• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

أبعد من نتنياهو وأحزاب اليمين.. جذور الإبادة والاقتلاع في المجتمع الإسرائيلي

أحمد الطناني٣ نوفمبر ٢٠٢٦

يعزو كثيرون تصاعد الأطروحات المتطرفة في “إسرائيل” إلى ظروف الحرب، ويرون في الجنوح نحو الإبادة نتيجة لتوسّع العمليات العسكرية، استغلّتها أحزاب الصهيونية الدينية وائتلاف اليمين المتطرف لإحياء مشاريع أيديولوجية وفرض تغييرات استراتيجية. لكن هذا التفسير يغفل الجذور الأعمق للتفكير الإبادي في المشروع الصهيوني، وامتداداته داخل المجتمع الإسرائيلي، فقد وجدت أفكار الطرد والاقتلاع حاضنة شعبية واسعة، انعكس حضورها على المشهد السياسي الذي باتت المنافسة فيه محصورة بين اليمين واليمين المتطرف.

في سبتمبر/أيلول 2025، أظهر استطلاع شمل 1,507 يهود إسرائيليين تأييد 83% إيجاد وسيلة عملية لمغادرة أعداد كبيرة من الفلسطينيين في غزة إلى دول أخرى. وفي الاستطلاع نفسه، اختار 73.4% الطرد القسري لجميع الفلسطينيين حاملي “الجنسية الإسرائيلية” أو معظمهم أو بعضهم، وبلغت نسبة الداعين إلى طرد الجميع 28.5%، وفق تقرير “بين الجسور والأسوار” الصادر عن مؤسسة شموئيل نئمان.

وسبق ذلك استطلاع أُجري في مارس/آذار 2025 لصالح جامعة ولاية بنسلفانيا، وافق فيه 47% من اليهود الإسرائيليين المستطلَعين على اتخاذ قتل سكان أريحا في الرواية التوراتية نموذجًا لسلوك الجيش عند احتلال مدينة معادية. وامتد القبول إلى قطاعات علمانية؛ أيّد 69% منها طرد سكان غزة، ووافق 31% على النموذج التوراتي للقتل الجماعي.

تكشف هذه النتائج، أن القبول بالإقصاء يتجاوز جمهور الأحزاب الأكثر تطرفًا، ويشمل قطاعات تتباين هوياتها السياسية والدينية. ويتصل هذا القبول بتصوّر للوجود الفلسطيني باعتباره خطرًا أمنيًا وديموغرافيًا، تُطرح القوة والتهجير وسيلتين للتعامل معه، فيما تتراجع مكانة الفلسطيني صاحب الحق في أرضه وتقرير مصيره.

تراكم هذا التحول عبر عقود من التعبئة، امتدت من فرض المشروع الصهيوني بالقوة إلى تجريم التسوية، ثم تصاعد الدعوات إلى الاقتلاع. وأسهمت الأحزاب والمؤسسات في ترسيخ مزاج اجتماعي أخذ يضغط عليها بدوره، ويدفعها إلى التنافس على في تقديم الأطروحات العدوانية تجاه الفلسطينيين، فيما تضيق مساحة الاعتراف بحقوقهم أو قبول أي شكل من أشكال التسوية السياسية معهم.

من الجدار الحديدي إلى تجريم التسوية

في مقال “الجدار الحديدي” المنشور في 4 نوفمبر/تشرين الثاني 1923، أقرّ زئيف جابوتنسكي بأن الفلسطينيين شعب يقاوم استعمار وطنه، وأن موافقتهم الطوعية على تحويله إلى بلد بأغلبية يهودية متعذرة، واقترح مواصلة المشروع خلف قوة يعجز العرب عن اختراقها، حتى يفقدوا الأمل في منعه ويدخلوا التفاوض. 

أسّس هذا التصور لمنطق كسر الإرادة الفلسطينية بالقوة، وأرسى إحدى الركائز الفكرية التي استند إليها لاحقًا تصاعد الخطاب من فرض المشروع الاستيطاني إلى المجاهرة بإزالة الوجود الفلسطيني. ويكشف هذا المسار جذورًا تأسيسية للتطرف في التعامل مع الفلسطينيين، تراكمت وتوسعت عبر تيارات متعاقبة اختلفت برامجها ومرجعياتها.

تجاوزت ممارسة الطرد تاريخ اليمين الصهيوني الذي مثّله جابوتنسكي؛ فالنكبة أُنجزت كذلك بقيادة التيار العمالي الذي احتفظ لاحقًا بتسمية “اليسار”. غير أن الكهانية منحت الإقصاء برنامجًا معلنًا؛ دخل مائير كاهانا الكنيست عام 1984 بمقعد واحد، داعيًا إلى ترحيل العرب. وأتاح تعديل القانون الأساسي عام 1985 شطب القوائم المحرّضة على العنصرية، فمُنعت “كاخ” من انتخابات 1988. 

مائير كاهانا

كشف العزل المؤسسي آنذاك وجود حدود للخطاب “المقبول رسميًا”، لكنه أبقى بيئات التعبئة فاعلة، وفي 25 فبراير/شباط 1994، بينما كانت اتفاقية أوسلو تُقدَّم بوصفها طريق السلام والتعايش، قتل باروخ غولدشتاين، المستوطن وعضو “كاخ”، 29 مصليًا في الحرم الإبراهيمي، ووصف تقرير لاحق لـ”بتسيلم” المجزرة بأنها نتاج تحريض متواصل وعنف استيطاني أفلت غالبًا من العقاب. 

تكمن خطورة المجزرة في استهدافها الفلسطيني في مكان عبادته، خلال مرحلة كان يُفترض أن تفتح أفقًا سياسيًا جديدًا، وقد عبّرت عن رفض يتجاوز تفاصيل التفاوض إلى مقاومة أي تقاسم للأرض والسلطة. ومع بقاء صورة مرتكبها حاضرة لدى ناشطين صاعدين، استمر تداول الجريمة داخل بيئات تعتبرها فعلًا يستحق التمجيد، بما يربط العنف بإعادة إنتاج الشرعية السياسية.

وبعد أقل من عامين، انتقلت التعبئة إلى اغتيال رئيس الحكومة نفسه، وكانت قد سبقت التصفية تظاهرات اتُّهم فيها إسحاق رابين بالخيانة، وظهرت صوره بزي نازي، فيما خاطب نتنياهو تجمع ساحة صهيون من الشرفة. وفي أكتوبر/تشرين الأول 1995 ظهر بن غفير حاملًا شعار سيارة رابين، متوعدًا بالوصول إليه؛ ثم اغتاله يغآل عمير في 4 نوفمبر/تشرين الثاني اعتراضًا على اتفاق أوسلو.

تكشف مجزرة الحرم الإبراهيمي واغتيال رابين وجهين للتعبئة المتطرفة ضد أي أفق للتسوية؛ استهدفت الأولى الفلسطينيين مباشرة، فيما استهدفت الثانية رئيس الوزراء الإسرائيلي بسبب انخراطه في اتفاق يمنحهم بعض الحقوق المحدودة. فقد اعتبرت هذه البيئات أي تنازل للفلسطينيين خيانة، وتعاملت مع العنف وسيلة لمنعه، حتى حين يصدر عن حكومة منتخبة يقودها رابين نفسه، صاحب سياسة “تكسير العظام” في مواجهة الانتفاضة الفلسطينية الأولى. ما يوضح ضيق المساحة التي تقبلها هذه البيئات لأي تسوية، حتى عندما يطرحها قائد ارتبط اسمه بتاريخ من القمع بحق الفلسطينيين.

ومع مرور السنوات، اتسع قبول رموز هذه البيئات داخل الحياة السياسية الإسرائيلية. ويجسّد مسار بن غفير هذا التحول؛ فالرجل الذي احتفظ بصورة مرتكب مجزرة الحرم الإبراهيمي في بيته، وأعلن إزالتها عام 2020 لتسهيل تحالفه الانتخابي، أصبح وزيرًا للأمن القومي عام 2022. وهكذا انتقل أحد أبرز رموز الكهانية من هامش السياسة إلى موقع يمنحه سلطة على أجهزة إنفاذ القانون.

مجتمع يتحرك يمينًا وخطاب يلاحقه

تظهر جذور الانزياح قبل السابع من أكتوبر بسنوات، ففي دراسة نشرها “بيو” في مارس/آذار 2016، استنادًا إلى مقابلات أُجريت بين أكتوبر/تشرين الأول 2014 ومايو/أيار 2015، وافق 48% من اليهود الإسرائيليين على طرد العرب أو نقلهم، بينهم 71% من المتدينين و36% من العلمانيين. وسُجّل التأييد لدى 54% من المستوطنين مقابل 47% من اليهود المقيمين خارج الضفة، بما يكشف امتداد الفكرة خارج المستوطنات. 

وتكشف أحدث الاستطلاعات رسوخ الهيمنة اليمينية داخل المجتمع الإسرائيلي. ففي مؤشر المجتمع الإسرائيلي الصادر عن معهد سياسات الشعب اليهودي في أكتوبر/تشرين الأول 2026، عرّف 65% من اليهود الإسرائيليين أنفسهم ضمن درجات اليمين، مقابل 22% ضمن درجات اليسار و10% في الوسط تمامًا. وتوزعت الكتلة اليمينية بين 24% يصفون أنفسهم بأنهم يمينيون متشددون، و21% يمينيون، و9% يمينيون معتدلون، و11% وسطيون يميلون إلى اليمين.

ويشير الاستطلاع إلى أن التحول يتصل بتزايد التشدد داخل اليمين نفسه؛ فقد ارتفعت نسبة من يعرّفون أنفسهم ضمن “اليمين المتشدد” من 13%، وفق تذكّرهم لمواقفهم قبل الحرب، إلى 24% عند إجراء الاستطلاع. كما أفاد ثلث المشاركين اليهود بأنهم تحركوا يمينًا منذ اندلاعها. وتعكس هذه النتائج شعورًا واسعًا بالانزياح نحو اليمين.

في هذه البيئة، تراجعت مكانة التسوية التي تعترف بحقوق الفلسطينيين، واتسع التنافس حول كيفية فرض السيطرة عليهم. عبّرت سياسة “إدارة الصراع” عن إبقاء الاحتلال وتوسيع سيطرته بشكل تدريجي وقمع المقاومة وتأجيل الحل السياسي. ثم جاءت أطروحة “تقليص الصراع“، التي نظّر لها ميخا غودمان وتبنّاها نفتالي بينيت، لتقترح تخفيف الاحتكاك وتحسين الحركة والظروف الاقتصادية للفلسطينيين، مع الحفاظ على السيطرة الأمنية الإسرائيلية، ما دفع النقاش ليتمحور حول تخفيف أعباء الاحتلال اليومية، فيما بقي إنهاؤه خارج كل جداول الأعمال.

وذهب سموتريتش أبعد في “خطة الحسم” التي طرحها في سبتمبر/أيلول 2017، وتقوم الخطة على تكثيف الاستيطان وإنهاء أي أمل في قيام دولة فلسطينية، وحصر حق تقرير المصير غرب نهر الأردن باليهود. وأمام الفلسطينيين، تضع خيارات البقاء تحت السيطرة الإسرائيلية مع التخلي عن طموحهم الوطني، أو الهجرة، أو مواجهة القوة العسكرية إذا واصلوا المقاومة.

سموتريتش في جلسة في الكنيست

تنقل هذه الخطة الاستهداف إلى الوجود الوطني الفلسطيني نفسه؛ فالمطلوب أن يتخلى الفلسطيني عن حقوقه الجماعية وهويته السياسية كي يُسمح له بالبقاء، ويعبّر تصريح سموتريتش للنواب العرب في 13 أكتوبر/تشرين الأول 2021 عن هذا المنطق بوضوح: “أنتم هنا بالخطأ، لأن بن غوريون لم يُكمل المهمة ولم يطردكم عام 1948″، ما يجعل بقاء الفلسطيني في وطنه، وفق هذا التصور، خطأ تاريخيًا كان ينبغي تجنبه.

تختلف هذه الأطروحات في وسائلها ونتائجها، لكنها تُبقي أي مستقبل للفلسطيني خاضعًا لشروط السيطرة الإسرائيلية، ومع اتساع القبول الشعبي بالإقصاء، يجد دعاة الحسم والتهجير مجالًا أوسع لطرح برامجهم، ويواجه منافسوهم ضغطًا لإثبات قدرتهم على إخضاع الفلسطينيين. لذلك يتجاوز هذا المسار مواقف حزب بعينه، ويستمر تأثيره مع تبدّل الحكومات.

وتظهر خطورة التحول حين ينحصر الخلاف حول التهجير في إمكان تنفيذه وكلفته، ويتراجع النقاش أصلًا في كون الفلسطيني له حق في البقاء. عندها يدخل التطهير العرقي دائرة الخيارات المقبولة، وتتنافس القوى السياسية على تقديم نفسها الأقدر على تحقيق تطلعات الجمهور. وهكذا تغذّي وتنسجم التعبئة السياسية مع التشدد المجتمعي، ثم يعود هذا التشدد ليفرض سقفه على الخطاب السياسي.

الجيش وإعادة تشكيل أدوات القوة

انتقلت التعبئة إلى المؤسسات التي تنفّذ السيطرة، وثّق الباحث ياغيل ليفي ارتفاع نسبة المتدينين بين خريجي دورات ضباط المشاة من 2.5% عام 1990 إلى 26% عام 2008. وأسهمت مدارس الإعداد قبل العسكري و”الهسدر”، الجامعة بين الدراسة الدينية والخدمة، في توسيع حضورهم داخل الوحدات القتالية. والأهم وفق تحليله، تنامي تأثير المرجعيات الحاخامية بالتوازي مع سلسلة القيادة الرسمية. 

يحوّل هذا المسار التصورات العقائدية إلى عنصر في التنشئة العسكرية وتعريف المهمة وحدود استخدام القوة. ومع تداخل الجندية والاستيطان، يغدو تنفيذ الانسحاب أو مساءلة العنف موضع احتكاك مع جماعات ترى الأرض حقًا دينيًا، وتتعامل مع القيود القانونية باعتبارها عائقًا أمام تحقيقه.

ولا يجعل ذلك التدين تفسيرًا وحيدًا للجرائم؛ فقد سبقته بنية عسكرية مارست الاقتلاع والاحتلال. لكنه يضيف بُعدًا دينيًا عقائديًا إلى القوة، ويوسّع اتصالها بشبكات اجتماعية مستعدة للدفاع عن الجنود حين تُثار شبهة ارتكابهم اعتداءات على الفلسطينيين.

تجسّد ذلك في يوليو/تموز 2024، حين اقتحم محتجون، بينهم سياسيون، قاعدتَي سدي تيمان وبيت ليد احتجاجًا على التحقيق مع جنود مشتبه باعتدائهم على معتقل فلسطيني، وأصبحت مساءلة المشتبه بهم نفسها سببًا للتعبئة ضد أجهزة الجيش القانونية، حيث تكشف الواقعة آلية حماية العنف اجتماعيًا؛ فالمؤسسة تُدعَم حين تمارس القوة، وتُستهدف حين تحاول إخضاع ممارسيها للمساءلة.

اقتحام سيدي تيمان- تايمز أوف إسرائيل

من مواجهة الفلسطيني إلى الحرب على القيود

بلغ التصاعد اليميني حدّ الهجوم على مؤسسات تسهم في حماية دولة الاحتلال وصورتها الدولية، وفي مقدمتها المحكمة العليا والمستشارة القضائية. فوجود قضاء يُقدَّم بوصفه مستقلًا، وقرارات تضع بعض القيود على الحكومة والجيش، يخدم الرواية الإسرائيلية عن الانتماء إلى منظومة القيم الغربية، ويمنح ادعاء الديمقراطية وسيادة القانون غطاءً مؤسسيًا. ولهذه الوظيفة بُعد عملي أيضًا؛ إذ تستند إسرائيل إلى نظامها القضائي للدفاع عن قدرتها على التحقيق داخليًا، ومحاولة تجنّب الملاحقة أمام المحاكم الدولية.

ولا يعني هذا الدور أن القضاء يقف خارج منظومة الاحتلال أو يعارض سياساتها؛ ففي 4 مايو/أيار 2022 رفضت المحكمة العليا التماسات سكان مسافر يطا ضد أوامر إخلائهم، بما عرّض أكثر من ألف فلسطيني لخطر التهجير. لذلك تتصل بعض محاولات الضبط بالحفاظ على شرعية الدولة وحمايتها من تبعات ممارساتها، مع استمرار السيطرة على الفلسطينيين.

لكن حتى هذه القيود أصبحت هدفًا للهجوم، ففي مارس/آذار 2025 اتهم نتنياهو ما سمّاه “الدولة العميقة اليسارية” باستخدام القضاء لإحباط إرادة الشعب. ويحول هذا الخطاب المؤسسة الرقابية إلى خصم حين تعترض قرارًا حكوميًا، حتى عندما يكون اعتراضها مرتبطًا بحماية المصالح الإسرائيلية الأوسع وتثبيت الإجراءات القانونية.

ويجد هذا الهجوم صداه داخل القاعدة اليمينية؛ فقد سجّل مؤشر الديمقراطية لعام 2025 ثقة 21.5% فقط من اليهود المصنّفين يمينًا بالمحكمة العليا، مقابل 83% لدى اليسار، وثقة 19% بالمستشارة القضائية لدى اليمين، مقابل 84% لدى اليسار، وتكشف هذه الفجوة تراجع شرعية المؤسستين لدى جمهور اليمين، وتوفّر للقوى الساعية إلى إضعافهما حاضنة اجتماعية.

ولا تقيس نسب الثقة وحدها الرغبة في إطلاق العنف ضد الفلسطينيين، لكنها تكتسب دلالتها عند ربطها بالتعبئة ضد مساءلة الجنود، وباتساع قبول التهجير والقوة، بحيث تصبح حتى محاولات ضبط الممارسة وحماية صورتها عرضة للرفض، ويُقدَّم القيد القانوني بوصفه تعطيلًا للجيش والحكومة.

الاحتجاجات على المحكمة العليا والتعديلات القضائية

جمهور الإبادة وحدود قبول الفلسطيني

تقدّم حرب الإبادة اختبارًا مباشرًا لهذا التحول؛ ففي استطلاع أجراه مركز “بيو” خلال مارس/آذار وأبريل/نيسان 2024، رأى 4% فقط من اليهود الإسرائيليين أن الرد العسكري على غزة تجاوز الحد، مقابل 74% من الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة عام 1948. وتكشف هذه الفجوة ضيق الاعتراض في المجتمع اليهودي الإسرائيلي على مستوى العنف المستخدم آنذاك.

وفي فبراير/شباط 2025، وجد معهد سياسات الشعب اليهودي أن 52% من اليهود يعدّون نقل سكان غزة إلى دول أخرى خطة عملية ينبغي دفعها، و30% يتمنون تنفيذها رغم اعتقادهم بتعذرها، مقابل 3% فقط وصفوها بأنها غير أخلاقية. وفي الاستطلاع نفسه، أيدت قطاعات واسعة استكمال صفقة التبادل، بما يكشف إمكان اجتماع المطالبة باستعادة الأسرى مع قبول تهجير الفلسطينيين. لذلك لا تكفي الدعوة إلى وقف الحرب لإعادة الأسرى للاستدلال على رفض جرائمها أو أهداف الاقتلاع المرتبطة بها.

ويكشف استطلاع أجراه مركز “أكورد” التابع للجامعة العبرية في أغسطس/آب 2025 جانبًا آخر من هذه الحاضنة؛ فقد وافق 76% من اليهود الإسرائيليين على مقولة “لا يوجد أبرياء في غزة”، فيما رفض 56% اعتبار توفير المساعدات الإنسانية لسكان القطاع مسؤولية إسرائيلية ما دام الجيش يسيطر عليه. وتتجاوز دلالة هذه المواقف تأييد عملية عسكرية إلى نزع صفة البراءة عن مجتمع بأكمله، والتنصل من المسؤولية عن احتياجاته الأساسية تحت السيطرة العسكرية.

ويتصل هذا المناخ برفض الحقوق السياسية الفلسطينية؛ فقد أظهر استطلاع معهد دراسات الأمن القومي في ديسمبر/كانون الأول 2024 رفض 64% من اليهود إقامة دولة فلسطينية تحت أي ظرف، فيما وجد “بيو” عام 2025 أن 16% فقط منهم يعتقدون بإمكان التعايش السلمي مع دولة فلسطينية. إن اجتماع هذه المواقف مع قبول التهجير وتبرير العنف يكشف اتساع العداء للوجود الفلسطيني وحقوقه، بما يتجاوز الخلاف على إدارة الحرب أو هوية الحكومة. 

ويطال الإقصاء الفلسطيني الذي يقبل التحرك سياسيًا تحت سقف الكنيست أيضًا، ففي قياس نوفمبر/تشرين الثاني ضمن مؤشر الديمقراطية لعام 2025، رفض 71.5% من اليهود مشاركة الأحزاب العربية بالحكومة؛ وأيدها 69% من اليسار، مقابل 26% من الوسط و7% من اليمين.  وسبق أن انضمت القائمة العربية الموحدة إلى حكومة بينيت ولابيد عام 2021، بما يؤكد أن الإقصاء قابل للكسر في ظروف محددة ترتبط بمصلحة سياسية إسرائيلية داخلية مرتبطة بالتناقضات بين الأحزاب الصهيونية، دون أن ترسخ هذه السابقة فعليًا أي قبول جدي بالشراكة، وظلت ملاحقة باتهامات نزع الشرعية.

وتكشف نتائج انتخابات أكتوبر/تشرين الأول 2026 ذات؛ حصل معسكر نتنياهو على 53 مقعدًا والمعارضة على 48 والأحزاب العربية على 19، فيما رفض ليبرمان الشراكة معها، وحرض نتنياهو ضد التحالف معها ووضع أيزنكوت قائمة طويلة من الاشتراطات لقبولها هي في جوهرها نزع لأي مساحة حركة سياسية للقوائم العربية في الكنيست يمكن أن يتعارض مع جوهر الموقف الصهيوني، ما يجعل أصوات الفلسطينيين في الداخل قانونية في الاقتراع لتستخدمها إسرائيل في ادعاء التعددية والديمقراطية، ثم تُواجه بحدة شرعية تأثيرها حين تقترب من المشاركة في القرار.

تربط هذه المسارات بين الفلسطيني الواقع تحت القصف، والمطالب بالدولة، والحامل للجنسية الإسرائيلية، إذ تتغير أدوات التعامل معه، ويبقى الاعتراف به شريكًا متساويًا موضع رفض واسع. وتتجاوز المشكلة شعبيةَ وزير متطرف أو حزب حاكم إلى ثقافة سياسية تطبّع الإقصاء، وتدفع الأحزاب إلى مراعاته وتوسيع حدوده.

الليكود في الصدارة رغم الإبادة

ويمنح احتفاظ الليكود بالصدارة في أول انتخابات بعد السابع من أكتوبر دلالة إضافية؛ فبالرغم من تراجعه من 32 مقعدًا عام 2022 فقد نال 27 مقعدًا، متقدمًا على حزب “يشار” بقيادة آيزنكوت صاحب الـ21 مقعدًا. وفي الوقت نفسه، احتفظ حزبا بن غفير وسموتريتش معًا بـ13 مقعدًا، مقابل 14 لقائمتهم المشتركة مع “نوعام” في الانتخابات السابقة. 

تشير الخسارة العددية إلى تراجع انتخابي يرتبط بالفشل في منع السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، واستعادة الأسرى وإدارة الحرب. ومع ذلك، بقي الحزب الذي قاد حرب الإبادة الخيار الأول حزبيًا، وحافظ أكثر شركائه مجاهرة بالتهجير والتطهير العرقي على وزن قريب من السابق. وتوحي هذه النتيجة بأن إطالة الحرب أسهمت في ترميم حضور هذه القوى واستعادة جانب من قاعدتها، فيما ظل العقاب الانتخابي أقرب إلى محاسبتها على إخفاقاتها الأمنية منه إلى رفض جرائمها بحق الفلسطينيين.

ورغم تداخل اعتبارات الأمن والهوية والاقتصاد والولاء الحزبي في خيارات الناخبين، فإن قراءة النتائج إلى جانب استطلاعات تأييد الطرد والعنف ورفض الدولة والشراكة الفلسطينية ترجّح أن الإبادة وسياسات الاقتلاع وحتى ما رافقها من نقد دولي وعزلة للاحتلال الإسرائيلي، لم تُسقط شرعية القوى التي قادتها لدى قطاعات واسعة من المجتمع الإسرائيلي.

وفي هذا السياق، يصبح التسابق على إثبات القدرة على إخضاع الفلسطيني جزءًا من المنافسة على الجمهور نفسه. تستطيع المعارضة تحميل الحكومة مسؤولية الإخفاق، فيما تظل مطالبة بإظهار الصلابة تجاه الفلسطينيين. وبذلك تتسع المسافة بين الاعتراض على نتنياهو والاعتراض على الأسس التي وجّهت الحرب، ويستمر الانتقال من خلاف على القيادة إلى اتفاق واسع على أولوية القوة والأطروحات العدوانية تجاه الفلسطيني.

وعليه، فإن إزاحة نتنياهو قد تبدّل إدارة السلطة والتحالفات، فيما يتطلب تغيير الاتجاه مواجهة البنية المجتمعية والمؤسسية التي جعلت التهجير قابلًا للتسويق، والعنف قابلًا للحماية، والحقوق الفلسطينية قابلة للاستبعاد. ومن داخل هذه البنية تُفهم الإبادة بوصفها مسارًا يجد حاضنة تتجاوز الحكومة، ويتصل بتراكم طويل من إنكار الفلسطيني وإخضاع وجوده لشروط التفوق الصهيوني.

علاماتاسرائيل دولة الاحتلال ، الاحتلال الإسرائيلي ، السياسات الإسرائيلية ، اليمين الإسرائيلي ، بنيامين نتنياهو
مواضيعإسرائيل من الداخل ، الاحتلال الإسرائيلي ، القضية الفلسطينية

قد يعجبك ايضا

سياسة

حصن إيران النووي تحت التهديد.. ماذا لو قرر ترامب تدمير جبل بيكاكس؟

نون إنسايت٢ نوفمبر ٢٠٢٦
سياسة

دول الخليج.. مفتاح إنهاء الحرب بين واشنطن وطهران 

أليسون ماينور٢ نوفمبر ٢٠٢٦
سياسة

تحت غطاء جديد.. كيف تواصل “أيباك” السيطرة على الكونغرس؟

عقيلة لاسي١ نوفمبر ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑