بعد نحو سبع سنوات من الرفض، صادق مجلس النواب الليبي في بنغازي، الثلاثاء 20 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، بالإجماع وبأصوات 110 عضو، على مذكرة التفاهم الموقعة في نوفمبر/تشرين الثاني 2019 بين حكومة الوفاق الوطني السابقة وتركيا، بشأن تحديد مجالات الصلاحية البحرية للبلدين في البحر المتوسط.
لم يتوقف التصويت عند حدود الموافقة على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية فحسب، بل امتد ليشمل إلغاء قرار قطع العلاقات السياسية مع الجمهورية التركية، في خطوة تتجاوز في دلالاتها مجرد التقارب الدبلوماسي العابر، لتضع المشهد الليبي أمام تحول لافت في بنية التحالفات والتوازنات السياسية، ولا سيما في علاقة معسكر شرق ليبيا بأنقرة.
تعود الاتفاقية البحرية إلى 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2019، حين وقعتها حكومة الوفاق الوطني وتركيا بهدف تحديد مناطق الصلاحية البحرية للبلدين في البحر المتوسط، قبل أن تدخل حيز التنفيذ بين الطرفين في 8 ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه، وتُسجل لدى الأمم المتحدة في 11 ديسمبر/كانون الأول 2019.
ورغم أن موافقة مجلس النواب في بنغازي لا تعني، في حد ذاتها، دخول الاتفاقية حيز التنفيذ أو حسم الجدل القانوني والسياسي المحيط بها، فإنها تمثل تحولًا جوهريًا في موقف المؤسسة التشريعية التي ظلت، منذ توقيع الاتفاق، أحد أبرز مراكز الاعتراض عليه داخل ليبيا.
الأمر الذي يفتح الباب أمام جملة من التساؤلات بشأن كواليس هذا التحول، والمكانة التي باتت تحتلها بنغازي في المقاربة التركية الجديدة تجاه ليبيا، والأهداف التي يسعى معسكر خليفة حفتر إلى تحقيقها من وراء إعادة صياغة علاقته بأنقرة، فضلًا عن انعكاسات هذا التقارب على خريطة التحالفات الليبية والتوازنات الإقليمية في شرق المتوسط.
– صوّت مجلس النواب الليبي، المتمركز شرقي البلاد والمقرّب من خليفة حفتر، بالإجماع، على اعتماد مذكرتي تفاهم مع تركيا بشأن تحديد مناطق الصلاحية البحرية والتعاون الأمني والعسكري.
– ألغى البرلمان قرارين أصدرهما عام 2020، يقضي الأول برفض المصادقة على المذكرتين الموقعتين مع أنقرة، والثاني بقطع العلاقات السياسية معها.
– وُقعت المذكرتان في 27 نوفمبر 2019 بين حكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج والحكومة التركية، لتحديد مناطق الصلاحية البحرية وتعزيز التعاون العسكري والأمني بين البلدين.
– يأتي القرار بعد تقارب متزايد بين أنقرة والسلطات في شرق ليبيا، وتغيير رئاسة البرلمان الليبي في أكتوبر الجاري، ما يعكس تحولًا في موقفه السابق تجاه تركيا.
– قد يمهّد إقرار الاتفاقية البحرية لتوسيع أنشطة التنقيب التركية عن النفط والغاز في المياه الليبية، رغم اعتراضات اليونان على الاتفاقية.
— نون بوست (@NoonPost) October 20, 2026
ليس مصادفة..
لم يأتِ هذا التحول من فراغ، ولم يكن وليد المصادفة، بل جاء حصيلة مسار متدرج من التطورات السياسية والدبلوماسية التي شهدتها الساحة الليبية خلال الفترة الأخيرة، وكان الحراك التركي أحد أبرز محركاتها، في ظل توجه أنقرة نحو توسيع قنوات التواصل والتنسيق مع معسكر خليفة حفتر في الشرق، بالتوازي مع الحفاظ على علاقاتها الوثيقة بمعسكر طرابلس في الغرب.
وفي دلالة تعكس تزامن المسارين، جاء تصويت مجلس النواب بالتوازي مع محادثات أجراها رئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم قالن في العاصمة طرابلس، شملت لقاء رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، في وقت تتحرك فيه أنقرة باتجاه بناء شبكة علاقات أكثر اتساعًا مع مختلف الأطراف ومراكز القوة الليبية، بما يقلل من ارتباط مصالحها بطرف واحد في معادلة سياسية لا تزال شديدة السيولة.
مع ذلك، فإن ما شهدته جلسة الثلاثاء لم يكن وليد اللحظة، بل سبقته خطوات مهدت لهذا التحول، ففي يونيو/حزيران 2025، اتخذ مجلس النواب خطوة تمهيدية بتشكيل لجنة فنية لدراسة الاتفاقية البحرية المقدمة من الحكومة المكلفة برئاسة أسامة حماد، بما مثّل آنذاك أول مؤشر عملي على إعادة فتح ملف ظل لسنوات محل رفض من جانب المؤسسة التشريعية في شرق ليبيا.
كما جاء هذا التطور بعد نحو أسبوعين فقط من انتخاب الصالحين عبد النبي رئيسًا لمجلس النواب خلفًا لعقيلة صالح، الذي تبنى موقفًا معارضًا للاتفاقية على مدار سنوات، وتكتسب هذه النقطة دلالة إضافية بالنظر إلى أن عبد النبي سبق أن ترأس لجنة الصداقة البرلمانية الليبية-التركية، وأسهم في تطوير قنوات التواصل بين المؤسستين التشريعيتين في البلدين.
يصعب كذلك فصل التصديق على الاتفاقية عن التحولات الأوسع التي طرأت على طبيعة العلاقة بين أنقرة وشرق ليبيا، سواء على مستوى الأشخاص والمؤسسات أو في مسارات التواصل السياسي والدبلوماسي، بما يعكس انتقال العلاقة تدريجيًا من مرحلة الخصومة والمواجهة إلى مقاربة أكثر براغماتية، تقوم على المصالح المتبادلة وإعادة ترتيب الحسابات، وتحمل في الوقت ذاته دلالات أوسع بشأن موقع تركيا في المعادلة الليبية الجديدة.
مكسب استراتيجي.. كيف نقرأ هذه الخطوة؟
تتمثل القراءة الأولى لهذه الخطوة والتحول اللافت في أن أنقرة نجحت، إلى حد بعيد، في نقل الاتفاق البحري من كونه اتفاقًا ارتبط بمعسكر طرابلس في مواجهة معسكر الشرق، وظل موضع خلاف واعتراض لدى عدد من القوى والتيارات الليبية، إلى اتفاق يحظى بقبول المؤسستين السياسيتين المتنافستين تقريبًا، بما يوسع من قاعدة القبول الليبي به ويمنحه وزنًا سياسيًا مختلفًا عما كان عليه عند توقيعه عام 2019.
من هذه الزاوية، يمكن النظر إلى هذا التحول باعتباره مكسبًا استراتيجيًا لأنقرة وتتويجًا لمسار طويل من الدبلوماسية والعمل السياسي وإعادة بناء العلاقات، فتركيا التي دخلت بقوة على خط الأزمة الليبية عام 2019 بوصفها داعمًا رئيسيًا لمعسكر طرابلس في مواجهة حفتر ومعسكر الشرق، نجحت، بعد نحو سبع سنوات، في توظيف أدواتها الدبلوماسية ومقاربتها الأكثر شمولًا للملف الليبي في اختراق جدار الخصومة مع الشرق، وبناء مساحة متنامية من الثقة والمصالح المشتركة مع مراكز القوة فيه.
وبذلك، تحركت أنقرة تدريجيًا من موقع الحليف لطرف ليبي في مواجهة طرف آخر، إلى موقع أكثر مرونة يتيح لها التواصل والتنسيق مع طرفي المعادلة، والتعامل مع أبرز مراكز القوة والنفوذ في الداخل الليبي، وهو تحول لا يقتصر مردوده على حماية المصالح التركية وتحصينها من تقلبات المشهد الداخلي فحسب، وإنما يمنح أنقرة كذلك مساحة أوسع للعب دور سياسي في أي ترتيبات أو تسويات مستقبلية، وربما البناء على هذا الاختراق للمساهمة في تحريك مسارات الأزمة الليبية التي ظلت عصية على التسوية لسنوات.
اللافت كذلك أن تصويت مجلس النواب في بنغازي لم يقتصر على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية، بل امتد إلى إلغاء قرار سابق بقطع العلاقات السياسية مع أنقرة، وهو ما يكشف أن التحول يتجاوز حدود الملف البحري إلى إعادة صياغة أوسع لطبيعة العلاقة بين الجانبين، والدخول عمليًا في مسار من التطبيع المؤسسي بين تركيا وشرق ليبيا.
ومن شأن هذا المسار، حال استمراره، أن يترك انعكاسات مباشرة على طبيعة الوجود التركي في ليبيا وموقع أنقرة داخل معادلاتها الداخلية؛ إذ يفتح أمامها المجال للانتقال من نفوذ ارتبط تاريخيًا بغرب البلاد ومعسكر طرابلس إلى حضور أكثر شمولًا وقدرة على الحركة بين الشرق والغرب، بما يعزز من فرص تحول تركيا من طرف داخل معادلة الصراع الليبي إلى أحد الفاعلين المؤثرين في إعادة تشكيلها مستقبلًا.
بنغازي في المقاربة التركية
عامًا تلو الآخر، تحاول أنقرة إعادة صياغة طبيعة وجودها في الداخل الليبي، فهذا الحضور، وإن بدأ في أحد أبرز تجلياته عبر الانحياز إلى طرف على حساب آخر، فإنه تطور بمرور الوقت إلى شبكة أوسع وأكثر تشابكًا من المصالح، تشمل الأمن والدفاع والطاقة وإعادة الإعمار والتجارة والبنية التحتية، فضلًا عن المصالح البحرية والاستراتيجية المرتبطة بمعادلات شرق المتوسط.
ومن هنا يمكن فهم كيف تحولت بنغازي، من مركز لمعسكر مضاد لأنقرة إلى ورقة رئيسية على طاولة الحسابات التركية، إذ يبدو أن تركيا أدركت تدريجيًا أن طرابلس وحدها لا تكفي لحماية مصالحها طويلة المدى، وأن بناء شبكة مصالح استراتيجية مع معسكر واحد دون الآخر يظل رهانًا محفوفًا بالمخاطر، لا سيما في بيئة سياسية شديدة التقلب كالحالة الليبية، حيث يمكن لأي تغير في موازين القوى أو هياكل السلطة أن يضع مستقبل تلك المصالح أمام اختبار حقيقي.
إلى جانب ذلك، تفرض البراغماتية السياسية على أنقرة التعامل مع حقيقة أن شرق ليبيا يمتلك من عناصر القوة والنفوذ ما يصعب تجاهله؛ فهناك المؤسسة العسكرية التابعة لمعسكر حفتر، ومجلس النواب بما يمثله من ثقل سياسي وتشريعي في معادلة الصراع، إلى جانب ما يتركز في الشرق والهلال النفطي من موارد وموانئ ومنشآت استراتيجية، فضلًا عن شبكة العلاقات التي تربط معسكر الشرق بمصر وعدد من القوى العربية والإقليمية والدولية.
– أعلنت وزارة الخارجية الليبية بدء إجراءات الإفراج عن 10 نشطاء يمثلون وفد التفاوض لـ “قافلة الصمود البرية العالمية” وترحيلهم من البلاد، بعد حرمانهم من حريتهم لمدة شهر كامل.
– جاء قرار الإفراج بشكل مباشر وفوري عقب اللقاء الذي جمع رئيس الاستخبارات التركية إبراهيم قالن، مع نائب قائد الجيش الليبي صدام حفتر، في مدينة بنغازي.
– تعود تفاصيل القضية إلى 24 مايو 2026، حين قامت قوات تابعة لـ “حفتر” في شرق ليبيا باحتجاز النشطاء أثناء سعيهم لتسيير قافلة برية تهدف إلى كسر الحصار عن قطاع غزة وإيصال المساعدات الإنسانية.
– استندت السلطات الليبية في قرار إخراج النشطاء من البلاد وإنهاء أزمتهم إلى قرارات رسمية صادرة عن محكمة استئناف بنغازي والنيابة العامة.
— نون بوست (@NoonPost) June 24, 2026
ثمة بُعد آخر فرض نفسه على الحسابات التركية، يتعلق بما ظل يعانيه الاتفاق البحري الموقع مع طرابلس من فجوة سياسية داخلية نتيجة الرفض المستمر له من جانب معسكر الشرق. ورغم أن هذا الرفض لم يكن كافيًا في حد ذاته لإلغاء الاتفاق أو إنهائه قانونيًا، فإنه ظل يمثل نقطة ضعف على مستوى التوافق والقبول الليبي الداخلي، ويمنح خصوم الاتفاق مساحة للطعن في قدرته على التعبير عن موقف ليبي جامع.
في ضوء هذه المعطيات، ترسخت لدى أنقرة قناعة مفادها أن انتقالها من مجرد لاعب مؤثر في غرب ليبيا إلى قوة حاضرة في المشهد الليبي بأكمله، ومن طرف ارتبط تاريخيًا بأحد معسكري الصراع إلى قوة تمتلك قنوات اتصال ومصالح مع مختلف مراكز النفوذ، لا يمكن أن يتحقق من دون المرور عبر بنغازي وبناء تفاهمات مستقرة مع معسكر الشرق.
ومن هذا المنظور، لم يكن الانفتاح التركي على بنغازي تحولًا تكتيكيًا عابرًا بقدر ما كان جزءًا من إعادة تموضع أوسع في السياسة التركية تجاه ليبيا؛ مسارٌ بدأ بتوسيع قنوات الاتصال وبناء المصالح المشتركة، وانتهى، في أحدث تجلياته، إلى تصويت مجلس النواب لصالح الاتفاقية البحرية التي كان المعسكر ذاته من أشد معارضيها قبل سنوات، بما يعكس حجم التحول الذي طرأ على موقع بنغازي في الحسابات التركية، وعلى موقع أنقرة نفسها داخل معادلة التوازنات الليبية.
ماذا يريد حفتر من التقارب مع أنقرة؟
بطبيعة الحال، لا يمكن قراءة هذا التحول في موقف معسكر شرق ليبيا بمعزل عن حسابات حفتر وطموحات معسكره السياسية؛ فالتحول بهذا الحجم لا يبدو مجانيًا أو اعتباطيًا، وإنما يأتي في سياق إقليمي بالغ التعقيد، يشهد بدوره عملية إعادة ترتيب لأوراق النفوذ وموازين المصالح داخل شبكة القوى الإقليمية التي دعمت معسكره على مدار السنوات الماضية، من مصر إلى السعودية والإمارات، فضلًا عن الحضور الروسي في المعادلة الليبية.
لعل اللافت أن أول تعليق بارز على التصويت جاء على لسان صدام حفتر نفسه، الذي اعتبر أن الاتفاق يمكن أن يسهم في حماية المصالح الاقتصادية الليبية، ويفتح المجال أمام فرص أوسع للتعاون والاستثمار وبناء شراكات طويلة المدى، واصفًا تركيا بأنها قوة إقليمية مهمة؛ وهي تصريحات تعكس بوضوح المقاربة البراغماتية الجديدة التي يتعامل بها معسكر الشرق مع أنقرة.
وبحسابات المصالح، يمكن لمعسكر حفتر تحقيق جملة من المكاسب من وراء هذا التقارب، في مقدمتها توسيع دائرة الاعتراف السياسي به وتعزيز موقعه في أي ترتيبات مستقبلية للسلطة في ليبيا، إلى جانب تنويع مصادر الاستثمار وإعادة الإعمار واستقطاب الشركات والمشروعات التركية إلى شرق البلاد، يضاف إلى ذلك توسيع مجالات التعاون الأمني والعسكري بين الطرفين، وفتح قناة نفوذ إضافية باتجاه طرابلس، بالنظر إلى أن تركيا ظلت لسنوات الداعم الخارجي الأكثر تأثيرًا في معسكر غرب ليبيا.
لكن أحد أبرز المكاسب المحتملة لهذا الانفتاح يرتبط بمعادلات النفوذ الإقليمي نفسها، فالتقارب مع أنقرة يمنح حفتر مساحة أكبر للمناورة السياسية وهامشًا أوسع للحركة بين القوى المتنافسة، بما يسمح له بتنويع شبكة حلفائه وشركائه، وتجنب الارتهان الكامل لحلفائه التقليديين، وتزداد أهمية هذه المقاربة في ظل التحولات التي شهدتها علاقات القوى الإقليمية المنخرطة في الملف الليبي، بما في ذلك انفتاح القاهرة بصورة أكبر على طرابلس، فضلًا عن التباينات المتزايدة في بعض الملفات بين السعودية والإمارات.
مع بلوغ المشير خليفة حفتر سن الـ 83.. هل تنجح خطة “التوريث السريع” لنجله الأصغر صدام؟ وكيف تفاعل المجتمع الدولي مع صعوده؟ وهل يتقبله قادة القبائل والغرب الليبي كحاكم مستقبلي؟
https://t.co/EhSsSaTJGs
✍️ @Aseif_Elnasr https://t.co/rx5TWV61y2
— نون بوست (@NoonPost) July 3, 2026
ومن ثم، لا يعني الانفتاح على تركيا بالضرورة تخلي معسكر حفتر عن حلفائه التقليديين أو استبدال محور بآخر، بقدر ما يمكن قراءته باعتباره محاولة لإعادة توزيع أوراقه الخارجية وبناء شبكة أكثر تنوعًا من العلاقات، تسمح له بالتعامل مع مختلف القوى المؤثرة في المشهد الليبي من موقع أكثر استقلالية وقدرة على المناورة.
وهناك قراءة أخرى لا يمكن إغفالها، تتعلق بالطموح السياسي المتصاعد لصدام حفتر وترتيباته المحتملة لمستقبل السلطة في ليبيا، فتحقيق مثل هذا الطموح يحتاج إلى شبكة من الشراكات السياسية والأمنية والعسكرية تتجاوز الدائرة التقليدية لمعسكر الشرق.
وهو ما يمكن من خلاله قراءة قنوات الاتصال التي فتحها نجل حفتر خلال الفترة الأخيرة مع عدد من القوى الإقليمية والدولية، في محاولة لتوسيع دائرة القبول به وتقديم نفسه باعتباره فاعلًا يمكن التعامل معه، وربما البديل الجاهز والموثوق به ضمن ترتيبات “اليوم التالي” ومستقبل السلطة والدولة في ليبيا.
في المحصلة، تتجاوز أهمية هذا التصديق البرلماني حدود الاتفاق ذاته، لتؤشر إلى نجاح أنقرة في إحداث خرق نوعي في معادلة النفوذ داخل ليبيا؛ فتركيا التي ارتبط حضورها لسنوات بمعسكر الغرب، استطاعت تدريجيًا اختراق جدار الخصومة مع الشرق، وتحويل بنغازي من أحد أبرز مراكز الاعتراض على سياساتها واتفاقاتها إلى طرف يمكن التفاهم معه حول واحد من أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا.
ومن ثم، فإن المكسب التركي الأهم لا يقتصر على توسيع قاعدة القبول السياسي للاتفاق البحري، بقدر ما يتمثل في إعادة صياغة موقع أنقرة داخل المشهد الليبي نفسه، والانتقال من نفوذ ارتبط نسبيًا بأحد طرفي الصراع إلى قدرة أوسع على التواصل والتأثير في طرفيه، بما يمنحها هامشًا أكبر لحماية مصالحها والانخراط في صياغة الترتيبات السياسية والأمنية والاقتصادية المقبلة.
بهذا المعنى، يبدو هذا التصويت وما يحمله من قراءات ودلالات تتويجًا لمسار تركي امتد لسنوات نجح في إعادة رسم جانب مهم من خريطة النفوذ داخل ليبيا؛ غير أن هذا النجاح يفتح في المقابل بابًا لتساؤل أكثر اتساعًا: كيف ستتعامل القوى الإقليمية المنخرطة في معادلة شرق المتوسط مع هذا التحول، وما حدود تأثيره في حساباتها ومصالحها وتحالفاتها القائمة؟