• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

إسكات الصحافة وتقييد الترشح.. كيف يُمهّد السيسي لمصر ما بعد 2030؟

فريق التحرير٢٨ أكتوبر ٢٠٢٦

في 14 أكتوبر/تشرين الأول 2026، وخلال كلمته في الندوة التثقيفية للقوات المسلحة بمناسبة الذكرى الثالثة والخمسين لانتصارات أكتوبر، فجّر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مفاجأة سياسية، حين قطع الطريق على الدعوات المطالبة بتعديل الدستور لتمديد ولايته الرئاسية، مؤكدًا بصورة قاطعة رفض المساس بالدستور، بقوله: “فيه دستور للدولة دي، فيه دستور إحنا وافقنا عليه للدولة دي، محدش هيمسه.. محدش هيمسه”.

بعدها بثلاثة أيام فقط، عاد السيسي ليؤكد الموقف ذاته، في تصريحات لاقت – رغم الشكوك المثارة حولها – ترحيبًا لدى قطاعات من الشارع المصري، حين أشار إلى أن عام 2030 يمثل نهاية ولايته الرئاسية، مشددًا مجددًا على أن الدستور المصري “لن يمسه أحد”، وأن هذا الأمر بات “محسومًا”، في رسالة بدت وكأنها إغلاق مبكر للجدل بشأن احتمالات تعديل الدستور مجددًا لفتح الباب أمام بقائه في السلطة.

لم يتوقف السيسي عند حدود نفي احتمالات التمديد، بل ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، حين تصدى للتفسيرات التي ربطت حديثه عن عدم تعديل الدستور بإمكانية التمهيد لتوريث السلطة لأحد أبنائه أو أفراد عائلته، نافيًا تلك الطروحات بصورة حاسمة، بقوله: “محدش يزايد ويقول بيجهّز حدّ من أقاربه وأهله.. الدولة كبيرة ولا يليق بيها الكلام دا”.

مثل هذه التصريحات، وما حملته من لغة جازمة لا تحتمل، في ظاهرها، الكثير من التأويل، أحدثت حالة من الارتياح لدى قطاعات من المصريين الذين يتطلعون إلى تداول السلطة وإنهاء الجدل المتكرر بشأن استمرار الرئيس في منصبه بعد عام 2030، لا سيما أن التأكيد جاء على لسان السيسي نفسه، وفي مناسبتين متقاربتين، بما أضفى على الرسالة قدرًا أكبر من الوضوح السياسي.

غير أن التطورات التي شهدتها الساحة المصرية بالتزامن مع تلك التصريحات وفي أعقابها، أثارت تساؤلات سياسية جديدة، فما يُمارس على أرض الواقع من إجراءات وقرارات وخنق ممنهج للمجال العام يتعارض شكلا ومضمونًا مع مسار رئيس يعتزم مغادرة السلطة بعد أقل من أربع سنوات.

هنا يطل التساؤل الأكثر حرجًا: هل تعكس تلك التطورات رغبة السيسي الفعلية في مغادرة المشهد السياسي، هو وأبناؤه كما أعلنها صراحة، أم أن الأمور تسير في الاتجاه المعاكس، بما يعيد إلى الواجهة المخاوف من ترتيبات سياسية قد تُفضي إلى استمرار السلطة بصورتها الراهنة، أو حتى إعادة طرح سيناريو التمديد الذي ظن البعض أنه أصبح من الماضي؟

من “متصدقش” إلى “مدى مصر”.. السير عكس الاتجاه

في 20 أغسطس/آب 2026، أعلن وزير الدولة للإعلام، ضياء رشوان، خلال جلسة وصفها بنفسه بأنها «فضفضة ضرورية»، مقترحًا لعقد اجتماع سنوي لمناقشة أوضاع المنظومة الإعلامية والحريات الصحفية في مصر، على أن يُعقد في ديسمبر/كانون الأول من كل عام، مشيرًا حينها إلى أن هذا التوجه يأتي التزامًا بتوجيهات رئاسية تستهدف فتح المجال أمام تعددية الآراء، وإتاحة مساحات أوسع للرأي والرأي الآخر، في خطوة بدت آنذاك وكأنها تمهيد لمرحلة جديدة من الانفتاح الإعلامي.

بعدها بنحو شهر، عقد رشوان اجتماعًا مع رؤساء تحرير عدد من المواقع الإلكترونية المرخصة، طرح خلاله مقترحًا بإنشاء «كيان موحد» تنضم إليه تلك المواقع بصفتها مؤسسات، بهدف توفير مظلة مهنية وقانونية لحماية الصحفيين العاملين في الإعلام الإلكتروني، وهو المقترح الذي لاقى ترحيبًا لدى بعض الأوساط الحقوقية والإعلامية، باعتباره خطوة محتملة نحو تعزيز الحماية المؤسسية للصحافة الإلكترونية، وتخفيف الضغوط التي تواجه العاملين فيها.

ثم جاءت تصريحات السيسي بشأن رفض تعديل الدستور، وتأكيده أن «أحدًا لن يمسه»، نافيًا في الوقت ذاته ما تردد عن احتمال التمهيد لتولي أحد أبنائه أو المقربين منه السلطة، لتكتمل بذلك ملامح مشهد سياسي وإعلامي بدا، في نظر كثيرين، حاملًا لإشارات إيجابية بشأن مستقبل المجال العام، ومؤشرًا محتملًا على تحول في طريقة إدارة المشهد السياسي، بما عزز الآمال في أن تكون البلاد مقبلة على انفراجة أوسع بعد سنوات من القيود والتضييق.

غير أن هذه الأجواء لم تدم طويلًا؛ إذ سرعان ما تبدلت الصورة مع توالي إجراءات متناقضة مع مؤشرات الانفراجة المعلنة، لتعيد الشكوك مجددًا بشأن حقيقة التوجه الرسمي نحو الانفتاح الإعلامي والسياسي، ففي 28 سبتمبر/أيلول الماضي، استيقظ المصريون على أنباء القبض على فريق تحرير منصة «متصدقش» بالكامل، والمكون من ستة صحفيين، وإيداعهم الحبس على خلفية اتهامات أثارت اعتراضات حقوقية، واعتبرها منتقدون امتدادًا لنمط متكرر من الملاحقات التي تطال العاملين في الصحافة المستقلة، رغم أن المنصة تمارس نشاطها بصورة علنية منذ عام 2018، وتعمل تحت أنظار الجهات المعنية طوال تلك السنوات.

وقبل أن يلتقط الشارع أنفاسه في قضية «متصدقش»، تعرض لصدمة أخرى أكثر بؤسًا؛ ففي 19 أكتوبر/تشرين الأول، تلقت رئيسة تحرير موقع «مدى مصر»، لينا عطا الله، استدعاءً للمثول أمام نيابة أمن الدولة العليا على ذمة القضية رقم 9072 لسنة 2026، دون إعلان أسباب الاستدعاء آنذاك، وبالفعل، مثلت أمام النيابة في 21 أكتوبر/تشرين الأول، وخضعت لتحقيق استمر قرابة ست ساعات، قبل أن يُخلى سبيلها بكفالة مالية بلغت 100 ألف جنيه، غير أنها فوجئت في اليوم التالي بإحالتها إلى المحاكمة، بتهمة تأسيس وإدارة وتشغيل موقع إلكتروني دون ترخيص، مع تحديد جلسة لنظر القضية في 27 من الشهر ذاته.

لكن المفاجأة الأكبر جاءت مع انعقاد جلسة المحاكمة، التي شهدت، وفقًا لما نقله المدير التنفيذي للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، حسام بهجت، الذي حضر الجلسة، جملة من المخالفات الإجرائية التي اعتبرها تمس ضمانات المحاكمة العادلة ونزاهة الإجراءات القضائية، لتنتهي الجلسة إلى الحكم بتغريم عطا الله ثلاثة ملايين جنيه، وإغلاق موقع «مدى مصر» ومصادرة محتوياته، فضلًا عن مفاجأتها بوجود حكم غيابي سابق صادر بحقها عام 2024، يقضي بحبسها لمدة عام على خلفية اتهام بنشر أخبار كاذبة.

ولعل أكثر ما أثار الجدل في هذه القضية هو السرعة اللافتة التي سارت بها الإجراءات، منذ استدعاء عطا الله للتحقيق وحتى صدور الحكم، في فترة لم تتجاوز أسبوعًا واحدًا، فضلًا عما أورده المحامون الذين حضروا معها من ملاحظات بشأن سير المحاكمة، ومنع أعضاء نقابة الصحفيين من الحضور بصفتهم القانونية، إلى جانب توقيع العقوبة القصوى في القانون دون الاستجابة لطلبات الدفاع بالتأجيل للاطلاع على أوراق القضية.

ومما يزيد من الغموض ويفرض الشكوك أن الموقع تقدم بالمستندات التي تثبت تقديمه للحصول على رخصة التأسيس منذ عام 2018 إلا أنها ظلت معلقة لدى المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، ما دفعه للجوء إلى القضاء الإداري الذي هو الأخر رفض الترخيص وأيد تعطيل المجلس بزعم عدم استيفاء الأوراق، وهو التعنت الذي يفتح بابا كبيرا للتكهنات والنوايا المبيتة.

حصار إعلامى خانق

حين يعلن رئيس الجمهورية عزمه مغادرة منصبه بعد أقل من أربع سنوات، ويُقابل هذا الإعلان بترحيب من قطاعات في الشارع باعتباره تأكيدًا على احترام الدستور والالتزام بقواعد تداول السلطة، فإن من الطبيعي أن يثير ذلك توقعات بانفتاح أكبر في المجالين السياسي والإعلامي، وإتاحة مساحات إضافية لحرية الرأي والتعبير.

إذ إن استمرار إحكام السيطرة على المجال العام وتضييق الخناق على الأصوات المستقلة يتعارض جذريًا مع المسار المفترض لرئيس يؤكد عزمه مغادرة السلطة في الموعد الدستوري المحدد، وهنا يبرز تساؤل آخر يفرض نفسه على المشهد: ما الذي يدفع السلطة إلى مواصلة تشديد قبضتها على الإعلام، رغم الحديث عن انتقال رئاسي مرتقب في عام 2030؟

في هذا السياق، يرى نقيب الصحفيين الأسبق، ممدوح الولي، أن السلطة المصرية باتت تضيق ذرعًا بأقل الأصوات المعارضة التي لا تزال موجودة على الساحة، رغم امتلاكها، بحسب تقديره، منظومة إعلامية ضخمة تهيمن من خلالها على مساحات واسعة من المشهد الإعلامي، عبر مؤسسات وشركات وهيئات تخضع لإشراف الدولة أو ترتبط بها.

ويوضح الولي أن هذه المنظومة تتصدرها الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، التي تضم 17 قناة فضائية و12 موقعًا إخباريًا وصحيفة و7 محطات إذاعية، إلى جانب الهيئة الوطنية للإعلام، التي تمتلك 15 قناة فضائية و10 شبكات إذاعية تضم عددًا أكبر من المحطات، فضلًا عن الهيئة الوطنية للصحافة، التي تشرف على 8 مؤسسات صحفية تضم أكثر من 50 صحيفة ومجلة وموقعًا إلكترونيًا ومحطة إذاعية إلكترونية.

لا تتوقف مظاهر هذه الهيمنة، وفق قراءة نقيب الصحفيين الأسبق، عند حدود المؤسسات الإعلامية التابعة للدولة أو المرتبطة بها، بل تمتد إلى التأثير في المحتوى التحريري لقطاعات من الإعلام الخاص، بما يشمل الصحف والمواقع الإلكترونية، فضلًا عن الدور الذي تؤديه بعض وسائل الإعلام الخليجية، من قنوات فضائية وصحف ومنصات إخبارية، في دعم الرواية الرسمية المصرية وتعزيز حضورها في المجال العام.

في المقابل، يشير الولي إلى استمرار الإجراءات التي تطال ما تبقى من وسائل الإعلام المستقلة، سواء من خلال حجب المواقع الإلكترونية، كما حدث مع مئات المواقع منذ عام 2017، أو عبر الملاحقات الأمنية والقضائية والحبس وإغلاق المؤسسات الصحفية، وهي ممارسات يعتبرها جزءًا من سياسة تستهدف تضييق هامش الاختلاف، وتوجيه رسائل تحذيرية إلى كل من يحاول الخروج عن الخطاب الإعلامي السائد.

ويلفت نقيب الصحفيين الأسبق إلى مفارقة يراها شديدة الدلالة؛ فبرغم اتساع المنظومة الإعلامية الموالية للسلطة، وما تمتلكه من إمكانات مالية وفنية وبشرية هائلة، إلا أنها لا تزال تتعامل بحساسية مفرطة مع وجود عدد محدود من المواقع الإلكترونية المستقلة.

وهي مفارقة تعيد طرح السؤال بشأن طبيعة المرحلة السياسية المقبلة: إذا كانت السلطة تمتلك بالفعل هذه المساحة الواسعة من الحضور الإعلامي، فلماذا يستمر الجدل حول تضييق المجال أمام منصات مستقلة محدودة الموارد، في وقت تتحدث فيه الرئاسة عن احترام الدستور وانتهاء الولاية الحالية في عام 2030؟

الوصاية على الشعب

من بين المسائل التي أثارت ارتباكًا واضحًا في قراءة تصريحات السيسي بشأن مغادرته المشهد السياسي عقب انتهاء ولايته الرئاسية الحالية، ما حملته بعض أحاديثه من تصورات بشأن آليات اختيار المرشحين للرئاسة، وحدود الدور الذي يمكن أن تضطلع به المؤسسة العسكرية في تحديد الشخصيات المؤهلة لقيادة الدولة خلال المرحلة المقبلة، وهو ما أثار تساؤلات حول مدى اتساق هذه التصورات مع مبدأ حرية الترشح وحق المواطنين في اختيار رئيسهم وفقًا للقواعد الدستورية والقانونية.

تبرز هذه الإشكالية بصورة خاصة في حديث السيسي عن ضرورة التحاق الراغبين في الترشح للرئاسة بالأكاديمية العسكرية لمدة تصل إلى 30 شهرًا كاملة، على أن تتولى الأكاديمية تقييم مدى صلاحيتهم لتولي المنصب، قبل عرض من يجتازون هذه المرحلة على الشعب للاختيار من بينهم. وهو تصور يضرب بالدستور عرض الحائط.

لم يتوقف الأمر عند حدود هذا الطرح، إذ أشار السيسي، في السياق ذاته، إلى أنه ليس من المقبول أن يتولى المسؤولية كل من يمتلك القدرة على ترتيب الكلمات أو إجادة الحديث والخطابة، على حد قوله، مؤكدًا أن هذا الأمر لن يحدث، في تصريحات قرأها منتقدون باعتبارها إشارة إلى إمكانية إخضاع الترشح لمعايير إضافية تتجاوز الشروط الدستورية والقانونية المعمول بها، وربما تفتح المجال أمام ترتيبات مختلفة لإدارة عملية اختيار القيادة السياسية المقبلة.

هنا تبرز الإشكالية الأكثر حساسية؛ إذ إن تحديد أهلية المرشحين للرئاسة، وفق النظام الدستوري القائم، يفترض أن يخضع لشروط قانونية واضحة ومعلنة، بينما يظل الاختيار السياسي النهائي حقًا أصيلًا للمواطنين عبر صناديق الاقتراع، أما إخضاع المرشحين لتقييم مسبق من مؤسسة غير انتخابية، إذا تحول إلى شرط إلزامي، فمن شأنه أن يثير تساؤلات بشأن حدود الاختصاصات المؤسسية، ومدى تكافؤ الفرص بين المتنافسين، وطبيعة الدور الذي سيبقى للناخب في تحديد من يتولى السلطة.

هل يغادر السيسي منصبه حقًا؟

تزداد هذه التساؤلات تعقيدًا مع استمرار بعض الأصوات المطالبة بإعادة النظر في القيود الدستورية المتعلقة بمدة الرئاسة، انطلاقًا من أن الدستور ليس نصًا مقدسًا، وأن تعديله يظل خيارًا مطروحًا إذا توافرت إرادة شعبية بذلك، وهو الخطاب الذي يتقاطع مع ما أشار إليه السيسي ضمنيًا بشأن ضرورة الاستجابة لما يريده الشعب، رغم تأكيداته المتكررة في المقابل رفض المساس بالدستور، ما يجعل الباب مواربًا أمام هذا المسار.

في المحصلة، وفي ضوء مجمل هذه المؤشرات والتطورات، تبدو مسألة الجزم بمغادرة السيسي منصبه مع انتهاء ولايته الحالية مفتوحة أمام قراءات سياسية متباينة، إذ يصعب التوفيق بين خطاب يتحدث عن مغادرة السلطة، وممارسات تعكس استمرار إحكام السيطرة على المشهد السياسي، وتضييق المجال العام، وطرح تصورات قد تفرض وصاية على حق الشعب في اختيار من يحكمه.

وهي مفارقة تعيد الجدل إلى نقطة البداية، وتطرح تساؤلًا لا تزال الإجابة عنه رهينة بما ستكشفه السنوات المقبلة: هل يغادر السيسي منصبه بالفعل عام 2030، أم أن هذه الإجراءات قد تسهم في تهيئة مناخ سياسي يسمح باستمرار ترتيبات الحكم القائمة، سواء ببقائه شخصيًا عبر مسار دستوري جديد، أو بانتقال السلطة إلى شخصية أخرى تضمن استمرار النهج ذاته؟

مواضيعالشأن المصري ، حرية الصحافة ، حقوق الإنسان

قد يعجبك ايضا

سياسة

لماذا يجب ألا تكرر حماس أخطاء فتح التاريخية؟

سامي العريان٢٨ أكتوبر ٢٠٢٦
سياسة

تمنع التراخيص وتعاقب على غيابها.. مصر تخنق صحافتها المستقلة

فريق التحرير٢٨ أكتوبر ٢٠٢٦
سياسة

الليكود يتصدّر والحكم معلّق: هل تنقذ المشاركة العربية المعارضة؟

أحمد الطناني٢٨ أكتوبر ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑