• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

تمنع التراخيص وتعاقب على غيابها.. مصر تخنق صحافتها المستقلة

فريق التحرير٢٨ أكتوبر ٢٠٢٦

في اليوم الذي منح فيه المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام تراخيص لعدد من المواقع الإلكترونية، من بينها موقع “يوليو” الذي انطلق قبل أشهر قليلة، استدعت نيابة أمن الدولة العليا الصحافية لينا عطا الله، رئيسة تحرير “مدى مصر”، للتحقيق معها للمرة السادسة، بتهمة إدارة موقع إلكتروني دون ترخيص.

وانتهى التحقيق بإخلاء سبيل عطا الله بكفالة قدرها 100 ألف جنيه، قبل إحالتها إلى المحاكمة بالتهمة نفسها بعد 24 ساعة فقط، رغم أن “مدى مصر” تقدم بطلب لتوفيق أوضاعه منذ دخول قانون تنظيم الإعلام لعام 2018 حيز التنفيذ، وفق الإجراءات التي نص عليها القانون، لكن طلبه ظل معلقًا دون البت فيه حتى اليوم. وهو ما حدث أيضًا مع موقع “المنصة”، الذي سبق أن خضعت رئيسة تحريره نورا يونس للتحقيق بالتهمة ذاتها.

وفي تطور مفاجئ، قضت المحكمة الاقتصادية، في أولى جلسات المحاكمة، بتغريم عطا الله 3 ملايين جنيه وإغلاق موقع “مدى مصر”، مع احتجازها لحين سداد الغرامة. وحتى كتابة هذه السطور، لم يتسنَّ لـ”نون بوست” الحصول على تعليق بشأن مصير الموقع والعاملين فيه.

جلسة واحدة لإغلاق “مدى مصر”

بحسب حسام بهجت، المدير التنفيذي للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، الذي حضر الجلسة، رفعت المحكمة الجلسة بعدما أصر فريق الدفاع على منحه وقتًا كافيًا للاطلاع على أوراق القضية. وعند استئنافها، أمر القاضي بإخراج جميع الحاضرين من القاعة، باستثناء رئيسة تحرير “مدى مصر” وفريق الدفاع عنها، قبل أن تمتلئ القاعة بضباط وعناصر حراسة بملابس مدنية، من بينهم ضابط من “الأمن الوطني”.

وأضاف بهجت أن رئيس المحكمة وممثل نيابة أمن الدولة دخلا القاعة لاحقًا، وأعلن رئيس المحكمة رفض جميع الدفوع الإجرائية التي تقدم بها الدفاع، بما فيها طلبات ضم المستندات وسماع الشهود، ثم طلب من المحامين بدء مرافعتهم، لكن فريق الدفاع تمسك بموقفه ورفض الترافع قبل الاستجابة لطلباته، ليفاجئهم القاضي باستدعاء محامٍ لا يعرفه أي من أعضاء الفريق، معلنًا قرار المحكمة انتدابه للدفاع عن عطا الله.

وأشار إلى أن أعضاء فريق الدفاع الثمانية اعترضوا بصوت مرتفع على انتداب محامٍ رغم حضورهم، فيما أعلنت لينا عطا الله بنفسها رفضها أن يتولى المحامي المنتدب الدفاع عنها، لكن رئيس المحكمة رفض إثبات اعتراضها في محضر الجلسة.
وتابع بهجت أن رئيس المحكمة تولى بنفسه تسجيل طلبات المحامي المنتدب في المحضر، دون أن ينطق الأخير بكلمة واحدة، ثم شرع القاضي في تلاوة حكم الإدانة وسط صراخ فريق الدفاع واعتراضاته، وقضى بتوقيع أقصى عقوبة على عطا الله، وهي غرامة قدرها 3 ملايين جنيه، وإغلاق موقع “مدى مصر”، ومصادرة المعدات والأجهزة.

وأضاف أن الحاضرين فوجئوا بعد صدور الحكم بأفراد الأمن يطوقون عطا الله ويحملونها من على الأرض إلى خارج القاعة، مؤكدًا أنها لا تزال محتجزة حتى الآن.

عقاب للصحافة المستقلة 

خلال السنوات الثماني الماضية، ارتبطت إحالة المواقع الإلكترونية للتحقيق بتهمة العمل دون ترخيص بنشر مواد صحفية معارضة للنظام، ففي سبتمبر/أيلول 2022، أُحيلت لينا عطا الله وثلاث صحفيات من موقع “مدى مصر” إلى التحقيق عقب نشر تقرير عن فساد داخل حزب “مستقبل وطن” المقرب من النظام. وفي أغسطس/آب 2025، أُحيلت مجددًا إلى التحقيق بالتهمة نفسها، بعد نشر تقرير عن الأوضاع داخل سجن بدر.

وتكرر استدعاؤها للتحقيق بتهمة إدارة موقع دون ترخيص، عقب تضامن “مدى مصر” مع صحفيي “متصدقش”، ومشاركته في مبادرة “لحد ما يرجعوا”، التي ضمت ثماني صحف لتدقيق تصريحات السلطة خلال “منتدى المصريين”.

وبحسب حسن الأزهري، المستشار القانوني لموقع “مدى مصر”، تقدم الموقع بأول طلب للحصول على الترخيص في أكتوبر/تشرين الأول 2018، عقب صدور قانون تنظيم الإعلام، ثم جدد طلبه بعد صدور اللائحة التنفيذية للقانون.

وأشار إلى أن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام لم يرد على طلبات الموقع لتقنين أوضاعه، قبل أن يفاجأ القائمون عليه في يناير/كانون الثاني 2021، خلال تحقيقات النيابة العامة مع عدد من صحفييه في إحدى قضايا النشر، بإبلاغهم أن المجلس رفض طلب الترخيص.

وأضاف الأزهري، في تصريحات صحفية، أن الموقع تقدم بتظلم من قرار الرفض، وأقام دعوى أمام القضاء الإداري للطعن فيه، لكن الترخيص لم يُمنح له حتى الآن، في وقت تُمنح فيه التراخيص لمواقع أخرى، رغم سعي “مدى مصر” للحصول عليها منذ عام 2018.

وأوضح أن “مدى مصر” أقام في أكتوبر/تشرين الأول 2022 دعوى أمام مجلس الدولة للطعن في قرار المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام رفض منحه الترخيص دون إبداء أسباب. وبرر المجلس قراره لاحقًا بعدم استيفاء بعض البيانات والمستندات المطلوبة، ما دفع المؤسسة إلى تقديم طلب جديد استكملت فيه النواقص، دون أن تتلقى ردًا حتى الآن.

وكان الأزهري قد توقع صدور حكم بتغريم رئيسة تحرير الموقع وإغلاقه، في ضوء سرعة إحالتها إلى المحاكمة، وهو ما حدث بالفعل.

وشدد على أن حرمان المواقع الصحفية المستقلة من التراخيص يحرم الصحفيين العاملين فيها من الحماية النقابية والقانونية، ويعرضهم لمخاطر أمنية، ويقيد حقهم في الوصول إلى المعلومات، ويحرمهم من الضمانات القانونية اللازمة لحمايتهم.

إجراءات معقّدة وتراخيص معلّقة

قبل صدور قانون تنظيم الصحافة والإعلام عام 2018، لم تكن المواقع الإلكترونية تخضع لنظام قانوني إلزامي ينظم نشاطها بصورة عامة، لذلك اكتفى بعض مديري هذه المواقع باستخراج شهادة تسجيل وإيداع من مكتب حماية حقوق الملكية الفكرية التابع لهيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات، أو الحصول على شهادة استخدام للمصنفات الفنية من الإدارة العامة للتراخيص الفنية بوزارة الثقافة المصرية.

وفي عام 2018، صدر قانون تنظيم الصحافة والإعلام، الذي منح المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام صلاحيات واسعة في التعامل مع المواقع الإلكترونية، ونصت المادة السادسة منه على ما يلي:

“لا يجوز تأسيس مواقع إلكترونية في جمهورية مصر العربية، أو إدارتها، أو إدارة مكاتب أو فروع لمواقع إلكترونية تعمل من خارج الجمهورية، إلا بعد الحصول على ترخيص بذلك من المجلس الأعلى وفق الضوابط والشروط التي يضعها في هذا الشأن. ومع عدم الإخلال بالعقوبات الجنائية المقررة، للمجلس الأعلى في حالة مخالفة أحكام الفقرة السابقة اتخاذ الإجراءات اللازمة، بما في ذلك إلغاء الترخيص، أو وقف نشاط الموقع أو حجبه، في حالة عدم الحصول على ترخيص سار، ولذوي الشأن الطعن على القرار الصادر بذلك أمام محكمة القضاء الإداري”.

بحسب القانون ولائحته التنفيذية الصادرة عام 2020، تبدأ إجراءات الترخيص بتقديم طلب إلى الأمانة العامة للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام لإنشاء الموقع الإلكتروني أو تشغيله، مرفقًا بما يثبت سداد رسم قدره 50 ألف جنيه. وتتولى لجنة التراخيص بالمجلس فحص الطلب خلال أسبوع من تسجيله، ثم تعد تقريرًا يتضمن رأيها، يُرفع إلى المجلس الأعلى خلال 30 يومًا لاتخاذ قرار بمنح الترخيص أو رفضه. ويسري الترخيص لمدة خمس سنوات، ويجوز تجديده بطلب يُقدم قبل انتهاء مدته بستة أشهر، مقابل سداد الرسم ذاته.

وتنظم المادة 12 من اللائحة التنفيذية آلية التعامل مع طلبات الترخيص، خاصة غير المستوفية للشروط أو المرفوضة. إذ تلزم المجلس الأعلى بإخطار مقدم الطلب لاستكمال البيانات الناقصة خلال 30 يومًا من تاريخ عرض تقرير لجنة التراخيص عليه، على أن يكون الإخطار بكتاب مسجل بعلم الوصول.

كما يتعين على المجلس البت في الطلب بالموافقة أو الرفض بأغلبية أعضائه الحاضرين، خلال 90 يومًا من تسلمه مستوفيًا جميع البيانات والمستندات، وإبلاغ مقدم الطلب بالقرار بكتاب مسجل بعلم الوصول. وتكفل المادة نفسها لصاحب الطلب حق الطعن على قرار المجلس أمام محكمة القضاء الإداري.

وفي حين صدر حكم قضائي بإغلاق موقع “مدى مصر”، قرر صلاح الدين حسن، مؤسس موقع “ذات مصر” ورئيس تحريره، إغلاق موقعه من تلقاء نفسه، بعد تعرضه والعاملين فيه لمضايقات شملت حبس أحد محرريه لمدة ستة أشهر، واستدعاء رئيس تحريره للتحقيق عدة مرات.

وبحسب حسن، في تصريحات خاصة لـ”نون بوست”، فإن إجراءات تقديم طلب الترخيص معقدة للغاية، إذ تبدأ بتقديم الملف إلكترونيًا، ثم التوجه به إلى مقر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مبنى ماسبيرو، والتواصل هاتفيًا مع الموظف المسؤول الذي يتوقف عليه قبول استلام الملف. وفي حال قبوله، يتعين على مقدم الطلب الحصول على أمر دفع أو إيصال يتيح له التوجه إلى البنك لسداد رسوم الترخيص البالغة 50 ألف جنيه.

وشدد صلاح الدين حسن على أن الوصول إلى مرحلة سداد الرسوم أمر بالغ الصعوبة، إذ يُعد إيصال الدفع مؤشرًا على أن الموقع يسير في إجراءات الترخيص، ودليلًا على حسن النية يمكن الاستناد إليه خلال التحقيقات.

وأوضح أن بعض المواقع تحصل على الترخيص بعد أشهر قليلة من تقديم طلباتها، فيما ظل موقعه ينتظر الترخيص لمدة عامين منذ تقدمه بالطلب عام 2023، قبل أن يقرر إغلاقه مطلع العام الجاري، رغم أنه لم يكن يواجه أي مشكلات مع الجهات الرسمية عند تقديم الطلب.

الترخيص أداة لإسكات الصحافة

قالت شيماء حمدي، رئيسة تحرير موقع “أثر”، في تصريحات خاصة لـ”نون بوست”، إن ملف التراخيص تحوّل إلى ذريعة للتعسف والتنكيل بالمواقع الصحفية المستقلة، وأوضحت أن قانون تنظيم الصحافة والإعلام رُوّج له عند صدوره باعتباره أداة لتنظيم المشهد الصحفي وعمل المواقع الإلكترونية.

لكن لائحته التنفيذية قوبلت بإدانة من مؤسسات صحفية وجهات معنية بحرية الصحافة والتعبير، لما تضمنته من شروط وصفتها بالتعسفية والتعجيزية، في مقدمتها سداد 50 ألف جنيه للتقدم بطلب الترخيص، واشتراط وجود فريق من الصحفيين المقيدين بالنقابة.

وأضافت أن هذه الشروط تفترض امتلاك الموقع، منذ انطلاقه، رأس مال يكفي لتغطية تكاليف التقدم بطلب الترخيص على الأقل.

وأكدت حمدي أنه رغم الاعتراضات على القانون، وصل المشهد إلى مرحلة أصبح فيها المطلب يقتصر على تطبيقه، مشيرة إلى أن الأزمة تكمن اليوم في انتقائية تطبيقه، وأوضحت أن المواقع المستقلة التي لا تحظى سياساتها التحريرية برضا الجهات المعنية تُعاقَب بالصمت، إذ تُترك طلبات ترخيصها دون رد خلال المدة التي حددها القانون، أو تُرفض دون إبداء أسباب، لتجد المؤسسات نفسها عالقة لسنوات دون معرفة مصير طلباتها أو أسباب رفضها.

وذكرت أن “مدى مصر” علم برفض طلب ترخيصه خلال التحقيق مع صحفييه في النيابة، بينما كان لا يزال ينتظر رد المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، مشيرة إلى أن الأمر ذاته ينطبق على مواقع “المنصة” و”فكّر تاني” وغيرها من المواقع المستقلة.

وأضافت أنها تشارك شخصيًا في متابعة ملف الترخيص بموقع “أثر”، وتدرك احتمال مواجهة العقبات نفسها، سواء برفض الطلب أو تركه دون رد، معتبرة أن هذه السياسة متبعة منذ صدور القانون.

وانتقدت حمدي أداء المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، معتبرة أنه “يسلّم الناس لمصيرهم”، رغم أن دوره الأساسي تنظيم المشهد الإعلامي، مشيرة إلى أن التعسف بحق المؤسسات التي تقدم صحافة لا تحظى برضا السلطات دفع عددًا من الصحفيين إلى العمل من الخارج، بعدما ضاقت أمامهم فرص العمل الصحفي داخل مصر، في ظل القيود المفروضة على حرية الصحافة وصعوبة الحصول على التراخيص.

وشددت على أن القضية تتجاوز مصير المواقع المستقلة إلى حرية النشر ومستقبل المهنة، متسائلة “ماذا بعد؟ ومن سيثق بصحافة لا تقدم سوى صوت واحد؟”. ورأت أن أزمة الثقة القائمة بين المواطنين والحكومة، وبين الجمهور ووسائل الإعلام التي تتبنى رأيًا واحدًا، مرشحة للتفاقم، بما يخلق مزيدًا من التوتر والقلق وعدم اليقين.

واعتبرت حمدي أن الصحافة الحرة تساعد الحكومة على مواجهة الأزمات، إذ تتيح للمواطنين فهم ما يجري واستيعاب المخاطر حين تصلهم معلومات صحيحة، أما حين يعتاد الناس غياب الحقيقة، فإنهم سيفقدون الثقة بتحذيرات الحكومة، حتى عندما تواجه البلاد أزمة حقيقية تستدعي تصديقها.

واختتمت تصريحاتها بالتأكيد على أهمية وجود صحافة حرة ومستقلة في مصر، معتبرة أن محاربتها تضر بحق المواطنين في المعرفة، وحق الصحفيين في العمل بحرية وفقًا للدستور، فضلًا عن الإضرار بمصلحة الدولة نفسها، ووصفت يوم صدور الحكم بإغلاق موقع “مدى مصر” بأنه “يوم أسود في تاريخ مهنة الصحافة المصرية”.

من جانبه، أكد خالد البلشي، نقيب الصحفيين المصريين، لـ” نون بوست”، رفض النقابة إغلاق المواقع الصحفية ومصادرتها، لمخالفة ذلك للدستور، مشيرًا إلى أن النقابة سبق أن تقدمت بمذكرة بشأن أزمة ترخيص “مدى مصر”، وشدد على أن صدور الحكم بأقصى عقوبة وبهذه السرعة يثير تساؤلات عديدة حول رؤية الدولة لحرية الصحافة.

علاماتالأنظمة القمعية ، الحريات في مصر ، الحقوق والحريات في مصر ، الصحافة في مصر ، انقلاب مصر
مواضيعالشأن المصري ، حرية الصحافة

قد يعجبك ايضا

سياسة

الليكود يتصدّر والحكم معلّق: هل تنقذ المشاركة العربية المعارضة؟

أحمد الطناني٢٨ أكتوبر ٢٠٢٦
سياسة

من السودان إلى غزة.. هل يلاحق إرث أبوظبي لانا نسيبة إلى الأمم المتحدة؟

نون إنسايت٢٧ أكتوبر ٢٠٢٦
سياسة

شرق السودان.. الملاذ الذي تلاحقه الحرب

محمد مصطفى جامع٢٧ أكتوبر ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑