلغت 51% لـ”برزان” و48% لـ”أسيلسان” و1% للشركة التركية الأخرى.
تشمل مجالات عمل “بارق” أنظمة القيادة والسيطرة وكاميرات الرؤية الحرارية والليلية وتقنيات التشفير ومحطات الأسلحة المتحكم فيها عن بُعد، ضمن مشاريع تستهدف تطوير الإلكترونيات والأنظمة العسكرية داخل قطر.
أما أبرز نماذج الإنتاج المحلي القائم، فيتمثل في مصنع “بارود للذخائر”، المملوك بالكامل لـ”برزان القابضة”، الذي ينتج ذخائر وفق معايير حلف شمال الأطلسي “الناتو”، بأعيرة 9 ملم و5.56 ملم و7.62 ملم و12.7 ملم، تشمل أنواعًا تقليدية وتدريبية وكاشفة للمسار.
ويميز المصنع في موقعه الرسمي بين الذخائر التي يصنعها والمنتجات التي يوفرها عبر موردين خارجيين، ومنها ذخائر القنص وبعض الأعيرة المتوسطة وذخائر الدبابات والمدفعية والقنابل اليدوية والدخانية، وهي فئات تتجاوز خطوط الإنتاج المحلية المعلنة للمصنع.
وخلال معرض “ديمدكس 2022″، قال نائب رئيس “برزان القابضة” ورئيس قطاع المشتريات الاستراتيجية آنذاك عبد الله حسن الخاطر إن الشركة عرضت أسلحة وذخائر خفيفة وأنظمة أمنية وبرمجية منتجة محليًا بنسبة 100% وبأيدٍ قطرية، بعد أن كانت تستوردها سابقًا، موضحًا أن الشراكات الدولية أسهمت في نقل التكنولوجيا وتوطين الصناعة.
توسعت المشاريع القطرية نحو الأنظمة المضادة للطائرات المسيّرة، إذ وقعت “برزان” في أكتوبر/تشرين الأول 2024 مذكرة تفاهم مع “فينكانتيري” الإيطالية لتطوير رادار “أوميغا 360″، ضمن مشروع قدرت قيمته بنحو 100 مليون يورو، يستهدف توطين إنتاج وتوريد 40 وحدة رادار ودمجها في منظومة قطرية لمكافحة المسيّرات، مع توقع إنتاج الأنظمة التشغيلية الأولى بنهاية 2026.
وخلال معرض “ديمدكس 2026″، كشفت “برزان” عن منظومة أرضية لمكافحة المسيّرات تتضمن الرادار المذكور، وقال رئيسها التنفيذي للتكنولوجيا أحمد علي الكواري، في 22 يناير/كانون الثاني 2026، إن الرادار يستطيع رصد المسيّرات الصغيرة من مسافة تتجاوز 12 كيلومترًا، ويمكن تشغيله ضمن منظومة محمولة في حاوية قياسية.
وعرضت الشركة أيضًا زورقًا سطحيًا غير مأهول يحمل اسم “برزان”، قال الكواري إنه صُنع بالكامل في قطر، ويمكن استخدامه في مهام الاستطلاع والمراقبة والقتال، وهو مزود بمحطة سلاح متحكم فيها عن بُعد بعيار 12.7 ملم.

وأعلنت “برزان” كذلك تطوير نظام محلي للقيادة والسيطرة، قال الكواري إن أكثر من 50 مهندسًا شاركوا في كتابة نحو 250 ألف سطر برمجي لإنجازه، بهدف دمج المعلومات العسكرية ضمن صورة عملياتية مشتركة، فيما يرتبط تقييم مستوى التصنيع لهذه الأنظمة بحجم إنتاجها الفعلي ودخولها الخدمة ومصدر مكوناتها الرئيسية.
في المعرض نفسه، أوضح رئيس الشؤون التجارية في “برزان” عمر القاضي أن الشركة تتجه إلى زيادة التركيز على المنتجات التي تطورها وتصنعها داخل قطر، مع مواصلة التوسع في الأسواق الخارجية، بعدما ركزت خلال سنوات سابقة على الاستثمار في شركات ومشاريع دولية.
وشهد يناير/كانون الثاني 2026 توقيع اتفاقات تستهدف توسيع نطاق التصنيع المحلي، إذ أبرمت “برزان” خطاب نوايا مع شركة “كيه إن دي إس” الفرنسية للصناعات الدفاعية لتوطين إنتاج الذخائر المتوسطة والكبيرة العيار، ومذكرة تفاهم مع شركة الصناعات الميكانيكية والكيميائية التركية “إم كيه إي” لإنشاء مشروع مشترك في قطر لإنتاج المتفجرات، إلى جانب ترتيبات لتوريد نظام “تولغا” التركي للدفاع الجوي قصير المدى.
كما وقعت “برزان” اتفاقات مع شركة “إس تي إم” التركية المتخصصة في التكنولوجيا الدفاعية، وشركة “أوركا” الكرواتية لصناعة المسيّرات، لبحث الإنتاج والتطوير المشترك للطائرات المسيّرة والمنصات البحرية غير المأهولة داخل قطر.
امتد التعاون إلى الشركات الأمريكية، إذ وقعت “برزان” خطاب نوايا مع “بوينغ” لتعزيز قدرات الصيانة والإصلاح والتدريب داخل البلاد، في مجالات تشمل مقاتلات “إف-15 كيو إيه” ومروحيات “أباتشي” وطائرات النقل العسكري “سي-17″، فضلًا عن مذكرة تفاهم مع شركة “جنرال أتوميكس” الأمريكية المتخصصة في الأنظمة غير المأهولة، لتطوير برمجيات إدارة العمليات العسكرية ودمج المعلومات الاستخباراتية.
في المسار الخليجي، أعلنت مجموعة “إيدج” الإماراتية للصناعات الدفاعية، في 20 يناير/كانون الثاني 2026، الاتفاق مع “برزان” على تأسيس مشروع استراتيجي مشترك داخل قطر لتطوير تقنيات دفاعية متقدمة، بعدما كان التعاون بين الجانبين قد بدأ بمذكرة تفاهم في فبراير/شباط 2025.
وقال الرئيس التنفيذي للمجموعة الإماراتية حمد المرر في 20 يناير/كانون الثاني 2026، إن التعاون يشمل مجالات الصواريخ والأنظمة غير المأهولة والأقمار الصناعية، فيما رأى ألبرت فيدال، الباحث في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن، أن الشراكة قد تمتد إلى تصنيع الأسلحة الخفيفة والذخائر والصيانة والمسيّرات، مرجحًا أن تؤدي “إيدج” دورًا رئيسيًا في توفير التكنولوجيا والخبرات الصناعية.
في موازاة المشاريع المحلية، توسعت “برزان” في الأسواق الخارجية، إذ أعلنت في يونيو/حزيران 2025 اتفاقًا لتوريد بنادق وذخائر للجيش الإندونيسي، وشراكات مع شركة “ريبوبليكورب” الإندونيسية لتطوير صناعة الذخائر في البلاد.
وفي 20 يناير/كانون الثاني 2026، أعلنت وكالة الأنباء القطرية توقيع عقود شراء بين “برزان” ووزارة الدفاع الإندونيسية بقيمة 8 مليارات ريال قطري، واتفاق ثلاثي مع شركة “بونغسان” الكورية الجنوبية و”ريبوبليكورب” لإنشاء مصنع ذخائر في إندونيسيا، إلى جانب اتفاق خدمات مع شركة “إس تي إنجينيرينغ” السنغافورية المتخصصة في الهندسة والتكنولوجيا الدفاعية، بقيمة 1.5 مليار ريال.
وأعلنت “برزان” أيضًا أربع اتفاقيات مع القوات المسلحة القطرية بقيمة إجمالية بلغت 3.3 مليارات ريال، تشمل منتجات وخدمات دعم وصيانة، فضلًا عن اتفاق مع شركة بناء السفن التركية “تايس” لتوريد فرقاطتين إلى إندونيسيا بقيمة مليار دولار، ضمن نشاطها في المشتريات والشراكات الدفاعية الدولية.
يشمل هذا النشاط تعاقدات مع شركات مصنعة أجنبية ومشاريع إنتاج خارج الأراضي القطرية، ما يجعل مساهمة المصانع المحلية في الصادرات مرتبطة بطبيعة المنتجات المنفذة ومواقع تصنيعها، خصوصًا أن الاتفاقيات المعلنة لم تحدد نسبة الإنتاج القطري في مجمل تلك الصفقات.
وجاء إعلان 19 أكتوبر/تشرين الأول 2026 عن المركز الدفاعي الجديد بعد هذه الشراكات، فيما لم يكشف وزير الدولة لشؤون الدفاع عن هوية الشريك الإقليمي أو موقع المركز ورأسماله وخطوط إنتاجه وجدوله الزمني، وهي تفاصيل ستحدد طبيعة الإضافة التي يمكن أن يقدمها إلى الصناعات القائمة.
ما العقبات أمام توطين الصناعات العسكرية الخليجية؟
سبقت السعودية والإمارات قطر في تطوير صناعات عسكرية محلية، عبر تأسيس شركات وطنية وإقامة مصانع ومشاريع مشتركة مع منتجين عالميين، مع اختلاف حجم الأسواق والأهداف الصناعية ونسب التقدم المحققة في البلدين.
في المملكة، اتخذت جهود التوطين طابعًا مؤسسيًا أوسع مع إطلاق برنامج “رؤية 2030″، وتأسيس الشركة السعودية للصناعات العسكرية “سامي” عام 2017، والهيئة العامة للصناعات العسكرية في العام نفسه، لتتولى تنظيم القطاع وتطويره واستقطاب الاستثمارات ونقل التكنولوجيا.
وتستهدف المملكة توطين أكثر من 50% من إنفاقها العسكري على المعدات والخدمات بحلول عام 2030، بعدما كانت النسبة تقارب 4% عام 2018. ووفق أحدث رقم رسمي نشرته الهيئة العامة للصناعات العسكرية، بلغت نسبة التوطين 24.89% بنهاية عام 2024، بعد سنوات من الاستثمارات والشراكات مع الشركات الدفاعية الأجنبية.
وأعلنت الهيئة في يونيو/حزيران 2026 ارتفاع مساهمة قطاع الصناعات العسكرية في الناتج المحلي من 2.2 مليار ريال عام 2021 إلى 6.6 مليارات ريال عام 2024، مع تفعيل أكثر من 60 اتفاقًا ضمن برنامج المشاركة الصناعية الذي يستهدف توجيه جزء من الإنفاق الدفاعي نحو الإنتاج المحلي ونقل الخبرات.
ومن أبرز مشاريع التوطين السعودية اتفاق وزارة الدفاع في ديسمبر/كانون الأول 2024 مع شركة “نافانتيا” الإسبانية لبناء السفن العسكرية، ويشمل ثلاث سفن حربية من طراز “أفانتي 2200″، مع تسليم الأولى من إسبانيا واستكمال الثانية والثالثة داخل المملكة، وتصنيع أجزاء من هيكل السفينة الثالثة محليًا وتدريب أكثر من 100 مهندس سعودي.
ينص الاتفاق على نقل حقوق الملكية الفكرية لتصميم السفن إلى الهيئة العامة للصناعات العسكرية، بما يسمح باستخدامه في مشاريع مستقبلية داخل المملكة ولأغراض التصدير، إلى جانب التعاون مع الشركة الإسبانية في أنظمة القتال والدعم الفني والتدريب.
شملت المشاريع السعودية تطوير قدرات الصيانة وإصلاح المحركات العسكرية، ومنها اتفاقات مع شركة “هانيويل” الأمريكية المتخصصة في التكنولوجيا الصناعية وشركة الشرق الأوسط لمحركات الطائرات السعودية، لتوطين أعمال إصلاح وعمرة محركات الدبابات، بما يعزز القدرة المحلية على إدامة تشغيل المعدات.
رغم هذه المشاريع، احتلت السعودية المرتبة الثالثة عالميًا في استيراد الأسلحة الرئيسية خلال الفترة 2021–2025، بحصة بلغت 6.8% من الواردات العالمية، وفق معهد ستوكهولم، مع استمرار مشترياتها من المقاتلات والمنظومات العسكرية المتقدمة.
أما الإمارات، فبدأت تطوير صناعاتها الدفاعية عبر برنامج “توازن” الذي تأسس عام 1992، وربط جانبًا من الصفقات العسكرية الأجنبية بالاستثمار ونقل التكنولوجيا إلى الداخل.
ووفق تقرير لوكالة الأنباء الإماراتية، ساعد البرنامج في إطلاق أكثر من 130 مبادرة استراتيجية، وأتاح لأكثر من 20 شركة وطنية دخول ما يزيد على 30 مجالًا تقنيًا وصناعيًا، مع حزم أعمال بقيمة 600 مليون درهم.
ومن مشاريعه تطوير وتصنيع وتصدير رادار للمراقبة الساحلية بالتعاون مع شركة “ساب” السويدية للصناعات الدفاعية، وإقامة منشأة لإنتاج محطات أسلحة متحكم فيها عن بُعد بالشراكة بين شركة “شيلدرز” الإماراتية وشركة “إي أو إس” الأسترالية المتخصصة في الأنظمة العسكرية.
كما أعلنت الإمارات مشروعًا مشتركًا مع شركة “تاليس” الفرنسية للإلكترونيات الدفاعية لتطوير مركز متخصص في الرادارات بأبوظبي، يُتوقع أن يجذب استثمارات تبلغ 2.6 مليار درهم خلال عشر سنوات، وأن يبلغ مرحلة النضج التشغيلي الكامل بحلول عام 2035.
وشكل تأسيس مجموعة “إيدج” عام 2019 مرحلة جديدة في التجربة الإماراتية، بعد جمع شركات دفاعية وتكنولوجية متعددة تعمل في إنتاج المسيّرات والذخائر الموجهة والرادارات والأنظمة البرية والبحرية والبرمجيات العسكرية.
وأعلنت المجموعة في 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، أن مبيعاتها خلال العام بلغت 4.9 مليارات دولار، شكلت الصادرات 76% منها، بما يعادل نحو 3.7 مليارات دولار، فيما بلغ دفتر طلباتها الدولية نحو 21 مليار دولار، مع محفظة تضم أكثر من 250 منتجًا وحلًا تقنيًا.
توسعت “إيدج” عبر الاستحواذات والشراكات الدولية، إذ أعلنت خلال معرض دبي للطيران في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 توقيع 21 اتفاقًا ومشروعًا مشتركًا مع شركات عالمية، بينها “أندوريل” الأمريكية المتخصصة في الأنظمة الذاتية، و”ليوناردو” الإيطالية للصناعات الجوية والدفاعية، و”لوكهيد مارتن” الأمريكية المتخصصة في الطيران والصواريخ، و”أسيلسان” التركية.

وتقيس نسبة الصادرات المعلنة وزن المبيعات الخارجية في نشاط “إيدج”، فيما تعكس نسبة التوطين السعودية حصة الإنفاق العسكري الموجه إلى المنتجات والخدمات المحلية، وهو اختلاف مهم عند مقارنة تقدم الصناعات الدفاعية في البلدين.
تبرز قيود نقل التكنولوجيا بين العقبات التي تواجه الصناعات الدفاعية الخليجية، إذ أشارت دراسة نشرتها وزارة التجارة في الولايات المتحدة في فبراير/شباط 2020، بشأن برنامج التوازن الإماراتي، إلى حالات تمنع فيها ضوابط التصدير الأمريكية نقل تقنيات ترغب الإمارات في امتلاكها، إلى جانب خلافات محتملة حول حقوق الملكية الفكرية وصعوبات توفير الكفاءات الوطنية المتخصصة.
تزداد هذه التحديات في الصناعات المتقدمة التي تعتمد على محركات عسكرية ورقائق إلكترونية وأجهزة استشعار وتوجيه ومواد صناعية خاصة، إذ يتطلب توطين الإنتاج شبكة من الموردين والخبرات الفنية والقدرات الهندسية، فضلًا عن طلب مستمر يغطي تكاليف المصانع والاختبارات والتطوير.
وتواجه قطر تحديًا يتعلق بحجم السوق المحلية قياسًا بالسعودية، ما يرفع أهمية التصدير والشراكات الخارجية لضمان استدامة خطوط الإنتاج. وتوضح تجربة الإمارات دور المشاريع المشتركة والاستحواذات في الوصول إلى التكنولوجيا والأسواق، فيما تكشف الأرقام السعودية طول المدة اللازمة لرفع نسبة الإنفاق العسكري الذي يُوطّن داخل البلاد.
وتملك قطر فرصًا للتوسع في إنتاج الذخائر والأسلحة الخفيفة وبعض المسيّرات وأنظمة مكافحتها، إلى جانب البرمجيات العسكرية وخدمات الصيانة وإصلاح المعدات، وهي مجالات تأسست فيها بالفعل مصانع وشركات مشتركة وبرامج تطوير يمكن البناء عليها.
أما تصنيع المقاتلات والمحركات العسكرية والصواريخ الاعتراضية المتقدمة والسفن القتالية الكبيرة، فيتطلب قاعدة صناعية تشمل التصميم والهندسة والاختبارات وإنتاج المكونات وحقوق الملكية الفكرية، وتستمر فيها حاجة الدوحة إلى الشركات العالمية التي تزود قواتها المسلحة بالمنظومات الرئيسية.
بالنسبة إلى المركز الدفاعي المرتقب، فإن قدرته على تقليص الاعتماد على السلاح الأجنبي ستتحدد بما يتمكن من إنتاجه داخل قطر، وحجم التكنولوجيا والمكونات التي تُوطّن فعليًا، والحقوق التي تحصل عليها الشركات المحلية في الصيانة والتعديل والتطوير، خصوصًا أن استمرار تشغيل الترسانة القطرية خلال الأزمات يرتبط بتوافر الذخائر وقطع الغيار والخدمات الفنية التي تستوردها الدوحة حاليًا من الخارج.