فتح التقارب التركي مع معسكر خليفة حفتر، قائد القوات المعروفة باسم “الجيش الوطني الليبي” والمسيطرة على شرق البلاد، مرحلة جديدة من التنافس على النفوذ في ليبيا وشرق المتوسط، بعدما صدّق مجلس النواب المتحالف معه على الاتفاق البحري المبرم مع أنقرة عام 2019، منهيًا سنوات من معارضته للاتفاق الذي أثار خلافات إقليمية بشأن الحدود البحرية وموارد الطاقة.
ويضع هذا التحول مصر والإمارات أمام احتمال تراجع تأثيرهما لدى حليفهما التقليدي، مع اشتداد المنافسة على التعاون العسكري ومشاريع إعادة الإعمار، بينما تواجه اليونان نزاعًا على مناطق منحت فيها امتيازات للتنقيب عن النفط والغاز، وسط مخاوف قبرصية وإسرائيلية من توسع النفوذ التركي وتأثيره في مشاريع الطاقة والربط البحري.
وجاء القرار في 20 أكتوبر/تشرين الأول 2026، بعدما انتخب البرلمان الليبي قيادة جديدة أكثر انفتاحًا على أنقرة، وألغى قرارين اتخذهما عام 2020 برفض الاتفاقيات التركية وقطع العلاقات السياسية معها.
وكان الاتفاق قد وُقع في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2019 بين تركيا وحكومة الوفاق الوطني الليبية السابقة، قبل أن ترفضه السلطات الشرقية، وتعود الآن لتأييده، ما يعزز الموقف السياسي التركي دون أن يحسم الخلاف القانوني بشأن المناطق البحرية المتنازع عليها.
مصر والإمارات.. ما المصالح المهددة بالتقارب التركي الليبي؟
ضع انفتاح معسكر حفتر على تركيا النفوذ المصري في شرق ليبيا أمام اختبار يتعلق بقدرة القاهرة على التأثير في خيارات حليفها السياسية والعسكرية، خصوصًا بعدما أقر البرلمان المرتبط به اتفاقًا بحريًا تعارضه مصر منذ توقيعه، رغم العلاقات الأمنية والاقتصادية الواسعة التي بنتها مع القيادة الشرقية خلال سنوات الصراع.
وتكتسب هذه العلاقات أهميتها من الحدود البرية المشتركة، التي تمتد لنحو 1115 كيلومترًا، ومخاوف القاهرة من تهريب الأسلحة وتحركات الجماعات المسلحة عبر الصحراء الغربية، ولهذا دعمت قوات حفتر خلال مواجهاتها مع حكومة طرابلس، خصوصًا بين عامي 2019 و2020، حين تدخلت تركيا عسكريًا لمساندة الطرف المقابل وساهمت في صد الهجوم على العاصمة الليبية.
ومع توسع علاقاتها بالقيادة الشرقية، باتت تركيا قادرة على المشاركة في مناقشات التعاون العسكري وإعادة توحيد المؤسسات الليبية مع الطرفين، وهو ما يمس إحدى أدوات النفوذ المصري المرتبطة بالعلاقات مع قيادة القوات المسيطرة على المناطق المحاذية لحدودها.
وفي دراسة نشرها “مركز الدراسات الشرقية” البولندي، المتخصص في الشؤون السياسية والأمنية، مطلع ديسمبر/كانون الأول 2025، رأى الباحث آدم ميخالسكي، المتخصص في السياسة الخارجية التركية، أن تقارب أنقرة مع حفتر يمنحها فرصة لتوسيع حضورها العسكري والسياسي في الشرق والمشاركة في جهود إعادة توحيد ليبيا، بما قد يؤثر في مواقع القوى الخارجية التي دعمت معسكره تاريخيًا.
واستند ميخالسكي إلى سلسلة اتصالات عسكرية واستخباراتية شهدها عام 2025، بينها زيارة صدام حفتر، نائب القائد العام للقوات التابعة لوالده، إلى أنقرة في أبريل/نيسان، ثم زيارة إبراهيم قالن، رئيس جهاز الاستخبارات التركي، إلى بنغازي في أغسطس/آب، حيث بحث مع حفتر التعاون الأمني والاستخباراتي والعسكري.
وتواصلت هذه الاتصالات مع لقاء قالن رئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية عبد الحميد الدبيبة في طرابلس يوم 20 أكتوبر/تشرين الأول 2026، حيث بحثا جهود توحيد المؤسسات السياسية والعسكرية، وفق مصادر أمنية تركية، وهو ما يمنح أنقرة موقعًا في مناقشات مستقبل القوات الليبية التي تتنافس قوى خارجية عدة على التأثير فيها.
وجاء التصديق عقب تغير مهم داخل المؤسسة التشريعية الشرقية، إذ انتخب مجلس النواب في 6 أكتوبر/تشرين الأول 2026 الصالحين عبد النبي العبيدي رئيسًا له، خلفًا لعقيلة صالح، رئيس المجلس السابق الذي ارتبط بعلاقات وثيقة مع القاهرة. وكان العبيدي قد ترأس لجنة الصداقة البرلمانية الليبية التركية، ما ساعد على تهيئة مناخ سياسي مختلف تجاه الاتفاق.
واعتبر أنس القماطي، مدير “معهد الصادق” الليبي للأبحاث والسياسات العامة أن تصديق البرلمان أضعفت حجة اعتمدت عليها اليونان ومصر سابقًا، وهي افتقار الاتفاق إلى موافقة المؤسسة التشريعية الليبية، ما يمنح أنقرة سندًا سياسيًا إضافيًا للدفاع عنه.
وعسكريًا، كشف تحقيق لوكالة رويترز في 2 أبريل/نيسان 2026، استنادًا إلى صور أقمار صناعية وتحليلات خبراء، عن وجود ثلاث طائرات مسيّرة قتالية على الأقل في قاعدة الخادم الجوية، الواقعة على بعد نحو 100 كيلومتر شرق بنغازي، بينها طائرتان يُرجح أنهما من طراز “بيرقدار تي بي 2” التركية، وأخرى من طراز “فيلونغ 1” الصينية.
ولم يحدد التحقيق الجهات التي زودت قوات حفتر بالطائرات أو تتولى تشغيلها، لكن تنوع مصادر التسليح يوسع خيارات القيادة الشرقية في علاقاتها العسكرية، بعدما اعتمدت لسنوات على دعم مصر والإمارات وروسيا، ما قد يقلص قدرة أي طرف خارجي منفرد على توجيه قراراتها.
ويمتد التنافس إلى المصالح الاقتصادية المصرية، خصوصًا مشاريع إعادة الإعمار والبنية التحتية في شرق ليبيا، التي توسعت بعد فيضانات درنة والبيضاء في سبتمبر/أيلول 2023، وأتاحت للشركات المصرية الحصول على عقود واسعة في ظل علاقات القاهرة بالسلطات الشرقية.
وفي يوليو/تموز 2025، قال أحمد الوكيل رئيس الاتحاد العام للغرف التجارية المصرية، إن شركات بلاده نفذت مشاريع إعادة إعمار في ليبيا تتجاوز قيمتها 5 مليارات دولار، وإن الاستثمارات المصرية هناك تخطت 2.5 مليار دولار، بينما تجاوزت الصادرات المصرية إلى السوق الليبية ملياري دولار.
وتشمل هذه المصالح مشاريع للطرق والجسور والبنية التحتية، بعضها مرتبط بصندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا، الذي يديره بلقاسم حفتر، نجل قائد القوات المسيطرة على شرق البلاد.
وقد يؤدي انفتاح القيادة الشرقية على أنقرة إلى اشتداد المنافسة على عقود الإعمار الجديدة، خصوصًا أن شركات المقاولات التركية تمتلك خبرة طويلة في السوق الليبية، وكان نشاطها خلال سنوات الصراع أكثر ارتباطًا بالمناطق الخاضعة لحكومة طرابلس، ما يتيح لها الآن المنافسة في مدن الشرق على مشاريع استفادت الشركات المصرية من علاقاتها السياسية في الحصول عليها.
أما المصالح البحرية المصرية، فتواجه خلافًا مباشرًا بعدما وقعت القاهرة وأثينا في 6 أغسطس/آب 2020 اتفاقًا للترسيم الجزئي للمنطقة الاقتصادية الخالصة بينهما، عارضته تركيا التي تعتمد تصورًا مختلفًا للحدود البحرية وفق اتفاقها مع ليبيا.
كما أصدرت مصر في ديسمبر/كانون الأول 2022 قرارًا بتحديد حدودها البحرية الغربية في المتوسط، وأودعت إحداثياته لدى الأمم المتحدة، ما يجعل أنشطة الاستكشاف التي قد تتداخل مع المناطق التي تطالب بها القاهرة مصدرًا محتملًا لخلاف يتعلق بالحقوق السيادية واستغلال موارد الطاقة.
وعقب التصديق الليبي الأخير، أعلنت وزارة الخارجية المصرية رفضها القرار، معتبرة أن الاتفاق التركي الليبي يمس حقوق مصر السيادية في منطقتها الاقتصادية الخالصة وجرفها القاري، وأكدت احتفاظها بحق حماية مصالحها والتصدي لأي إجراءات تتعارض مع حدودها البحرية المعلنة.
وتتعقد حسابات القاهرة بسبب تحسن علاقاتها مع أنقرة خلال السنوات الأخيرة، والذي شمل استئناف الاتصالات الرئاسية وتفعيل مجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى، وزيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى مصر في فبراير/شباط 2026، ما يمنح البلدين قنوات لإدارة خلافاتهما دون التضحية بمصالحهما الأمنية والاقتصادية في ليبيا.
أما الإمارات، فقد ارتبط نفوذها في شرق ليبيا بالدعم السياسي والعسكري لمعسكر حفتر، بما في ذلك توفير معدات وقدرات عسكرية خلال سنوات الصراع، وفق تقارير فريق خبراء الأمم المتحدة المعني بليبيا، الذي وثق جوانب من الدعم الخارجي للأطراف المتحاربة.
وكانت أبوظبي وأنقرة على طرفي المواجهة خلال معارك طرابلس، قبل أن تتحسن علاقاتهما تدريجيًا، وصولًا إلى عقد أول اجتماع لمجلسهما الاستراتيجي في يوليو/تموز 2025، والتوافق على تعزيز التعاون في الدفاع والأمن والطاقة والاستثمارات، ودراسة مشاريع مشتركة في دول ثالثة.
تيح هذا التحسن للإمارات التعامل مع نفوذ تركيا الجديد من موقع مختلف عن مصر، إذ تستطيع المحافظة على علاقاتها العسكرية بقيادة الشرق واستكشاف مجالات للتنسيق مع أنقرة، خصوصًا في ملف توحيد المؤسسات العسكرية الليبية الذي قد يعيد توزيع الأدوار بين الداعمين الخارجيين.
وفي 25 سبتمبر/أيلول 2026، استقبل الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الإمارات، صدام حفتر في أبوظبي، كما التقى الأخير محمد بن مبارك المزروعي، وزير الدولة الإماراتي لشؤون الدفاع، بحضور عيسى سيف بن عبلان المزروعي، رئيس أركان القوات المسلحة الإماراتية.
وبحث اللقاء العسكري استمرار التنسيق وتعزيز التعاون الدفاعي، بينما نقلت صحيفة “كاثيميريني” اليونانية في 21 أكتوبر/تشرين الأول 2026، عن مصادر مطلعة، معلومات عن مشاركة تركيا والإمارات في جهود توحيد القوات الليبية، دون صدور إعلان رسمي مشترك يؤكد طبيعة هذا التنسيق.
ويجعل ذلك الحفاظ على النفوذ الإماراتي مرتبطًا بقدرة أبوظبي على التكيف مع الحضور التركي داخل معسكر حفتر، بينما تواجه مصر خلافًا بحريًا مباشرًا مع أنقرة، إضافة إلى المنافسة المحتملة على موقعها الأمني والاقتصادي في شرق ليبيا.
اليونان وقبرص و”إسرائيل”.. من يخسر في شرق المتوسط؟
تواجه اليونان التحدي الأكثر ارتباطًا بالاتفاق البحري، بعدما عزز تصديق البرلمان الليبي موقف أنقرة سياسيًا في النزاع على مناطق الاختصاص البحري، الذي يتمحور حول حقوق جزيرة كريت وجزر بحر إيجه في المناطق الاقتصادية الخالصة والجرف القاري.
وتتمسك أثينا بأن جزيرة كريت وجزر رودس وكارباثوس وكاسوس تتمتع بحقوق بحرية ينبغي احتسابها عند ترسيم الحدود، بينما تعتمد تركيا تصورًا يمنح الجزر تأثيرًا محدودًا مقارنة بالسواحل القارية، ما ينتج عنه اختلاف واسع بين المطالبات البحرية للبلدين.
وقد انتقل الخلاف إلى منافسة اقتصادية على مناطق التنقيب جنوب كريت، ففي 16 فبراير/شباط 2026، وقعت الحكومة اليونانية أربعة عقود استكشاف مع تحالف تقوده شركة “شيفرون” الأمريكية المتخصصة في النفط والغاز، بحصة 70%، إلى جانب شركة “هيلينيك إنرجي” اليونانية للطاقة بحصة 30%.
وشملت العقود منطقتي “جنوب كريت 1” و”جنوب كريت 2″، إضافة إلى منطقتين جنوب شبه جزيرة البيلوبونيز، بمساحة إجمالية تقارب 47 ألف كيلومتر مربع، قبل أن يصدّق البرلمان اليوناني عليها في مارس/آذار 2026، وفق بيانات الشركتين والسلطات اليونانية.
وكانت ليبيا قد اعترضت على بعض مناطق الاستكشاف، ففي مذكرة أودعتها لدى الأمم المتحدة في 20 يونيو/حزيران 2025، أرفقت تقريرًا للمؤسسة الوطنية للنفط الليبية يفيد بأن المساحة الإجمالية لمنطقتي جنوب كريت تبلغ نحو 23 ألفًا و300 كيلومتر مربع، وأن أكثر من 85% منها يقع جنوب خط الحدود الذي تعتمده ليبيا ضمن مطالباتها البحرية.
وتعبر هذه النسبة عن تقدير الجانب الليبي لحجم التداخل، في حين تتمسك اليونان بحقوقها في المناطق نفسها وفق تصور مختلف للترسيم، وهو نزاع قد يرفع المخاطر القانونية والتشغيلية أمام الشركات إذا بدأت عمليات استكشاف متعارضة أو صدرت تراخيص متنافسة في المواقع ذاتها.
وتبرز أهمية التصديق الأخير في تراجع أحد الاعتراضات السياسية التي استندت إليها أثينا ضد الاتفاق التركي، وهو رفض المؤسسة التشريعية في شرق ليبيا له، بعدما أصبح يحظى بتأييد البرلمان الذي عارضه لسنوات، دون أن يعني ذلك تسوية الخلاف بشأن حقوق الدول الأخرى.
وفي موازاة هذا النزاع، تتوسع المصالح التركية داخل قطاع الطاقة الليبي، إذ وقعت المؤسسة الوطنية للنفط في 15 يونيو/حزيران 2026 اتفاقًا لتقاسم الإنتاج في المنطقة البحرية السابعة قبالة بنغازي، مع تحالف يضم شركة “ريبسول” الإسبانية للطاقة بحصة 40%، وشركة البترول التركية الحكومية بحصة مماثلة، وشركة “مول” المجرية للنفط والغاز بحصة 20%.
وتقع المنطقة على بعد نحو 140 كيلومترًا شمال غرب بنغازي، وتمتد على أكثر من عشرة آلاف و300 كيلومتر مربع، وتشمل التزامات الاستكشاف مسوحًا زلزالية وحفر بئر استكشافية، ما يمنح شركة البترول التركية حضورًا اقتصاديًا مباشرًا قبالة شرق ليبيا، ضمن شراكة تضم شركات من دولتين عضوين في الاتحاد الأوروبي.
ويعقّد تداخل المصالح التجارية مع الخلافات السياسية خيارات الضغط الاقتصادي على أنقرة، إذ ترتبط شركات أوروبية باستثمارات مشتركة معها في ليبيا، بالتزامن مع موقف الاتحاد الأوروبي الرافض لاتفاق الترسيم البحري.
ويمتد الخلاف إلى مشاريع البنية التحتية البحرية، وفي مقدمتها مشروع “غريت سي إنتركونيكتور” للربط الكهربائي بين اليونان وقبرص، ثم “إسرائيل” مستقبلًا، بتكلفة تقدر بنحو 1.9 مليار يورو، وتتولى شركة “نكسنز” الفرنسية المتخصصة في صناعة الكابلات جانبًا رئيسيًا من تنفيذه.
وواجه المشروع تأخيرات مرتبطة بالخلافات البحرية مع تركيا، ففي 15 أكتوبر/تشرين الأول 2026 أعلن بافلوس ماريناكيس، المتحدث باسم الحكومة اليونانية، أن الشركة المنفذة تقدمت بطلب لاستئناف مسوح قاع البحر اللازمة لمد الكابلات، على أن تبدأ الأعمال بعد استكمال إجراءات الموافقة.
وتطالب تركيا بالتنسيق بشأن المسوح التي ترى أنها تمر عبر مناطق تدخل ضمن اختصاصها البحري، بينما تتمسك اليونان بحقها في تنظيم تلك الأعمال، وهو خلاف سبق التصديق الليبي الأخير، ويتصل بمسارات تختلف عن مناطق الاستكشاف المتنازع عليها جنوب كريت.
وتواجه قبرص تداعيات مرتبطة بحقوقها البحرية ومشاريع الطاقة والربط الكهربائي، خصوصًا أن التصور التركي لترسيم الحدود يمنح الجزر تأثيرًا محدودًا، وهو ما تعترض عليه نيقوسيا التي تتمسك بحقوقها في منطقتها الاقتصادية الخالصة.
وتملك قبرص استثمارات كبيرة في الغاز البحري، أبرزها حقل “كرونوس” الواقع في المنطقة البحرية السادسة، والذي أعلنت شركة “إيني” الإيطالية للطاقة في 28 يوليو/تموز 2026 اتخاذ قرار الاستثمار النهائي لتطويره بالشراكة مع شركة “توتال إنرجيز” الفرنسية للطاقة.
وتقدر موارد الحقل بأكثر من ثلاثة تريليونات قدم مكعبة من الغاز، مع استهداف بدء وصول إنتاجه إلى الأسواق عام 2028، ونقله إلى منشآت حقل ظهر في مصر ثم إلى مصنع دمياط للإسالة والتصدير، ما يربط مصالح قبرص ومصر وإيطاليا وفرنسا في مشروع يستهدف الأسواق الأوروبية.
وتتركز التداعيات القبرصية في الخلاف بشأن الحقوق البحرية للجزر ومستقبل مشاريع الربط والطاقة الإقليمية، فيما تقع حقول الغاز القبرصية الرئيسية خارج نطاق خط الترسيم التركي الليبي، بما يحد من التأثير الجغرافي المباشر للاتفاق عليها.
أما “إسرائيل”، فيرتبط اعتراضها بتعزيز نفوذ تركيا بشرق المتوسط، حيث طورت علاقات أمنية واقتصادية مع اليونان وقبرص تشمل التعاون العسكري ومشاريع الطاقة والربط الكهربائي. وقد أدانت الخارجية الإسرائيلية التصديق الليبي، مدعية أنه يمس الحقوق السيادية لحلفائها الإقليميين.
وتشمل المصالح الإسرائيلية مشاركة شركة “نيو ميد إنرجي” المتخصصة في الغاز، إلى جانب شيفرون وشركة “شل” العالمية للطاقة، في تطوير حقل “أفروديت” القبرصي، فضلًا عن ارتباط “إسرائيل” بالمراحل المستقبلية لمشروع الربط الكهربائي البحري.
وكانت “شل” قد أعلنت في يوليو/تموز 2026 اتفاقًا لبيع حصتها البالغة 35% في مشروع أفروديت إلى شركة مول المجرية، على أن تكتمل الصفقة بعد استيفاء الشروط التنظيمية، ما يعكس استمرار انتقال الاستثمارات بين شركات أوروبية وإسرائيلية وأمريكية في قطاع الغاز القبرصي.
ويتركز التأثير المحتمل على “إسرائيل” في توازن النفوذ والشراكات الإقليمية، إذ تقع منطقتها الاقتصادية الخالصة وحقول الغاز الرئيسية قبالة سواحلها خارج خط الترسيم التركي الليبي، بينما قد يمنح توسع الحضور التركي أنقرة قدرة إضافية على التأثير في ترتيبات الطاقة والبنية التحتية بشرق المتوسط.
وتبرز أيضًا مصالح فرنسا وإيطاليا، إذ ترتبط الشركات الفرنسية بمشاريع الغاز القبرصي والكابلات البحرية، فيما تمتلك إيني الإيطالية استثمارات كبيرة في النفط والغاز الليبي وتصديره عبر خط أنابيب “غرين ستريم” الواصل بين ليبيا وإيطاليا.
وفي يونيو/حزيران 2026، أعلنت إيني أن إنتاجها في ليبيا بلغ نحو 162 ألف برميل مكافئ نفطي يوميًا خلال عام 2025، وأنها تنفذ ثلاثة مشاريع تطوير باستثمارات إجمالية تبلغ نحو عشرة مليارات دولار، ما يجعل استمرار أنشطة إنتاج الطاقة ونقلها مصلحة اقتصادية مباشرة بالنسبة إليها.
من الاعتراض إلى التنفيذ.. ما خيارات الدول المتضررة؟
تتجه الأنظار إلى قدرة الدول المعترضة على التأثير في تنفيذ الاتفاق التركي الليبي، بعدما عزز تصديق البرلمان موقف أنقرة سياسيًا، بينما يرتبط التحول العملي بإصدار تراخيص استكشاف جديدة وبدء أعمال المسح والتنقيب في المناطق التي تتداخل بشأنها المطالبات البحرية.
وتراهن اليونان على توظيف موقعها داخل كتلة بروكسل وعلاقاتها الدولية لزيادة الضغوط على أنقرة والسلطات الليبية. وقال وزير الخارجية جورجوس جيرابيتريتيس إن أثينا تمتلك أدوات تتعلق بالتمويل الأوروبي الموجه إلى ليبيا وبمسار انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، إلى جانب قدرتها على حشد الدعم الدبلوماسي داخل المؤسسات الدولية.
لكن استخدام هذه الأدوات يرتبط بمصالح الاتحاد الأوروبي نفسه في ليبيا، خصوصًا التعاون مع السلطات الشرقية في إدارة الحدود والبحث والإنقاذ ومكافحة تهريب المهاجرين.
إذ كشف خطاب لرئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، في 13 أكتوبر/تشرين الأول 2026، عن تمويل إضافي بقيمة 25 مليون يورو لتوسيع التعاون مع شرق ليبيا في هذه المجالات.
ويمنح هذا التعاون معسكر حفتر أهمية في الحسابات الأوروبية المتعلقة بالهجرة عبر المتوسط، ما قد يحد من قدرة أثينا على الدفع نحو إجراءات مالية واسعة، خاصة مع ارتباط دول أوروبية بمصالح اقتصادية في ليبيا وعلاقات تجارية وأمنية مع تركيا.
ويمتلك الاتحاد أيضًا نظامًا قانونيًا للعقوبات المرتبطة بأنشطة الحفر التركية التي يعتبرها غير مرخصة في شرق المتوسط، وقد مدده مجلس الاتحاد حتى 30 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، مع بقاء قائمة الأشخاص والكيانات المستهدفة فارغة، فيما يتطلب فرض تدابير جديدة قرارات إضافية.
ورى أرتورو فارفيلي، مدير مكتب روما في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، أن التصديق الليبي كشف محدودية التأثير الأوروبي في إعادة تشكيل موازين القوى داخل ليبيا، معتبرًا في تصريح لوكالة “نوفا” الإيطالية، أن الرد الأوروبي ظل أقرب إلى المواقف السياسية التي لم تغير التوازن الإقليمي، بينما نجحت أنقرة في توسيع نفوذها لدى طرفي الانقسام الليبي.
وقد يمنح هذا التقدم تركيا قدرة تفاوضية أكبر بشأن مشاريع الطاقة والربط مع أوروبا، رغم استمرار الخلاف القانوني حول الحدود البحرية.
وتملك أثينا خيارات أخرى، بينها توسيع مياهها الإقليمية إلى 12 ميلًا بحريًا، وبحث توسيع اتفاق الترسيم الجزئي الموقع مع مصر عام 2020، وقد أكد جيرابيتريتيس أن هذه المسألة ستُناقش مستقبلًا وفق الظروف.
قانونيًا، تواجه تسوية النزاع صعوبات مرتبطة باختلاف تفسير قواعد ترسيم الحدود البحرية، إذ تتمسك اليونان وقبرص ومصر بأحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، بينما تعتمد تركيا تفسيرها لمبدأ الإنصاف في تحديد مناطق الاختصاص، وهي من الدول غير المنضمة للاتفاقية.
ويتطلب اللجوء إلى القضاء أو التحكيم الدولي وجود أساس قانوني لاختصاص الجهة القضائية أو موافقة الأطراف المعنية، فيما يخضع تسجيل الاتفاقيات لدى الأمم المتحدة لإجراءات توثيق المعاهدات ونشرها، دون أن يحسم ذلك الحقوق البحرية المتعارضة بين الدول.
أما الخطوات التنفيذية التركية الليبية، فتستند إلى تعاون قائم في قطاع الطاقة، من أبرز اتفاقاته مذكرة تفاهم بين المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا وشركة البترول التركية الحكومية بإسطنبول في 25 يونيو/حزيران 2025، والتي تنص على إجراء دراسات جيولوجية وجيوفيزيائية لأربع مناطق بحرية.
وناقش الطرفان بموجب المذكرة تنفيذ مسح زلزالي ثنائي الأبعاد بطول 10 آلاف كيلومتر، ومعالجة البيانات الناتجة عنه خلال فترة تصل إلى 9 أشهر، فيما لم تتضح إحداثيات المناطق الأربع، ما يجعل تحديد مواقعها ضروريًا لمعرفة مدى تداخلها مع امتيازات التنقيب اليونانية جنوب كريت.
وتستبعد كلوديا غازيني، كبيرة محللي شؤون ليبيا في مجموعة الأزمات الدولية، إقدام شركات النفط العالمية على الاستثمار أو التنقيب في مياه تتنازع عليها عدة دول، موضحة أن هذه الشركات تفضل تجنب المخاطر القانونية والأمنية ما دامت تتوافر أمامها فرص استثمارية في مناطق أخرى.
ويشير هذا التقدير إلى أن حصول أنقرة على دعم البرلمان الليبي لا يضمن تحويل الاتفاق إلى مشاريع تنقيب فعلية في المناطق المتنازع عليها، خصوصًا إذا استمرت اعتراضات اليونان وتداخلت التراخيص البحرية.
وتبرز حساسية الخلاف أيضًا في الصلاحيات المتعلقة بأعمال المسح ومد الكابلات، إذ أوضح وزير الخارجية اليوناني في 21 أكتوبر/تشرين الأول 2026 أن أثينا يمكنها تقديم معلومات بشأن العمليات البحرية، مع تمسكها بأن الإبلاغ عن الأعمال يختلف عن طلب الحصول على ترخيص تركي.
وقد يصبح هذا الخلاف أكثر تأثيرًا مع استئناف الأعمال في مشروع الربط الكهربائي بين اليونان وقبرص، خصوصًا أنه يحظى بتمويل أوروبي ودعم أمريكي، وترتبط به مصالح شركات فرنسية، ما يزيد عدد الأطراف المعنية بأي تعطيل محتمل.
في المقابل، توفر العلاقات المتحسنة بين تركيا ومصر والإمارات، واستمرار الحوار التركي اليوناني، قنوات للتفاوض بشأن أنشطة الاستكشاف أو التوصل إلى ترتيبات مؤقتة لتنظيم العمل في المناطق المتنازع عليها، خاصة مع تشابك مصالح الطاقة والتجارة والأمن بين الأطراف.
وتبقى مواقع أنشطة الاستكشاف التركية الليبية الجديدة، ومدى تداخلها مع الامتيازات اليونانية، وقدرة أثينا وشركائها على استئناف مشاريع الربط البحري، عوامل رئيسية في تحديد حجم التأثير العملي للتصديق الليبي على موازين النفوذ والمصالح الاقتصادية والأمنية في شرق المتوسط.