في عام 1991، وفي أعقاب الغزو العراقي للكويت، الذي كشف محدودية قدرة قوات درع الجزيرة، التي تأسست عام 1984، على التصدي للتهديدات العسكرية الخارجية دون الاستعانة بقوات دولية، طرح السلطان العُماني الراحل قابوس بن سعيد مبادرة لتشكيل قوة عسكرية خليجية مشتركة، قوامها المبدئي نحو 100 ألف جندي، تكون قادرة على حماية أمن الدول الخليجية الست والدفاع عن سيادتها في مواجهة الأخطار الإقليمية.
غير أن تلك المبادرة لم تحظَ آنذاك بالتجاوب السياسي اللازم لترجمتها إلى واقع عسكري، رغم تمسك السلطان الراحل بها وإعادة طرحها في أكثر من مناسبة، ورغم ما فرضته الظروف الإقليمية من ضرورات استراتيجية ملحّة، خاصة بعد تعرض إحدى دول المجلس لعدوان خارجي كشف هشاشة منظومة الدفاع الجماعي، لتتراجع المبادرة تدريجيًا عن دائرة الاهتمام، قبل أن تصبح إحدى الفرص التاريخية التي لم يُكتب لها أن ترى النور.
وبعد نحو 35 عامًا على طرح تلك المبادرة، هاهي الفكرة تعود إلى واجهة النقاشات الاستراتيجية مجددًا، في ظل تصاعد الحرب الأمريكية الإيرانية، وما فرضته -ولا تزال- من تهديدات ومخاطر على أمن دول الخليج واستقرارها، لا سيما مع استهداف الصواريخ والمسيرات الإيرانية لعشرات الأهداف في دول الخليج بلا استثناء، حتى سلطنة عمان المصنفة كدولة حليفة للإيرانيين، فضلا عن قطر الدولة الوسيطة بين طهران وواشنطن.
ورغم ما تمتلكه دول الخليج مجتمعة من ترسانات عسكرية ضخمة ومنظومات تسليح متطورة، وما أنفقته على مدى عقود من مليارات الدولارات لتعزيز قدراتها الدفاعية، إلا أنها لم تتمكن حتى اليوم من بناء منظومة دفاع جماعي متكاملة، تتناسب مع حجم التحديات الأمنية والعسكرية المحيطة بها، وهو ما يطرح تساؤلات استراتيجية جوهرية حول الأسباب التي حالت دون تحقيق هذا الهدف، رغم توافر المقومات المالية والتسليحية، ورغم التحولات الإقليمية المتلاحقة التي تجعل من الأمن الجماعي ضرورة استراتيجية ترتبط بمستقبل أمن الخليج واستقراره.
4 عقود من التجارب.. ما الذي تحقق؟
شهد مجلس التعاون الخليجي، منذ تأسيسه في 25 مايو 1981، العديد من المبادرات والتجارب الرامية إلى تعزيز التعاون العسكري والدفاعي المشترك، في ظل احتلال الأمن الإقليمي موقعًا محوريًا ضمن الدوافع الاستراتيجية التي أسهمت في نشأة هذا التكتل الخليجي، وكانت أولى الخطوات العملية في هذا الاتجاه عام 1984، مع إنشاء قوات درع الجزيرة المشتركة، بوصفها قوة عسكرية متعددة الجنسيات، تستهدف تعزيز قدرات الدفاع الجماعي، وتنسيق التدريبات العسكرية، ورفع مستوى الجاهزية لمواجهة التهديدات الخارجية.
غير أن الاختبار الأكثر حرجًا لهذه المنظومة جاء عام 1990، حين اجتاح العراق دولة الكويت، في تطور عسكري كشف محدودية القدرات الدفاعية الجماعية لدول المجلس آنذاك، وعجزها عن التصدي منفردة لعدوان خارجي بهذا الحجم، الأمر الذي استدعى تشكيل تحالف دولي واسع بقيادة الولايات المتحدة لتحرير الكويت عام 1991.
أعادت هذه الأزمة طرح تساؤلات جوهرية حول فاعلية الترتيبات الأمنية الخليجية، وضرورة مراجعة أسس التعاون العسكري المشترك، وهو المسار الذي شهد لاحقًا توقيع اتفاقية الدفاع المشترك خلال قمة المنامة عام 2000، بما أرسى إطارًا قانونيًا لمبدأ الدفاع المتبادل بين الدول الأعضاء.
وفي عام 2011، شهدت قوات درع الجزيرة إحدى أبرز تجارب انتشارها الميداني، حين دخلت قوات خليجية بقيادة السعودية إلى البحرين، بناءً على طلب حكومتها، في خضم الاحتجاجات الشعبية المناهضة للسلطة الحاكمة، وقد بررت الحكومات المشاركة هذا التدخل باعتبارات حماية الأمن والاستقرار والمنشآت الحيوية، بينما أثار انتقادات سياسية وحقوقية واسعة، لا سيما في ظل ارتباطه بأزمة داخلية، وليس بعدوان عسكري خارجي، الأمر الذي جعل هذه التجربة مختلفة في طبيعتها عن المفهوم التقليدي للدفاع الجماعي الذي تأسست عليه المنظومة الخليجية.
ثم شهد مسار التعاون الدفاعي خطوة مؤسسية إضافية عام 2013، مع إقرار إنشاء القيادة العسكرية الموحدة لدول مجلس التعاون، بهدف الارتقاء بمستويات التخطيط الاستراتيجي والتنسيق العملياتي والقيادة المشتركة بين القوات المسلحة الخليجية، والانتقال من نموذج القوات المشتركة محدودة المهام إلى إطار دفاعي أكثر اتساعًا وتنظيمًا، قبل أن يجري تدشين مقر القيادة العسكرية الموحدة في العاصمة السعودية الرياض لاحقًا.
ورغم مرور أكثر من أربعة عقود على انطلاق مسيرة التعاون الدفاعي الخليجي، إلا أن هذه التجارب لم تتمكن من تحقيق الهدف الاستراتيجي المتمثل في بناء منظومة دفاع جماعي متكاملة.
صحيح أن دول المجلس قطعت خطوات ملموسة في هذا الاتجاه، شملت إنشاء قوات عسكرية مشتركة، وإقرار التزامات قانونية للدفاع المتبادل، وتطوير هياكل القيادة والتنسيق العسكري، فضلًا عن تنظيم التدريبات المشتركة وتنفيذ مشروعات للربط المعلوماتي والدفاع الجوي؛ إلا أن هذه الجهود لم ترتقِ، على المستوى العملياتي، إلى درجة التكامل العسكري الشامل، ولم تُفضِ إلى إنشاء جيش خليجي موحد أو منظومة دفاعية متكاملة تضاهي، من حيث البناء المؤسسي وآليات القيادة والاستجابة الجماعية، نموذج حلف شمال الأطلسي “الناتو”.
الحرب الإيرانية تُربك الحسابات وتفضح الهشاشة
ثم جاء التصعيد العسكري الأخير بين أمريكا وإيران ليصب الزيت على نار التوترات الإقليمية، ويضع أمن الخليج أمام اختبار بالغ الخطورة، في ظل تعرض كل دوله بلا استثناء لتهديدات وهجمات صاروخية وبالطائرات المسيّرة، سواء بصورة مباشرة من طهران أو عبر أذرعها من العراق إلى اليمن.
وهي تهديدات امتدت إلى منشآت حيوية وحساسة، من بينها المنشآت النفطية والمطارات والمرافق الاستراتيجية، بما حملته من خسائر بشرية واقتصادية ولوجستية، وأثارته من مخاوف بشأن قدرة دول الخليج على حماية بنيتها التحتية وتأمين استقرارها في مواجهة التصعيد العسكري.
كشفت هذه التطورات عن ثغرات في منظومة الأمن الجماعي الخليجي، وحدود التنسيق الدفاعي بين دول المجلس، إذ ظلت الاستجابة للتهديدات تعتمد بدرجة كبيرة على القدرات الوطنية والترتيبات الأمنية الخاصة بكل دولة، في غياب منظومة دفاعية موحدة ومتكاملة قادرة على التعامل بصورة جماعية مع الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة العابرة للحدود.
وأعادت هذه المعركة إلى الواجهة مجددًا الدعوات إلى تشكيل جيش خليجي مشترك، أو على الأقل بناء منظومة دفاع جماعي موحدة، تتولى حماية أمن الدول الست وتترجم المبدأ الذي قامت عليه اتفاقية الدفاع المشترك، والقائم على اعتبار أي اعتداء على إحدى الدول الأعضاء اعتداءً على جميعها، خاصة مع عجز المظلة الأمنية الأمريكية، وقدرتها المحدودة على توفير الحماية الشاملة التي تتطلع إليها دول الخليج.
ورغم امتلاك دول الخليج ترسانات عسكرية ضخمة تضم أحدث منظومات التسليح في المجالات الجوية والبرية والبحرية والدفاع الصاروخي، فضلًا عن تخصيص ميزانيات دفاعية تُصنَّف بين الأعلى عالميًا، لم تتمكن حتى اليوم من ترجمة هذه الإمكانات إلى منظومة دفاع جماعي متكاملة، وهو ما يشي إلى أن الأسباب لم تكن عسكرية ولا مالية، الأمر الذي يفتح الباب أمام تساؤل استراتيجي أكثر عمقًا: لماذا لم تنجح دول الخليج في بناء كيان دفاعي موحد رغم توافر الموارد المالية والإمكانات العسكرية؟
لماذا بات الدفاع الجماعي اليوم أكثر أهمية؟
قبل الانتقال إلى استعراض الأسباب التي حالت دون بناء منظومة دفاعية خليجية مشتركة ومتكاملة، تبرز جملة من الضرورات الاستراتيجية التي فرضتها التحديات الأمنية والعسكرية الأخيرة، وكشفت بوضوح أن الدفاع الجماعي بين دول الخليج لم يعد مجرد خيار سياسي أو رفاهية استراتيجية تحتمل التأجيل، بل بات ضرورة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالأمن القومي الخليجي، في ظل بيئة إقليمية شديدة الاضطراب، لم تعد تتيح لدول المنطقة مساحة واسعة للمفاضلة بين البدائل الدفاعية التقليدية.
يأتي في مقدمة هذه الضرورات التحول الجذري في طبيعة التهديدات الإقليمية، التي لم تعد تقتصر على احتمالات الغزو البري أو المواجهات العسكرية التقليدية التي يمكن التصدي لها عبر الجيوش النظامية، بل أصبحت أكثر تعقيدًا وتشابكًا، مع ظهور أنماط متعددة من التهديدات العابرة للحدود، تشمل الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والطائرات المسيّرة والهجمات السيبرانية، فضلًا عن استهداف المنشآت النفطية والغازية والموانئ ومحطات تحلية المياه والبنية التحتية الحيوية، إلى جانب المخاطر المتزايدة التي تهدد أمن الملاحة البحرية في مضيق هرمز، أحد أهم الشرايين الاستراتيجية لتجارة الطاقة العالمية.
يمثل الموقع الجغرافي لدول الخليج، وما يرتبط به من محدودية العمق الاستراتيجي لدى بعضها، عاملًا إضافيًا يعزز الحاجة إلى بناء دفاع جماعي متكامل، فعدد من هذه الدول يتسم بصغر المساحة الجغرافية، وتركز الكثافة السكانية والأنشطة الاقتصادية والمنشآت الحيوية في نطاقات محدودة، فضلًا عن وقوع موانئ وقواعد عسكرية ومرافق استراتيجية بالقرب من مناطق التوتر المحتملة، وهو ما يجعلها أكثر عرضة للتداعيات المباشرة لأي تصعيد عسكري إقليمي، ويقلص في بعض السيناريوهات المدة الزمنية المتاحة للإنذار المبكر والتعامل مع الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة.
من هنا، تبرز الأهمية الاستراتيجية للتكامل الدفاعي الخليجي، باعتباره وسيلة لتجاوز القيود الجغرافية التي تواجه كل دولة على حدة، من خلال توسيع نطاق الرصد والإنذار المبكر، وتبادل المعلومات الاستخباراتية والعسكرية، وتنسيق عمليات الاعتراض والدفاع الجوي والصاروخي، وتوزيع قدرات الحماية وفق طبيعة التهديدات ومصادرها.
كما يتيح هذا التكامل توظيف المزايا الجغرافية والإمكانات العسكرية لكل دولة ضمن منظومة أمنية أوسع، تنتقل بمفهوم الدفاع من حماية الحدود والمصالح الوطنية بصورة منفردة إلى حماية المجال الاستراتيجي الخليجي باعتباره وحدة أمنية مترابطة.
وعلاوة على ذلك، تفرض مخاطر التصعيد العسكري بين أمريكا وإيران نفسها بوصفها أحد أبرز الدوافع التي تضاعف الحاجة إلى تسريع بناء منظومة دفاع خليجية مشتركة، فوجود قواعد وتسهيلات عسكرية أمريكية في عدد من دول المجلس، بالتوازي مع القرب الجغرافي للمنشآت النفطية والاقتصادية والمرافق الحيوية الخليجية من مسارح المواجهة المحتملة، يجعل دول المنطقة عرضة لتداعيات أي تصعيد عسكري واسع، سواء من خلال احتمالات الاستهداف المباشر، أو اتساع نطاق الهجمات الصاروخية والمسيّرة، أو اضطراب الملاحة البحرية وإمدادات الطاقة وحركة التجارة الدولية.
وهي تطورات تضع أمن الخليج أمام تحديات تتجاوز قدرة كل دولة على التعامل معها بمعزل عن محيطها الإقليمي، وتعيد التأكيد على أهمية الانتقال من الترتيبات الدفاعية المنفردة إلى منظومة جماعية أكثر تنسيقًا وتكاملًا، قادرة على تعزيز الردع واحتواء المخاطر وحماية المصالح الاستراتيجية المشتركة.
لماذا تعثر بناء منظومة دفاع خليجية جماعية؟
يمكن إرجاع تعثر دول الخليج في بناء منظومة دفاعية مشتركة وجيش موحد إلى مجموعة من العوامل المتشابكة، تتداخل فيها الاعتبارات السياسية والاستراتيجية والعسكرية، وفي مقدمتها تباين الرؤى الخليجية بشأن مفهوم التهديد ومصادر الخطر وأولويات الأمن القومي.
فبينما تنظر بعض الدول إلى إيران باعتبارها التهديد الأبرز لأمنها واستقرارها، تتبنى دول أخرى مقاربات أكثر انفتاحًا على طهران، تقوم على الموازنة بين التعاون السياسي والاقتصادي واحتواء التوترات الأمنية، فيما تنظر أطراف أخرى إلى إسرائيل أو بعض القوى الإقليمية بوصفها مصادر محتملة للتهديد، وهو ما يعكس غياب تصور خليجي موحد لطبيعة المخاطر التي ينبغي أن تتصدى لها أي منظومة دفاع جماعي.
ويمثل هذا التباين معضلة جوهرية أمام تأسيس تحالف دفاعي خليجي فعال، إذ إن نجاح أي منظومة عسكرية مشتركة لا يتوقف عند مجرد الاتفاق على تحديد مصادر التهديد، وإنما يتطلب توافقًا استراتيجيًا أوسع بشأن طبيعة الاستجابة العسكرية، وتوقيت استخدام القوة وحدودها، وقواعد الاشتباك، وآليات اتخاذ القرار، فضلًا عن تحديد الحالات التي تستوجب تفعيل الالتزامات الدفاعية المشتركة، وهي قضايا يصعب حسمها في ظل اختلاف الحسابات السياسية والأمنية للدول الأعضاء وتباين علاقاتها بالقوى الإقليمية والدولية.
وتبرز قضية السيادة الوطنية باعتبارها واحدة من أكثر العقبات حساسية في مسار بناء أي كيان دفاعي خليجي موحد، في ظل تخوف بعض الدول من أن يؤدي الاندماج العسكري إلى تقليص استقلالية قرارها السيادي، أو إخضاع جزء من قدراتها العسكرية لقيادة مشتركة قد لا تتوافق قراراتها بالضرورة مع أولوياتها الوطنية.
فالمضي قدمًا نحو إنشاء قيادة عسكرية موحدة تمتلك صلاحيات عملياتية فعلية يثير جملة من التساؤلات السياسية والاستراتيجية المعقدة على شاكلة: من يمتلك سلطة تقرير أن الاعتداء على إحدى الدول الخليجية يستوجب ردًا عسكريًا جماعيًا؟ وهل تتحرك القوات المشتركة تلقائيًا، أم يتطلب الأمر الحصول على موافقات وطنية مسبقة؟ ومن يتحمل المسؤولية السياسية والعسكرية إذا أدى الرد المشترك إلى اتساع نطاق المواجهة الإقليمية؟ وهي إشكاليات تعكس عمق الحساسية المرتبطة بالتنازل عن بعض صلاحيات القرار العسكري الوطني لصالح مؤسسة دفاعية جماعية.
ويشكل الاعتماد على المظلة الأمنية الأمريكية عاملًا آخر أسهم في الحد من دوافع الانتقال نحو بناء منظومة دفاعية خليجية مستقلة ومتكاملة، بعدما اتجهت كل دولة تقريبًا إلى تطوير ترتيباتها وشراكاتها العسكرية الثنائية مع واشنطن، بعيدًا عن إطار قيادة خليجية موحدة، وقد وفرت هذه الشراكات للدول الخليجية ضمانات أمنية وقدرات تسليحية وتسهيلات دفاعية متفاوتة، ما منحها هامشًا من الاطمئنان إلى إمكانية مواجهة التهديدات الخارجية بالاستناد إلى قوة دولية كبرى، دون الاضطرار إلى تحمل التعقيدات السياسية والمؤسسية المرتبطة بإنشاء تحالف عسكري خليجي موحد.
وفي هذا السياق، يمكن تفسير تفضيل بعض الدول الاعتماد على الضمانات الأمنية الأمريكية، رغم ما قد تفرضه من قيود على استقلالية القرار الاستراتيجي، باعتباره خيارًا أقل حساسية سياسيًا من الانخراط في مظلة دفاعية خليجية قد تثير مخاوف بشأن اختلال موازين النفوذ بين الدول الأعضاء، أو منح بعض الأنظمة ثقلًا عسكريًا وسياسيًا أكبر على حساب غيرها.
وإلى جانب ذلك، لعبت الخلافات السياسية البينية بين دول الخليج دورًا مؤثرًا في إعاقة مسار التكامل الدفاعي، بعدما انعكست هذه الخلافات على مستويات الثقة المتبادلة، وهي الركيزة الأساسية التي يقوم عليها أي تحالف عسكري مشترك، ولعل الأزمة الخليجية التي اندلعت عام 2017، وما صاحبها من حصار ومقاطعة لقطر من جانب السعودية والإمارات والبحرين ومصر، تمثل أحد أبرز النماذج الدالة على هذه المعضلة، إذ كشفت عن صعوبة الفصل بين التباينات السياسية ومتطلبات الأمن الجماعي، وأظهرت حجم التحديات التي قد تواجه أي منظومة دفاعية تفترض تبادل المعلومات العسكرية الحساسة وتنسيق الخطط العملياتية بين دول تعاني في بعض المراحل من أزمات ثقة وخلافات استراتيجية عميقة.
وأخيرًا، يبرز التفاوت في القدرات الاقتصادية والعسكرية والتسليحية بين دول الخليج باعتباره عاملًا إضافيًا يعقّد فرص بناء منظومة دفاعية موحدة، خاصة أن الدول الست لا تمتلك مستويات متساوية من الموارد المالية أو حجم القوات المسلحة أو القدرات التسليحية واللوجستية، وهو تفاوت يثير إشكاليات تتعلق بتوزيع الأعباء المالية والعسكرية، وتحديد نسب المساهمة في تمويل القوات والمنشآت المشتركة، وآليات تقاسم المسؤوليات والصلاحيات داخل القيادة الموحدة.
كما قد يثير مخاوف لدى بعض الدول من تحمل أعباء تفوق ما تجنيه من مكاسب دفاعية، أو من اختلال التوازن بين حجم مساهماتها ومدى تأثيرها في صنع القرار العسكري المشترك، وتزداد هذه التعقيدات حدة في ظل تراجع الثقة السياسية، بما يجعل إشكالية بناء الدفاع الجماعي الخليجي مرتبطة، في جوهرها، بطبيعة العلاقات بين الدول الأعضاء ومدى استعدادها لتغليب مقتضيات الأمن المشترك على اعتبارات السيادة والحسابات الوطنية المنفردة.
في المحصلة، تجد دول الخليج نفسها أمام اختبار استراتيجي بالغ الحساسية والخطورة، في ظل تصاعد التهديدات الإقليمية، وتزايد التحديات الأمنية والعسكرية، وانكشاف حدود المقاربات الدفاعية التقليدية التي انتهجتها طوال العقود الماضية، وهي معطيات تعيد طرح مسألة الدفاع الجماعي بوصفها ضرورة تفرضها اعتبارات الأمن القومي ومتطلبات الاستقرار الإقليمي، أكثر من كونها خيارًا سياسيًا يمكن تأجيله أو التردد في حسمه.
فالمعادلة الأمنية الراهنة تضع دول الخليج أمام استحقاق تاريخي يتجاوز مجرد امتلاك السلاح إلى ضرورة إعادة النظر في بنية منظومتها الدفاعية وآليات تكاملها، بما يعزز قدرتها على حماية سيادتها وصون مصالحها الاستراتيجية وترسيخ موقعها في معادلات القوة الإقليمية.. ليبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: هل تدفع هذه التحولات دول الخليج إلى استخلاص دروس التجارب السابقة وإعادة صياغة بنيتها الدفاعية المشتركة، أم تستمر رهينة الحسابات التقليدية حتى تفرض عليها الأزمات المقبلة خيارات أكثر تعقيدًا وكلفة؟