• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

الإمارات تتوسّع في المنظمات الدولية: نفوذ ناعم أم تأثير موجّه؟

سجود عوايص٢٩ أكتوبر ٢٠٢٦

سفيرة الإمارات لدى الأمم المتحدة، لانا نسيبة، التي دخلت السباق لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة (رويترز)

تمثل الإمارات العربية نموذجًا يستحق التتبع لتحولات دولة صغيرة من مركز اقتصادي، إلى بوصلة دبلوماسية إقليمية، ومن ثم فاعل يسعى لبناء نفوذ دولي وإمساك أدوات تأثير في المؤسسات والمنظمات الدولية والأممية وما يصدر عنها من قرارات وقوانين، وتوظيف ذلك لصالحها دبلوماسيًا واقتصاديًا وثقافيًا.

يستحضر ذلك مؤخرًا بالنظر لترشيح لانا نسيبة للأمانة العامة للأمم المتحدة، لكنه ممتدٌ من آخر عقدين من التحولات الداخلية والخارجية التي دفعت الإمارات لمراجعة حدود قوتها الاقتصادية، والتوجه نحو تعزيز صورتها وشبكات علاقاتها، بدءًا بإنجازها الأول وفوزها عام 2009 باستضافة المقر الدائم للوكالة الدولية للطاقة المتجددة.

كان هذا الفوز انتقالًا مهمًا من التنافس على استضافة الأعمال واللقاءات الدولية إلى استضافة مؤسسات دولية ذات طابع حكومي متعدد الأطراف، تكلل لاحقًا بإنجازات عابرة لحدودها في مجالات الطيران والسياحة والأمن والمناخ، ما راكم من حضورها في المؤسسات الدولية.

أما ما خلف الكواليس، فقد انعكس الحضور على مصالحها الاقتصادية والسياسية والإقليمية بالمزيد من المرونة والكثير من التحالفات والفرص، من الربط بين الأسواق لتصدير الخدمات ورأس المال، لغسيل صورة الإمارات وملفات حرية الرأي وحقوق الإنسان والترويج لها كواحة شرقية فاخرة، يلتقي فيها الشرق والغرب دون قيود ومع الكثير من الفوائد والامتيازات.

فما هي خريطة صعود أبو ظبي، وكيف أصبح حضورها الدولي والأممي مهمًا لحماية مصالحها وترويج خطابها، وهل يمثل ترشيح نسيبة اختبارًا لاستقلاليتها وإمكانية لمساءلة ملفات حقوق الإنسان الداخلية والإقليمية المرتبطة بها؟

خريطة الصعود خارج الحدود

يعود مسار الصعود الإماراتي لبدايات الألفية الحديثة، وتحديدًا عند أزمة موانئ دبي العالمية عام 2006، حين استحوذت شركة موانئ دبي العالمية (DP World) المملوكة لحكومة دبي على شركة الشحن البريطانية P&O في صفقة بلغت قيمتها نحو 6.8 مليار دولار، وشملت إدارة عمليات في ستة موانئ أميركية، من بينها نيويورك ونيوجيرسي وفيلادلفيا.

تسبب الاتفاق حينها في إطلاق موجة اعتراض واسعة داخل الكونغرس الأميركي من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، بحجة المخاطر الأمنية المرتبطة بإسناد إدارة عمليات الموانئ إلى شركة مملوكة لدولة عربية، ما اضطر الشركة إلى إعلان نقل عملياتها الأميركية إلى جهة أميركية، ثم المضي في التخارج منها.

لم تكن هذه هي النتيجة الوحيدة للاعتراض، بل ما كشفه عن حدود القوة الاقتصادية الإماراتية عندما تصطدم بالسياسة الداخلية الأميركية والصورة النمطية عن الدول العربية، لتندفع الإمارات بعدها بجد حثيث لتوسيع دائرة تأثيرها في النخب السياسية والإعلامية والأكاديمية الأميركية، وبناء علاقات مع مراكز الأبحاث ومؤسسات صنع القرار، ما أنتج ضغطًا سياسيًا إماراتيًا لافتًا في واشنطن، جعل من الإمارات “اسبرطة الصغرى” بالنسبة للغرب.

ميناء حاويات دبي العالمية

وفقًا لصحيفة فايننشال تايمز في تقريرها الصادر في أغسطس/آب 2026، فإن أزمة موانئ دبي العالمية دفعت الشيخ محمد بن زايد، الذي كان حينها وليًا للعهد، لعقد اجتماع طارئ مع مستشاريه، مطلقًا استراتيجية لتصحيح سوء الفهم الجوهري تجاه الإمارات، كان المال والانغماس بالمنظمات الدولية أحد أدوات التأثير فيها.

وهكذا بدأت بالانخراط في المنظمات الدولية، فدخلت منظمة الطيران المدني الدولي “الإيكاو” عام 2007، ثم استضافت المنظمات والمؤسسات الدولية، بالوكالة الدولية للطاقة المتجددة عام 2009، التي بدأت عملها رسميًا عام 2011، ومثّل وجودها ربطًا لقطاع الطاقة النظيفة الإماراتي بالطاقة الدولية، وتقديم الإمارات بوصفها مركزًا للحوار الدولي بشأن الطاقة، رغم اعتماد اقتصادها على النفط.

بعدها أطلقت الإمارات القمة العالمية للحكومات في دبي عام 2013، لتصبح منصة سنوية تجمع مسؤولين حكوميين وخبراء وشركات ومؤسسات دولية حول مستقبل الحكومات والابتكار والسياسات العامة، ثم وفي العام نفسه، بدأت أول فترتين متتاليتين لها في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، امتدتا من 2013 إلى 2018، ثم عادت إلى المجلس للفترة 2022–2024.

وبينما عملت القمة كأداة لبناء منصة إماراتية لإنتاج النقاشات حول السياسات الحكومية، فيما أتاحت عضوية مجلس حقوق الإنسان المشاركة الفاعلة في إحدى المؤسسات الأممية الرئيسية.

ونتيجة استضافة المقر الدائم للوكالة الدولية للطاقة، استطاعت أبو ظبي عقد الدورة الرابعة والعشرين من المؤتمر العالمي للطاقة في 2019، بمشاركة أكثر من 18 ألف شخص من 146 دولة، وفق مجلس الطاقة العالمي، جاعلة لخبرتها النفطية واستثماراتها في مجالات الطاقة حضورًا واضحًا في نقاشات التحول الطاقي ومستقبل أسواق الطاقة، بما في ذلك الطاقة المتجددة.

وفي منتصف 2021 انتخبت الجمعية العامة للأمم المتحدة الإمارات عضوًا غير دائم في مجلس الأمن للمرة الثانية في تاريخها، كما انتخبت في أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه لعضوية مجلس حقوق الإنسان للفترة من 2022-2024، وخلال عضويتها في مجلس الأمن، تولّت الإمارات رئاسة المجلس، كما شاركت في صياغة قرارات ومخرجات تتعلق بقضايا السلام والأمن الدوليين.

ثم استضافت مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ في 2023، وفي العام التالي استضافت المؤتمر الوزاري الثالث عشر لمنظمة التجارة العالمية بمشاركة وزراء وممثلين عن الدول الأعضاء ورئاسة وزير التجارة الخارجية الإماراتي ثاني بن أحمد الزيودي للؤتمر.

خلال تلك السنوات اتسع الحضور البشري الإماراتي في المنظمات الدولية أفقيًا، عبر انتخاب مبعوثيها في عدد من المنظمات، ففي عام 2021 انتخب أحمد ناصر الريسي رئيسًا للمنظمة الدولية للشرطة الجنائية “الانتربول” خلال دورتها المنعقدة في إسطنبول، بعد ثلاث جولات من التصويت حصل في الجولة الأخيرة على 68.9% من أصوات الدول الأعضاء.

منصب شرفي.. لماذا قاتلت الإمارات لتولي رئاسة الإنتربول؟

وكان الريسي يشغل منصب المفتش العام بوزارة الداخلية الإماراتية منذ عام 2015، وسبق له أن مثّل الإمارات في اللجنة التنفيذية للإنتربول، فيما أثار انتخابه انتقادات من منظمات حقوقية، من بينها هيومن رايتس ووتش، على خلفية اتهامات تتعلق بالتعذيب وسوء المعاملة في الإمارات، شملت شكاوى قدّمت ضده في فرنسا وتركيا.

كما أثار الانتخاب تساؤلات عن مساهمات الإمارات المالية في المنظمة، واحتمال توظيف التمويل في تعزيز النفوذ، لتتضاءل التساؤلات والانتقادات ويكمل الريسي مساره الجديد.

على خلاف ذلك، حظي انتخاب رزان المبارك رئيسة للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة بإشادة عربية ودولية، إذ أصبحت أول امرأة عربية تتولى المنصب بعد انتخابها من قبل 1400 عضوًا عام 2021، مكتسبة خبرتها من مناصب سابقة في المجال البيئي الإماراتي، منها إدارة هيئة البيئة في أبو ظبي، ومشاركتها في تأسيس صندوق محمد بن زايد للمحافظة على الكائنات الحية، ثم أعيد انتخابها لولاية ثانية مدتها أربع سنوات في منتصف أكتوبر/تشرين الأول 2025، خلال المؤتمر العالمي لحفظ الطبيعة الذي استضافته أبو ظبي.

خلال الفترة نفسها انتخب عبد الله المندوس رئيسًا للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية (WMO)، في الدورة التاسعة عشرة للمؤتمر العالمي للأرصاد الجوية المنعقد في جنيف، بحصوله على 98 صوتًا، حيث تكتسب المنظمة أهميتها بوصفها هيئة متخصصة ضمن منظومة الأمم المتحدة، تنسّق التعاون الدولي في مجالات الطقس والمناخ والمياه والرصد الجوي.

وكان المندوس يشغل منصب مدير المركز الوطني للأرصاد في الإمارات، وممثل الدولة الدائم لدى المنظمة منذ عام 2008، وشكّل انتخابه سابقة بوصفه أول خبير أرصاد من دول مجلس التعاون الخليجي يتولى رئاسة المنظمة.

وفي أواخر مايو/أيار 2025 عين المجلس التنفيذي لمنظمة الأمم المتحدة للسياحة، الإماراتية شيخة ناصر النويس مرشحة لتولي منصب الأمين العام للفترة 2026–2029، لتبدأ النويس ولايتها في مطلع يناير 2026، ولتصبح أول امرأة تتولى قيادة المنظمة منذ تأسيسها قبل خمسين عامًا، وأول إماراتية تشغل المنصب.

ويكتسب المنصب أهميته من موقع منظمة الأمم المتحدة للسياحة بوصفها وكالة أممية متخصصة تعمل على تعزيز السياحة المسؤولة والمستدامة والمتاحة للجميع، وتطوير السياسات والتعاون الدولي في القطاع.

بالمحصلة يكشف الجمع بين أنماط الصعود المختلفة، عموديًا عبر المناصب ومواقع القيادة، وأفقيًا عبر المشاركة والاستضافة، وجود تعبئة سياسية وتمويلًا ودعمًا حكوميًا ثابتًا لإسناد هذا الصعود، وهو ما يفسره بعض الباحثين باعتباره “دبلوماسية متخصصة” تضاعف الدول الصغيرة عبرها من تأثيرها بتركيز موارد السياسة الخارجية في مجالات محددة، تجمع بين تقديم خدمات دولية وتعزيز المكانة والمصالح الجيوسياسية.

وتقرأ دراسة لمردخاي تشازيزا وكارميلا لوتمار، نشرت عبر جامعة حيفا، التخصص الإماراتي في المساعدات والطاقة المتجددة والصحة والثقافة والرياض باعتباره وسيلة لتحويل الإنجاز القطاعي إلى رصيد رمزي وشرعية دولية، مع صرف الانتباه عن طبيعة الحكم الداخلي، واصفة هذا المسعى بأنه “استراتيجيات سلطوية لقوة متوسطة تستخدم الرصيد الرمزي لتعزيز الشرعية”.

أما المكاسب على الأرض، فتظهر في قطاعات مختلفة يتقاطع فيها استثمار الدولة على الأرض باستثمارها في المواقع والمناصب، ففي الطيران تذكر الإمارات في وثيقة ترشحها للإيكاو لعام 2025 أن مطاراتها استقبلت 147 مليون مسافر خلال 2024، وأنها ترتبط بـ189 اتفاقية خدمات جوية. وتعرض مساهماتها في التدريب والمساعدة الفنية، ومشاركة خبرائها في مجموعات المنظمة ورئاسة لجنة أمن الطيران، كحافز للصعود.

وعلى صعيد السياحة، فقد أوردت وكالة أنباء الإمارات مساهمة السفر والسياحة بـ257.3 مليار درهم، تمثّل 13 في المئة من الاقتصاد، وهي البيانات التي استندت لها النويس خلال صعودها، معتمدة على خبرتها في العمل نائبة لرئيس شركة روتانا لشؤون إدارة علاقات الملّاك، ما يربط ترشحها بخبرة تجارية في قطاع تستثمر فيه الدولة بكثافة.

بينما يتصل المندوس، ممثل الإمارات الدائم لدى منظمة الأرصاد منذ 2008، ورئيس اتحادها الإقليمي لآسيا بين 2017 و2023، في خبرته واختصاصه باهتمام إماراتي قديم بالمياه والاستمطار؛ إذ أطلقت الدولة جائزة بالتعاون مع المنظمة عام 2005، ثم برنامجًا بحثيًا دوليًا عام 2015، ما يؤكد أن الوصول إلى الرئاسة يمر عبر تراكم علمي وإداري، مدعوم بحملات دبلوماسية داعمة.

عبدالله المندوس- ممثل الإمارات الدائم لدى منظمة الأرصاد

وفي البيئة والتمويل الأخضر، يتيح الحضور الدولي وصل السياسة بالاستثمار، فخلال مؤتمر المناخ COP28، أطلقت الإمارات صندوق ألتيرا، للاستثمار في مشروعات المناخ والطاقة النظيفة، بالتزام تمويلي قدره 30 مليار دولار، وطموح لجذب استثمارات ترفع إجمالي التمويل إلى 250 مليار دولار بحلول 2030، ما يقربها من دوائر صياغة الأولويات وبناء العلاقات، ويعزز صورتها دولة شريكة قادرة على الإنجاز.

حين يقترب التمويل من المنصب

رغم المنفعة الوطنية للصعود إلا أنه في حالة الإمارات يطرح أسئلة مختلفة، ظهرت بشكل واضح إثر صعود الإمارات في منظمة الانتربول، ففي مارس/آذار 2017 أعلنت الإمارات مساهمة بخمسين مليون يورو لمؤسسة الإنتربول من أجل عالم أكثر أمانًا، دعمت من خلالها سبعة مشروعات تشمل مكافحة الإرهاب والجريمة السيبرانية والمخدرات وحماية الفئات الضعيفة.

بعد أربع سنوات انتخب الريسي المفتش العام في وزارة الداخلية الإماراتية رئيسًا للمنظمة، ليسبقه اعتراض من هيومن رايتس ووتش ومركز الخليج لحقوق الإنسان، استند إلى موقعه في الجهاز الأمني وسجل الانتهاكات المنسوب إليه، كما نقلت المنظمتان عن تقرير أعدّه المدير السابق للنيابة العامة في إنجلترا وويلز، ديفيد كالفرت سميث، اتهامات بمحاولة الإمارات التأثير غير المشروع عبر التمويل وآليات أخرى.

يثبت ذلك وجود تمويل كبير واعتراضات حقوقية جدّية، لكنه لا يثبت شراء نتيجة الانتخابات، فقد أعلنت الإنتربول أن الريسي نال 68.9 في المئة من الأصوات في الجولة الثالثة، رغم ذلك ذكرت تقارير إعلامية أن الإمارات سعت للتأثير في المنظمة، وإن النشرات الحمراء استخدمت لملاحقة أفراد بسبب شيكات مرتجعة.

وفي السياحة، اتخذ الجدل شكلًا آخر، ففي اللحظات الأخيرة سحبت الحكومة الجورجية دعمها لإعادة ترشيح زوراب بولوليكاشفيلي في مايو/أيار 2025، وأعلنت تأييد المرشحة الإماراتية، ورغم التقارير التي نشرها موقع “آي توربو نيوز” المتخصص بتتبع التأثير المالي والسياسي في الانتخابات، والتي أشارت ليد إماراتية خلف هذا التراجع إلا أن الحكومة وصفتها بأنها “تكهنات”.

أما في مؤتمر المناخ، فيظهر تضارب الأدوار والمصالح تحت المجهر، إذ عيّنت الإمارات رئيس شركة النفط الوطنية أدنوك رئيسًا للمؤتمر، ما دفع منظمات ووسائل إعلامية غربية للكشف عن اجتماعات على هامش المؤتمر جمعت الرئيس مع حكومات وتضمنت طلبات تجارية تخص أدنوك، بينما أفادت تقارير الغارديان بأن أدنوك كانت قادرة على قراءة رسائل بريد المؤتمر.

بينما اعتبرت منظمة Global Witness أن الرئاسة مكنت أدنوك من عقد صفقات نفط وغاز وبتروكيماويات خلال 2023 بنحو مئة مليار دولار، في المقابل رفضت أدنوك النتائج ووصفتها بالمضللة وغير الدقيقة، ونفت استخدام الجابر الرئاسة لإبرام صفقات، كما رفضت رئاسة المؤتمر الاتهامات.

الأمانة العامة: القضايا العربية تعيد تعريف الموقع

في 21 أكتوبر/تشرين الأول 2026، دخلت الإمارات سباق الأمانة العامة للأمم المتحدة بترشيح وزيرة الدولة لانا نسيبة، مندوبتها السابقة لدى المنظمة بين 2013 و2024، وبعد ستة أيام، شاركت نسيبة في الحوار العلني مع الدول الأعضاء، منتقلة من تمثيل سياسة أبوظبي إلى محاولة إقناع العالم بأهليتها لقيادة مؤسسة يفترض أن تستقل عن حكوماتها.

جاء الترشيح متأخرًا في منافسة عجزت عن إنتاج توافق بين الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، واستند إلى مسار إماراتي أوسع من التأهل في المنظمات الدولية، لكنه يضع خطاب الإمارات بخصوص السلام وحقوق الإنسان في الواجهة، خاصة أمام ملفات مثل السودان وغزة.

إذ تواجه الإمارات اتهامات سودانيةَ رسمية بدعم قوات الدعم السريع، رغم نفسها، وتمسكها بدورها الإنساني والدبلوماسي، ومحاولتها تقديم دور الوسيط المحايد، ففي بيان لوزارة خارجيتها في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، أدانت نسيبة انتهاكات طرفي الحرب، ودعت إلى وقف غير مشروط لإطلاق النار ووصول المساعدات والانتقال إلى حكم مدني.

لكن الاعتراضات لحقت بها إلى السباق الأممي، ففي 27 أكتوبر/تشرين الأول نقلت رويترز انتقادات حقوقية لدفاعها عن سياسة بلادها، لكنها في الحوار مع الدول الأعضاء قالت نسيبة إن السودان سيكون أولوية أولى إذا انتخبت، وأعلنت دعم عمل بعثات تقصي الحقائق والمساءلة والعدالة الانتقالية، ما يضع ذلك تعهداتها أمام معيار يمكن اختبار أدائها عليه.

ولا يحسم إسقاط دعوى السودان أمام محكمة العدل الدولية هذا الجدل، ففي مايو/أيار 2025 قررت المحكمة افتقارها إلى الاختصاص بسبب تحفظ الإمارات على المادة التاسعة من اتفاقية الإبادة الجماعية، وشطبت القضية، موضحة أن غياب الاختصاص يمنعها من اتخاذ موقف من موضوع الادعاءات، لكنه في الوقت ذاته يشي بقيود على السودان في محاولتها لمقاضاة الإمارات وإخضاعها للعدالة الدولية.

ليست السودان العقبة الوحيدة أمام نسيبة، ففي ليبيا توجد نتائج أممية أكثر مباشرة ودقة بشأن نتائج التدخل المنسوب إلى الإمارات، فقد خلص تقرير فريق الخبراء لعام 2019 إلى تكرار مخالفتها حظر السلاح دعمًا لقوات خليفة حفتر، وهذه نتيجة رقابية موثقة، لكنها لا تحمل قيمة حكمٌ قضائي يحدد المسؤولية عن جرائم بعينها.

ويظل ملف حقوق الإنسان في الداخل حاضرًا أيضًا إلى جانب تدخلاتها في الدول العربية، فقد وصفت منظماتٌ حقوقية المحاكمة الجماعية التي صدرت فيها أحكام عام 2024 بأنها غير عادلة، ما يجعل المطالبة بضمانات تحسين ملف حقوق الإنسان حاضرًا في ترشيح نسيبة.

“إسرائيل” والانتقائية وحدود النفوذ

لا يستقيم اختزال نسيبة في خطاب مطمئن للسودان، بل يمتد إلى خطابها تجاه “إسرائيل” بتنويعات مختلفة، عبرت عنها صحيفة “يديعوت أحرونوت” بالقول إنها بين علاقات بمنظمات يهودية ودعم مسار اتفاقات أبراهام، وبين اتهام “إسرائيل” بالقصف العشوائي في غزة والمطالبة بوقف إطلاق النار ورفض ضم أراض بالضفة الغربية.

على أرض الواقع ومنذ الأيام الأولى للسابع من أكتوبر سارعت نسيبة إلى تقديم إدانة صريحة لحماس ونفيًا لتمثيلها الفلسطينيين، ففي جلسة مجلس الأمن بتاريخ 16 أكتوبر 2023، وصفت هجوم الحركة بأنه غير مبرّر، وقالت إن “حماس لا تمثّل الشعب الفلسطيني أو سكان غزة”.

وظهر هذا الفصل أيضًا في خطابها بعدها بعام واحد لكن بتوازن أكبر، حين شددت على أن الضحايا الفلسطينيين مدنيين وليسوا مقاتلين من حماس، وأدانت في الخطاب نفسه الهجمات الإسرائيلية ووصفتها بأنها غير متناسبة وقاسية وغير إنسانية، وطالبت بإنهاء الحصار.

تقول باربرا ليف، السفيرة السابقة لدى الإمارات العربية المتحدة في تفسيرها لاستراتيجية توسع الإمارات في المنظمات الدولية: “لطالما نظروا إلى إسرائيل وسنغافورة كنموذجين: دول صغيرة، ذات تعداد سكاني صغير، لها تأثير عالمي، سياسيًا ودبلوماسيًا واقتصاديًا وعسكريًا وما إلى ذلك”.

يدعم هذا القول وجود توجه إماراتي لتوسيع الحضور الدولي، وكيف يمكن لأدوات المال والتأثير وبناء التحالفات أن تنتج مساهمات نافعة ونفوذًا وطنيًا في الوقت نفسه.

اليوم تقف الأمانة العامة في واجهة التحدي، إذ تفرض حدًا قانونيًا وسياسيًا مختلفًا على شاغلها، تمنعه من تلقي تعليمات حكومته وتلزمه باحترام مطالب الدول الأخرى، اختبارٌ ثقيل لنموذج يحاول أن يجعل من كل موطئ قدم منفذًا على مصلحة ما، فهل تستطيع مرشحته تحويل خبرتها وشبكاتها إلى خدمة دولية مستقلة، بما يشمل إخضاع سياسات أبوظبي للمعايير نفسها التي تطالب الآخرين باحترامها؟

علاماتأطماع الإمارات في المنطقة ، اقتصاد الإمارات ، الدبلوماسية الإماراتية ، السياسات الإماراتية ، الشأن الإماراتي
مواضيعاقتصاد الإمارات ، الشأن الإماراتي ، سياسات الإمارات الخارجية

قد يعجبك ايضا

سياسة

خصمان على السلطة وشريكان في الأهداف.. ما الفرق نتنياهو وآيزنكوت؟

خالد أصلان٢٩ أكتوبر ٢٠٢٦
سياسة

إسكات الصحافة وتقييد الترشح.. كيف يُمهّد السيسي لمصر ما بعد 2030؟

فريق التحرير٢٨ أكتوبر ٢٠٢٦
سياسة

لماذا يجب ألا تكرر حماس أخطاء فتح التاريخية؟

سامي العريان٢٨ أكتوبر ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑