• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

خصمان على السلطة وشريكان في الأهداف.. ما الفرق نتنياهو وآيزنكوت؟

خالد أصلان٢٩ أكتوبر ٢٠٢٦

يتباين نهج نتنياهو وآيزنكوت في وسائل تحقيق الأهداف الإسرائيلية المشتركة

يشترك بنيامين نتنياهو رئيس حكومة الاحتلال المنتهية ولايته ومنافسه غادي آيزنكوت، رئيس أركان جيش الاحتلال الأسبق، في أبرز الأهداف التي تحكم السياسات الإسرائيلية تجاه الشرق الأوسط، بدءًا من رفض إقامة دولة فلسطينية واستمرار السيطرة العسكرية على الأراضي المحتلة، وصولًا إلى إضعاف إيران وحلفائها وتوسيع التحالفات الإقليمية.

ويتباين نهج رئيس حزب الليكود اليميني وزعيم حزب “يشار” الوسطي الصهيوني في وسائل تحقيق هذه الأهداف، بما يشمل إدارة الاحتلال والتوسع الاستيطاني، ونطاق العدوان العسكري وشروط وقفه، وكيفية توظيف العلاقات مع الولايات المتحدة والدول العربية لتعزيز النفوذ الإسرائيلي في المنطقة.

وتفتح نتائج الانتخابات الإسرائيلية المجال أمام اختبار هذه الاختلافات، بعدما أظهرت التقديرات المستندة إلى فرز نحو 91% من الأصوات صباح 29 أكتوبر/تشرين الأول حصول معسكر نتنياهو على 53 مقعدًا، مقابل 48 لمعسكر آيزنكوت و19 للأحزاب العربية، دون حصول أي من المعسكرين على الأغلبية المطلوبة لتشكيل حكومة من 61 مقعدًا.

وبينما ينتظر الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ انتهاء الفرز وبدء المشاورات البرلمانية، يبرز سؤال بشأن التغييرات التي قد تشهدها السياسات الإسرائيلية إذا انتقلت السلطة إلى آيزنكوت، الذي شارك في مجلس الحرب المسؤول عن إدارة العدوان على غزة بعد أكتوبر/تشرين الأول 2023، وتعود أبرز مواقفه العسكرية إلى سنوات قيادته جيش الاحتلال.

الملف الفلسطيني

يتفق نتنياهو وآيزنكوت على رفض إقامة دولة فلسطينية مستقلة، والإبقاء على السيطرة الأمنية الإسرائيلية على الضفة الغربية وقطاع غزة.

وفي مقارنة للبرامج الأمنية للمرشحين نشرتها صحيفة “يسرائيل هيوم” العبرية، كرر نتنياهو تعهده بمنع قيام الدولة الفلسطينية، فيما وصف آيزنكوت حل الدولتين بأنه “خطأ فادح”، مستندًا إلى رواية إسرائيلية تعتبر الصراع مع الفلسطينيين ممتدًا منذ القرن التاسع عشر، وتحمله دوافع دينية وقومية.

وفي قطاع غزة، يشترط المتنافسان إنهاء حكم حركة المقاومة الإسلامية “حماس” ونزع سلاحها قبل استكمال الانسحاب العسكري، مع استمرار انتشار قوات الاحتلال خلف ما يعرف بـ”الخط الأصفر”، الذي تحول منذ اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025 إلى وسيلة لتوسيع السيطرة العسكرية على القطاع.

كتل إسمنتية وضعها جيش الاحتلال لترسيم مناطق سيطرته العسكرية في قطاع غزة

ووثقت لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة، منتصف أكتوبر 2026، توسع المناطق التي يسيطر عليها جيش الاحتلال من 53% من مساحة غزة، وفق ترتيبات وقف إطلاق النار، إلى 60% على الأقل بحلول 2 سبتمبر/أيلول، إلى جانب إقامة تسع قواعد عسكرية جديدة.

وسجلت اللجنة استشهاد 1431 فلسطينيًا في القطاع بين 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025 و30 سبتمبر/أيلول 2026، بعد أن خلصت تحقيقاتها السابقة إلى ارتكاب قوات الاحتلال أفعال إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب.

ويظهر الخلاف بشأن إدارة غزة بعد العدوان، إذ يتمسك نتنياهو باستمرار الضغط العسكري حتى نزع سلاح حماس، بينما يتهمه آيزنكوت بإطالة أمد المواجهة وتعطيل إقامة إدارة بديلة نتيجة حساباته الائتلافية.

وفي تصريح أدلى به قرب حدود القطاع منتصف أكتوبر، تعهد آيزنكوت بإنهاء حكم حماس خلال 18 شهرًا من توليه رئاسة الحكومة، سواء عبر خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أو تنفيذ عمليات عسكرية تستهدف تفكيك الجناح العسكري للحركة.

وفي مقابلة مع “يسرائيل هيوم”، عرض آيزنكوت تصورًا لغزة خلال السنوات الأربع المقبلة، يقوم على تشكيل حكومة تكنوقراط فلسطينية وقوة محلية من سكان القطاع، يتولى جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي “الشاباك” التدقيق في أفرادها والموافقة عليهم، بمشاركة دول عربية وإشراف أمريكي.

وربط آيزنكوت إعادة الإعمار بتفكيك حماس والجهاد الإسلامي ونزع سلاحهما وإجراء تغييرات في المناهج التعليمية، متوقعًا أن تستغرق إعادة بناء القطاع نحو عقدين. وأكد في مقابلة مع موقع “تايمز أوف إسرائيل” التزامه بخطة ترامب ذات النقاط العشرين التي وافق عليها نتنياهو (شكليًا)، بما يشمل إنشاء إدارة مدنية وإدخال قوة دولية.

في المقابل، نقلت صحيفة “جيروزاليم بوست” الإسرائيلية عن مصادر مطلعة على توجهاته استعداده لدراسة خطوات إعمار جزئية بالتوازي مع تقدم عملية نزع السلاح، مع استمرار إخضاع الإدارة الفلسطينية لشروط الاحتلال الأمنية. أما في الضفة الغربية، فتبرز اختلافات بشأن التوسع الاستيطاني والصلاحيات الممنوحة للمستوطنين.

فقد منح نتنياهو وزير المالية في حكومته بتسلئيل سموتريتش، زعيم حزب الصهيونية الدينية اليميني المتطرف، صلاحيات واسعة في الإدارة المدنية التابعة لوزارة جيش الاحتلال، ما عزز نفوذ المستوطنين في إدارة الأراضي الفلسطينية والتخطيط والبناء، بالتوازي مع تسارع الاستيطان وتصاعد الاعتداءات على الفلسطينيين وممتلكاتهم.

ويؤيد آيزنكوت استمرار المستوطنات التي أقرتها سلطات الاحتلال في المنطقة “ج”، الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية وفق تقسيمات اتفاق أوسلو، لكنه يتعهد بإزالة البؤر غير المرخصة إسرائيليًا في المنطقتين “أ” و “ب”، وإلغاء الصلاحيات التي حصل عليها سموتريتش، وإعادة شرطة حرس الحدود إلى قيادة جيش الاحتلال.

كما أعلن عزمه استئناف الاعتقال الإداري بحق المستوطنين المتورطين في الاعتداءات، وإعادة تمكين السلطة الفلسطينية من إدارة شؤون السكان المدنية، مع احتفاظ الاحتلال بالصلاحيات العسكرية والأمنية.

ويمتد الخلاف إلى مشروع E1 الاستيطاني الذي يدفع نتنياهو إلى تنفيذه، ويهدد بفصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها وعزل شرق القدس عن محيطها الفلسطيني.

ويدّعي آيزنكوت معارضته المضي في المشروع خلال المرحلة الحالية، وتأييد السماح للعمال الفلسطينيين بالعودة إلى العمل داخل الأراضي المحتلة عام 1948 تحت رقابة الشاباك، وهي خطوة يعارضها نتنياهو، وفق “يسرائيل هيوم“.

وفي مقابلته مع “تايمز أوف إسرائيل”، تحدث آيزنكوت عن إمكانية التوصل مستقبلًا إلى حكم ذاتي فلسطيني أو كيان منقوص السيادة، محروم من امتلاك جيش وخاضع للسيطرة الأمنية الإسرائيلية، مع الإبقاء على المستوطنات التي اعترفت بها سلطات الاحتلال.

وربط موقفه بالحفاظ على الأغلبية اليهودية داخل “إسرائيل” وتجنب ضم ملايين الفلسطينيين إليها، ما يفسر تمسكه ببقاء الإدارة المدنية الفلسطينية منفصلة عن المؤسسات الإسرائيلية، مع استمرار سيطرة جيش الاحتلال.

يرى غسان الخطيب، وزير التخطيط الفلسطيني الأسبق والأستاذ في جامعة بيرزيت، أن التنافس بين الأحزاب الإسرائيلية يجري في ظل انزياح الرأي العام نحو اليمين، ما يحد من فرص حدوث تحول جوهري تجاه الفلسطينيين.

وأشار إلى أن رفض الدولة الفلسطينية يحظى بتوافق واسع، متوقعًا أن تسعى حكومة يقودها آيزنكوت إلى الحد من بعض اعتداءات المستوطنين وتخفيف مظاهر التوسع الاستيطاني لتحسين صورة “إسرائيل” الدولية، مع استمرار السياسات الأساسية تجاه الأراضي المحتلة.

وكانت محكمة العدل الدولية، قد أكدت في رأيها الاستشاري الصادر يوم 19 يوليو/تموز 2024 عدم قانونية استمرار الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة وطالبت بوقف الأنشطة الاستيطانية وإجلاء المستوطنين.

وتتعارض هذه الالتزامات مع استمرار الاستيطان الذي يؤيده المتنافسان الإسرائيليان، رغم اختلافهما بشأن البؤر غير المرخصة وفق القانون الإسرائيلي، والصلاحيات التي يمنحها الاحتلال لإدارة الأراضي الفلسطينية.

إيران

يشترك نتنياهو وآيزنكوت في هدف منع إيران من امتلاك سلاح نووي وتقليص قدراتها الصاروخية ونفوذها الإقليمي، لكن المواجهات العسكرية خلال عامي 2025 و2026 أبرزت خلافًا بشأن أهداف الحرب وشروط إنهائها، خصوصًا بعدما جعل رئيس الوزراء المنتهية ولايته إسقاط النظام الإيراني جزءًا من استراتيجيته المعلنة.

ففي إحاطة أمنية عقدها يوم 18 أكتوبر، عرض نتنياهو عقيدة تمنح الأولوية للهجوم والضربات الاستباقية، وتعزيز القدرات العسكرية والتكنولوجية الإسرائيلية، مع تقليل الاعتماد على إمدادات السلاح الأمريكية. وأعلن استعداده لتنفيذ عمليات ضد إيران بصورة منفردة عند الضرورة، مؤكدًا أنه وجّه الأجهزة العسكرية والاستخبارية للعمل على إسقاط النظام الإيراني.

وتحدث نتنياهو عن وجود خطط لتغيير النظام بالتنسيق مع إدارة ترامب، رغم استمرار الحكم الإيراني بعد العقوبات والضربات العسكرية واغتيال قيادات بارزة، ودون تقديم تفاصيل عن الوسائل التي يتوقع أن تؤدي إلى انهياره.

أما آيزنكوت، فقد عارض جعل إسقاط النظام هدفًا للحرب، معتبرًا في مقابلته مع “يسرائيل هيوم” أن تغيير الحكم الإيراني بالقصف الجوي هدف غير واقعي، داعيًا إلى التركيز على إخراج اليورانيوم المخصب من البلاد وفرض رقابة مشددة تمنع استئناف البرنامج النووي العسكري.

وتتضمن رؤيته استمرار استخدام القوة العسكرية، إذ أعلن تأييده قصف مداخل المواقع النووية الإيرانية الأربعة الرئيسية، وإعلان محيطها مناطق استهداف عسكري تخضع لمراقبة متواصلة، مع ضرب أي تحركات تهدف إلى إعادة تشغيل المنشآت أو نقل المواد النووية حتى قبول طهران اتفاقًا يقضي بإخراج اليورانيوم المخصب.

طيور تحلق بينما يتصاعد الدخان عقب انفجار، إثر شن “إسرائيل” والولايات المتحدة ضربات على إيران، 2 مارس 2026 (WANA)

وكشف المحلل العسكري الإسرائيلي يوناه جيريمي بوب في تحقيق نشرته “جيروزاليم بوست” عن تصور لدى آيزنكوت يقضي بمراقبة أمريكية طويلة الأمد للمواقع التي تضم اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب، مع توسيع عمليات جهاز الاستخبارات الخارجية الإسرائيلي “الموساد” ضد برنامج الصواريخ الباليستية، إضافة إلى المنشآت النووية.

ويربط آيزنكوت هذه الإجراءات بإمكانية التوصل إلى اتفاق يشمل إعادة فتح مضيق هرمز وتخفيف القيود الاقتصادية، بهدف معالجة تداعيات المواجهة على الاقتصاد العالمي، بينما يراهن نتنياهو على استمرار العقوبات والحصار والعمليات العسكرية لإضعاف النظام الإيراني وصولًا إلى إسقاطه.

وينعكس هذا الخلاف على العلاقة مع واشنطن، إذ يسعى آيزنكوت إلى إلزام الولايات المتحدة بترتيبات رقابية وعسكرية طويلة الأمد تمنع إيران من استعادة قدراتها النووية، مع الاحتفاظ بقدرة إسرائيلية مستقلة على استهداف الصواريخ، بينما يركز نتنياهو على توظيف التعاون مع ترامب لتوسيع المواجهة وصولًا إلى تغيير النظام.

ويرى يوناه جيريمي بوب، أن نتنياهو أكثر استعدادًا للمخاطرة بشن هجمات جديدة على إيران، وقد يتخذ قرار التصعيد في مرحلة أبكر من آيزنكوت.

ويشير إلى اختلاف آخر يتعلق بالتعامل مع أي اتفاق نووي أمريكي مع طهران، إذ يتوقع أن يعارضه نتنياهو علنًا للضغط على واشنطن والرأي العام الأمريكي، بينما يرجح أن يسعى آيزنكوت إلى تعديل شروطه عبر القنوات المغلقة، مع احتفاظ الرجلين بخيار العمل العسكري ضد المنشآت النووية والقدرات الصاروخية الإيرانية.

سوريا ولبنان

في لبنان، يتفق نتنياهو وآيزنكوت على إضعاف “حزب الله” ومنع إعادة بناء قدراته العسكرية، مع استمرار احتلال أجزاء من الجنوب وربط الانسحاب منها بمستقبل سلاح الحزب ودور الجيش اللبناني.

فقد أعلن نتنياهو في 22 يونيو/حزيران، تمسكه بإبقاء جيش الاحتلال داخل الشريط اللبناني الذي تسميه حكومته “المنطقة الأمنية”، مؤكدًا استمرار العمليات العسكرية داخل الأراضي اللبنانية، وهو موقف جدده في بيان مشترك مع وزير جيشه يسرائيل كاتس.

ووفق تحقيق “جيروزاليم بوست”، يبدي آيزنكوت استعدادًا مشروطًا لتقليص عمق الشريط المحتل إلى ثمانية كيلومترات، مقابل توجه نتنياهو إلى الاحتفاظ بمناطق يتجاوز عمق بعضها عشرة كيلومترات.

ويربط هذا التصور بإبعاد خطر الصواريخ المضادة للدروع عن المستوطنات الشمالية وتقليل أعباء الانتشار العسكري، مع استمرار الضغط على الحكومة والجيش اللبنانيين لمواجهة “حزب الله”.

ويظهر خلاف آخر بشأن الترتيبات الدولية، إذ يؤيد آيزنكوت تعزيز المشاركة الفرنسية إلى جانب الولايات المتحدة في مراقبة الاتفاقات الأمنية ودعم الجيش اللبناني، بينما اتجه نتنياهو إلى تقليص الدور الفرنسي وسط توتر علاقاته مع باريس بسبب انتقاداتها للعدوان الإسرائيلي على غزة ولبنان.

كما طرح آيزنكوت إمكانية التوصل مستقبلًا إلى تفاهمات سياسية أوسع مع بيروت، مع استمرار اشتراط نزع سلاح “حزب الله”.

وفي سجله العسكري، ارتبط اسم آيزنكوت بـ”عقيدة الضاحية”، بعدما هدد عام 2008، حين كان قائدًا للمنطقة الشمالية في جيش الاحتلال، بتكرار الدمار الذي ألحقه الاحتلال بضاحية بيروت الجنوبية خلال عدوان 2006 في كل قرية لبنانية تنطلق منها هجمات ضد قواته، مؤكدًا أن استخدام القوة غير المتناسبة يمثل خطة عسكرية معتمدة.

ويعتبر كريم صفي الدين، الباحث اللبناني في معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط ومقره واشنطن، أن الخطاب الانتخابي الإسرائيلي يكشف عن استمرار التوافق بشأن احتلال الجنوب اللبناني.

وأشار إلى أن المرشحين يتنافسون على إدارة العمليات العسكرية ونتائجها، فيما يغيب التعهد بالانسحاب من لبنان أو التعامل مع الاحتلال باعتباره أزمة يجب إنهاؤها، معتبرًا أن هذه المواقف تعكس توجهًا أوسع داخل المؤسسة الإسرائيلية تجاه الأراضي اللبنانية.

بنيامين نتنياهو ووزير جيشه ورئيس الأركان السابق على جبل الشيخ في سوريا، 17 ديسمبر 2024

وفي سوريا، يتمسك نتنياهو باستمرار احتلال المواقع التي سيطر عليها جيش الاحتلال عقب سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، خصوصًا في جبل الشيخ والمناطق المتاخمة للجولان السوري المحتل، مع المطالبة بإبعاد القوات السورية عن الحدود ومنع انتشار منظومات عسكرية قد تعيق الغارات الإسرائيلية.

وتصاعد التوتر مع تركيا بعد شن جيش الاحتلال ثماني غارات على قاعدة أبو الظهور الجوية شمال غربي سوريا في 18 أغسطس/آب 2026، عقب اتهامات إسرائيلية لدمشق بالسماح بتمركز قوات تركية فيها.

وأدانت أنقرة الاعتداء باعتباره انتهاكًا للسيادة السورية، فيما وصف توم باراك، المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا والسفير الأمريكي لدى تركيا، الضربات بأنها تصعيد غير ضروري يهدد الاستقرار الإقليمي، مشيرًا إلى جهود واشنطن لإقامة آلية تنسيق تمنع وقوع مواجهة مباشرة بين الأطراف الثلاثة.

أما آيزنكوت، فيدعو إلى استخدام الأراضي السورية المحتلة ورقة للتفاوض على ترتيبات أمنية جديدة مع حكومة الرئيس السوري أحمد الشرع، تحت الرعاية الأمريكية. وقد طرح إعادة بحث اتفاق فصل القوات لعام 1974، الذي نظم خطوط الانتشار بعد حرب أكتوبر 1973، مقابل إبعاد القوات السورية عن الحدود وتقييد الوجود العسكري الأجنبي.

وربط آيزنكوت أي تفاوض بشأن جبل الشيخ والمواقع المحتلة بانسحاب القوات التركية والروسية والحصول على ضمانات أمريكية مشددة، فيما نقلت “جيروزاليم بوست” عن مصادر مطلعة على توجهاته رغبته في الاحتفاظ بالموقع الذي يحتله جيش الاحتلال في جبل الشيخ، مع إمكانية التفاوض على انسحابات جزئية من مناطق سورية أخرى، وتوسيع دور قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك “أندوف”، المكلفة بمراقبة اتفاق عام 1974.

ويشترط آيزنكوت أيضًا منع تمركز القوات التركية قرب الحدود الجنوبية أو نشر منظومات دفاع جوي ورادارات تركية قد تحد من الغارات الإسرائيلية داخل سوريا. وحذر من احتمال تشكل مجموعات مقاومة مسلحة ضد الاحتلال في الجنوب السوري، وانتقالها إلى استخدام العبوات الناسفة وحرب العصابات، بما قد يرفع كلفة الانتشار العسكري الإسرائيلي طويل الأمد.

ويحذر جيمس جيفري، المبعوث الأمريكي السابق إلى سوريا والسفير الأسبق لدى تركيا والعراق، في تحليل نشره معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، من أن العقيدة الأمنية التي ترسخت داخل “إسرائيل” بعد أكتوبر 2023 باتت تمنح أولوية للتعامل العسكري المبكر مع التهديدات المحتملة، وهو توجه يتجاوز شخصية رئيس الحكومة.

ويربط جيفري استمرار هذه السياسة في سوريا ولبنان بطبيعة الائتلاف الإسرائيلي المقبل وقدرة واشنطن على احتواء بؤر التوتر، مشيرًا إلى أن العمليات العسكرية الإسرائيلية أضعفت الدعم الدبلوماسي الذي تحتاجه “إسرائيل” لإدارة علاقاتها الإقليمية.

الولايات المتحدة

يتفق نتنياهو وآيزنكوت على اعتبار الدعم الأمريكي ركيزة للحفاظ على التفوق العسكري الإسرائيلي وتوسيع التحالفات الإقليمية، لكن رئيس حزب الليكود جعل علاقته الشخصية بالرئيس دونالد ترامب إحدى أبرز أوراق حملته الانتخابية، مستندًا إلى التنسيق العسكري والسياسي بينهما خلال المواجهات مع إيران، ومقدمًا خبرته في التعامل مع البيت الأبيض بوصفها ضمانة لاستمرار هذا الدعم.

وفي العقيدة الأمنية التي أعلنها يوم 18 أكتوبر، أكد نتنياهو ضرورة تعزيز قدرة “إسرائيل” على إنتاج الأسلحة والذخائر محليًا، والاحتفاظ بخيار العمليات العسكرية المنفردة، مع الاستفادة من التحالف الأمريكي لتوسيع النفوذ العسكري والسياسي في المنطقة.

ويأتي هذا التوجه بعد توترات مع الإدارات الأمريكية السابقة بشأن إمدادات السلاح وحدود العمليات العسكرية، فضلًا عن اتساع الانتقادات داخل الحزب الديمقراطي الأمريكي للعدوان على غزة والاستيطان.

أما آيزنكوت، فيدعو إلى ترميم العلاقات مع مؤسسات الحكم الأمريكية والحزبين الجمهوري والديمقراطي، محذرًا من ربط المصالح الإسرائيلية بإدارة أمريكية واحدة. وقد انتقد اتساع الفجوة بين المصالح الأمريكية والإسرائيلية خلال عهد نتنياهو، وطالب بتفاهمات استراتيجية طويلة الأمد بشأن إيران وغزة ولبنان وسوريا.

ويؤيد آيزنكوت استمرار الاتفاقات التي أبرمتها حكومة نتنياهو مع واشنطن، وفي مقدمتها خطة ترامب بشأن غزة، مع تمسكه بإنهاء حكم حماس ونزع سلاحها.

دونالد ترامب يصافح بنيامين نتنياهو خلال مؤتمر صحفي في بالم بيتش بفلوريدا يوم 29 ديسمبر 2025 (رويترز)

كما يراهن على الضمانات الأمريكية لتثبيت ترتيبات جديدة في سوريا ولبنان، تشمل انسحابات إسرائيلية جزئية مقابل إبعاد القوات المحلية والأجنبية وتقييد قدراتها العسكرية.

ويرى درور شالوم، الرئيس السابق للمكتب السياسي العسكري في وزارة جيش الاحتلال بين عامي 2022 و2026، أن العلاقة مع واشنطن تواجه تآكلًا في مرتكزاتها المؤسسية رغم المستوى المرتفع للتعاون العسكري خلال المواجهة مع إيران.

وفي تحليل نشره المجلس الأطلسي الأمريكي، يحمّل شالوم حكومة نتنياهو مسؤولية جانب من هذا التراجع، بسبب تعطيل التفاهمات المتعلقة بغزة والمبالغة في إمكانية إسقاط النظام الإيراني بالقوة الجوية، داعيًا الحكومة المقبلة إلى إعادة بناء التنسيق السياسي والعسكري مع الولايات المتحدة وطرح مسار سياسي للقضية الفلسطينية يحظى برعاية أمريكية.

ويمتد الخلاف إلى العلاقات الأوروبية، إذ يتهم آيزنكوت نتنياهو بتوسيع عزلة “إسرائيل” وتعريض مصالحها الاقتصادية والعسكرية للخطر، ويدعو إلى إصلاح العلاقات مع فرنسا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا.

ويرى أن تغيير الحكومة وإعادة ضبط سياسات الاستيطان والتعامل مع المبادرات الغربية سيساعد على تخفيف الضغوط السياسية والاقتصادية، فيما يركز نتنياهو على تعزيز إنتاج السلاح محليًا وتنويع الشراكات الخارجية لمواجهة العقوبات المحتملة.

وتظل هذه التوجهات مرتبطة بمواقف الدول الغربية من الاحتلال والاستيطان والعدوان على غزة، وهي ملفات تستمر فيها توافقات واسعة بين الرجلين، رغم اختلافهما في التعامل مع الحكومات الأوروبية والمؤسسات الدولية.

التطبيع والعلاقات الإقليمية

يتفق نتنياهو وآيزنكوت على توسيع التطبيع مع الدول العربية، وتعزيز العلاقات القائمة مع الإمارات والبحرين ضمن اتفاقيات أبراهام الموقعة عام 2020، إلى جانب تطوير التعاون العسكري والاستخباري والاقتصادي مع دول المنطقة.

ويقدم نتنياهو هذه الاتفاقيات بوصفها أحد أبرز إنجازاته السياسية، مع السعي إلى ضم السعودية عبر توظيف المصالح الأمنية المشتركة والتهديدات المرتبطة بإيران وحلفائها.

وفي سبتمبر/أيلول 2026، كشف الصحفي الإسرائيلي بن كسبيت، في تقرير نشره موقع “المونيتور” الأمريكي عن مساعٍ لدى حكومة نتنياهو للاستفادة من التهديد الحوثي للسعودية في فتح قنوات تعاون أمني واستخباري، أملًا في تحريك مسار التطبيع برعاية أمريكية، رغم استمرار الخلاف بشأن القضية الفلسطينية.

وتتمسك الرياض باشتراط إقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها شرق القدس، وهو موقف أكدته وزارة الخارجية السعودية رسميًا في 5 فبراير/شباط 2025، مشددة أيضًا على رفض الاستيطان وضم الأراضي الفلسطينية ومحاولات تهجير السكان من أرضهم.

أما آيزنكوت، فيطرح توسيع العلاقات مع الدول العربية عبر تحالف أمني إقليمي برعاية أمريكية، وصفه في مقابلته مع “تايمز أوف إسرائيل” بأنه شبيه بحلف شمال الأطلسي للدول السنية، مع مشاركة إسرائيلية في تبادل المعلومات الاستخبارية ومنظومات الإنذار المبكر والدفاع الجوي. ويرى أن التعاون الأمني والاقتصادي يمكن أن يعزز العلاقات القائمة ويمهد لتطبيع دول إضافية.

ويقر آيزنكوت بصعوبة التوصل إلى اتفاق قريب مع السعودية بسبب اشتراطاتها المتعلقة بالدولة الفلسطينية وتداعيات العدوان على غزة. وأشار إلى مطالبة دول عربية بتغييرات ملموسة في الضفة الغربية والتعامل مع الفلسطينيين، لكنه ربط الإجراءات التي يعتزم اتخاذها بالمصالح الإسرائيلية، بما يشمل كبح اعتداءات المستوطنين وتحسين الأوضاع الاقتصادية والأمنية، مع استمرار رفضه السيادة الفلسطينية.

مراسم توقيع اتفاقيات التطبيع بين “إسرائيل” والإمارات والبحرين برعاية أمريكية في البيت الأبيض، سبتمبر 2020

وترى صنم وكيل، مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المعهد الملكي البريطاني للشؤون الدولية “تشاتام هاوس”، أن رحيل نتنياهو قد يفتح مجالًا لتحسين التواصل الدبلوماسي مع دول الخليج، خصوصًا بشأن غزة والضفة الغربية.

وربطت وكيل فرص التطبيع مع السعودية بوجود مسار موثوق نحو الدولة الفلسطينية، مشيرة إلى أن تغيير الحكومة الإسرائيلية قد يخفف التوترات الإقليمية، فيما ستظل السياسات تجاه إيران والفلسطينيين عاملًا مؤثرًا في علاقات “إسرائيل” مع دول الخليج.

وفي العلاقات مع مصر والأردن، يعطي آيزنكوت أولوية لتقوية معاهدتي السلام وإصلاح التوترات السياسية التي تراكمت بسبب العدوان على غزة والتوسع الاستيطاني ومخاوف تهجير الفلسطينيين. ويحذر من اعتبار استمرار العلاقات أمرًا مضمونًا، ويدعو إلى تعزيز التنسيق السياسي والأمني مع القاهرة وعمّان، مع تأييده استكمال التحصينات العسكرية على الحدود الأردنية.

أما تركيا، فتظل ساحة تنافس ترتبط بصورة أساسية بسوريا، حيث يعارض نتنياهو توسيع النفوذ العسكري التركي، ويشترط آيزنكوت بدوره منع نشر منظومات دفاع جوي وقوات تركية قد تحد من الغارات الإسرائيلية. ويرتبط أي تحسن في العلاقات الدبلوماسية بتطورات الصراع في سوريا ومواقف أنقرة من العدوان على غزة والقضية الفلسطينية.

وتواجه هذه البرامج حسابات الائتلاف الحكومي المقبل، إذ يعتمد نتنياهو على أحزاب اليمين الديني والاستيطاني، وفي مقدمتها حزب الصهيونية الدينية بقيادة الوزير بتسلئيل سموتريتش، وحزب “القوة اليهودية” بزعامة وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، اللذان يدفعان نحو توسيع الاستيطان والضم.

أما آيزنكوت، فيحتاج إلى التفاهم مع قوى سياسية تضم حزب “معًا” بقيادة رئيس حكومة الاحتلال الأسبق نفتالي بينيت، بالتحالف مع حزب “هناك مستقبل” بقيادة رئيس الحكومة الأسبق يائير لابيد، وحزب “إسرائيل بيتنا” بزعامة وزير جيش الاحتلال الأسبق أفيغدور ليبرمان، وحزب “الديمقراطيين” الذي يقوده نائب رئيس أركان جيش الاحتلال الأسبق يائير غولان.

وتزداد تعقيدات تشكيل الحكومة مع حصول الأحزاب العربية، وفق النتائج الأولية، على 19 مقعدًا، بعدما استبعد آيزنكوت خلال حملته مشاركتها في ائتلافه، فيما أبدى النائب العربي يوسف جبارين، رئيس القائمة المشتركة، استعدادًا للمساعدة في إسقاط نتنياهو من خارج الحكومة، مع استمرار الخلاف مع آيزنكوت بشأن سياساته تجاه الفلسطينيين.

كما أعلن النائب منصور عباس، رئيس القائمة العربية الموحدة، استعداده للمشاركة في حكومة بديلة، وسط معارضة أحزاب يهودية في معسكر آيزنكوت الاعتماد على الدعم العربي.

وقد تجعل هذه التوازنات قدرة آيزنكوت على تعديل سياسات الاستيطان وإدارة الأراضي المحتلة رهينة بمواقف شركائه اليمينيين، فيما تظل الملفات العسكرية الكبرى محكومة بتوافقات واسعة داخل المؤسسة السياسية والأمنية الإسرائيلية.

ويعني ذلك أن شكل الحكومة المقبلة سيؤثر في وتيرة تنفيذ السياسات ووسائل إدارتها، بينما تستمر أهداف السيطرة على الأراضي الفلسطينية ورفض الدولة المستقلة والحفاظ على التفوق العسكري وتوسيع النفوذ الإقليمي في البرامج المعلنة لكلا المرشحين.

علاماتإسرائيل والقضية الفلسطينية ، إسرائيل وفلسطين ، الانتخابات الإسرائيلية 2026 ، الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، الدعم الأمريكي لإسرائيل
مواضيعالانتخابات الإسرائيلية 2026 ، الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، الحرب على غزة ، بنيامين نتنياهو ، غادي آيزنكوت

قد يعجبك ايضا

سياسة

إسكات الصحافة وتقييد الترشح.. كيف يُمهّد السيسي لمصر ما بعد 2030؟

فريق التحرير٢٨ أكتوبر ٢٠٢٦
سياسة

لماذا يجب ألا تكرر حماس أخطاء فتح التاريخية؟

سامي العريان٢٨ أكتوبر ٢٠٢٦
سياسة

تمنع التراخيص وتعاقب على غيابها.. مصر تخنق صحافتها المستقلة

فريق التحرير٢٨ أكتوبر ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑