نشرت الأكاديمية الوطنية للاستخبارات في تركيا، في أكتوبر 2026، تقريراً بعنوان «تشريح التوسعية الإسرائيلية»، تناولت فيه الأسس الأيديولوجية والسياسية والمؤسساتية التي تقوم عليها السياسات التوسعية الإسرائيلية، والآليات التي تتيح تحويل التصورات والمطالب السياسية إلى وقائع ميدانية قابلة للاستمرار.
يبحث التقرير في ثلاثة أبعاد مترابطة للتوسع الإسرائيلي: السيطرة على الأراضي، وتكريس هذه السيطرة عبر المؤسسات والقوانين والإجراءات الإدارية، وإعادة تشكيل التوزيع الديمغرافي للسكان. كما يتناول دور الخطاب الديني والتاريخي، وتنامي نفوذ اليمين المتطرف، والقدرات العسكرية والدعم الأمريكي في إنتاج هذا المسار واستدامته.
ويتناول التقرير بالتحليل التحركات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية ولبنان وسوريا وشرق المتوسط والبحر الأحمر والقرن الأفريقي والبلقان، واضعاً إياها ضمن سياق أوسع من التنافس على النفوذ الإقليمي وحرية الحركة الاستراتيجية.
كما يخصص قسماً لدراسة انعكاسات هذه السياسات على تركيا، في ضوء التباين بين رؤيتين للأمن الإقليمي؛ إحداهما تقوم على تعزيز قدرات الدول المحيطة وسيادتها، والأخرى تسعى إلى الحد من قدراتها العسكرية والاستراتيجية وتوسيع هامش التدخل الإسرائيلي في محيطها.
دقّ التقرير ناقوس الخطر بشأن حقيقة جوهرية، تتمثل في أن التوسعية الإسرائيلية لم تعد قابلة للاختزال في توجهات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، فالمسألة، وفق التحليل الذي يقدمه، أعمق من ذلك؛ إذ ترتبط بمنظومة سياسية واجتماعية ومؤسساتية تجعل المطالب التوسعية قابلة للاستمرار حتى في حال تغير القيادة السياسية. ومن هنا، فإن الرهان على تغيير الحكومة الإسرائيلية وحده، أو انتظار عودة تيار سياسي أكثر اعتدالاً، لا يكفي لضمان تغيير المسار القائم.
تكمن أهمية هذه الخلاصة في أنها تنقل النقاش من مستوى السياسات الإسرائيلية الآنية إلى مستوى طبيعة الدولة واتجاهات مؤسسات صنع القرار فيها، فالتقرير يوضح كيف انتقلت التيارات اليمينية المتطرفة، التي كانت تقع في السابق على هامش النظام السياسي، إلى قلبه، وكيف أصبحت الشبكات المرتبطة بحركة الاستيطان جزءاً من آليات اتخاذ القرار والتنفيذ داخل الوزارات والبيروقراطية الحكومية. وبذلك، لم يعد الاستيطان مجرد ضغط تمارسه جماعات أيديولوجية على الدولة، بل أصبح جزءاً من أدواتها في فرض الوقائع وتكريسها.
يتغذى هذا المسار من تفاعل ثلاثة عناصر: توظيف الروايات الدينية والتاريخية لإضفاء الشرعية على المطالب الإقليمية، وتقديم التوسع بوصفه ضرورة أمنية لا يمكن التنازل عنها، ثم تحويل هذه التصورات إلى سياسات وقوانين وترتيبات ميدانية يصعب التراجع عنها.
وتزداد خطورة هذه العملية عندما تصبح الوقائع الجديدة أساساً لإنتاج مخاوف أمنية إضافية، تُستخدم بدورها لتبرير مزيد من التدخل والتوسع.
لا يعني ذلك أن جميع المؤسسات الإسرائيلية أو التيارات السياسية تتبنى موقفاً واحداً، أو أن مسار التوسع حتمي لا يمكن تغييره، لكنه يعني أن التعامل معه باعتباره نزوة سياسية مؤقتة ينطوي على خطأ استراتيجي، وأن أي تحول حقيقي يستلزم تغيير الحوافز السياسية والأمنية التي تسمح باستمرار هذا المسار، ورفع كلفة انتهاكاته، وحرمانه من الظروف الإقليمية والدولية التي تسهّل تنفيذه.
وتتجاوز الأهداف المحتملة للتوسع الإسرائيلي مسألة السيطرة على مزيد من الأراضي، فمن خلال إضعاف القدرات العسكرية للدول المحيطة، وفرض ترتيبات أمنية تتجاوز حدودها المعترف بها، تسعى إسرائيل إلى توسيع حرية عملها العسكري والاستخباراتي، ومنع ظهور قوى إقليمية قادرة على تقييد تحركاتها أو موازنة نفوذها.
تكشف الحالة السورية عن هذا المنطق؛ إذ يتقاطع السعي إلى الحد من قدرة الدولة السورية على إعادة بناء مؤسساتها العسكرية مع الرغبة في تقليص النفوذ التركي المتنامي في البلاد.
وعلى نطاق أوسع، يمكن قراءة التحركات الإسرائيلية في شرق المتوسط والقرن الأفريقي والبحر الأحمر ضمن محاولة لتعزيز الوصول إلى الممرات البحرية ومراكز النفوذ وشبكات الطاقة والاتصال، وتطوير علاقات أمنية مع أطراف إقليمية بما يغيّر موازين القوى.
تمتد المخاطر إلى الأمن البحري والتجارة والطاقة، خصوصاً في البحر الأحمر والقرن الأفريقي وشرق المتوسط، حيث تتداخل المصالح الإقليمية مع طرق الملاحة الدولية وشبكات الإمداد. وقد تجد دول المنطقة نفسها أمام معادلة تضطر فيها إلى إنفاق موارد أكبر على الدفاع والتسلح، في وقت تتراجع فيه فرص التعاون الاقتصادي والتكامل الإقليمي.
أمام هذه المعطيات، لا يكفي أن تكتفي دول المنطقة بإدانة السياسات الإسرائيلية أو التعامل مع كل أزمة باعتبارها حالة منفصلة. المطلوب هو بناء مقاربة مشتركة تربط بين احترام سيادة الدول، وتعزيز قدراتها الدفاعية، وتنسيق المواقف الدبلوماسية، وتطوير أدوات الضغط الاقتصادي والقانوني.
في هذا السياق، يبرز التقارب بين السعودية وتركيا وباكستان بوصفه فرصة تستحق الدراسة، ويمكن النظر إلى “تحالف مكة” باعتباره تصوراً لتنسيق استراتيجي يجمع ثلاث قوى تمتلك موارد اقتصادية ودبلوماسية وعسكرية متكاملة نسبياً، ولديها مصالح في استقرار المنطقة ومنع اختلال موازين القوى بصورة تهدد سيادة دولها، فالسعودية تمثل ثقلاً مالياً وسياسياً خليجياً، وتركيا تمتلك قدرات عسكرية وصناعية وموقعاً جيوسياسياً محورياً، فيما توفر باكستان خبرة عسكرية وقدرات دفاعية معتبرة وامتداداً استراتيجياً في جنوب آسيا.
غير أن أهمية هذا التقارب لا تكمن في إعلان تحالف جديد بحد ذاته، بل في القدرة على تحويل المصالح المشتركة إلى ترتيبات عملية. ويقتضي ذلك تحديد أهداف واضحة، وتطوير آليات للتشاور في الأزمات، وتعزيز التعاون في الصناعات الدفاعية وتبادل المعلومات والتدريب، وتنسيق المواقف بشأن انتهاكات السيادة والاحتلال، إلى جانب توسيع التعاون الاقتصادي والتكنولوجي.
كما يتطلب التوافق على أن يكون أي تنسيق دفاعي أداة للردع وحماية السيادة، لا وسيلة لفرض هيمنة جديدة أو استهداف أطراف إقليمية أخرى.
ومن المهم أيضاً ألا يُختزل هذا المسار في الدول الثلاث وحدها. فنجاح أي بنية أمنية إقليمية مستدامة يتوقف على قدرتها على استيعاب دول أخرى، وخاصة مصر ودول الخليج والأردن، وفق المصالح والملفات المشتركة.
إن بناء توازن مضاد يتطلب بيئة تجعل فرض الإرادة بالقوة أكثر كلفة وأقل جدوى، وإذا استطاعت السعودية وتركيا وباكستان، إلى جانب بقية دول المنطقة، تحويل تقاربها إلى تعاون مؤسسي متدرج، فقد يتشكل أساس أكثر صلابة لأمن إقليمي قائم على الردع المتبادل واحترام السيادة، أما استمرار الاستجابات المنفردة، فيمنح إسرائيل هامشاً أوسع لتوسيع نفوذها، ويترك دول المنطقة أمام أزمات متلاحقة من دون أدوات جماعية كافية للتأثير في مسارها.