ترجمة وتحرير: نون بوست
من شأن مطالب القاهرة أن تُلزم حركة حماس بتبنّي موقف حركة فتح القائم على الاعتراف بإسرائيل، واتباع النهج السياسي الفاشل لاتفاق أوسلو، في وقت تؤدي فيه الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في غزة إلى تصاعد الانتقادات الموجّهة إلى الصهيونية واتساع نطاق التدقيق فيها.
في الوقت الذي توجه فيه الإسرائيليون إلى صناديق الاقتراع في انتخابات عامة، لا تلوح في الأفق أي انتخابات للفلسطينيين. وكان من المقرر إجراء الانتخابات التشريعية الفلسطينية في 28 نوفمبر/تشرين الثاني، وهي الأولى منذ يناير/كانون الثاني 2006، حين فازت حماس بأغلبية المقاعد البرلمانية.
في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول، أصدر رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس مرسومًا بتأجيل الانتخابات التشريعية إلى سبتمبر/أيلول 2027، وحدّد الموعد نفسه لإجراء الانتخابات الرئاسية، التي ستكون الأولى منذ انتخابه في يناير/كانون الثاني 2005. وكانت هذه المرة الثانية خلال خمس سنوات التي يؤجّل فيها إجراء انتخابات.
هذه القيادة نفسها هي التي تحدد اليوم شروط الوحدة الفلسطينية؛ إذ طالبت حركة فتح حركة حماس بالموافقة رسميًا على سبعة شروط سياسية وضعها عباس ثمنًا للمصالحة الوطنية.
وخلال محادثات جرت في القاهرة في 14 أكتوبر/تشرين الأول، أصرّ وفد من حركة “فتح”، برئاسة جبريل الرجوب وعضوية رئيس الوزراء الفلسطيني السابق محمد اشتية، على أن تلتزم حركة “حماس” بالبرنامج السياسي والاتفاقيات التي أبرمتها منظمة التحرير الفلسطينية، والتي تشمل الاعتراف بإسرائيل.
كما طالب الوفدُ حركةَ حماس بتأييد حل الدولتين المستند إلى قرارات الأمم المتحدة، وحصر نشاطها في المقاومة الشعبية السلمية. وتتضمن الشروطُ أيضًا وجود سلطة مسلحة شرعية واحدة، وتشكيل حكومة تكنوقراط يعيّنها عباس لإدارة الضفة الغربية وقطاع غزة، وحصر مسؤولية التفاوض مع إسرائيل بمنظمة التحرير الفلسطينية وحدها.
واشترطت حركة فتح على المكتب السياسي لحركة حماس التوقيع على هذه الالتزامات قبل مناقشة تمثيلها في منظمة التحرير الفلسطينية والمجلس الوطني الفلسطيني. من جانبها، قبلت حماس الوثيقة من حيث المبدأ، وأعلنت أنها ستدرسها داخليًا، مع إبداء تحفظات جدية بشأن بند حل الدولتين والاعتراف بإسرائيل. وانتهت الجولة دون التوصل إلى اتفاق، وتقرر تأجيل الجلسة التالية إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية في 27 أكتوبر/تشرين الأول.
وأكثر ما يثير القلق في مطالب فتح هو افتراضها الضمني بأنّ المصالحة الفلسطينية لا يمكن أن تتحقق إلا بعد قبول حماس برنامج فتح السياسي.
وهذا طرح لافت صادر عن حركة أخفقت استراتيجيتها في تحقيق الاستقلال الفلسطيني، بل وحتى ضمان الحد الأدنى من الحقوق، بعد أكثر من ثلاثة عقود من المفاوضات.
ثمة حاجة ملحّة إلى الوحدة الفلسطينية. فقد أدى الانقسام بين فتح وحماس إلى إضعاف المؤسسات الفلسطينية، وتفتيت التمثيل الوطني، وتفاقم معاناة الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية.
لكن الوحدة لا يمكن تحقيقها بمطالبة إحدى الحركتين بالتنازل عن مواقفها السياسية الأساسية قبل السماح لها بالمشاركة في صنع القرار الوطني.
لقد دفعت الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في غزة، والتي أودت بحياة ما لا يقل عن 74 ألف فلسطيني، الملايين حول العالم إلى التشكيك في أسس الصهيونية والنظام السياسي المفروض على فلسطين التاريخية. ومع ذلك، تطالب حركة فتح حماس بالاعتراف رسميًا بهذا النظام وقبول إطار دبلوماسي طالما خذل الفلسطينيين منذ اتفاق أوسلو.
إرث أوسلو
برنامج منظمة التحرير الفلسطينية ليس مقدسًا ولا ثابتًا، بل شهد تحولات جذرية على مدى نصف القرن الماضي، غالبًا من دون أي تفويض ديمقراطي من الشعب الفلسطيني. ففي عام 1974، تبنّت منظمة التحرير الفلسطينية برنامج النقاط العشر، فاتحةً الباب أمام إقامة سلطة وطنية فلسطينية على أي أرض تُحرَّر من الاحتلال الإسرائيلي. ثم جاء إعلان الاستقلال عام 1988 والقرارات السياسية المصاحبة له ليمثّلا خطوة إضافية نحو تسوية قائمة على قرارات الأمم المتحدة وحدود عام 1967. وفي سبتمبر/أيلول 1993، اعترفت منظمة التحرير الفلسطينية رسميًا بإسرائيل.
وقد جرى تبرير كل تنازل باعتباره خطوة ضرورية نحو الاستقلال، رغم أن الفلسطينيين لم يحصلوا على أي ضمان ملزم بتحقيق الاستقلال أو السيادة أو عودة اللاجئين.
وقّع عباس اتفاقيات أوسلو في البيت الأبيض في 13 سبتمبر/أيلول 1993 نيابةً عن منظمة التحرير الفلسطينية، إلى جانب وزير الخارجية الإسرائيلي شمعون بيريز، وبحضور ياسر عرفات وإسحاق رابين والرئيس الأمريكي بيل كلينتون. وقبل ذلك بأربعة أيام، كان عرفات قد اعترف بإسرائيل نيابةً عن منظمة التحرير الفلسطينية.
في المقابل، اعترفت إسرائيل بمنظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها ممثلةً للشعب الفلسطيني. لكنها لم تعترف بدولة فلسطينية، ولم توافق على إنهاء الاحتلال، ولم تقبل حق العودة للاجئين، ولم تقرّ بأي حقوق فلسطينية في القدس الشرقية. وبعد مرور ثلاثة وثلاثين عامًا، لا يزال الفلسطينيون محرومين من حق تقرير المصير والسيادة والاستقلال.
وفي نهاية عام 1993، كان يعيش نحو 116 ألف مستوطن إسرائيلي في الضفة الغربية وقطاع غزة، دون احتساب القدس الشرقية. وبحلول نهاية عام 2023، ارتفع عدد المستوطنين في الضفة الغربية وحدها إلى أكثر من 511 ألفًا. أما بحلول أغسطس/آب 2026، فكان نحو 780 ألف مستوطن يقيمون بالضفة الغربية والقدس الشرقية معًا، في تجمعات استيطانية تُعدّ غير قانونية بموجب القانون الدولي.
وقد جرى تقطيع أوصال تلك الأراضي، التي يُفترض أنّها مخصصة لإقامة دولة فلسطينية، بفعل المستوطنات ونقاط التفتيش والبنية التحتية العسكرية.
قال وزير الخارجية الأمريكي السابق جون كيري، الذي أمضى سنوات في محاولة إحياء المفاوضات، في ديسمبر/كانون الأول 2016، إن حل الدولتين “في خطر جسيم“، وإن “السياسة المستمرة لبناء المستوطنات هي ما يهدد بجعل السلام مستحيلًا”. وأضاف أنّ توسّع المستوطنات واستمرار الاحتلال لفترة طويلة يدفعان نحو واقع الدولة الواحدة الذي لا رجعة فيه. وقد استمر التوسع الاستيطاني دون هوادة منذ ذلك الحين.
تفويض منتهي الصلاحية
لا تزال السلطة الفلسطينية متمسكة بعناد بهذا الإطار الفاشل. فقد تشكّلت مؤسساتها وعلاقاتها الدولية وترتيباتها الأمنية جميعها حول اتفاقات أوسلو، في وقت تراجعت فيه باطراد فرص تحقيق أهدافها المعلنة. والتخلي عن أوسلو يعني الإقرار بفشل الاستراتيجية التي أقامت السلطة الفلسطينية على أساسها شرعيتها. وبدلًا من ذلك، تريد السلطة من حماس أن تؤيد هذا النهج.
ولا تقتصر تلك الشروط على الاعتراف الدبلوماسي فحسب، بل تتعداه لتشمل مطالبة حماس بقبول حكومة يعيّنها عباس، وسلطة مسلّحة واحدة، وذلك في ظل نظام سياسي صاغته اتفاقات أوسلو. أما عباس، الذي انتُخب لولاية مدتها أربع سنوات في عام 2005، فهو يقبع في منصبه الآن للعام الثاني والعشرين دون أي تجديد لتفويضه الشعبي، في حين لم تُجرَ أي انتخابات للبرلمان – الذي فازت حماس بانتخاباته عام 2006 – منذ ذلك الحين.
https://youtu.be/ojgoJQ7-jIE?si=PXqOETXRF7G_uL3K
إنّ القيادة التي لم تخضع لانتخابات وطنية منذ عقدين ليست في موقع يسمح لها بجعل التوافق السياسي شرطًا للمشاركة في المؤسسات الفلسطينية.
كما لا يمكن فصل المطالبة بوجود سلطة مسلّحة شرعية واحدة عن التنسيق الأمني طويل الأمد بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، الذي وصفه عباس ذات مرة بأنه “مقدّس”. ويجب أن تكون المؤسسات الأمنية الفلسطينية، في نهاية المطاف، خاضعة للمساءلة أمام الشعب الفلسطيني، وأن تعمل على صون حقوقه الوطنية. أما الترتيبات المصممة لإدارة الاحتلال، بدلًا من إنهائه، فلا يمكن أن تحدد الغاية التي ينبغي أن تخدمها.
تدّعي منظمة التحرير الفلسطينية أنّها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني. وينطوي هذا الادعاء على التزام بتمثيل الآراء السياسية الفلسطينية كافة، بما في ذلك الحركات التي تختلف جذريًا مع قيادتها الحالية.
تقلب شروط القاهرة هذا المبدأ رأسًا على عقب؛ إذ تطالب حركة “فتح” حركة “حماس” بقبول برنامجها قبل السماح لها بالمشاركة في المؤسسات التي يُفترض أنها تمثل جميع الفلسطينيين. وهذا خضوع سياسي، وليس مصالحة.
يجب أن تبدأ المصالحة الحقيقية بإصلاح منظمة التحرير الفلسطينية، لكي يتمكن الفلسطينيون من اختيار ممثليهم وتحديد برنامجهم الوطني دون شروط يفرضها أي فصيل. وينبغي أن ينبثق البرنامج عن تلك العملية، لا أن يفرضه أي فصيل شرطًا مسبقًا لبدئها.
تغير مسار النقاش
وما يجعل مطالب القاهرة أكثر استثنائية هو توقيتها بالذات؛ إذ غيّرت الإبادة الجماعية طبيعة النقاش الدولي حول فلسطين. فقد كشف تدمير أحياء بأكملها، وقتل المدنيين على نطاق واسع، والتهجير القسري، والتجويع، والدمار الذي لحق بالمستشفيات والمدارس والجامعات، عن حقائق دأبت الحكومات الغربية ومعظم وسائل الإعلام السائدة على حجبها لعقود.
رفعت جنوب أفريقيا دعوى ضد إسرائيل بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها في ديسمبر/كانون الأول 2023، وأصدرت محكمة العدل الدولية تباعًا تدابير مؤقتة في يناير/كانون الثاني ومارس/آذار ومايو/أيار 2024. وفي يوليو/تموز من العام ذاته، خلصت المحكمة، في رأي استشاري منفصل، إلى أن استمرار الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانوني، ويجب أن ينتهي في أسرع وقت ممكن.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2024، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرتَي توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت، على خلفية اتهامهما بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
وقد تزامنت هذه التطورات القانونية مع تحوّل أوسع في الوعي العام؛ إذ اعترض الطلاب على علاقات جامعاتهم بالمؤسسات الإسرائيلية، وأثارت النقابات العمالية والهيئات المهنية تساؤلات بشأن تواطؤ الحكومات والشركات، فيما جعلت المظاهرات الحاشدة القضية الفلسطينية محورًا للنقاش العام في مختلف أنحاء العالم.
بدأ النقاش يتجه أيضًا إلى نقد الأسس التاريخية للصهيونية والتشكيك فيها؛ إذ لم يعد مقتصرًا على احتلال الأراضي التي استولت عليها إسرائيل عام 1967، بل بات يتسع بصورة متزايدة ليشمل نكبة عام 1948، وتهجير نحو 750 ألف فلسطيني، وحرمان اللاجئين من حق العودة، فضلًا عن الامتيازات المؤسسية التي تميّز الإسرائيليين اليهود عن الفلسطينيين.
بالنسبة إلى كثيرين، تغيّر السؤال الجوهري؛ فلم يعد يتعلق بمكان رسم حدود الدولة الفلسطينية المستقبلية، بل بما إذا كان بإمكان نظام سياسي قائم على الاستعمار الاستيطاني وسلب الممتلكات والتفوق العرقي أن يحقق يومًا المساواة والحرية والعدالة والكرامة.
صحيح أن الحكومات الغربية تواصل تسليح إسرائيل وتوفير الغطاء لها، لكن المواقف الشعبية تتغير، وأصبحت شرعية المشروع الصهيوني موضع تشكيك وتساؤل بطرق كان يصعب تخيلها قبل جيل واحد.
وفي لحظة كهذه، يُطلب من الفلسطينيين إعادة تأكيد شرعية هذا المشروع شرطًا لتحقيق الوحدة الوطنية. وكان ينبغي للحركة الوطنية أن توسّع نطاق النقاش حول التحرير والعودة والمساواة، لكن قيادة منظمة التحرير الفلسطينية تبدو، بدلًا من ذلك، مصممة على حصره ضمن صيغة ثبت فشلها بالفعل.
تنازلات حماس
يتعين على حماس، من جانبها، أن تراجع مسؤوليتها عن خلق ثغرات يسعى الآخرون إلى استغلالها. ففي مايو/أيار 2017، كشفت الحركة في الدوحة عن “وثيقة المبادئ والسياسات العامة“، التي ميّزت فيها، بحق، بين اليهودية بوصفها دينًا والصهيونية بوصفها حركة سياسية.
بيد أن المادة (20) من الوثيقة أقرت بدولة فلسطينية على حدود عام 1967، تكون القدس عاصمةً لها، مع ضمان حق اللاجئين في العودة، باعتبار ذلك صيغةً للتوافق الوطني.
أصرّت حماس على أن ذلك لا يُعدّ اعترافًا بإسرائيل ولا تخليًا عن أي حق من حقوق الشعب الفلسطيني. ومع ذلك، أرى أن قبولها بالإطار الجغرافي لحل الدولتين فتح الباب أمام مطالب تدعوها إلى قبول بقية عناصر تلك الصيغة.
وتجسّد مطالب القاهرة هذا الخطر؛ إذ تضغط على حماس للاعتراف بحل الدولتين وقبول برنامج منظمة التحرير الفلسطينية. وكان ينبغي لحماس أن تتعلم من تجربة فتح أن التنازلات السياسية نادرًا ما تضع حدًا للضغوط الرامية إلى انتزاع مزيد من التنازلات.
شكّلت طريقة تعامل حماس مع قضية الإفراج عن الجندي الإسرائيلي-الأمريكي عيدان ألكسندر في مايو/أيار 2025 تحذيرًا آخر. فقد تخلّت الحركة عن ورقة تفاوضية مهمة عقب اتصالات مع وسطاء أمريكيين، من دون أن تحصل على أي تعهد ملزم من إسرائيل بإنهاء عملياتها العسكرية، أو الإفراج عن الأسرى الفلسطينيين، أو الموافقة على وقف إطلاق النار. وكما ذكرت في أغسطس/آب، تبيّن أن حسن النوايا لا يُغني عن الالتزامات القابلة للتنفيذ.
تنطوي مطالب القاهرة على تنازلات أكبر بكثير وأكثر ديمومة. فالاعتراف بإسرائيل، وقبول برنامج منظمة التحرير الفلسطينية، والتخلي عن المقاومة المسلحة، التي يُقرّ القانون الدولي بحقها، من شأنها أن تغيّر الهوية السياسية للحركة. وبمجرد تضمين هذه الالتزامات في اتفاقات، لن يكون التراجع عنها سهلًا.
على حماس والجهاد الإسلامي أن يدرسا بعناية تداعيات هذه الخطوات، لا سيما أن قراراتهما الاستراتيجية تستدعي مراجعة جادة في أعقاب الدمار الذي لحق بغزة.
وتقع مسؤولية القتل الجماعي والتجويع والعقاب الجماعي الذي مارسته إسرائيل على عاتق من ارتكبوا هذه الأفعال والحكومات التي مكّنتهم منها. لكن ذلك لا يعفي أي حركة من مراجعة قراراتها والتعلّم من أخطائها.
ينبغي ألا تُستغل معاناة الفلسطينيين أبدًا لانتزاع تنازلهم عن حقوقهم الوطنية. فالمساعدات الإنسانية وإعادة الإعمار وتبادل الأسرى والإدارة المدنية، جميعها تتطلب ترتيبات عملية عاجلة. ولا ينبغي أن يكون أيٌّ منها مشروطًا بالإقرار بسلب الفلسطينيين حقوقهم وأراضيهم بصورة دائمة، أو بالتخلي عن حق العودة.
إعادة بناء الوحدة
يجب ألا تقتصر المصالحة الفلسطينية على مجرد اتفاق آخر بين قيادات الفصائل، بل ينبغي أن تعيد بناء حركة وطنية تمثّل الفلسطينيين تحت الاحتلال، وفي مخيمات اللاجئين، وفي مختلف أنحاء الشتات، وتستند إلى مؤسسات خاضعة للمساءلة الديمقراطية.
كما يجب أن يصون برنامج هذه الحركة الحقوق الوطنية التي لا يملك أي فصيل صلاحية التنازل عنها؛ وينبغي أن يشكّل تحرير فلسطين من الهيمنة والتفوّق الصهيوني وحق العودة، وتقرير المصير، والمساواة، ورفض الاستعمار الاستيطاني، ركائز هذا البرنامج.
قد يختلف الفلسطينيون بشأن الهياكل السياسية واستراتيجيات المقاومة، وسيتعين على منظمة التحرير الفلسطينية، بعد إصلاحها، أن تستوعب تلك الاختلافات بدلًا من قمعها. كما سيكون عليها مواجهة تداعيات اتفاقيات أوسلو، وإعادة النظر في العلاقة بين السلطة الفلسطينية والاحتلال، وإرساء قواعد واضحة للمساءلة عن القرارات المتخذة باسم الشعب الفلسطيني.
أما البديل الذي تطرحه حركة “فتح”، فهو استيعاب “حماس” و”الجهاد الإسلامي” وفصائل المقاومة الأخرى داخل مؤسسات حُسم توجهها مسبقًا، بما يقوّض الاستقلال السياسي والشرعية الديمقراطية للحركة الوطنية.
وتعزز البيئة الدولية الحاجة إلى توخي الحذر. فقد دخلت منظمة التحرير الفلسطينية في اتفاق أوسلو بعد فترة وجيزة من انهيار الاتحاد السوفيتي، حين بدت الهيمنة الأمريكية عصيّة على التحدي، وقبلت إطارًا حددت واشنطن وإسرائيل ملامحه. وقد تبيّن أن هذا التقدير كان كارثيًا.
لا تزال القوة الأمريكية هائلة، لكن هيمنتها تواجه تحديات متزايدة من الصين، ومجموعة بريكس الموسّعة، والقوى المتوسطة في مختلف أنحاء الجنوب العالمي.
وفي الشرق الأوسط، كشف الموقع الاستراتيجي لإيران عند مضيق هرمز، وقدرة الحوثيين في اليمن على تعطيل حركة الملاحة بالقرب من باب المندب، عن مواطن ضعف في نظام أمني إقليمي طالما هيمنت عليه الولايات المتحدة وحلفاؤها.
لا يضمن أيٌّ من ذلك تحرير فلسطين، لكنه يكشف عن خطورة تقديم تنازلات دائمة استنادًا إلى افتراض أن الهيمنة الأمريكية وقدرة إسرائيل على إملاء الشروط ستستمران إلى الأبد.
يتطلب الصبر الاستراتيجي عملًا سياسيًا منضبطًا، وإعادة بناء المؤسسات الوطنية، وتثقيف جيل جديد، وتوسيع نطاق التضامن الدولي. كما يتطلب صون الاستقلال السياسي في ظل استمرار الغموض وعدم اليقين بشأن مآلات التحولات الإقليمية والعالمية.
وتتمثل المهمة الأكثر إلحاحًا في بلورة رؤية سياسية تعبّر عن الحقوق التاريخية للفلسطينيين، وعن المطلب الدولي المتنامي بمستقبل يخلو من التفوق العرقي أو الديني. ويجب أن تصون هذه الرؤية حقوق جميع السكان، مع رفض الهياكل السياسية التي كرّست سلب الفلسطينيين ممتلكاتهم.
بعد 33 عاماً من اتفاقيات أوسلو، فشلت “فتح” في تحقيق الاستقلال، أو وقف توسع المستوطنات، أو استعادة حقوق اللاجئين الفلسطينيين. ومع ذلك، لا تزال تطالب بالاعتراف بإسرائيل كثمن للوحدة الفلسطينية. ويُظهر هذا المطلب مدى بقاء قيادتها عالقة في سياسات الماضي الفاشلة. وإذا قبلت حماس بذلك، فسيؤدي ذلك إلى تفاقم هذا الفشل.
يحتاج الفلسطينيون إلى الوحدة من أجل السعي إلى التحرير والحرية والعودة، وليس إلى وحدة تُشترى بالتخلي عن حقوقهم الوطنية. يجب ألا تقدم حماس تنازلاً تاريخياً آخر في الوقت الذي تُطرح فيه أسس النظام القديم موضع تساؤل.
المصدر: ميدل إيست آي