في الخامس والعشرين من يوليو/تموز 2021، أعلن الرئيس التونسي قيس سعيّد تجميد عمل البرلمان، وأعقب ذلك إقالة الحكومة، ومنذ ذلك التاريخ، تركزت السلطات تدريجيًا في يد الرئيس، الذي بات يحدد توجهات السياسة الداخلية والخارجية للبلاد، خاصة بعد إقرار الدستور التونسي الجديد عام 2022، الذي منحه صلاحيات واسعة.
واليوم، مع مرور سبع سنوات على تولي قيس سعيّد الرئاسة في 23 أكتوبر/تشرين الأول 2019، تبرز تساؤلات بشأن موقع تونس على الخريطة الإقليمية، وحجم حضورها السياسي والدبلوماسي، ومدى قدرتها على التأثير في القضايا والتحولات المحيطة بها، خاصة في ظل إعطاء الأولوية للعلاقات السياسية والتاريخية مع الجزائر.
تونس والجزائر.. تحالف تتسع معه الخلافات المغاربية
بعد انتخابه لعهدة ثانية في أكتوبر/تشرين الأول 2024، كانت الجزائر أول وجهة خارجية له في الشهر ذاته، حيث زارها للمشاركة في الاحتفال بالذكرى السبعين لاندلاع حرب التحرير الجزائرية، وسار الرئيسان عبد المجيد تبون وقيس سعيّد يدًا بيد، فور نزول سعيّد من الطائرة الرئاسية.
تمثّل الجزائر الوجهة الإقليمية الأولى لأي رئيس تونسي فور انتخابه، باستثناء المنصف المرزوقي، وهو عرف سارت عليه تونس منذ وصول الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي إلى الحكم سنة 1987، لكن زيارة سعيّد للجزائر بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية سنتي 2019 و2024، تجاوزت الالتزام بعرف تاريخي، لتعكس ارتباطًا معقّدًا بين تونس والجزائر، وصل إلى حدّ التماهي مع المواقف الرسمية الجزائرية، التي تسبّب بعضها في فتور واضح في العلاقات مع دول أخرى، مثل المغرب وموريتانيا.
بعد أقل من ثلاثة أشهر على قرار قيس سعيّد تجميد البرلمان وجمع السلطات في يده، سارعت الجزائر إلى الدفاع عنه، حين صرّح عبد المجيد تبون في أكتوبر/تشرين الأول 2021 بأن الجزائر تساند تونس في أزمتها، مضيفًا أن “الأمور دستورية عندهم، ونشهد للرئيس قيس سعيّد أنه إنسان مثقف وديمقراطي ووطني إلى النخاع، ولا يمكن أن نحكم عليه بشيء”، وأكد أن “ما يمس تونس يمس الجزائر”، وأن من يتجرأ على المساس بأمن تونس “سيجد الجزائر بالمرصاد”.
ترتبط تونس بالجزائر بعلاقة اقتصادية غير متكافئة، فيما تراهن الجزائر على التعاون الأمني مقابل الدعم الاقتصادي الذي تقدّمه إلى تونس، وبرز التنسيق الأمني بين البلدين بعد شهر واحد من تجميد البرلمان التونسي، حين سلّمت تونس المعارض الجزائري سليمان بو فحص، بعد اختطافه من منزله في العاصمة تونس يوم 25 آب/أغسطس 2021، وترحيله قسرًا إلى الجزائر رغم حصوله على صفة لاجئ من المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
وبعد نحو سنة، في تموز/يوليو 2022، أعادت الجزائر فتح حدودها مع تونس، التي ظلّت مغلقة قرابة سنتين، ما تسبّب في توقف المبادلات التجارية البرية بين البلدين وزيادة الضغوط الاقتصادية على تونس. وفي الشهر ذاته، سلّمت الجزائر إلى تونس لزهر لونقو، مدير المخابرات التونسية الأسبق، بعد التحقيق معه.
وبعد شهر من ذلك، اتخذت تونس منعطفًا تاريخيًا في موقفها من قضية الصحراء الغربية. ففي آب/أغسطس 2022، استقبل الرئيس قيس سعيّد الأمين العام لجبهة البوليساريو، لدى حضوره ندوة طوكيو الدولية للتنمية في إفريقيا التي احتضنتها تونس. وردّ المغرب على ذلك الاستقبال بإلغاء مشاركته في الندوة واستدعاء سفيره من تونس، فردّت الأخيرة بالمثل.
ومنذ ذلك الحين، بدا واضحًا أن تونس باتت تصطف مع الجزائر في قضية الصحراء الغربية، فيما ساد الفتور علاقاتها مع المغرب، ويمكن ملاحظة هذا التراجع في العلاقات الاقتصادية أيضًا، إذ تشير آخر الإحصائيات التونسية الرسمية إلى تراجع صادرات تونس نحو المغرب بقرابة 23% خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026.
في العام 2023، تسبّبت حادثة إجلاء السفارة الفرنسية بتونس، يوم 6 شباط/فبراير، للناشطة الجزائرية الفرنسية أميرة بوراوي، التي هربت خلسة من الجزائر إلى تونس، في فتور العلاقات بين تونس والجزائر، وكانت السلطات التونسية قد اعتقلت بوراوي وبدأت إجراءات تسليمها إلى الجزائر، قبل أن تتدخل فرنسا لإجلائها.
ورغم أن الرئيس قيس سعيّد سارع إلى إقالة وزير الخارجية عثمان الجرندي بعد يوم واحد من حادثة الإجلاء، إلا أن الجزائر ردّت سريعًا بالتضييق على التونسيين العابرين للحدود بين البلدين.
وتضغط الجزائر على تونس من خلال ورقة المبادلات التجارية، إذ تُظهر إحصائيات المعهد الوطني للإحصاء بتونس أن صادرات تونس نحو الجزائر تراجعت بنسبة 11% خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026، مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025، فيما استقرت حصة الجزائر من واردات تونس عند نحو 7%.
في المقابل، تدور تونس في فلك الحلول التي تقدّمها الجزائر، التي تبحث عن منافذ اقتصادية جديدة بعد توتر علاقاتها مع شركاء غربيين، مثل فرنسا وإسبانيا بدرجة أقل. وفي هذا السياق، بادرت الجزائر بطرح فكرة قمة ثلاثية تجمعها بتونس وليبيا. وبالفعل، احتضنت تونس في أبريل/نيسان 2024 قمة جمعت الرئيس قيس سعيّد ونظيره الجزائري عبد المجيد تبون ورئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي.
وذكر البيان الختامي للقمة أن من أبرز النقاط التي اتُفق عليها التنسيق الأمني وحماية الحدود والتحكم في حركة الهجرة غير النظامية القادمة من إفريقيا جنوب الصحراء، إلى جانب تعزيز التعاون الاقتصادي.
ولا يتّضح المسار الذي ستنتهجه تونس لتجسيد النقطة الأخيرة من البيان الختامي للقمة المغاربية الثلاثية، خاصة أنها تفتقر إلى تمثيل دبلوماسي رفيع المستوى في طرابلس، بعد انتهاء مهام السفير التونسي العام الماضي، وبقاء منصبه شاغرًا.
إضافة إلى ذلك، تواجه تونس صعوبات في التحكم بحركة العبور عبر المعبر الحدودي الرئيسي مع ليبيا، في ظل أوضاع أمنية قابلة للتغير المفاجئ في طرابلس، فضلًا عن تكرار حوادث احتجاز تجار أو مسافرين تونسيين من الجانب الليبي في أكثر من مناسبة.
وفي المقابل، تكتفي تونس باتخاذ موقف محايد من الأزمات الليبية، بالتأكيد على تمسكها “بوحدة ليبيا وبأنّ الحلّ لا يمكن أن يكون إلاّ ليبيًّا ليبيًّا، وللّيبيّين من القدرات ما يمكّنهم أن يهتدوا إلى الحلول التي يقبلون بها”.
إفريقيا.. حضور دبلوماسي يتراجع وأزمات تتشابك
تنص ديباجة الدستور التونسي الصادر عام 2022 على أن تونس تؤكد انتماءها إلى القارة الإفريقية، وأن اسم تونس يستمد جذوره من إفريقيا. في المقابل، تُظهر المعطيات على أرض الواقع أن تونس قلّصت، خلال حكم الرئيس قيس سعيّد، حضورها الدبلوماسي في إفريقيا جنوب الصحراء بطريقة غير مباشرة، من خلال عدم سدّ الشغورات في السفارات والاكتفاء بالقائمين بالأعمال بالنيابة، إلى جانب اتباع سياسة عدائية تجاه المهاجرين غير النظاميين من دول جنوب الصحراء.
ولا يوجد سوى أربعة سفراء تونسيين في دول إفريقيا جنوب الصحراء، حسب مصدر دبلوماسي تونسي رفض الكشف عن هويته، وهم في ساحل العاج وبوركينا فاسو وكينيا ونيجيريا، من بين 46 دولة أخرى في المنطقة. أما في بقية الدول التي تتمتع فيها تونس بتمثيل دبلوماسي، فتكتفي بقائمين بالأعمال بالنيابة، ولم تُسدّ الشغورات في مناصب السفراء في الكاميرون ومالي وإثيوبيا وغيرها من الدول، رغم أن الرئيس قيس سعيّد يؤكد دائمًا الانتماء الإفريقي، وأن مصير الدول الإفريقية مشترك في تحقيق السيادة.
وتفوق قيمة صادرات تونس نحو دول إفريقيا جنوب الصحراء 546 مليون دولار، فيما فوّتت تونس 2999 فرصة استثمارية في 36 دولة من دول جنوب الصحراء، بقيمة إجمالية غير مستغلة تبلغ 2.28 مليار دولار أمريكي، حسب دراسة بعنوان “زيادة التجارة البينية الإفريقية: هل يمكن لمنطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية أن تغير المعادلة؟”، ساهمت في إعدادها الخبيرة التونسية بالبنك الدولي ليلى البغدادي.
ليس من العدل تحميل الرئيس قيس سعيّد وحده مسؤولية ضعف حضور تونس في القارة الإفريقية، لكن التناقض بين تصريحاته المتكررة عن سعي تونس إلى إيجاد أسواق غير تقليدية، وتأكيده ارتباط البلاد بالقارة الإفريقية، وبين سياسته الأمنية المتشددة تجاه المهاجرين غير النظاميين القادمين من إفريقيا جنوب الصحراء، يجعله المسؤول الأول عن ضياع فرص حقيقية قد تساعد تونس على الخروج من أزماتها الاقتصادية، خاصة أنه يتولى وحده رسم السياسات الداخلية والخارجية للبلاد، في ظل غياب مستشارين له.
في شباط/فبراير 2023، ألقى الرئيس قيس سعيّد خطابًا أمام مجلس الأمن القومي، هاجم فيه بحدّة وجود المهاجرين غير النظاميين في تونس، معتبرًا أن موجات الهجرة تهدف إلى “توطين المهاجرين غير النظاميين من إفريقيا جنوب الصحراء في تونس، وأن هذه الموجات المتعاقبة من الهجرة غير النظامية الهدف غير المعلن منها هو اعتبار تونس دولة إفريقية فقط ولا انتماء لها للأمتين العربية والإسلامية”.
وأعقب ذلك الخطاب تصاعد الاعتداءات على المهاجرين غير النظاميين وطردهم من منازلهم، في ظل انتشار خطاب يتبنى نظرية “الاستبدال العظيم”. وتلت ذلك موجة أخرى من الانتهاكات في صيف 2023، حين نقلت قوات الشرطة مهاجرين إلى مناطق صحراوية وتركتهم هناك دون ماء، ما أثار تنديدات واسعة من منظمات حقوقية وخبراء أمميين ومنظمات إفريقية.
وأدت سياسة تونس تجاه ملف الهجرة على أراضيها إلى قيام دول إفريقية بعمليات إجلاء متكررة لمواطنيها من تونس. وفي المقابل، اندلعت موجة غضب في دول إفريقية بسبب العنف المسلّط على المهاجرين، فيما علّق البنك الدولي مؤقتًا إطار الشراكة الاستراتيجية الجديد مع تونس.
فلسطين.. بين الخطاب الرئاسي والممارسة السياسية
خلال سباق الانتخابات الرئاسية سنة 2019، قال الرئيس قيس سعيّد في حوار تلفزيوني أُجري معه بصفته مترشحًا، إنّ التطبيع مع إسرائيل خيانة عظمى، وإنّ من يتعامل معها “خائن ويجب أن يُحاكم بتهمة الخيانة العظمى”.
ومنذ ذلك التاريخ، ظلّ التونسيون يتطلّعون إلى تطبيق فعلي لذلك الشعار من خلال إعداد مشروع قانون لتجريم التطبيع مع إسرائيل. وفي تموز/يوليو 2023، تقدّم نواب من البرلمان بمشروع قانون لتجريم التطبيع، وأُحيل إلى الجلسة العامة للتصويت عليه في نوفمبر/تشرين الثاني من العام ذاته، لكن الجلسة توقفت وظلّت معلّقة حتى اليوم، في سابقة قانونية في تاريخ البلاد.
وتبيّن للتونسيين أنّ تجريم التطبيع كان مجرّد شعار رفعه سعيّد حين ترشّح لأول مرة للانتخابات الرئاسية، وكسب من خلاله تأييدًا شعبيًا كبيرًا، إذ صرّح رئيس البرلمان التونسي إبراهيم بودربالة خلال الجلسة العامة، يوم 2 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، بأنّه تحدث مع الرئيس قيس سعيّد، الذي أعلمه أن تمرير هذا القانون “سوف يضر بالمصالح الخارجية لتونس، وأن هذا القانون يدخل في خانة الاعتداء على أمن الدولة الخارجي، وأن هذا الموضوع اتخذ طابعًا انتخابيًا لا أكثر ولا أقل”.
وأضاف رئيس البرلمان التونسي أنّ ما يهمه هو “مصلحة الوطن ومصلحة المسار ومصلحة مجلس النواب، ويجب أن نتحاشى إدخال البلاد إلى المجهول”.
كانت كلمة إبراهيم بودربالة متناقضة تمامًا مع مشهد مقاعد نواب البرلمان الموشّحة بأعلام فلسطين، وذلك بعد أقل من شهر على عملية طوفان الأقصى في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وخلال سلسلة الاغتيالات التي تعرّضت لها قيادات فلسطينية في حركة حماس، لم تصدر تونس سوى بيان واحد ندّدت فيه باغتيال رئيس المكتب السياسي للحركة إسماعيل هنية في تموز/يوليو 2024. كما لم تندّد باغتيال الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، واكتفت بإدانة العدوان الإسرائيلي على لبنان.
وغاب الرئيس قيس سعيّد عن محطات مهمة تتعلق بحرب الإبادة في غزة، من بينها القمة العربية الاستثنائية التي عُقدت في القاهرة يوم 4 مارس/آذار 2025، وحضرها عدد من قادة الدول العربية.
وفي أوج العدوان الإسرائيلي على غزة، اكتسبت إيران تأييدًا واسعًا لدى شريحة من التونسيين، خاصة مع تصاعد التوتر بينها وبين إسرائيل، قبل الهجمات الإسرائيلية التي استهدفت أراضيها. ولم يكن الموقف الرسمي التونسي بعيدًا عن هذا التوجه الشعبي، إذ ظهرت علامات تقارب استثنائي بين الرئيس قيس سعيّد وطهران، وسط حديث عن تأثير شقيق الرئيس التونسي نوفل سعيّد في هذا التقارب، وادعاءات بشأن اعتناقه المذهب الشيعي.
إيران.. تقارب تحكمه الحسابات
كان شهر أيار/مايو 2024 منعرجًا تاريخيًا في علاقات تونس بإيران، حيث زار الرئيس قيس سعيّد طهران لتقديم العزاء بعد وفاة الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي، والتقى بالمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، وكانت تلك أول زيارة يقوم بها رئيس تونسي إلى إيران منذ عام 1979، وأعقبها قرار تونسي بإلغاء تأشيرة دخول الإيرانيين إلى تونس.
وخلال الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران في عام 2025، أدانت تونس استهداف طهران في مناسبتين، وجاء في بيان وزارة الخارجية التونسية الصادر في 13 حزيران/يونيو 2025 أن “تونس تُعبّر عن تضامنها مع الشعب الإيراني الشقيق في هذا الظرف الدقيق، وتُجدّد دعوتها للمجتمع الدولي وبالخصوص مجلس الأمن للتدخل الفوري والحازم من أجل وضع حدّ لعربدة الكيان الصهيوني وسلوكه العدواني وعدم الإفلات من العقاب”.
في منتصف عام 2026، تحوّل الموقف التونسي تجاه إيران من المساندة إلى تنديد محتشم بالهجمات التي استهدفت دولًا عربية، مثل الإمارات وقطر والمملكة العربية السعودية، إذ عبّرت تونس في بيان لوزارة الخارجية عن “رفضها المطلق لأيّ استهداف لأراضي دول عربية شقيقة”، دون أن تذكر إيران صراحة.
وجدت إيران منفذين لبناء علاقات أقوى مع تونس، الأول هو الرئيس قيس سعيّد، الذي يرى أن الهيمنة الغربية لا يمكن كسرها إلا بالاصطفاف في الكفة المقابلة، والثاني هو موقفها المباشر ضد إسرائيل منذ انطلاق عملية طوفان الأقصى، الذي خفّف من تحفظات التونسيين المتوجسين من التقارب بين تونس وطهران.
لعبت إيران ورقة القضية الفلسطينية في دبلوماسيتها “الشعبية” مع الدول العربية، وهو ما يفعله أيضًا الرئيس قيس سعيّد. إذ تبدو القضية الفلسطينية مثل البطاقة الذهبية التي يستعملها كلما اشتدت عليه الأزمات، ففي ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة، وبعد مرور عام على فوزه بولاية رئاسية ثانية، رأى مؤيدو سعيّد أن الوقت حان لتنفيذ وعوده الانتخابية بتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.
وفي تلك الأثناء، عاد سعيّد إلى توظيف القضية الفلسطينية حين سمح بانطلاق الأسطول البحري لكسر الحصار على غزة من السواحل التونسية، وتباهى أنصاره بالحشد الكبير الذي تجمّع في ميناء سيدي بوسعيد، على بعد كيلومترات قليلة من القصر الرئاسي.
لكن تلك النشوة لم تدم، إذ شنّت الشرطة التونسية في مارس/آذار 2026 حملة اعتقالات شملت عددًا من القيادات التونسية لأسطول الصمود، إضافة إلى إيقاف خمسة عشر شخصًا خلال مسيرة مساندة لتلك القيادات في سبتمبر/أيلول من العام نفسه.
وتكشف هذه المواقف عن تناقضات في السياسة الخارجية للرئيس قيس سعيّد، فباستثناء علاقات تونس مع الجزائر، وإلى حدّ ما إيران، تتباعد تصريحاته عن ممارساته، حين يكرّر اعتزازه بانتماء تونس إلى القارة الإفريقية، فيما تنقل قوات الشرطة مهاجرين أفارقة إلى الصحراء أو تطردهم إلى حقول الزيتون، وحين يعلن مساندته للقضية الفلسطينية، بينما يتعرّض ناشطون مساندون لها للاعتقال.
وأسهمت هذه التناقضات في تراجع حضور تونس الإقليمي، مع تركز علاقاتها الخارجية حول الجزائر والاتحاد الأوروبي، في إطار معادلة تقوم في الحالتين على التعاون الأمني مقابل الدعم الاقتصادي.